والمعروف أن شيخ المفسرين الطبري ليس شيعياً فضلاً عن غلاتهم، ولكن صاحب الغدير بعد ذكر الرواية وروايات أخرى قال (1) بأن الطبري أول من عرفناه ممن ذكر أن آية التبليغ حول قصة الغدير.
وأخذ يناقش الروايات التي جاءت في تفسير الطبري ليبين أنها لا تتعارض مع الرواية المذكورة في كتابه عن الولاية، مع أن الطبري متفق مع أهل التأويل كما ذكرنا من قبل عند مناقشة الآية الكريمة، أفكل أهل التأويل جعفريون؟!
وعند الحديث عن آية الإكمال هذه ذكر رواية الطبري وأشار إلى كتابه في الولاية، ولم يشر إلى تفسيره، ويتضح سر هذا وقد عرفنا الرأي الذي اختاره الطبري حيث استوهى الروايات المخالفة لرواية عمر بن الخطاب. إذن لسنا في حاجة إلى بيان ضلال الباحث عندما يسيره هواه، ولكن أحب أن أقول هنا بأن كتاب الولاية في ضوء ما سبق إما أنه ألف ونسب إلى الطبري زورا وانتصارا لمذهب، وإما أن الطبري جمع ما وجده من الولاية بغير نظر إلى مصادر الروايات: وفى كلتا الحالتين الكتاب لا وزن له، ولا يبين رأي الطبري (2) .--------------------------------------------
(1) راجع قوله في ج1 ص 223-225.
(2) قد بحثت عن الكتاب المذكور فلم أجده، وبحثت عن أسماء الكتب المنسوبة للطبرى فوجدت ما يزيد عن مائة كتاب منها كتاب فضائل على بن أبى طالب رضي الله تعالى عنه. قال ياقوت الرومى في كتابه إرشاد الأريب إلى معرفة الأديب 6/452 بأن الطبري تكلم في أوله بصحة الأخبار الواردة في غدير خم، ثم تلاه بالفضائل، ولم يتم، فالطبرى إذن لم يتم كتابه وهو – مع عشرات الكتب الأخرى – غير موجود، فلعل أحداً استغل هذا فأخرج كتاباً بعنوان الولاية ونسبه للطبرى. والرواية التي ذكرها صاحب كتاب الغدير عن زيد بن أرقم نقلا عن كتاب الولاية لا تصح بحال، وقد ذكرنا من قبل الروايات الصحيحة عن زيد بن أرقم كما رواها الإمامان أحمد ومسلم. فإذا كان الطبري قد صحح الأخبار الواردة في غدير خم كما قال ياقوت فإنها لا تزيد عما أخرجه مسلم، وما صح من مسند أحمد، أما أن يصح عنده مالا يؤمن به، بل لا يقول به إلا الغلاة فهذا أمر مرفوض قطعاً. *
*ومن المعاصرين لشيخ المفسرين عالم شيعي اسمه محمد بن جرير بن رستم الطبري ويكنى أبا جعفر، وله كتاب المسترشد في الإمامة (انظر الفهرست للطوسى ص 158 ـ 159) فلعله صاحب كتاب الولاية، واستغل التشابه بين الاسمين والكنيتين في نسبة الكتاب لشيخ المفسرين، وهو بلا أدنى شكل براء مما جاء به.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 103)
وإذا كانت آية التبليغ السابقة نزلت قبل آية الإكمال هذه - كما قال الجعفرية أنفسهم - فإن الروايات السابقة تدل على أن آية التبليغ نزلت قبل الغدير، مما يؤيد ما ذهب إليه جمهور المفسرين في تأويلها، ويعارض ما قاله الجعفرية من أنها خاصة بالاستخلاف يوم الغدير، وهذا دليل آخر يضاف إلى أدلة الجمهور.
ومما سبق رأينا أن آية الإكمال نزلت يوم عرفة، ولكن لو فرضنا أنها نزلت يوم الثامن عشر من ذى الحجة يوم الغدير فإنها لا تعتبر دليلاً على استخلاف على، لأن هذا مبنى على أساس أن آية التبليغ خاصة بالاستخلاف وهذا غير ثابت كما بينت من قبل.
ويبقى بعد هذا ما يتعلق بأول سورة المعارج " سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ ".
والسورة الكريمة " مكية " بالاتفاق، وما ذكره بعضهم (1) يستلزم أن تكون مدنية بل من أواخر ما نزل بالمدينة بعد حجة الوداع قبيل الوفاة: وشيخ طائفتهم الطوسي لم يقع في هذا الخطأ، ولذا قال: سورة المعارج مكية في قول ابن عباس والضحاك وغيرهما. وفسرها بما يتفق مع جمهور المفسرين، ولم يشر إلى أن التكذيب كان بالولاية، ولا أن جزءاً من هذه السورة نزل بالمدينة فضلاً عن كونه بعد حجة الوداع (2) .
وفى مجمع البيان ذكر الطبرسي مثل هذا التفسير، ثم زاد رواية عن جعفر ابن محمد عن آبائه، قال: لما نصب رسول الله صلى الله عليه وسلم علياً عليه السلام يوم غدير--------------------------------------------
(1) سبق ذكر روايتهم في بداية الفصل.
(2) انظر التبيان 10/112 –113.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 104)
خم، وقال: من كنت مولاه فعلى مولاه، طار ذلك في البلاد، فقدم على النبي صلى الله عليه وسلم النعمان بن الحرث الفهرى فقال: أمرتنا عن الله أن نشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، وأمرتنا بالجهاد والحج والصوم والصلاة والزكاة ففعلناها، ثم لم ترض حتى نصبت هذا الغلام فقلت: من كنت مولاه فعلى مولاه: فهذا شىء منك أو أمر من عند الله؟ فقال: والله الذي لا إله إلا هو إن هذا من الله، فولى النعمان ابن الحرث وهو يقول: " اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء "، فرماه الله بحجر على رأسه فقتله، وأنزل الله تعالى: " سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ".
ولكن هذه الرواية تتعارض مع ما ذكره الطبرسي نفسه حيث قال: "سورة المعارج مكية، وقال الحسن: إلا قوله " وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ" (1) .
وفى موضع آخر ذكر روايات تبين ترتيب نزول سور القرآن الكريم، وبحسب هذا الترتيب نجد سورة المعارج مكية، وبعدها سبع سور مكية أخرى، ثم ذكر السور المدنية. وفى إحدى هذه الروايات: " وكانت إذا نزلت فاتحة سورة بمكة كتبت بمكة، ثم يزيد الله فيها ما يشاء بالمدينة ".
ومعنى هذا أن سورة المعارج مكية وبالأخص فاتحتها، والطبرسي في تفسيره الآخر " جوامع الجامع " الذي كتبه بعد أن اطلع على تفسير الكشاف للزمخشرى وأعجب به (2) ، ذكر أن سورة المعارج مكية، وفسرها بما يتفق مع مكيتها، ولم--------------------------------------------
(1) المرجع السابق 10/350.
(2) انظر مقدمة جوامع الجامع ففيها بيان سبب التأليف، ومما جاء في هذه المقدمة … ص 3: " وحثني وبعثنى عليه أن خطر ببالى وهجس بضميرى، بل ألقى في روعى، محبة الاستمداد من كلام جار الله العلامة ولطائفه، فإن لألفاظه لذة الجدة ورونق الحداثة ".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 105)
يشر للرواية المنسوبة للإمام الصادق. وفى تفسير الآية الخامسة وهى" فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا " قال: فاصبر يتعلق بسأل سائل لأنهم استعجلوا العذاب استهزاء وتكذيباً بالوحي (1) .
فالطبرسي هنا لم يأخذ بالرواية المنسوبة للإمام الصادق، وما ذكره الطوسي موافقاً به جمهور المفسرين فيه ما يكفى لرد ما ذهب إليه بعض الجعفرية.
*****
تعقيب
بعد المناقشة السابقة نقول: -
ظهر أن عقيدة الإمامة عند المذهب الجعفرى لا تستند إلى شىء من القرآن الكريم، واستدلالاتهم تنبنى على روايات متصلة بأسباب النزول، وتأويلات انفردوا بها، ولم يصح شئ من هذا ولا ذاك بما يمكن أن يكون دليلاً يؤيد مذهبهم.
قال أحد مفسرى الجعفرية عن أسباب النزول:
" ما ذكروه من أسباب النزول كلها أو جلها نظرية، بمعنى أنهم يردون غالباً الحوادث التاريخية، ثم يشفعونها بما يقبل الانطباق عليها من الآيات الكريمة فيعدونها أسباب النزول، وربما أدى ذلك إلى تجزئة آية واحدة، أو آيات ذات سياق واحد، ثم نسبة كل جزء إلى تنزيل واحد مستقر وإن أوجب ذلك اختلال نظم--------------------------------------------
(1) انظر المرجع السابق ص 508-509.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 106)
الآيات وبطلان سياقها. وهذا أحد أسباب الوهن في نوع الروايات الواردة في أسباب النزول (1) .
وما ذكره هذا المفسر الجعفرى يكاد ينطبق على جميع الآيات الكريمة التي استدلوا بها.
ومن قبل قال الإمام أحمد بن حنبل:
ثلاثة أمور ليس لها إسناد: التفسير والملاحم والمغازى (2) .
ويروى " ليس لها أصل " أي إسناد، لأن الغالب عليه المراسيل.
يرى الجعفرية أن الاعتقاد بإمامة الأئمة الاثنى عشر ركن من أركان الإيمان، والقرآن الكريم - تبيان كل شيء - كيف لا يبين هذا الركن بنصوص ظاهرة من آياته البينات.
غلاة الجعفرية لم يكتفوا بالتأويلات الفاسدة، ووضع الروايات كأسباب للنزول، وإنما أقدموا على ما هو أشنع من هذا وأشد جرماً، ذلك أنهم قالوا بتحريف القرآن الكريم، وحذف اسم على منه في أكثر من موضع، وسيأتي لهذا مزيد بيان في بحث التفسير عندهم في الجزء الثانى من هذه الموسوعة، والذي جرفهم إلى هذه عقيدتهم في الإمامة، وجعلهم إياها ركناً من أركان الإيمان.
*****--------------------------------------------
(1) الميزان 4/76-88.
(2) مقدمة في أصول التفسير ص 20.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 107)
الفصل الثالث
الإمامة في ضوء السنة
أولا: خطبة الغدير والوصية بالكتاب والسنة
أخبار الغدير تعتبر المستند الأول من السنة عند الجعفرية، فهم يرون أن الرسول صلى الله عليه وسلم عند غدير خم، بعد منصرفه من حجة الوداع، بين للمسلمين أن وصيه وخليفته من بعده على بن أبى طالب، وذكرت من قبل أن كاتباً جعفرياً ألف كتاباً يقع في ستة عشر مجلداً ليثبت به صحة حديث وشهرته، وهذا الكتاب الذي أشرت إليه عنوانه " الغدير في الكتاب والسنة والأدب"! فالتأليف إذن كان من أجل واقعة الغدير، وإذا لم يثبت في القرآن الكريم شئ مما أراده المؤلف لم يبق إلا السنة، أما الأدب فلا حاجة لنا به في هذا المجال!
وقبل النظر في كتب السنة الثمانية التي حددت في منهجى الرجوع إليها، وهى: الموطأ، والمسند والصحيحان، وكتب السنن الأربعة، نسترشد بما جاء في سيرة محمد بن إسحاق (1) التي جمعها ابن هشام.
تحت عنوان موافاة على في قفوله من اليمن رسول الله في الحج ورد ما قاله ابن إسحاق عما أمر به الرسول صلى الله عليه وسلم علياً من أمور الحج (2) . ثم ورد ما يأتي:
"--------------------------------------------
(1) ولد في المدينة سنة 85 هـ، ثم خرج إلى العراق وأقام ببغداد حتى توفى. ووفاته محصورة بين سنة 150 وبين 153 هـ. قيل إنه كان يتشيع، ولم يتخلف في الرواية عنه الثقات والأئمة، أخرج له مسلم في المتابعات، واستشهد به البخاري في مواضع، وروى له أبو داود والترمذى والنسائى وابن ماجه. وقال الدارقطنى: اختلف الأئمة فيه وليس بحجة إنما يعتبر به. (انظر ترجمته في السيرة النبوية لابن هشام: مقدمة الناشرين ص 13: 17، وراجع ترجمته كذلك في تهذيب التهذيب) .
وقال الذهبي في ميزان الاعتدال بعد أن ذكر ترجمته: فالذى يظهر لي أن ابن إسحاق حسن الحديث، صالح الحال صدوق. وما انفرد به ففيه نكارة، فإن في حفظه شيئاً. وقد احتج به الأئمة، والله أعلم.
(2) السيرة النبوية 4/602.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 108)
قال ابن اسحاق: وحدثنى يحيى بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبى عمرة، عن يزيد بن طلحة بن ركانة، قال: لما أقبل على رضي الله عنه من اليمن ليلقى رسول الله صلى الله عليه وسلم واستخلف على جنده الذي معه رجلاً من أصحابه، فعمد ذلك الرجل فكسا كل رجل من القوم حلة من البز الذي كان مع على رضي الله عنه. فلما دنا جيشه خرج ليلقاهم، فإذا عليهم الحلل قال: ويلك؟ ما هذا؟ قال: كسوت القوم ليتجملوا به إذا قدموا في الناس. قال: ويلك! انزع قبل أن تنتهى به إلى الرسول صلى الله عليه وسلم. قال: فانتزع الحلل من الناس، فردها في البز، قال: وأظهر الجيش شكواه لما صنع بهم.
قال ابن اسحاق: فحدثنى عبد الله بن عبد الرحمن معمر بن حزم، عن سليمان بن محمد بن كعب بن عجرة، عن عمته زينب بنت كعب وكانت عند أبى سعيد الخدري، قال: اشتكى الناس علياً رضوان الله عليه، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فينا خطيباً، فسمعته يقول: أيها الناس، لا تشكوا عليا، فوالله إنه لأخشن في ذات الله، أو في سبيل الله، من أن يشكى.
خطبة الرسول في حجة الوداع
قال ابن اسحاق: ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم على حجه، فأرى الناس مناسكهم، وأعلمهم سنن حجهم، وخطب الناس خطبته التي بيَّن فيها ما بيَّن، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال:
أيها الناس، اسمعوا قولى: فإنى لا أدرى لعلى لا ألقاكم بعد عامى هذا الموقف أبداً، أيها الناس، إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام إلى أن تلقوا ربكم، كحرمة يومكم هذا، وكحرمة شهركم هذا، وإنكم ستلقون ربكم، فيسألكم عن أعمالكم، وقد بلغت، فمن كانت عنده أمانة فليؤدها إلى من أئتمنه عليها، وإن كل ربا موضوع، ولكن لكم رءوس أموالكم، لا تظَلمون ولا تظُلمون. قضى الله أنه لا ربا، وإن ربا عباس بن عبد المطلب موضوع كله، وإن كل دم كان في الجاهلية موضوع، وإن أول دمائكم أضع دم ابن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، وكان
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 109)
مسترضعاً في بنى ليث، فقتلته هذيل فهو أول ما أبدأ به من دماء الجاهلية. أما بعد أيها الناس، فإن الشيطان قد يئس من أن يعبد بأرضكم هذه أبدا، ولكنه إن يطع فيما سوى ذلك فقد رضى به مما تحقرون من أعمالكم، فاحذروه على دينكم، أيها الناس: إن النسىء زيادة في الكفر، يضل به الذين كفروا يحلونه عاماً ويحرمونه عاماً ليواطئوا عدة ما حرم الله، فيحلوا ما حرم الله ويحرموا ما أحل الله، وإن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض، وإن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهراً، منها أربعة حرم، ثلاثة متوالية، ورجب … مضر (1) ، الذي بين جمادى وشعبان.
أما بعد أيها الناس، فإن لكم على نسائكم حقاً، لكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحداً تكرهونه، وعليهن أن لايأتين بفاحشة مبينة، فإن فعلن فإن الله قد أذن لكم أن تهجروهن في المضاجع، وتضربوهن ضرباً غير مبرح، فإن انتهين فلهن رزقهن وكسوتهن بالمعروف. واستوصوا بالنساء خيراً، فإنهن عندكم عوان (2) . لايملكن لأنفسهن شيئاً، وإنكم إنما أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمات الله، فاعقلوا أيها الناس قولى، فإنى قد بلغت، وقد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به لن تضلوا أبداً، أمراً بيناً كتاب الله وسنة نبيه، أيها الناس اسمعوا قولى واعقلوه، تعلمن أن كل مسلم أخ للمسلم، وأن المسلمين إخوة فلا يحل لامرئ من أخيه إلا ما أعطاه عن طيب نفس منه، فلا تظلمن أنفسكم، اللهم هل بلغت؟ فذكر لي أن الناس قالوا: اللهم نعم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللهم اشهد (3) .--------------------------------------------
(1) ورجب مضر: إنما قال لأن ربيعة كانت تحرم رمضان، وتسميه رجباً، فبين عليه الصلاة والسلام أنه رجب مضر لا رجب ربيعة، وأنه الذي بين جمادى وشعبان.
(2) عوان: جمع عانية وهى الأسيرة.
(3) السيرة النبوية 4/603 -604.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 110)
وغير ما ذكره ابن اسحق من سبب تلك الشكوى، نجد سبباً آخر يذكر وهو أن الرسول صلى الله عليه وسلم بعث جيشاً، واستعمل عليهم على بن أبى طالب، فمضى في السرية فأصاب جارية، فأنكروا عليه، ونجد رواية أخرى أنه أصاب الجارية عندما كان على جيش وخالد بن الوليد على جيش آخر، فأرسل خالد للرسول صلى الله عليه وسلم يخبره لما فعله أبو الحسن.
والروايات كلها تشير إلى أن الرسول صلى الله عليه وسلم دافع عن زوج الزهراء عليهما السلام، والأقوال مختلفة، وسنبين الصحيح منه إن شاء الله تعالى.
وخطبة رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع التي ذكرها ابن اسحاق، نرى معناها مبثوثاً في كتب السنة، ففي صحيح البخاري نجد شيئاً منها في باب الخطبة أيام منى من كتاب الحج، وفى آخر الباب " فطفق النبي صلى الله عليه وسلم " يقول: اللهم اشهد وودع الناس فقالوا: هذه حجة الوداع ".
ونجد كثيراً منها في باب حجة النبيصَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من كتاب الحج في صحيح مسلم. وهذه الحجة يرويها الإمام الصادق عن أبيه الباقر عن جابر رضي الله تعالى … عنهم، كما أخرجها أيضاً غيرالإمام مسلم (1) .
وقد بينت في الفصل السابق أنه في يوم عرفة من حجة الوداع نزل قوله تعالى " الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ " ومن قبله: " يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ " ويرى الجعفرية أن استخلاف الإمام على كان يوم الغدير في الثامن عشر من ذى الحجة، وهنا يأتي تساؤل وهو: أفيمكن أن يترك ركن من أركان الإيمان لا يذكر، وقد أكمل الله تعالى دينه، وخطب رسوله صلى الله عليه وسلم، وودع الناس في حجة الوداع؟--------------------------------------------
(1) انظر حجة النبي صلى الله عليه وسلم لمحمد ناصر الدين الألبانى ص 40-45، ص 77-79.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 111)
أظن هذا مستبعداً، ولكن ليس مستحيلاً!
ولم يَدُر جدل بين الجمهور والجعفرية حول معنى من معانى الخطبة كما ذكرها ابن إسحاق إلا في قوله صلى الله عليه وسلم: " وقد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبداً، أمراً بينا، كتاب الله وسنة نبيه ". فالجعفرية يرون أن الرسول صلى الله عليه وسلم أمر بالتمسك بالكتاب والعترة في خطبة الغدير، وأنه ترك الثقلين كتاب الله تعالى وأهل بيته.
وليس معنى هذا أن الجعفرية يرون عدم طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم، فليس بمسلم من يرى هذا، ولكنهم يرون أن الأئمة معصومون، وأقوالهم كأقوال الرسول صلى الله عليه وسلم فهى تعتبر عندهم من السنة، فلابد من الرجوع إليهم حتى لا تضل الأمة!
وننظر في مفتاح كنوز السنة فنجده يذكر وصيته صلى الله عليه وسلم بكتاب الله وسنة رسوله عن عشرة مراجع منها: الصحيحان، والمسند، والترمذى، والنسائى، وابن ماجه (1) .
وفى صحيح البخاري نجد " كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة " ومما جاء في هذا الكتاب " وكانت الأئمة بعد النبي صلى الله عليه وسلم يستشيرون الأمناء من أهل العلم في الأمور المباحة ليأخذوا بأسهلها، فإذا وضح الكتاب أو السنة لم يتعدوا إلى غيره، اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم.
وفى الموطأ يروى الإمام مالك قول الرسول صلى الله عليه وسلم: " تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنة نبيه " (2) .--------------------------------------------
(1) انظر مفتاح كنوز السنة – باب الميم فيما ذكره عن محمد صلى الله عليه وسلم … .
(2) كتاب النهى عن القول بالقدر، وهذا الحديث الشريف وصلة ابن عبد البر من حديث كثير ابن عبد الله بن عمرو بن عوف عن أبيه عن جده (انظر تنوير الحوالك 2/208) . *
*وقال ابن عبد البر كذلك: مرسلات مالك كلها صحيحة مسندة (1/38) . وقال جلال الدين السيوطى: " ما من مرسل في الموطأ إلا وله عاضد أو عواضد … فالصواب إطلاق أن الموطأ صحيح لا يستثنى منه شىء " (نفس المرجع 1/6) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 112)
ونجد في بعض هذه المراجع العشرة الوصية بكتاب الله تعالى دون ذكر السنة، من ذلك ما جاء في سنن الدارمى: حدثنا محمد بن يوسف، عن مالك بن مغول، عن طلحة بن مصرف اليامى، قال: " سألت عبد الله بن أبى أوفى: أوصى رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: لا، قلت: فكيف كتب على الناس الوصية، أو أمروا بالوصية؟ فقال: أوصى بكتاب الله ". (انظر كتاب الوصايا. باب من لم يوص ج 2 ص 290-291)
وفى سنن النسائي رواية أخرى لهذا الحديث، وقال السيوطى في شرحه: " أوصى بكتاب الله أي بدينه، أو به وبنحوه ليشمل السنة ". (انظر كتاب الوصايا - باب هل أوصى النبي صلى الله عليه وسلم؟ ج6 ص 240) .
وفى غير المراجع العشرة نجد مثلاً في كتاب الزهد لعبد الله بن المبارك " باب في لزوم السنة " ويحتوى الباب على ثمانية أخبار.
وفى المسند لأبى بكر عبد الله بن الزبير الحميدى حدث المصنف قال: ثنا سفيان قال: ثنا مالك بن مغول عن طلحة بن مصرف قال: سألت عبد الله بن أبى أوفى: " هل أوصى رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: لم يترك رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً يوصى فيه. قلت: وكيف أمر الناس بالوصية ولم يوص؟ قال: أوصى بكتاب الله ". (انظر المجلد الثانى - حديث رقم 722) .
وفى فيض القدير شرح الجامع الصغير، نجد رواية عن أبى هريرة رضي الله عنه قال: خطب النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع فقال: " تركت فيكم شيئين لن تضلوا بعدهما: كتاب الله وسنتى، ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض ".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 113)
ومما قاله المناوى في شرحه:
إنهما الأصلان اللذان لا عدول عنهما، ولا هدى إلا منهما، والعصمة والنجاة لمن تمسك بهما. واعتصم بحبلهما، وهما الفرقان الواضح، والبرهان اللائح بين المحق إذا اقتفاهما، والمبطل إذا خلاهما، فوجوب الرجوع إلى الكتاب والسنة متعين معلوم من الدين بالضرورة.
(راجع الجزء الثالث ص 240-241، حديث رقم 3282 وشرحه، وانظر صحيح الجامع الصغير للشيخ ناصر الدين الألبانى جـ 2، حديث رقم 2934) .
ولسنا في حاجة إلى أن نطيل الوقوف هنا، فلا خلاف بين المسلمين في وجوب التمسك والاعتصام بالقرآن الكريم، والسنة النبوية المطهرة.
والخلاف حول شىء من السنة مرده إلى الخلاف حول الثبوت أو الدلالة، أما ما ثبت عن الرسول صلى الله عليه وسلم، وكان واضح الدلالة، فلا خلاف حول الأخذ به ووجوب اتباعه، فقد نطق بهذا الكتاب المجيد في مثل قوله تعالى: " وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا " (1)
وقوله عز وجل: " مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ " (2)
وقوله سبحانه وتعالى: " فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا" (3)--------------------------------------------
(1) سورة الحشر – آية 7.
(2) سورة النساء – آية 80.
(3) سورة النساء – آية 65.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 114)
إلى غير ذلك من آيات الله البينات التي بينت أن من لم يتمسك بسنة الرسول صلى الله عليه وسلم، فقد ابتعد عن الإيمان. وضل ضلالاً بعيداً.
من الواضح إذن أن عصمة الأمة وعدم ضلالها في التمسك بما أنزل الله تعالى في كتابه العزيز، وبما بينه جل شأنه على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم في السنة المطهرة، دون حاجة إلى الرجوع إلى أئمة الجعفرية، أو غيرهم من فرق الشيعة، ولكنا نجد روايات أخرى تذكر أن الرسول صلى الله عليه وسلم ترك الكتاب والعترة، وفى بعضها الأمر بالتمسك بهما حتى لا نضل.
ثانيا: روايات التمسك بالكتاب والعترة
من هذه الروايات ما رواه الإمامان مسلم وأحمد عن زيد بن أرقم، وسبق ذكره عند الحديث عن آية التطهير، وفى تلك الروايات الحث على التمسك بكتاب الله تعالى، ثم قوله صلى الله عليه وسلم: " أذَّكركم الله في أهل بيتي "، وقول زيد: " إن نساءه من أهل بيته، ولكن أهل بيته من حرم الصدقة بعده " وقال " هم آل على وآل عقيل وآل جعفر وآل عباس ". وهذه الروايات تحثنا معشر المسلمين على أن نرعى حقوق آل البيت، بيت نبينا صلى الله عليه وسلم، فنحبهم ونوقرهم وننزلهم منازلهم، فحبنا لرسولنا الأعظم يدفعنا لحبنا لآله الأطهار، وعلينا أن نصلهم، ورحم الله أبا بكر الصديق حيث قال: " والذى نفسى بيده لقرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم أحب إلى أن أصل من قرابتى" (1) ، وقال " ارقبوا محمداً صلى الله عليه وسلم في أهل بيته " (2) .--------------------------------------------
(1) البخاري - كتاب المناقب - باب مناقب رسول الله صلى الله عليه وسلم وانظر كذلك الرواية رقم 55 بالجزء الأول من المسند، وسندها صحيح.
(2) البخاري - كتاب المناقب - باب مناقب الحسن والحسين.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 115)
وبالطبع لا تدل هذه الروايات على وجوب الإمامة لآل البيت، ولا لأحد بعينه، فلا صلة بين التذكير بأهله والنص على خلافة بعضهم.
وأما باقي الروايات فإنها جاءت في المسند، وفى سنن الترمذي. وروايات المسند هي: -
1. حدثنا عبد الله، حدثني أبى، حدثنا أسود بن عامر، أخبرنا إسرائيل يعنى إسماعيل بن أبى إسحق الملائى، عن عطية، عن أبى سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" إنى تارك فيكم الثقلين، أحدهما أكبر من الآخر، كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتى أهل بيتي، وإنهما لن يفترقا حتى يردا على الحوض " (3/14) .
2.حدثنا عبد الله، حدثني أبى، حدثنا أبو النضر، حدثنا محمد يعنى ابن طلحة، عن الأعمش، عن عطية العوفى، عن أبى سعيد الخدري، عن النبي صلى الله عليه وسلم … قال: " إنى أوشك أن أدعى فأجيب، وإنى تارك فيكم الثقلين، كتاب الله عز وجل، وعترتى، كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتى أهل بيتي، وإن اللطيف الخبير أخبرني أنهما لن يفترقا حتى يردا على الحوض، فانظرونى بم تخلفونى فيهما؟ " (3/17) .
3.حدثنا عبد الله، حدثنا أبى، ثنا ابن نمير، ثنا عبد الملك يعنى ابن أبى سليمان، عن عطية، عن أبى سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إنى قد تركت فيكم الثقلين، أحدهما أكبر من الآخر، كتاب الله عز وجل حبل ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتى أهل بيتي. ألا إنهما لن يفترقا حتى يردا على الحوض " (3/26) .
4.حدثنا عبد الله، حدثني أبى، ثنا ابن نمير، ثنا عبد الملك بن أبى سليمان، عن عطية العوفى، عن أبى سعيد الخدري قال:
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 116)
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إنى قد تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا بعدى: الثقلين، أحدهما أكبر من الآخر، كتاب الله عز وجل حبل ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتى أهل بيتي. ألا إنهما لن يفترقا حتى يردا على الحوض " (3/59) .
5.حدثنا عبد الله، حدثني أبى، ثنا الأسود بن عامر، ثنا شريك، عن الركين، عن القاسم بن حسان، عن زيد بن ثابت قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إنى تارك فيكم خليفتين، كتاب الله حبل ممدود ما بين السماء والأرض - أو ما بين السماء إلى الأرض - وعترتى أهل بيتي، وإنهما لن يفترقا حتى يردا على الحوض " (5/181/182) .
6.حدثنا عبد الله، حدثني أبى، ثنا أحمد الزبيرى، ثنا شريك عن الركين، عن القاسم بن حسان، عن زيد بن ثابت قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إنى تارك فيكم خليفتين، كتاب الله وأهل بيتي، وإنهما لن يفترقا حتى يردا على الحوض جميعاً " (5/189-190) .
والترمذى أخرج روايتين هما (1) : - حدثنا نصر بن عبد الرحمن الكوفي، حدثنا زيد بن الحسن هو الأنماطى، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر بن عبد الله قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجه يوم عرفة وهو على ناقته القصواء يخطب، فسمعته يقول: " ياأيها الناس، قد تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا بعدى، كتاب الله وعترتى أهل بيتي " (حسن غريب) .
-حدثنا على بن المنذر كوفى، حدثنا محمد بن فضيل قال، حدثنا الأعمش، عن عطية، عن أبى سعيد، والأعمش عن حبيب بن أبى ثابت، عن زيد بن أرقم رضي الله عنهما قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إنى تارك فيكم ما إن--------------------------------------------
(1) انظر مناقب أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم في أبواب المناقب من سننه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 117)
تمسكتم به لن تضلوا بعدى، أحدهما أعظم من الآخر، كتاب حبل ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتى أهل بيتي، ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض، فانظروا كيف تخلفونى فيهما ". (حسن غريب) .
مناقشة الروايات
هذه هي روايات التمسك بالكتاب والعترة، وبالنظر فيها نجد ما يأتي: -
عن أبى سعيد الخدري خمس روايات، الأربع الأولى من المسند، والثانية من سنن الترمذي، وهذه الروايات كلها يرويها عطية عن أبى سعيد.
وعطية هو " عطية بن سعد بن جنادة العوفى " والإمام أحمد نفسه - صاحب المسند - تحدث عن عطية وعن روايته عن أبى سعيد فقال بأنه ضعيف الحديث، وأن الثوري وهشيما كانا يضعفان حديثه، وقال: بلغنى أن عطية كان يأتي الكلبى فيأخذ عنه التفسير، وكان يكنيه بأبى سعيد فيقول: قال أبو سعيد فيوهم أن الخدري.
وقال ابن حبان: سمع عطية من أبى سعيد الخدري أحاديث فلما مات جعل يجالس الكلبى، فإذا قال الكلبى: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا، فيحفظه، وكناه أبا سعيد، وروى عنه، فإذا قيل له: من حدثك بهذا؟ فيقول: حدثني أبو سعيد، فيتوهمون أنه يريد أبا سعيد الخدري، وإنما أراد الكلبى، قال: لا يحل كتب حديثه إلا على التعجب.
وقال البخاري في حديث رواه عطية: أحاديث الكوفيين هذه مناكير، وقال أيضاً: كان هشيم يتكلم فيه. وقد ضعفه النسائي أيضاً في الضعفاء، وكذلك أبو حاتم. ومع هذا كله وثقه ابن سعد فقال: " كان ثقه إن شاء الله، وله أحاديث
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 118)
صالحة، ومن الناس من لا يحتج به ". وسئل يحيى بن معين: كيف حديث عطية؟ قال: صالح (1)
وما ذكره ابن سعد وابن معين لا يثبت أمام ما ذكر من قبل. وقد يقُال هنا: إذا كان الإمام أحمد يرى ضعف حديث عطية فلماذا روى عنه؟
والجواب أن الإمام إنما روى في مسنده ما اشتهر، ولم يقصد الصحيح ولا السقيم. ويدل على ذلك أن ابنه عبد الله قال: قلت لأبى: ما تقول في حديث ربعى بن خراش عن حذيفة؟ قال: الذي يرويه عبد العزيز بن أبى رواد؟ قلت: نعم، قال الأحاديث بخلافه، قلت: فقد ذكرته في المسند؟ قال: قصدت في المسند المشهور، فلو أردت أن أقصد ما صح عندي لن أرو من هذا المسند إلا الشئ اليسير. وقد طعن الإمام أحمد في أحاديث كثيرة من المسند، ورد كثيراً مما روى، ولم يقل به، ولم يجعله مذهباً له (2) .
وعندما عد ابن الجوزي من الأحاديث الموضوعة أحاديث أخرحها الإمام أحمد في مسنده، وثار عليه من ثار، ألف ابن حجر العسقلانى كتابه " القول المسدد في الذب عن المسند "، فذكر الأحاديث التي أوردها ابن الجوزي، ثم أجاب عنها، ومما قال: " الأحاديث التي ذكرها ليس فيها شئ من أحاديث الأحكام في الحلال والحرام، والتساهل في إيرادها مع ترك البيان بحالها شائع، وقد ثبت عن الإمام أحمد وغيره من الأئمة أنهم قالوا: إذا روينا في الحلال والحرام شددنا. وإذا روينا في الفضائل ونحوها تساهلنا. وهكذا حال هذه الأحاديث (3) .
وما ذكره ابن حجر ينطبق على الأحاديث المروية في فضائل أهل البيت والتمسك بالعترة.--------------------------------------------
(1) انظر ترجمته في تهذيب التهذيب، وميزان الاعتدال.
(2) انظر المسند تحقيق شاكر – طلائع الكتاب 1/75.
(3) ص 11 من القول المسدد.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 119)
الرواية الثانية للترمذى رواها عن على بن المنذر الكوفي، عن محمد بن فضيل، ثم انقسم السند إلى طريقين: انتهى الأول إلى عطية عن أبى سعيد، والثانى إلى زيد بن أرقم، ولا يظهر هنا أي السندين هو الأصل. وإذا نظرنا إلى الروايات الأربع السابقة التي رواها عطية عن أبى سعيد نجد توافقاً تاماً في المعنى وفى كثير من اللفظ بينها وبين هذه الرواية، مما يرجح أن هذا الطريق هو الأصل، وهو المذكور أولاً في الإسناد، ومن قبل تحدثنا عما رواه الإمامان أحمد ومسلم عن زيد بن أرقم بطرق متعددة وفى تلك الروايات ذكر قوله صلى الله عليه وسلم " وأنا تارك فيكم ثقلين أولهما كتاب الله فيه الهدى والنور فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به " فحث على كتاب الله ورغب فيه، ثم قال: " وأهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي " (1) .
وهذا يتفق بعض الشئ مع رواية الترمذي، لكن بينهما اختلاف كبير يستوجب عدم الجمع، مما يجعلنا نطمئن إلى ضم رواية الترمذي إلى الروايات الأربع التي رواها عطية عن أبى سعيد، واستبعادها عن روايات زيد بن أرقم إلا في موضع الاتفاق.
والذى جمع بين الطريقين في هذا الإسناد على بن المنذر الكوفي أو محمد بن فضيل، ولكن الثانى روى عنه مسلم في إحدى رواياته السابقة عن زيد بن أرقم، فيُستبعد الجمع عن طريقه. فلم يبق إلا على بن المنذر، وهو من شيعة الكوفة. قال ابن أبى حاتم: سمعت منه مع أبى، وهو صدوق ثقة. وذكره ابن حبان في الثقات. وقال ابن نمير: هو ثقة صدوق. وقال الدار قطنى: لا بأس به، وكذا قال مسلمة بن قاسم، وزاد: كان يتشبع.--------------------------------------------
(1) راجع صحيح مسلم – كتاب فضائل الصحابة – باب من من فضائل على بن ابى طالب رضي الله تعالى عنهم، والمسند 4/366-367.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 120)
وقال الإسماعيلى: في القلب منه شىء لست أخيره. وقال ابن ماجه: سمعته يقول: حججت ثمانياً وخمسين حجة أكثرها راجلاً (1) .
وما سمعه منه ابن ماجه يجعلنا نتردد كثيراً في الاحتجاج بقوله: فكيف يقطع آلاف الأميال للحج ثمانياً وخمسين مرة أكثرها راجلاً؟ ليس من المستبعد إذن أن يجمع راوٍ شيعي كهذا روايتين في مناقب أهل البيت تتفقان في شىء وتختلفان في شىء آخر، وهذا يجعلنا نزداد اطمئناناً إلى ما انتهينا إليه من جعل هذه الرواية مع الروايات الأخرى لعطية عن أبى سعيد، وفصلها عن روايات زيد بن أرقم.
على أن هذه الرواية فيها ضعف آخر. وهو الانقطاع في موضعين، فالأعمش وحبيب بن أبى ثابت مدلسان. وهما يرويان بالعنعنة. فلم يثبت سماع كل منهما هنا.
والأعمش وحبيب من الثقات. وثبت سماع الأعمش من حبيب، وسماع حبيب من زيد بن أرقم. إلا أن في هذه الرواية لم يثبت السماع، والأعمش فيه تشيع وهو كوفى، وحبيب كوفى أيضاً، وفى بيئة الكوفة يمكن أن تشيع مثل هذه الأحاديث دون دقة أو تمحيص.
وحبيب نفسه قال لابن جعفر النحاس: إذا حدثني رجل عنك بحديث، ثم حدثت به عنك كنت صادقاً (2) .
فحبيب كان صادقاً ليس بكاذب، إلا أنه أبان عن رأيه، فليس من الكذب عنه أن يسمع من راوٍ عن آخر، فيروى عن الآخر مباشرة بما لايفيد السماع منه.--------------------------------------------
(1) انظر ترجمته في تهذيب التهذيب.
(2) الأعمش هو سليمان بن مهران الأسدي الكاهلى، مولاهم أبو محمد الكوفي. انظر ترجمته وترجمة حبيب في تهذيب التهذيب. وميزان الاعتدال.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 121)
وفى المستدرك روى الحاكم (1) هذا الحديث بما يفيد سماع الأعمش من حبيب. وهذا ما يحتاج إلى مراجعة الإسناد الذي ذكره، وما أكثر رجاله. غير أننا لسنا مضطرين إلى بذل هذا الجهد، فإن ثبت سماع الأعمش بقى أكثر من موطن ضعف. والحاكم ذكر الحديث بروايتين: -
إحداهما في إسنادها الإمام أحمد بن حنبل، وسيأتي أنه هو نفسه ضعف الحديث كما ذكر ابن تيمية، والأخرى بين الذهبي وهَىْ إسنادها (2) }
{) .
القاسم بن حسان العامرى الكوفي روى الروايتين الخامسة والسادسة من المسند عن زيد بن ثابت، ورجح المرحوم الشيخ أحمد شاكر توثيقه وقال:
" وثقة أحمد بن صالح، وذكره ابن حبان في ثقات التابعين، وذكر البخاري في الكبير اسمه فقط، ولم يذكر عنه شيئاً، وترجمه ابن أبى حاتم في الجرح والتعديل فلم يذكر فيه جرحاً، ثم نقل عن المنذرى أن البخاري قال: القاسم بن--------------------------------------------
(1) هو عبد الله بن عبد الله الضبى النيسابورى. ولد سنة 321 هـ وجاوز الثمانين حيث توفى سنة 405 هـ. قال عنه ابن حجر في لسان الميزان: إمام صدوق ولكنه يصحح في مستدركه أحاديث ساقطة فيكثر من ذلك، فما أدرى هل خفيت عليه؟ فما هو ممن يجهل ذلك. وإن علم فهو خيانة عظيمة
ثم هو شيعي مشهور بذلك من غير تعرض للشيخين. والحاكم أجل قدراً وأعظم خطراً وأكبر ذكراً من أن يذكر في الضعفاء. ولكن قيل في الاعتذار عنه أنه عند تصنيفه للمستدرك كان في أواخر عمره. وذكر بعضهم أنه حصل له تغير وغفلة في آخر عمره، ويدل على ذلك أنه ذكر جماعة في كتاب الضعفاء له، وقطع بترك الرواية عنهم، ومنع من الاحتجاج بهم، ثم أخرج أحاديث بعضهم في مستدركه وصححها.
(2) انظر المستدرك 3/109 - 110.
وهذا الحديث من الأحاديث التي أنكرها عليه أصحاب الحديث، ولم يلتفتوا إلى تصحيحه. … (راجع ترجمته بشئ من التفصيل في التذكرة التي كتبت في صدر كتابه معرفة علوم الحديث للدكتور السيد معظم حسين) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 122)