ورووا عن أبى عبد الله أنه قال: ثلاث يخرجن من الإحليل، وهن المنى وفيه الغسل والودى فمنه الوضوء لأنه يخرج من دريرة البول. قال: والمذى ليس فيه وضوء، إنما هو بمنزلة ما يخرج من الأنف. (1)
وأعجب تخريج لهذه الرواية هو حملها على التقية، فذلك الذي خاف على نفسه فقال تقية: إن الودى ينقض الوضوء، كيف ذهب عنه الروع وهو يخالف جمهور المسلمين بقوله: والمذى ليس فيه وضوء. إنما هو بمنزلة ما يخرج من الأنف.
وحديث المقداد ـ الذي سبق ـ ورد عن طريقهم برواية خرى ـ هي " عن على عليه السلام قال: كنت رجلاً مذاء، فاستحييت أن أسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم لمكان فاطمة عليها السلام بنته، لأنها عندى، فقلت للمقداد يمضى ويسأله، فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله وسلم عن الرجل الذي ينزل المذي من النساء، فقال: يغسل طرف ذكره وأنثييه، وليتوضأ وضوءه للصلاة " (2) .
وهذه الرواية توافق الرواية التي احتج بها أهل السنة، فقد روى عن " المقداد ابن الأسود أن على بن أبى طالب أمره أن يسأل له رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الرجل إذا دنا من أهله فخرج منه المذى، ماذا عليه؟ قال على: فإن عندى ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا استحى أن اسأله.
قال المقداد: فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال: إذا وجد ذلك أحدكم فلينضح فرجه، وليتوضأ وضوءه للصلاة " (3) .--------------------------------------------
(1) انظر الوسائل 1/263-264.
(2) انظر وسائل الشيعة جـ 1: المستدرك ص 265.
(3) أخرجه مالك في الموطأ: كتاب الطهارة: باب الوضوء من المذى. وانظر صحيح ابن خزيمة 1/ 14: 16. ورواه غيرهما: انظر سبل السلام 1 / 64، ونيل الأوطار 1 / 63.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 908)
ويؤيده من طريق أهل السنة ما روى عن سهل بن حنيف قال: كنت ألقى من المذى شدة وعناء. وكنت أكثر من الاغتسال، فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " إنما يجزيك من ذلك الوضوء " رواه أبو داود وابن ماجه والترمذى وقال: حديث حسن صحيح (1) .
وعن عبد الله بن سعد قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الماء يكون بعد الماء؟ فقال: " ذلك المذى، وكل فحل يمذى، فتغسل من ذلك فرجك وأنثييك، وتوضأ وضوءك للصلاة " رواه أبو داود والترمذى وحسنه (2) .
وحديث الوضوء من المذى متفق عليه (3) .
ويؤيد ذلك أيضاً من طريق الإمامية، ماروى عن على قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن أمرت المقداد يسأله وهو يقول:
ثلاثة أشياء: منى ووذى، وودى، فأما المذى فالرجل يلاعب امرأته فيمذى ففيه الوضوء.
وأما الودى: فهو الذي يتبع البول يشبه المنى، ففيه الوضوء أيضاً.
وأما المنى: فهو الماء الدافق الذي يكون منه الشهوة، ففيه الغسل (4) .
وهذه الروايات لا يمكن حملها إلا على وجوب الوضوء، وقد صحت من الطريقين. أما ما روى من أن الرسول صلى الله عليه وسلم أجاب المقداد بقوله: " ليس بشيء "--------------------------------------------
(1) نيل الأوطار ص 62.
(2) نفس المرجع 63.
(3) انظر صحيح البخارى: كتاب الوضوء – باب من لم ير الوضوء الا من المخرجين من القبل والدبر، وكتاب الغسل – باب غسل المذى والوضوء منه، واقرأ شرح الحديث في فتح البارى.
وصحيح مسلم: كتاب الحيض – باب المذى.
(4) وسائل الشيعة ج 1: المستدرك ص 265.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 909)
فهذا لم يثبت من طريق أهل السنة، ولو صح لأمكن الجمع بينه وبين هذه الأخبار بأن نقول: إن قوله " ليس بشيء " متعلق بالغسل لا بالوضوء، أي أنه لا يوجب الغسل، ففي رواية سهل بن حنيف السابقة " كنت أكثر منه الاغتسال فذكرت ذلك لرسول الله "، ووقع عند أبى داود والنسائى وابن خزيمة عن على بلفظ " كنت رجلاً مذاء فجعلت أغتسل منه في الشتاء حتى تشقق ظهرى " (1) . وبهذا يكون الرسول صلى الله عليه وسلم قد بين أن المذى لا يوجب الغسل، وهذا لا يتعارض مع وجوب الوضوء. ويؤيد ما ذهبت إليه ما رواه الشيعة عن على قال:
" إنى لمذاء، وما أزيد على الوضوء " (2) .
فأما ما رواه الشيعة عن أئمتهم من أن المذى لا يوجب الوضوء، فيمكن حمله على ما ذهب إليه الإمام مالك حيث قال: " إذا كان ذلك منه من سلس من برد أو ما أشبه ذلك قد استنكحه ودام به فلا أرى عليه الوضوء. وإن كان ذلك من طول عزبة إذا تذكر فخرج منه، أو كان إنما يخرج المرة بعد المرة، فأرى أن ينصرف فيغسل ما به ويعيد الوضوء " (3) .
ويؤيد هذا من طريق الشيعة ما روى عن محمد بن إسماعيل، عن أبى الحسن الرضا قال: سألته عن المذى فأمرنى بالوضوء منه، ثم أعدت عليه سنة أخرى، فأمرنى بالوضوء منه، وقال: إن علياً عليه السلام أمر المقداد أن يسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم واستحيا أن يسأله، فقال: فيه الوضوء. قلت: وإن لم أتوضأ، قال لا بأس " (4) .--------------------------------------------
(1) انظر: سبل السلام 1/64.
(2) وسائل الشيعة جـ 1 المستدرك ص 265.
(3) المدونة 1/10، وقد ذهب الإمام إلى ذلك لأنه لا يوجب الوضوء على أصحاب الأعذار، كالمستحاضة، والسلس البول.
(4) الوسائل 1/263، وانظر الاستبصار ص 92 جـ 1.*
*وبهذه الرواية أيد السيد محسن الحكيم ـ مرجع الشيعة السابق بالعراق ـ ما ذهب إليه من حمل الروايات التى تذكر أن من المذى الوضوء على الاستحباب (انظر كتابه: مستمسك العروة الوثقى 2/217-218) ولكنا وجدنا فيما سبق عدم جواز هذا الحمل، ثم إن هذه الرواية يمكن تخريجها كما نرى في التعقيب عليها.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 910)
فكيف يخالف أمر رسول الله إذن ويبيح للسائل عدم الوضوء. مع أن الرسول قال: فيه الوضوء؟ فلعله ارتأي ما يراه الإمام مالك، ولا شك أن السائل لقى مشقة كبيرة، حيث سأل، ثم جاء بعد عام ليسأل مرة أخرى، وحيث قال: وإن لم أتوضأ بعد أن سمع حكم الرسول صلى الله عليه وسلم، فيلحق بأصحاب الأعذار الذين لا يوجب عليهم الوضوء في رأي الإمام مالك.
بهذا يمكن الجمع بين أحاديث أهل السنة وأحاديث الشيعة ورواياتهم عن الأئمة، وإذا لم يمكن الجمع، فإنا بلا ريب نسقط روايات الأئمة، وتبقى أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم وهي صريحة نصاً في إيجاب الوضوء.
ثالثاً: غسل الوجه
اتفق الجميع على وجوب غسل الوجه، وانفرد الشيعة الرافضة برأيهم في تحديد الوجه، وطريقة غسله.
ذهبت المذاهب الأربعة في تحديد الوجه بأنه من منابت شعر الرأس إلى الذقن إلى الأذنين (1) وروى عن مالك أن ما بين اللحية والأذن ليس من الوجه، وبذلك لا يجب غسله (2) .
أما الشيعة فقد اتفقوا معهم في الطول، واختلفوا في العرض. حيث حددوه بما اشتمل عليه الإبهام والوسطى (3) .--------------------------------------------
(1) انظر المبسوط 1/6 وحاشية الدسوقى 1/85، والأم: 1/21، والمغنى 1/66.
(2) انظر المغنى 1/97: وإن كان الراجح في المذهب خلاف ذلك.
وانظر الهداية في تخريج أحاديث البداية 1/119.
(3) انظر: كتاب الخلاف للطوسى 1 / 11.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 911)
وأقرب الآراء إليهم كما نرى رأي الإمام مالك. ولكن فى تحديدهم إخراج لجزء كبير من الوجه وهذا يفتقر إلى الدليل.
وإذا نظرنا إلى رواياتهم في الوضوء نجدها لا تسند إجماعهم، بل تعارضه، مثال ذلك:
عن زرارة قال: حكى لنا أبو جعفر عليه السلام وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله، فدعا بقدح من ماء، فأخذ كفاً من ماء، فأسدله على وجهه. ثم مسح من الجانبين جميعاً.
وفي رواية أخرى: فأخذ كفاً من ماء، فصبه على وجهه، ثم مسح جانبيه حتى مسحه كله.
وفي رواية ثالثة: ثم غمس كفه اليمنى في التور، فغسل وجهه بها واستعان بيده اليسرى بكفه على غسل وجهه (1) .
وهذه الروايات كلها معتبرة عندهم في الاحتجاج بكيفية الوضوء فعلى أي أساس بنى إجماعهم إذاً؟ ثم إن هذا الإجماع يعارضه أيضاً إجماع جمهور المسلمين بإيجاب غسل بعض الأجزاء التى أجمعوا على عدم غسلها استناداً إلى الأمر بغسل الوجه.
فتحديد الوجه بهذه الصورة تحكم يحتاج إلى نظر من فقائهم بدلا من أن ينساقوا وراء قول يعارض كتاب الله تعالى، وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
والخلاف الثانى في طريقة الغسل، فقد أوجبوا الابتداء بغسل الوجه من الأعلى، وهذا هو المشهور من المذهب، ولكن هناك من لم يوجب ذلك ووجدنا--------------------------------------------
(1) انظر الوسائل جـ 1: باب كيفية الوضوء ص 369: الروايات: 6، 7، 11.
والتور: إناء يشرب فيه ـ انظر مادة " تور" في القاموس المحيط.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 912)
من فقهاء الشيعة اليوم من يقول: " يلاحظ بأن الأمر بغسل الوجه مطلق، ولا نص على وجوب الابتداء بالأعلى، فيحصل الامتثال بالغسل كيف اتفق.
أما ابتداء الإمام بالأعلى فغاية ما يدل عليه الجواز والمشروعية، لا الحصر والتعيين " (1) .
وهذا يتفق مع المذاهب الأربعة، وبذا ينتفي الخلاف.
رابعا: غسل اليدين
الخلاف هنا في نقطتين: الأولى: إيجابهم الابتداء بالمرفقين. الثانية: إيجابهم كذلك الابتداء باليد اليمنى.
فأما إيجاب الابتداء بالمرفق فهو خلاف الظاهر "" فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ "" فظاهر الآية الانتهاء إلى المرفق، فإذا لم ننظر إلي غسل اليدين على أنه مجرد الغسل الذي يعم اليد إلى المرفق، سواء ابتدأ به المتوضئ أو انتهي إليه وجب الانتهاء إلى المرفق لا الابتداء به.
والذي دفع الشيعة إلى هذا القول ورود روايات عن الأئمة في الوضوء مبتدئين بالمرفقين. (2) ولكن هذه الروايات لا تتعارض مع ما ذهب إليه أصحاب المذاهب الأربعة، لأنه جائز، أما إيجاب الابتداء بهما فهو التحكم الذي لا دليل عليه. ويخالف ظاهر القرآن الكريم. وإجماع سائر المسلمين.
وأما الابتداء باليمنى فلا شك أنه الأولى، فعن أبى هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إذا توضأتم فابدءوا بميامنكم " أخرجه الأربعة،--------------------------------------------
(1) فقه الإمام جعفر الصادق ص 64.
(2) انظر وسائل الشيعة جـ 1: باب كيفية الوضوء ص 369، وانظر كذلك: المعتبر ص 37، والانتصار ص 11، والحقائق 1/168 وفقه الإمام جعفر الصادق ص 64.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 913)
وصححه ابن خزيمة، وأخرجه أحمد وابن حبان والبيهقى وزاد فيه " وإذا لبستم " وقال ابن دقيق العيد: هو حقيق بأن يصحح (1) .
وما روى عن وضوء الرسول صلى الله عليه وسلم عن طريقى السنة والشيعة فيه أنه صلوات الله عليه كان يبدأ بالميامن، وعن عائشة رضي الله عنها قالت: " كان النبى صلى الله عليه وسلم يعجبه التيمن في تنعله وترجله وطهوره. وفي شأنه كله " متفق (2) .
فلو جعلنا ذلك على الوجوب، لوجب في اليدين والرجلين، ولكنهم جميعا لا يقولون بذلك. فالشيعة يوجبونه في اليدين دون الرجلين، والمذاهب الأربعة لا توجبه، ولوجب كذلك في اللبس، ولا خلاف في عدم وجوبه، فيمكن حمله إذن على الاستحباب لا الإيجاب، وقول السيدة عائشة " يعجبه التيمن " تدل على هذا وكذلك التنعل والترجل وفي شأنه كله. فلا خلاف في عدم وجوب البدء بالميامن في ذلك.--------------------------------------------
(1) انظر سبل 1/50، ونيل الأوطار 1/213.
(2) المرجعين السابقين: الأول ص 49 والثانى ص 212. وصحيح البخارى كتاب الوضوء: باب التيمن في الوضوء والغسل، وفتح البارى 1/289، وصحيح مسلم بشرح النووى كتاب الطهارة 1/554، وانظر صحيح ابن خزيمة 1/91 باب الأمر بالتيامن في الوضوء، أمر استحباب لا أمر إيجاب، وباب ذكر الدليل على أن الأمر بالبدء بالتيامن في الوضوء أمر استحباب واختيار لا أمر فرض وإيجاب.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 914)
خامساً: مسح الرأس
انفرد الإمامية بالقول بوجوب مسح مقدم الرأس ببقية البلل. وبعدم إجزاء الغسل على أي حال.
فهم متفقون مع الحنفية والشافعية وبعض الحنابلة في جواز مسح بعض الرأس (1) ، ولكنهم يوجبون المقدم، ويختلفون مع الجميع في إيجاب المسح ببقية البلل.
رووا عن الإمام أبى جعفر - وهو يحكى وضوء الرسول صلى الله عليه وسلم أنه " مسح مقدم رأسه، وظهر قدميه ببلة يساره، وبقية بلة يمناه ". وفي رواية أخرى " مسح بفضل يديه رأسه ورجليه ". وفي إحدى الروايات " مسح ببقية ما بقى فى يديه رأسه ورجليه، ولم يعدهما فى الإناء "، إلى غير ذلك من الروايات (2) .
والرواية الأولى قد تكون بياناً للمجمل في الروايتين الأخيرتين، وقد تدل على جواز مسح المقدم، ولكنهم رووا عن الإمام أبى جعفر أيضاً بأن المتوضئ إذا مسح بشئ من رأسه فقد أجزأه (3) . مما يؤيد الاحتمال الثانى ـ وهو الجواز ـ ويرفض الاحتمال الأول.
وقد استدل الإمام الشافعي بروايات أن الرسول صلى الله عليه وسلم مسح بمقدم رأسه، ومع هذا لم يوجب المقدم، وإنما رأي أن من مسح من رأسه شيئاً فقد مسح برأسه (4) .--------------------------------------------
(1) وذهب بعض الإمامية إلى حرمة مسح كل الرأس، وبعضهم إلى الكراهية، وآخرون إلى عدم الاستحباب، وفريق إلى الإجزاء (انظر: مفتاح الكرامة - كتاب الطهارة ص 248) .
وقد روى أن النبى صلى الله عليه وسلم قد مسح الرأس كله، وهو مستحب باتفاق العلماء، وأوجبه مالك، وأحمد في إحدى الروايتين عنه (انظر: نيل الأوطار جـ 1: باب مسح الرأس كله، … وصفته، وما جاء في مسح بعضه ص 191) .
(2) انظر: الوسائل جـ 1 باب كيفية الوضوء ص 369.
(3) انظر المستدرك من الوسائل 1/381.
(4) انظر الأم 1/22.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 915)
وقد ورد عن طريق الشيعة روايات تفيد عدم إيجاب المقدم، فحاولوا تخريجها: (1) مثال ذلك ما روى عن الإمام الصادق أنه سئل عن الرجل يمسح رأسه من خلفه وعليه عمامة بأصبعه أيجزيه ذلك؟ فقال: نعم. فحمله الطوسى على أنه أدخل الأصبع من الخلف، فمسح بها مقدم الرأس، واحتمل أن يكون الخبر خرج مخرج التقية، لأن ذلك مذهب بعض العامة.
ولا أدرى لم ترفع العمامة ويضع الإنسان يده من الخلف ليمسح المقدم؟ أهذا هو الذي فهمه الإمام الصادق من السائل فقال: نعم؟ أم أنه جبن فقال ذلك تقية لأنه مذهب بعض العامة؟ إنى أربأ بالصادق أن يكون بهذا الخلل من الفهم، أو بهذه المنزلة من الجبن.
ورواية أخرى عن الإمام الصادق أيضاً أنه سئل عن المسح على الرأس فقال: كأنى أنظر إلى عكنة في قفاء أبى يمر عليها يده. وغير ذلك مما لم يستطع الطوسى تخريجه إلا على التقية، وهو تخريج لا يمكن أن يقبل بحال، فإذا كان السائل يسأل عن المسح فلو أجيب بمسح مقدم الرأس لوافقت الرواية روايات ثبتت عند كثير من أهل السنة، كتلك التى احتج بها الإمام الشافعي، ثم ما الذي يدعو إلى الكذب في قوله " كأني أنظر إلى عكنة في قفاء أبى "؟ فلم احتاج إلى الاستشهاد بهذا الدليل، ولم يكتف بتحديد موضع المسح ولو تقية؟ أهو الإيغال في الكذب والجبن؟ كان الأجدر بالطوسى أن يحمل هذه الأخبار جميعها على جواز المقدم وغيره، فينتفي التعارض، بدلاً من أن ينزل إلى هذا المستوى في تخريجاته. وروى عن الإمام الصادق " مسح الرأس واحدة من مقدم الرأس ومؤخره، ومسح القدمين ظاهرهما وباطنهما ". ومعلوم أن جمهور المسلمين يقول بغسل الرجلين لا مسحهما، ومع هذا حمل الخبر على التقية (2) ! .--------------------------------------------
(1) انظر الروايات، وتخريجها في: الاستبصار جـ 1 ص 60-61، والوسائل جـ 2 ص 14-15.
(2) انظر الوسائل جـ 2 ص 17-18.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 916)
وأما إيجاب المسح ببقية البلل، فالخلاف بين أهل السنة على العكس من ذلك، فبعضهم أوجب ماء جديداً والآخرون أجازوا المسح ببقية البلل، وخلافهم مبنى على أساس الماء المستعمل: أهو مطهر أم غير مطهر؟
فظاهر مذهب الحنابلة أنه طاهر غير مطهر، وهو المشهور عن أبى حنيفة، وإحدى الروايتين عن مالك، وظاهر مذهب الشافعى، وعن أحمد رواية أخرى أنه طاهر مطهر، وهو الرواية الثانية لمالك، والقول الثانى للشافعى، وروى عن على وابن عمر وأبى أمامة فيمن نسى مسح رأسه إذا وجد بللاً في لحيته أجزأه أن يمسح رأسه بذلك البلل، وذهب أبو يوسف إلى نجاسته، وهو رواية عن أبى حنيفة. (1)
ولكل من هؤلاء أدلته التي استند إليها (2) ، ولسنا بحاجة إلى مناقشتها ما دام فيهم من يوافق الإمامية على طهورية هذا الماء.
ولكن ما الذي دفع الشيعة إلى القول بإيجاب بقية البلل، وبطلان الماء الجديد؟ فلو جف ماء الوضوء قبله أخذ من لحيته، وحاجبيه وأشفار عينيه مسح به، فإن لم يبق نداوة استأنف الوضوء (3) .
لا خلاف في أن الماء الجديد طاهر مطهر، وأدلة الشيعة التي ذكرناها لو صحت (4) فغاية ما تدل عليه جواز المسح ببقية البلل، ويؤيد ذلك ما روى عن--------------------------------------------
(1) انظر المغنى جـ 1 ص 18 وما بعدها.
(2) انظر ما سبق، وانظر كذلك: نيل الأوطار جـ 1 ص 23 باب طهارة الماء المتوضأ به، وص 27 باب بيان زوال تطهيره، والهداية في تخريج أحاديث البداية ـ الماء المستعمل: 1/273، وصحيح البخاري وشرحه فتح الباري ـ كتاب الوضوء: باب استعمال فضل وضوء الناس.
(3) انظر: مفتاح الكرامة – كتاب الطهارة ص 258-259.
(4) هذه الروايات توجب مسح الرأس والرجلين، وسنناقش ذلك فيما يأتى من نوع طهارة الرجلين.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 917)
طريق أهل السنة من أن الرسول صلى الله عليه وسلم مسح رأسه بما بقى من وضوئه، أو من فضل ماء كان بيديه، وروايات أخرى أنه صلى الله عليه وسلم مسح رأسه بماء غير فضل يديه، أو أنه أخذ لرأسه ماء جديدا (1) . ولا تعارض بين هذه الأخبار، فكل جائز، بل إننا نجد فيما روى عن طريق الشيعة ما يؤيد القائلين بإيجاب ماء جديد، جاء في الاستبصار: " سألت أبا الحسن عليه السلام: أيجوز للرجل أن يمسح قدميه بفضل رأسه؟ فقال: برأسه لا، فقلت: أبماء جديد؟ فقال: برأسه نعم. " ورواية أخرى: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن مسح الرأس قلت: أمسح بما في يدي من الندى رأسى فقال: لا بل تضع يدك في الماء ثم تمسح " (2) .
وحاول شيخ الطائفة الطوسى أن يوفق بين هذين الخبرين والأخبار السابقة، فقال: " فالوجه في هذين الخبرين أن نحملهما على ضرب من التقية؛ لأنهما موافقان لمذاهب كثير من العامة، ويحتمل أن يكون المراد بهما إذا جفت أعضاء الطهارة بتفريط من جهته، فيحتاج أن يجدد غسلها، فيأخذ ماء جديداً، ويكون الأخذ بها أخذاً للمسح حسب ما تضمنه الخبر الأول.
وأما الخبر الثانى فيحتمل أن يكون المراد بقوله: " بل تضع يدك في الماء " إنما أراد الماء الذي بقى في لحيته أو حاجبيه، وليس فيه أن يضع يده في الماء الذي في الإناء أو غيره. فإذا احتمل لذلك لم يعارض ما قدمناه من الأخبار" (3) .
ولا شك أن هذا التخريج فيه من البطل ما فيه: فالخبر الأول يفيد ـ خلاف الماء الجديد ـ مسح الرجلين في الوضوء، وقد أجمعت المذاهب الأربعة على وجوب غسلهما. ولهذا أجاز الشيعة غسلهما للتقية مع إيجابهم المسح. فكيف إذن يحمل هذا الخبر على التقية لمجرد ذكر الماء الجديد مع إفادته مسح الرجلين؟--------------------------------------------
(1) انظر نيل الأوطار جـ 1 ص 29.
(2) انظر ص 58-59 من الكتاب المذكور جـ 1.
(3) الاستبصار جـ 1 ص 59.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 918)
والتخريجات الأخرى غير مقبولة، فالخبران يفيدان عدم جفاف الأعضاء، فالأول فيه فضل الرأس، والثاني فيه ما في اليدين من الندى، ولو أراد بالثاني أخذ الماء من اللحية والحاجبين لقال: ضع يدك على اللحية والحاجبين، لا ضع يدك في الماء. وما الحاجة إلى ذلك مع وجود الندى ما لم يكن في حاجة إلى ماء جديد؟
وأخبار الشيعة لو صحت لأمكن الجمع بينها بالقول بجواز المسح ببقية الماء واستحباب الماء الجديد. وذلك أولى من القول بإيجاب المسح ببقية البلل، فذلك لا يستند إلى أي دليل (1) .
ويرى الشيعة أن غسل الرأس لا يجزى عن مسحه، وهم إذا كانوا يشترطون في المسح أن يكون ببقية البلل، فمن باب أولى أن يرفضوا إجزاء الغسل.
وأما المذاهب الأربعة فيرون أجزاءه، لأن فيه مسحاً وزيادة.
اشترط بعض الحنابلة إمرار اليد على الرأس مع الغسل أو بعده للإتيان بالمسح (2) .
ولا شك أن المسح أولى من الغسل، فهو الفرض بالنص، ولكن ليس معنى هذا أن الغسل يبطل الوضوء، لأن في الغسل إتياناً بالفرض وزيادة. وهذه الزيادة وإن لم تكن مستحبة إلا أنها ليست مبطلة، كمن غسل أعضاء الوضوء أربعاً، فإن--------------------------------------------
(1) بعضهم يذكر أدلة نتركها لتفاهتها، وعدم جدواها ووضوح ما بها من سفسطة: مثال ذلك هنا ما ذكره بعضهم من أن آية الوضوء فيها أمر بمسح الرأس والواجب الفور في امتثال أوامر الله، والإتيان بماء جديد للمسح ينافي الفور. انظر: الحقائق جـ ص 175.
ولا شك أن الاشتغال بأخذ الماء لمسح العضو متعلق بمسح العضو نفسه، فالفورية في هذا الاشتغال فورية في المسح، ثم إن أخذ الماء مباشرة والمسح به أسرع من نشدانه بين اللحىوالحواجب وأشفار العيون، وسواء هذا أو ذاك فهو لا يستغرق وقتا يذكر حتى يقال إنه ينافى الفور.
(2) انظر المبسوط جـ1 ص 64 وص 72، وحاشية الدسوقى ص 89 جـ1، وحاشية البجيرمى جـ 1 ص 78 والمغنى جـ 1 ص118-119، وأحكام القرآن لابن العربي … جـ 2 ص 570-571.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 919)
ذلك غير مستحب، لكنه لا يبطل الوضوء، وكمن اغتسل ينوى به الوضوء، فالشيعة يرون أن غسل الجنابة يجزى عن الوضوء، واختلفوا في غيره، فلم يجمعوا على عدم الإجزاء. إذا فالمسح أولى من الغسل ولكن الغسل لا يبطل، والله أعلم.
سادساً: حكم الأذنين
أجمع أصحاب المذاهب الأربعة على القول بمسح الأذنين، والخلاف بينهم حول وجوبه او استحبابه، أما الإمامية فلا يرون وجوب مسح الأذنين ولا استحبابه، واستدلوا بما روى عن الإمام الباقر " ليس عليهما غسل ولا مسح " (1) .
ولكن هناك رواية أخرى. وهي " سألت أبا عبد الله عليه السلام: الأذنان من الرأس؟ قال نعم. قلت: فإذا مسحت رأسي مسحت أذني؟ قال: نعم، كأني أنظر إلى أبى في عنقه عكنة وكان يخفي رأسه إذا جزه، كأني أنظر والماء ينحدر على عنقه " (2) .
ويمكن الجمع بين هذين الخبرين بأن يحمل الأول على عدم الوجوب بدلاً من حمل الثانى على التقية، أو على ما لا صلة له بالطهارة كمسح الرأس بعد الحلق! (3) .
وعن طريق أهل السنة وردت روايات صحيحة بأن الرسول صلى الله عليه وسلم مسح أذنيه (4) ورواية الباقر لا تنهض دليلاً على بطلان هذه الروايات، ورواية الصادق تؤيدها، والتوفيق بين الروايات ممكن، فلا حاجة إلى التشبث بما لم يقم عليه دليل.--------------------------------------------
(1) الوسائل جـ 2 ص 9، والاستبصار جـ 1 ص 63.
(2) المرجع الأخير ص 63-64.
(3) خرجوا: الأول على التقية، والثانى عليها أو على مسح الرأس بعد الحلق.
(4) انظر نيل الأوطار جـ 1: باب مسح ظاهر الأذنين وباطنهما ص 201، وانظر كذلك المبسوط جـ 1 ص 5-6، والمدونة جـ 1 ص 16، وحاشية البجيرمى جـ1* *ص 88، والمغنى جـ 1 ص 120، الهداية في تخريج أحاديث البداية 1/147، وصحيح ابن خزيمة 1 /77.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 920)
وأما ما روى عن الإمام الصادق: " الأذنان ليسا من الوجه ولا من الرأس " فهو دليل على عدم الإيجاب، ولا يمنع الاستحباب، ويمكن أن يسقط بما ثبت من مسح الرسول صلى الله عليه وسلم لأذنيه.
سابعاً: نوع طهارة الرجلين
أجمعت المذاهب الأربعة على وجوب غسل الرجلين، وأجمع الشيعة على وجوب مسحهما ببقية البلل إلا في حالة التقية.
وسبب ذلك الخلاف أن آية المائدة قرئ فيها " أرجلكم " بالنصب والجر وثبت، لدى فريق أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يغسلهما، ولدى الآخر أنه كان يمسحهما، فاستدل القائلون بالغسل بقراءة النصب وقالوا بالعطف على اليدين. واستدل الآخرون بقراءة الجر، وقالوا بالعطف على الرءوس. ولنذكر ذلك تفصيلا.
استدل الشيعة (1)
بالآية الكريمة، فقالوا: إن الاحتجاج بها في قراءة الجر واضح، وذلك أن للمعطوف حكم المعطوف عليه، فكما أنه يجب في الرءوس المسح من غير خلاف بين أحد فكذلك يجب في الأرجل إعطاء للمعطوف حكم المعطوف عليه.
أما في قراءة النصب، فالوجه أن الأرجل معطوفة على الموضع من (برءوسكم) لا على اللفظ، وذلك أن برءوسكم منصوبة الموضع لأنها مفعول (لامسحوا) في المعنى، وإن كانت مجرورة بالباء في اللفظ. والعطف تارة يكون--------------------------------------------
(1) انظر أدلتهم في المراجع الآتية:
وسائل الشيعة ومستدركاتها: 1/369-383، 2/22-25 والاستبصار 1/64-66 ومجمع البيان في تفسير القرآن 1/64-167 وكنز االعرفان في فقه القرآن 9-10 والمعتبر 38-39والانتصار 13-17 والحقائق في الجوامع والفوارق 1/176-182 والوضوء في الكتاب والسنة، وملحق به المسح على الأرجل أو غسلهما في الوضوء.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 921)
على اللفظ، فيعطى المعطوف حكم المعطوف عليه، وتارة يكون على الموضع فله كذلك حكمه، وهو كثير في كلام العرب؛ قالوا: ليس فلان بقائم ولا ذاهباً، فجعلوا ذاهباً معطوفة على موضع بقائم مع أنها مجرورة اللفظ.
وقال الشاعر:
معاوى إننا بشر فأسجح … فلسنا بالجبال ولا الحديدا
فعطف الحديد على موضع الجبال لأن موضعها النصب، وإن كان لفظها مجروراً.
وقال تأبط شراً:
هل أنت باعث دينار لحاجتنا … وعبد رب أخا عون بن مخراق
فعطف عبد على موضع دينار، فموضعه النصب على المفعولية لباعث، مع أنه مجرور اللفظ بالإضافة.
وقال آخر:
جئنى بمثل بنى بدر لقومهم … أو مثل إخوة منظور بن سيار
فعطف مثل الثانية على موضع بمثل الأولى.
وعلى هذا ذهبوا إلى أن الآية تدل على وجوب المسح سواء أكان نزولها بالجر أو بالنصب، لأنها معطوفة على الرءوس في القراءتين.
وذهب القائلون بالغسل إلى عكس ذلك؛ (1)
فهم يرون أن النصب عطف على اليدين، وبذلك يجب غسل الرجلين، والعطف على محل الرءوس خلاف الظاهر،--------------------------------------------
(1) انظر أدلتهم في المراجع الآتية.
صحيح البخارى - كتاب الوضوء: باب غسل الرجلين، ولا يمسح على القدمين، وفتح البارى 1/265-266، وصحيح مسلم - كتاب الطهارة: باب وجوب غسل الرجلين بكمالهما وشرح النووي 1/525 -528، وصحيح ابن خزيمة 1/83-87، ونيل الأوطار جـ 1 … ص 207- 212، والمبسوط جـ1 ص 8-9، والأم 1/27-28، والمغنى 1/121-125، ومختصر التحفة ص 25-28، وتفسير الطبرى 1/52-57، وتفسير ابن كثير 2/22-29، * *والجامع لأحكام القرآن للقرطبى 6/91-96، والكشاف للزمخشرى 1/248-249، وأحكام القرآن لابن العربى 2/574-576.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 922)
وقراءة الجر لا تمنع العطف على اليدين، فهي مجرورة للمجاورة، وجر الجوار جائز في النعت وفي العطف، أما النعت فقوله تعالى: "" إِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ "" (جر أليم) وهو صفة العذاب المنصوب لمجاورته المجرور. وأما العطف فكقوله تعالى: "" وَحُورٌ عِينٌ كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ "" ففي قراءة الجر لحور يكون ذلك لمجاورة " أكواب وأباريق " مع أنه معطوف على " ولدان مخلدون ".
وقوله تعالى: "" عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ "".
وقد وقع هذا الجر في كلام العرب العرباء، كقول امرئ القيس:
وظل طهاة اللحم من بين منضج … صفيف شواء أو قدير معجل
جر قديراً مع العطف للمجاورة. وقول النابغة:
لم يبق إلا أسير غير منفلت … وموثق في عقال الأسر مكبول
بجر " موثق " و" مكبول " بجوار " منفلت " مع أنهما معطوفان على أسير. وتقول العرب " جحر ضب خرب " بجر خرب بالجوار.
وفائدة الجر بالجوار في الآية الإيماء إلى وجوب الاقتصاد في الماء بغسلهما غسلاً يقرب من المسح، لأنهما مظنة الإسراف فيه، ولبيان أنهما يمسحان حال الاختيار على حائل وهما الخفان بخلاف سائر الأعضاء، والفصل بقوله " برءوسكم " إشارة إلى الترتيب.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 923)
والقول بأن الجر بالجوار إنما يصار إليه حيث الأمن من الالتباس فهنا كذلك، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم يبين للناس ما نزل إليهم. (1)
ويمكن في غير المجاورة أن يحمل المسح على الغسل، فذلك مستعمل في كلام العرب، قال أبو على الفارسى: العرب تسمى خفيف الغسل مسحاً، فيقولون: تمسحت للصلاة أي: توضأت، وقال أبو زيد الأنصارى نحو ذلك. ويؤيد هذا أنهما محدودان بحد ينتهي إليه، فأشبها اليدين. ثم إنه إذا اجتمع فعلان متقاربان بحسب المعنى جاز حذف أحدهما وعطف متعلق المحذوف على متعلق المذكور، ومن ذلك قول لبيد:
فعلا فروع الأيهقان وأطفلت … بالجلهتين ظباؤها ونعامها
أي باضت نعامها، لأنها لا تلد.
وقال آخر:
تراه كأن الله يجدع أنفه … وعينيه أن مولاه ثاب له وفر
ومنه قول الأعرابي: علفتها تبناً وماء بارداً، أي: وسقيتها.--------------------------------------------
(1) فرح الشيعة بالإمام الرازى حين ذهب إلى بطلان الكسر على الجوار بقوله " إن الكسر على الجوار معدود في اللحن الذى قد يتحمل لأجل الضرورة في الشعر، وكلام الله يجب تنزيهه عنه، وإنما يصار إليه حيث يحصل الأمن من الالتباس، وهناغير حاصل، وكذلك إنما يكون بدون حرف العطف، وأما مع حروف العطف فلم تتكلم به العرب". والأدلة السابقة فيها بطلان دعوى الرازى كما هو واضح. وبعد ذلك رأيناهم يهاجمونه عندما وصل إلى القول: " إن الأخبار الكثيرة ورددت بإيجاب الغسل، والغسل مشتمل على المسح ولا ينعكس، فكان الغسل أقرب إلى الاحتياط، فوجب المصير إليه، وعلى هذا الوجه يجب القطع بأن غسل الأرجل يقوم مقام مسحها ". (انظر: المسح على الأرجل أو غسلها في الوضوء ص126وما بعدها، ورأي الفخر الرازى في تفسيره جـ 6 ص 368، وقد نقلوا عنه بتصرف) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 924)
وحاول الشيعة نقض احتجاجات القائلين بالغسل فقالوا بالمنع من الجر بالجوار مستدلين بما استدل به الإمام الرازى (1) ، وقد رأينا الإجابة عن هذه الاعتراضات.
وقالوا: إن ذلك يجرى مجرى " ضربت زيداً وعمراً وأكرمت خالداً وبكراً " فإن رد بكر إلى خالد في الإكرام هو الوجه في الكلام الذي لا يسوغ سواه، ولا يجوز رده إلى الضرب الذي انقطع حكمه.
ونلاحظ هنا بوناً شاسعاً بين هذه الجملة، وبين الآية الكريمة، فبكر لا يجوز فيه إلا النصب، ولا تقارب بين الضرب والإكرام، ولا حكمة وراء هذا الفصل، إلى غير ذلك مما يبين فساد هذا القياس (2) .
وقالوا بأن حمل المسح على الغسل باطل، ففائدة اللفظين في اللغة والشرع مختلفة، وقد فرق الله سبحانه بين الأعضاء المغسولة وبين الأعضاء الممسوحة. والعطف على الرءوس يعطى نفس الحكم. ولو كان المسح بمعنى الغسل لسقط استدلال القائلين بالغسل بأن الرسول صلى الله عليه وسلم توضأ وغسل رجليه، فيجوز حمل ذلك على المسح. وقولهم " تمسحت للصلاة " المعنى فيه لما أرادوا أن يخبروا عن الطهور بلفظ موجز، ولم يجز أن يقولوا تغسلت للصلاة، لأن ذلك تشبيه بالغسل، قالوا بدلا من ذلك: تمسحت لأن المغسول من الأعضاء ممسوح أيضاً، فتجوزوا لذلك تعويلا على أن المراد مفهوم، وهذا لا يقتضى أن يكونوا جعلوا المسح من أسماء الغسل.
وفي تحديد طهارة الرجلين قالوا: المسح أوجبته الشريعة كالغسل فلا ينكر تحديده، ولم توجب الغسل في اليدين للتحديد، بل للأمر به.
ونلاحظ أن ردهم بأن " المغسول من الأعضاء ممسوح أيضاً فتجوزوا لذلك تعويلاً على أن المراد مفهوم "، من الواضح أنه يؤيد القائلين بحمل المسح على--------------------------------------------
(1) انظر المرجعين السابقين.
(2) الشيعة – كما نعلم – لا يأخذون بمثل هذا القياس، ولكنه الانتصار للرأي وكفي!
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 925)
الغسل ولو مجازاً، والعكس غير صحيح، لأن الغسل مسح وزيادة، وتحديد طهارة الرجلين قرينة، وليست دلالة قائمة بذاتها.
وقالوا في مثل " علفتها تبناً وماء بارداً " بأن ذلك إنما يجوز ـ على ضعفه إذا استحال حمله على ظاهره.
ومما لا شك فيه أن الرسول صلى الله عليه وسلم إذا بين أن المقصود هو المسح، أو الغسل، فإن الآية الكريمة لا تأبى ذلك ولا تعارضه.
فكل من الفريقين إذا له ما يؤيد وجهة نظره، وبهذا لا تعد الآية الكريمة نصاً في إيجاب الغسل أو المسح إلا بالرجوع إلى صاحب الشريعة صلى الله عليه وسلم. والشيعة يذهبون إلى أنه كان يمسحهما، والمذاهب الأربعة يذهبون إلى أنه واظب على غسلهما، فلننظر في أدلة كل منهما.
يروى الشيعة (1) عن الأئمة عدة روايات أنهم حكوا وضوء الرسول صلى الله عليه وسلم، فمسحوا رءوسهم وأرجلهم ببقية البلل، لم يجددوا ماء. وعلى هذا ذهبوا إلى وجوب مسح الرجلين ببقية البلل.
ووردت عن طريقهم أخبار تناقض ما ذهبوا إليه، من ذلك ما روى عن الإمام الصادق في الرجل يتوضأ الوضوء كله إلا رجليه، ثم يخوض الماء بهما خوضاً، فقالوا: أنه محمول على التقية (2) .
وروى عن الإمام زيد بن على عن آبائه عن على كرم الله وجهه قال: جلست أتوضأ فأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم حين ابتدأت في الوضوء فقال لى: تمضمض واستنشق واستن. ثم غسلت ثلاثاً فقال: قد يجزيك من ذلك المرتان، فغسلت--------------------------------------------
(1) أدلتهم تجدها في مراجعهم التي ذكرناها من قبل.
(2) انظر: الاستبصار جـ 1 ص 65.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 926)
ذراعي ومسحت برأسي مرتين فقال قد يجزيك من ذلك المرة. وغسلت قدمي فقال لي: يا على خلل بين الأصابع لا تخلل بالنار (1) .
وحملهم هذا الخبر على التقية، مرفوض فما من مسلم ذي عقل يرى أن الإمام علياً قال ذلك كذباً وتقية من المسلمين، أما الرواة فما الذي يدعوهم إلى الكذب على الإمام وعلى الرسول صلى الله عليه وسلم؟
إذا كان هناك ما يدعو إلى التقية فكان يكفيهم أن يغسلوا أرجلهم. أو يقولوا بأن الغسل هو الواجب، دون أن يتعمدوا الافتراء على الله ورسوله. ثم إن هذه الرواية عن الإمام زيد بن على الذي خرج على الدولة الأموية، وقاتل من أجل حق ارتآه حتى استشهد، فكيف إذن يصل إلى هذا الجبن والكذب؟
ورفض الطوسى هذا الخبر لشيء آخر أيضاً، وهو أن رواة الخبر ليسوا إماميين، ورجال الزيدية وما يختصون بروايته لا يعمل به (2) .
فالرواة ليسوا كذابين، ولا وضاعين، ولا مدلسين، وإنما جريمتهم التى تدعونا إلى تكذيبهم، وعدم الأخذ بروايتهم، أنهم زيديون وليسوا إماميين، والعترة الطاهرة وقف على الإمامية، ومن ليس من العترة فليس أهلا لأن يروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم!
ولاشك أن الرسول وعترته بريئون من هذا الإسفاف. ولقد ناقشنا ذلك من قبل في بحثنا للسنة (3) .--------------------------------------------
(1) المرجع السابق، ص 65-66، والوسائل جـ 2 ص 24.
(2) انظر: الاستبصار جـ ص 66.
(3) انظر: الحديث الصحيح، ومناقشة اشتراط إمامية الراوى: في الجزء الثالث من هذا الكتاب.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 927)