وفى رواية أخرى " لا يزال أمر الناس ماضياً ما وليهم اثنا عشر رجلاً " وفى إحدى الروايات كذلك " لا يزال هذا الدين عزيزاً منيعاً إلى اثنى عشر … خليفة " (1) ، وفى رواية لأبى داود " كلهم تجتمع عليه الأمة " (2) .
وتحديد الخلفاء باثنى عشر هو الذي جعل الاثنى عشرية يحتجون بهذه الروايات، ولكن من الواضح أن هذه الروايات تشير إلى المدة التي يظل فيها عزة الإسلام والدين، وصلاح حال المسلمين. وعلى قول الجعفرية تظل هذه العزة وهذا الصلاح إلى يوم القيامة كما يظهر من قولهم في الإمام الثانى عشر!
وواقع الأمر ودلالة الروايات يدلان على غير هذا. ومن الواضح كذلك أن الأمة لم تجتمع على أئمة الجعفرية، بل لم يتولوا الخلافة أصلاً باستثناء الإمام على.
3-أخرج البخاري (3) عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس قال: لما حضر النبي صلى الله عليه وسلم قال: وفى البيت رجال فيهم عمر بن الخطاب، قال: هلم أكتب لكم كتاباً لن تضلوا بعدى. قال عمر: إن النبي صلى الله عليه وسلم غلبه الوجع وعندكم القرآن فحسبنا كتاب الله. واختلف أهل البيت واختصموا، فمنهم من يقول: قربوا يكتب لكم رسول الله صلى الله عليه وسلم كتاباً لن تضلوا بعده، ومنهم من يقول ما قال، فلما أكثروا اللغط والاختلاف عند النبي صلى الله عليه وسلم قال: قوموا عنى.
قال عبيد الله: فكان ابن عباس يقول: إن الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب من اختلافهم ولغطهم.
وعن سعيد بن جبير قال: قال ابن عباس: يوم الخميس، وما يوم الخميس؟ اشتد برسول الله صلى الله عليه وسلم وجعه فقال: إئتونى أكتب لكم كتاباً لن تضلوا بعده أبداً. فتنازعوا، ولاينبغى عند نبي تنازع، فقالوا: ماشأنه أهجر؟ استفهموه، فذهبوا يردون عليه فقال: دعونى فالذى أنا فيه خير مما تدعوننى إليه، وأوصاهم بثلاث، قال: أخرجوا المشركين من جزيرة العرب، وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم، وسكت عن الثالثة، أو قال: فنسيتها (4) .
وفى رواية للإمام أحمد (5) : حدثنا سفيان عن سليمان بن أبى مسلم خال ابن أبى نجيح، سمع سعيد جبير يقول: قال ابن عباس: يوم الخميس، وما يوم الخميس، ثم بكى حتى بل دمعه - الحصى، قلنا يا أبا العباس، وما يوم الخميس؟ قال: اشتد برسول الله صلى الله عليه وسلم وجعه فقال: ائتونى أكتب لكم كتاباً لا تضلوا بعده أبداً،--------------------------------------------
(1) راجع مسلم – كتب الإمارة – باب الناس تبع لقريش والخلافة في قريش.
(2) راجع سنن أبى داود – كتاب المهدى.
(3) كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة – باب كراهية الخلاف.
(4) راجع صحيح البخاري - باب مرض النبي صلى الله عليه وسلم ووفاته.
(5) المسند ج 3 رواية رقم 1935، وانظر تخريج الشيخ شاكر وشرحه لها.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 143)
فتنازعوا، ولا ينبغى عند نبي تنازع، فقالوا ما شأنه؟ أهجر؟ قال سفيان: يعنى هذى، استفهموه، فذهبوا يعيدون عليه، فقال: دعونى، فالذى أنا فيه خير مما تدعونى إليه، وأمر بثلاث، وقال سفيان مرة أوصى بثلاث قال: أخرجوا المشركين من جزيرة العرب، وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم، وسكت سعيد عن الثالثة، فلا أدرى أسكت عنها عمداً، وقال مرة أو نسيها؟ وقال سفيان مرة: وإما أن يكون تركها أو نسيها.
ووردت هذه الروايات كذلك في صحيح مسلم (1) .--------------------------------------------
(1) كتاب الوصية - باب ترك الوصية، وفى كتاب الجهاد والسير من صحيح البخاري - باب جوائز الوفد - جاءت رواية أخرى اختلفت النسخ في متنها (انظر طبعة مطابع الشعب سنة 1378 هـ) ففي إحدى النسخ أسند الهجر إلى الرسول الكريم بغير استفهام، ولكن في نسختين أخريين أثبتت همزة الاستفهام، ولعلهما هنا أصح، وهذا يتفق مع الروايات الأخرى، وفى صحيح مسلم كانت الروايات بلفظ " أهجر" ولكن رواية جاءت بلفظ " إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يهجر " هكذا بغير استفهام بل بأداة تأكيد! وصاحب فتح البارى تحدث عن المراد بقولهم … " أهجر " فقال: المراد به هنا ما يقع من كلام المريض الذي لا ينتظم ولا يعتد به لعدم* … *فائدته، ووقوع ذلك من النبي صلى الله عليه وسلم مستحيل، لأنه معصوم في صحته ومرضه لقوله تعالى … (3: النجم) {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى} ، ولقوله صلى الله عليه وسلم: " إنى لا أقول في الغضب والرضا إلا حقاً". وإذا عرف ذلك فإنما قاله من قاله منكراً على من توقف في امتثال أمره بإحضار الكتف والدواة، فكأنه قال: كيف تتوقف؟ أتظن أنه كغيره يقول الهذيان في مرضه؟ ويحتمل أن بعضهم قال ذلك عن شك عرض له، ولكن يبعده أن لا ينكره الباقون عليه من كونهم من كبار الصحابة ولو أنكروه عليه لنقل. ويحتمل أن يكون الذي قال ذلك صدر عن دهش وحيرة كما أصاب كثيراً منهم عند موته. ويحتمل أن يكون قائل ذلك أراد أنه اشتد وجعه فأطلق اللازم وأراد الملزوم، لأن الهذيان الذي يقع للمريض ينشأ من شدة وجعه. وقيل: قال ذلك لإرادة سكوت الذين لغطوا ورفعوا أصواتهم عنده، فكأنه قال: إن ذلك يؤذيه ويفضى في العادة إلى ما ذكره ".
ثم قال: وأوصاهم بثلاث أي في تلك الحالة، وهذا يدل على أن الذي أراد أن يكتب لم يكن أمراً متحتماً، لأنه لو كان مما أمر بتبليغه لم يكن يتركه لوقوع اختلافهم، ويعاقب الله من حال بينه وبين تبليغه، ولبلغه لهم لفظاً كما أوصاهم بإخراج المشركين وغير ذلك وقد عاش بعد هذه المقالة أياماً، وحفظوا عنه أشياء لفظاً، فيحتمل أن يكون مجموعها ما أراد أن يكتبه والله أعلم. (انظر باب مرض النبي صلى الله عليه وسلم ووفاته) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 144)
ولا تبدو صلة بين هذه الروايات وبين الإمامة، ولكن الوصية الثالثة - التي نسيت أو تركت - كانت المدخل للجدال! فوجدنا من الجعفرية من يقول بأن الصحابة " علموا أنه صلى الله عليه وسلم إنما أراد توثيق العهد بالخلافة، وتأكيد النص بهذا علَى علىّ خاصة، وعلى الأئمة من عترته عامة، فصدوه عن ذلك كما اعترف به الخليفة الثانى في كلام دار بينه وبين ابن عباس، وأنت إذا تأملت في قوله صلى الله عليه وسلم … " ائتونى أكتب لكم كتاباً لن تضلوا بعده "، وقوله في حديث الثقلين: " إنى تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا، كتاب الله وعترتى أهل بيتي "، تعلم أن المرمى في الحديثين واحد، وأنه صلى الله عليه وسلم أراد في مرضه أن يكتب لهم تفصيل ما أوجبه عليهم في حديث الثقلين " - كتاب المراجعات ص 284، وفى ص 255 قال: " ومع
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 145)
ذلك فقد أوصاهم عند موته بوصايا ثلاث: أن يولوا عليهم علياً، وأن يخرجوا المشركين من جزيرة العرب، وأن يجيزوا الوفد بنحو ما كان يجيزه، لكن السلطة والسياسة يومئذ ما أباحتا للمحدثين بوصيته الأولى، فزعموا أنهم نسوها ".
ولسنا في حاجة إلى الحديث عن كبار الصحابة، رضوان الله عليهم. وعن تنزيههم عن مثل هذه المفتريات، ولكن يكفى أن نقول: بأن هذه الروايات ليست دليلاً قائماً بذاته وإنما يحتاج إلى أدلة أخرى لترجيح احتمالات الوصية الثالثة وما أريد كتابته، ولذلك احتج بحديث الثقلين للاستدلال، وهذا الحديث لم يصح له إسناد كما ثبت من قبل، والذى صح حديث التمسك بالكتاب والسنة، فلعله هو المراد من الوصية الثالثة.
على أن ذلك من باب الترجيح لا الجزم (1) . واتهام المحدثين بأنهم زعموا النسيان خوفاً من السلطة وميلاً مع السياسية، وهم يعلمون أن الوصية خاصة بخلافة على، هذا الاتهام لو صح فإنه يوجه إلى سعيد بن جبير، ويكفى لرده أن يعرف تاريخ سعيد، وشجاعته أمام الحجاج، وأن نقرأ ما كتب عنه في كتب الجعفرية أنفسهم (2) .--------------------------------------------
(1) جاء في الموضع السابق من فتح البارى: " قال الداودى: الثالثة الوصية بالقرآن، وبه جزم ابن التين. وقال المهلب: بل هو تجهيز جيش أسامة، وقواه ابن بطال بأن الصحابة لما اختلفوا على أبى بكر في تنفيذ جيش أسامة قال لهم أبو بكر إن النبي صلى الله عليه وسلم عهد بذلك عند موته. وقال عياض: يحتمل أن تكون هو قوله (ولا تتخذوا قبرى وثنا) فإنها ثبتت في الموطأ مقرونة بالأمر بإخراج اليهود. ويحتمل أن يكون ما وقع في حديث أنس أنها قوله: الصلاة وما ملكت أيمانكم.
(2) انظر ما كتب عنه في الغدير 1/65.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 146)
وإن تعجب فعجب قولهم بأن الفاروق اعترف بأن الكتاب أريد به توثيق العهد بالخلافة لعلى والأئمة من عترته، وأنه هو وكبار الصحابة صدوا الرسول صلى الله عليه وسلم عن ذلك! (1)
{) .
وسيأتي بعد قليل رواية الصحيحن عن عمر بأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يستخلف.--------------------------------------------
(1) قال ابن تيمية: " من توهم أن هذا الكتاب كان بخلافة على فهو ضال باتفاق عامة الناس من علماء السنة والشيعة، وأما أهل السنة فمتفقون على تفضيل أبى بكر وتقديمه. وأما الشيعة القائلون بأن علياً كان هو المستحق للإمامة فيقولون أنه قد نص على إمامته قبل ذلك نصاً جلياً ظاهراً معروفا، وحينئذ فلم يكن يحتاج إلى كتاب، وإن قيل: إن الأمة جحدت النص المعلوم المشهور فلأن تكتم كتاباً حضره طائفة قليلة أولى وأحرى ، وأيضاً فلم يكن يجوز عندهم تأخير البيان إلى مرض موته، ولا يجوز له ترك الكتاب لشك من شك، فلو كان ما يكتبه في الكتاب مما يجب بيانه وكتابته لكان النبي صلى الله عليه وسلم يبينه ويكتبه ولا يلتفت إلى قول أحد فإنه أطوع الخلق له (أي للواجب) . فعلم أنه لما ترك الكتاب لم يكن الكتاب واجباً ولا كان فيه من الدين ما تجب كتابته حينئذ، إذ لو وجب لفعله (المنتقى ص 349-350) .
وقال العقاد: " أما القول بأن عمر هو الذي حال بين النبي صلى الله عليه وسلم والتوصية باختيار على للخلافة بعده فهو قول من السخف بحيث يسىء إلى كل ذى شأن في هذه المسألة، ولا تقتصر مساءته على عمر ومن رأي في المسألة مثل رأيه. فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يدع بالكتاب الذي طلبه ليوصى بخلافة على أو خلافة غيره، لأن الوصية بالخلافة لا تحتاج إلى أكثر من كلمة تقال، أو إشارة كالإشارة التي فهم منها إيثار أبىبكر بالتقديم، وهى إشارته إليه أن يصلى بالناس، وقد عاش النبي بعد طلب الكتاب فلم يكرر طلبه، ولم يكن بين على وبين لقائه حائل، وكانت السيدة فاطمة زوج على عنده إلى أن فاضت نفسه الشريفة، فلو شاء لدعى به وعهد إليه. وفضلاً عن هذا السكوت الذي لا إكراه فيه، نرجع إلى سابقة من سنن النبي في تولية الولاة، فنرى أنه كان يجنب آله الولاية ويمنع وراثة الأنبياء، وهذه السنة مع هذا السكوت لا يدلان على أن محمداً صلى الله عليه وسلم أراد خلافة على فحيل بينه وبين الجهر بما أراد ". (عبقرية عمر ص 209-210) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 147)
خامسا: روايات لها صلة بموضوع الإمامة
مما سبق نرى أن السنة النبوية - كما روتها الكتب الثمانية وغيرها أيضاً مما رجعنا إليه - ليس فيها ما يؤيد عقيدة الشيعة الجعفرية في الإمامة، وفى هذه الكتب وردت روايات أخرى لها صلة بموضوع الإمامة نعرضها ونناقشها فيمتا يأتي: -
من يؤمّر بعدك؟
1- روى الإمام أحمد بسند صحيح (1) عن الإمام على رضي الله عنه أنه قال: " قيل: يا رسول الله: من يؤمر بعدك؟ قال: إن تؤمروا أبا بكر تجدوه أميناً زاهداً في الدنيا راغباً في الآخرة، وإن تؤمروا عمر تجدوه قوياً أميناً لا يخاف في الله لومة لائم، وإن تؤمروا عليّاً، ولا أراكم فاعلين تجدوه هادياً مهدياً يأخذ بكم الطريق المستقيم ".
وهذا الحديث الشريف يدل على أن الإمامة بالاختيار لا بالتعيين، فالرسول صلى الله عليه وسلم لم يعين أحداً، وإنما جعل هذا للمسلمين، وذكر ثلاثة يصلحون لخلافته (2) .
الاستخلاف
2- روى الشيخان بسندهما عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: " قيل لعمر: ألا تستخلف؟ قال: إن أستخلف فقد استخلف من هو خير منى؛ أبو بكر، وإن أترك فقد ترك من هو خير منى، رسول الله صلى الله عليه وسلم. فأثنوا عليه فقال: راغب راهب، وددت أنى نجوت منها كفافاً لا لي ولا على، لا أتحملها حياً وميتاً " (3) .--------------------------------------------
(1) انظر ج 2 - رواية رقم " 859" - وراجع بيان الشيخ شاكر لصحة الإسناد.
(2) ذكر صاحب كتاب الغدير (1/12) الجزء الأخير فقط " وإن تؤمروا علياً " ولم يشر إلى الصاحبين، وبذلك يتغير مدلول الحديث ليتفق مع عقيدته!
(3) راجع البخاري - كتاب الأحكام: باب الاستخلاف، ومسلم: كتاب الإمارة باب الاستخلاف وتركه، واللفظ للبخاري.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 148)
وفى رواية أخرى لمسلم بسند آخر عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، قال: " دخلت على حفصة فقالت: أعلمت أن أباك غير مستخلف؟ قال: فقلت: ما كان ليفعل. قالت: إنه فاعل. قال: فحلفت أنى أكلمه في ذلك، فسكت حتى غدوت ولم أكلمه، قال: فكنت كأنما أحمل بيمينى جبلاً حتى رجعت، فدخلت عليه، فسألنى عن حال الناس وأنا أخبره، قال: ثم قلت: إنى سمعت الناس … يقولون فآليت أن أقولها لك، زعموا أنك غير مستخلف، وإنه لو كان لك راعى إبل أو راعى غنم ثم جاءك وتركها رأيت أن قد ضيع، فرعاية الناس أشد. قال: فوافقه قولى فوضع رأسه ساعة ثم رفعه إلىّ فقال: إن الله عز وجل يحفظ دينه، وإنى لئن لا أستخلف فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يستخلف، وإن أستخلف فإن أبا بكر قد استخلف. قال: فوالله ما هو إلا أن ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا بكر فعلمت أنه لم يكن ليعدل برسول الله صلى الله عليه وسلم أحداً، وأنه غير مستخلف" (1) .
وروى أحمد بسند صحيح عن الإمام على رضي الله عنه أنه قال: " لتخضبن هذه من هذا، فما ينتظر بى الأشقى؟ قالوا: ياأمير المؤمنين، فأخبرنا به نبير عترته! قال: إذن تالله تقتلون بى غير قاتلى، قالوا: فاستخلف علينا، قال: لا ولكن أترككم إلى ما ترككم إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم. قالوا: فما تقول لربك إذا أتيته؟ قال: اللهم تركتنى فيهم ما بدا لك، ثم قبضتنى إليك وأنت فيهم، فإن شئت أصلحتهم، وإن شئت أفسدتهم ".--------------------------------------------
(1) انظر الموضع السابق من صحيح مسلم، وروى أبو داود عن ابن عمر أيضاً قال: قال عمر: إنى إن لا أستخلف، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يستخلف، وإن استخلف فإن أبا بكر قد استخلف، قال: فوالله إلا أن ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا بكر فعلمت أنه لا يعدل برسول الله صلى الله عليه وسلم أحداً، وأنه غير مستخلف. (انظر سنن أبى داود - كتاب الخراج والفىء والإمارة - باب في الخليفة يستخلف) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 149)
وفى رواية بسند آخر أن الإمام قال: " والذى فلق الحبة وبرأ النسمة لتخضبن هذه من هذه، قال الناس: فأعلمنا من هو؟ والله لنبيرن عترته! قال: أنشدكم بالله أن يقتل غير قاتلى، قالوا: إن كنت قد علمت ذلك استخلف إذن. قال لا، ولكن أكلكم إلى ما وكلكم إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم (1) .
فهذه الروايات تدل على أن عمر وعلياً رضي الله عنهما لم يستخلفا أحداً تأسياً برسول الله صلى الله عليه وسلم، فهى تشترك مع الرواية الأولى في الدلالة على أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يعين أحد لخلافته.
ويؤيد هذا أيضاً ما أخرجه أحمد بسند صحيح عن قيس بن عباد قال: " كنا مع على فكان إذا شهد مشهداً أو أشرف على أكمة أو هبط وادياً قال: سبحان الله! صدق الله ورسوله، فقلت لرجل من بنى يشكر: انطلق بنا إلى أمير المؤمنين حتى نسأله عن قوله صدق الله ورسوله، قال: فانطلقنا إليه: فقلنا: يأأمير المؤمنين، رأيناك إذا شهدت مشهداً، أو هبطت وادياً، أو أشرفت على أكمة، قلت: صدق الله ورسوله، فهل عهد رسول الله إليك شيئاً في ذلك؟ قال: فأعرض عنا، وألححنا عليه، فلما رأي ذلك قال: والله ما عهد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم عهداً إلا شيئاً عهده إلى الناس، ولكن الناس وقعوا على عثمان فقتلوه، فكان غيرى فيه أسوأ حالاً وفعلاً منى، ثم إنى رأيت أنى أحقهم بهذا الأمر فوثبت عليه، فالله أعلم أصبنا أم أخطأنا (2) .--------------------------------------------
(1) انظر المسند ج 2 الروايتين 1078، 1339، وبالحاشية بيان الشيخ شاكر لصحة الإسناد.
(2) انظر الرواية وصحة إسنادها بالمسند ج 2 رقم 1206.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 150)
وكذلك يؤيد ما سبق ما رواه الشيخان وأحمد بأسانيد صحيحة أن الرسول صلى الله عليه وسلم مات ولم يوص، وقد روى هذا عن ابن عباس، وعبد الله بن أبى أوفى، والسيدة عائشة (1) .
يأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر
3- روى البخاري بسنده عن السيدة عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلوات الله عليه قال: " لقد هممت أو أردت أن أرسل إلى أبى بكر وابنه فأعهد، أن يقول القائلون أو يتمنى المتمنون، ثم قلت: يأبى الله ويدفع المؤمنون أو يدفع الله ويأبى المؤمنون " (2) .
وروى مسلم عنها أيضاً أنها قالت: " قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرضه: ادعى لي أبا بكر أباك وأخاك حتى أكتب كتاباً، فإنى أخاف أن يتمنى متمن ويقول قائل أنا أولى، ويأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر " (3) .
وأخرج أحمد في مسنده هذا الحديث الشريف بسند صحيح كسند مسلم، وبسندين آخرين (4) .--------------------------------------------
(1) راجع صحيح البخاري - باب مرض النبي صلى الله عليه وسلم ووفاته، وكتاب التفسير: باب من قال لم يترك النبي صلى الله عليه وسلم إلا ما بين الدفتين، وباب الوصاة بكتاب الله عز وجل وراجع كذلك مسلم كتاب الوصية: باب ترك الوصية. والمسند حـ 5 روايات 3189، 3355، 3356.
(2) البخاري - كتاب الأحكام - باب الاستخلاف.
(3) مسلم كتاب الفضائل - باب من فضائل أبى بكر الصديق.
(4) انظر المسند حـ 6 ص 47، 106، 144 وذكر استاذ الفلسفة الدكتور أحمد محمود صبحى الرواية الأخيرة لهذا الحديث الشريف، ولم يذكر مصادره بل اكتفى بنسبته لبعض أهل السنة، ثم قال " ولا شك أن الوضع ظاهر في هذا الحديث، وأنه أريد به معارضة حديث الشيعة في أمر كتاب النبي الذي ينسب إلى عمر* *أنه منعه، ولو صح كتاب النبي إلى أبى بكر لكان نصاً جلياً لأبى بكر، وهو ما لم يقل به جمهور المسلمين "
ورجل الفلسفة أقحم نفسه هنا فيما لا يعرف، فحديث يرويه الشيخان والإمام أحمد بسند صحيح كيف يقال أنه موضوع بلا شك؟ ! ومن المتهم بالوضع إذن؟
والشيخان والإمام أحمد رووا الحديث الذي ظنه حديث الشيعة في أمر كتاب النبي وقال: بأن هذا وضع لمعارضته! ورواية البخاري تدل أن الرسول صلى الله عليه وسلم هم ولكنه لم يرسل، فلا نصاً جلياً هنا لأبى بكر حتى يرفض الحديث لعدم صحة المتن.
والمؤلف كذلك اعتبر حديث التمسك بالكتاب والعترة من الأحاديث المتفق على صحتها عند أهل السنة، مع أن رواياته لم تصح منها واحدة كما بينا من قبل. (انظر كتابه نظرية الإمامة ص 235-236) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 151)
وهذا الحديث الشريف يدل على أن الخلافة لو كانت بالنص لكانت لأبى بكر الصديق، فهو الأولى بها، وتم ما قاله الرسول صلى الله عليه وسلم، فقد أبى الله سبحانه والمؤمنون إلا أبا بكر.
وأرى أن الرسول صلوات الله عليه قد مهد لخلافة الصديق بعدة أمور، منها: جعله أمير الحج في العام التاسع، ولما أرسل أبا الحسن بسورة براءة لم يرسله أميراً، بل جعله تحت إمرة الصديق.
ومنها خطبته صلى الله عليه وسلم في مرضه الذي مات فيه، فقد أخرج البخاري بسنده عن أبى سعيد الخدري قال: خطب النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن الله خير عبداً بين الدنيا وبين ما عنده فاختار ماعند الله. فبكى أبو بكر رضي الله عنه، فقلت في نفسى: ما يُبكى هذا الشيخ، إن يكن الله خير عبداً بين الدنيا وبين ماعنده فاختار ما عند الله، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم هو العبد، وكان أبو بكر أعلمنا.
قال: يا أبا بكر لا تبك، إن أمنّ الناس على في صحبته وماله أبو بكر، ولو كنت متخذاً خليلاً من أمتى لاتخذت أبا بكر ولكن أخوة الإسلام ومودته، لا يبقين في المسجد باب إلا سد إلا باب أبى بكر ".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 152)
وأخرج البخاري أيضاً بسنده عن ابن عباس قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرضه الذي مات فيه عاصباً رأسه بخرقة، فقعد على المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: إنه ليس من الناس أحد أمن على في نفسه وماله من أبى بكر بن أبى قحافة، ولو كنت متخذاً من الناس خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً ولكن خلة الإسلام أفضل، سدوا عنى كل خوخة في هذا المسجد غير خوخة أبى … بكر " (1) .
وروى الخطبة كلُُّ من أحمد والترمذى بسند صحيح (2) .
ومما مهد كذلك لخلافة الصديق أمر الرسول صلى الله عليه وسلم أن يؤم المسلمين في الصلاة عندما اشتد المرض ولم يستطع صلى الله عليه وسلم أن يؤمهم، واستمر المسلمون مأمومين خلف أبى بكر إلى أن انتقل الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى.
وروى أحمد في مسنده بسند صحيح عن عبد الله بن مسعود، وروى النسائي عنه أيضاً (3) قال: " لما ُقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت الأنصار: منا أمير ومنكم أمير، فأتاهم عمر فقال: يا معشر الأنصار، ألستهم تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أمر أبا بكر أن يؤم الناس؟ فأيكم تطيب نفسه أن يتقدم أبا بكر؟ فقالت الأنصار: نعوذ بالله أن نتقدم أبا بكر ". فإمامة الصلاة إذن مما مهد للإمامة الكبرى (4)--------------------------------------------
(1) راجع صحيح البخاري - كتاب الصلاة: باب الخوخة والممر في المسجد.
(2) راجع المسند جـ 4 رواية رقم 2432. والترمذى: كتاب المناقب: باب مناقب أبى بكر الصديق.
(3) انظر المسند ج 1 رواية رقم 133، وانظر كذلك ج 5 الروايتين 3765، 3842 وانظر سنن النسائي - كتاب الإمامة، واللفظ لأحمد.
(4) ذكر سيدى عبد القادر الجيلانى -الذي ينتهى نسبه إلى الحسن بن على بن أبى طالب رضي الله عنهم أن خلافة أبى بكر رضي الله عنه كانت باتفاق المهاجرين والأنصار وفيهم* *الإمام على، وذكر قول عمر في إمامة الصلاة التي رواها الإمام أحمد، ثم قال: " قيل في النقل الصحيح: لما بويع أبو بكر الصديق قام ثلاثاً يقبل على الناس يقول: ياأيها الناس أقلتكم بيعتى، هل من كاره؟ فيقوم على في أوائل الناس فيقول: لا نقيلك ولا نستقيلك أبداً، قدمك رسول الله صلى الله عليه وسلم فمن يؤخرك؟ وبلغنا عن الثقات أن علياً رضي الله عنه كان أشد الصحابة قولاً في إمامة أبى بكر رضي الله عنه. وروى أن عبد الله بن الكواء دخل على على بعد قتال الجمل وسأله: هل عهد إليك رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الأمر شيئاً؟ فقال: نظرنا في أمرنا فإذا الصلاة عضد الإسلام، فرضينا لدنيانا بما رضي الله ورسوله لديننا، فولينا الأمر أبا بكر ".
انظر الغنية 1/68، وراجع كذلك القول في عدم تأخر الإمام على عن المبايعة فيما نقلناه عن فتح البارى في حاشية ص 18 من فصل الإمامة عند الجمهور والفرق المختلفة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 153)
{) .
ومما مهد لهذه الإمامة كذلك ما رواه الشيخان بأسانيدهما عن جبير بن مطعم قال: أتت النبيصَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ امرأة فكلمته في شئ فأمرها أن ترجع إليه، قالت: يا رسول الله، أرأيت إن جئت ولم أجدك كأنها تريد الموت، قال: إن لم تجديني فأتي أبا بكر (1) .
المهدى
4-أخرج أحمد في مسنده عن الإمام على قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " المهدى منا أهل البيت يصلحه الله في ليلة ".
وفى رواية أخرى " لو لم يبق من الدنيا إلا يوم لبعث الله عز وجل رجلاً منا، يملؤها عدلاً كما ملئت جوراً ".
وفى المسند أيضاً عن عبد الله بن مسعود، عن النبي صلى الله عليه وسلم: " لا تقوم الساعة حتى يلى رجل من أهل بيتي، يواطئ اسمه اسمى ".--------------------------------------------
(1) انظر البخاري كتاب الأحكام: باب الاستخلاف، ومسلم كتاب فضائل الصحابة: باب من فضائل أبى بكر الصديق، واللفظ للبخاري.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 154)
وفى رواية ثانية: " لا تذهب الدنيا أو قال: لا تنقضى الدنيا حتى يملك العرب رجل من أهل بيتي ويواطئ اسمه اسمى "، ووردت هذه الرواية بأسانيد … أخرى (1) .
وأحاديث المهدى لم يرد منها شىء في الصحيحين، ولكنها جاءت في المسند وكتب السنن، وكثر حولها الجدل. والذى يعنينا هنا هو أن الأحاديث منها صحيحة الأسانيد بما لايدع مجالاً لرفضها (2) ومع هذا فإنها لا تدل على أنه المهدى الذي قالت به " الجعفرية " وإنما هو رجل من أهل البيت يُبعث قبيل الساعة، وفى بعض الروايات أنه يحكم خمس سنين أو سبعاً أو تسعاً (3) .--------------------------------------------
(1) سئل أستاذنا العلامة المحقق محمود محمد شاكر عن المهدى قال: الحديث عن المهدى متصل بالمسيح والمسيح الدجال، فالثلاثة من علامات الساعة، وسيكونون في وقت واحد، ومن هنا يظهر خطأ من يجعل المهدى منفصلاً عن غيره. وسيكون المهدى حاكماً كسائر الحكام، ثم يهديه الله سبحانه وتعالى ويصلحه في ليلة. وأشار سيادته إلى خطأ الشيعة وأمثالهم، وخطأ المنكرين لأحاديث المهدى صحيحة. وفى صحيح مسلم قول الرسول صلى الله عليه وسلم: " لا تزال طائفة من أمتى يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة. قال: فينزل عيسى بن مريم عليه السلام فيقول أميرهم: تعال صل لنا، فيقول: لا، إن بعضكم على بعض أمراء تكرمه الله هذه الأمة ". وعقب الشيخ ناصر الدين الألبانى على كلمة " أميرهم " بقوله: " هو المهدى محمد بن عبد الله عليه السلام كما تظاهرت بذلك الأحاديث بأسانيد بعضها صحيح، وبعضها حسن، وقد خرجت شيئاً منها في (الأحاديث الضعيفة) ". انظر مختصر صحيح مسلم - حديث رقم 2061.
(2) انظر روايات المسند وتخريجها: جـ 2، جـ 5، جـ 6،: روايات 645، 773، 3571، 3572، 3573، 4098، 4279.
(3) انظر الترمذي - كتاب الفتن: باب ما جاء في المهدى، وفى سنن ابن ماجة " يكون في أمتى المهدى، إن قصر فسبع، وإلا فتسع ". (كتاب الفتن - باب خروج المهدى، وانظر سنن أبى داود - كتاب المهدى) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 155)
فلابد من أحاديث أخرى تبين أنه الإمام الثانى عشر المعين بالنص، الذي بقى من القرن الثالث الهجرى إلى قيام الساعة (1) !
وهاذا ما لم نجده في كتب الحديث الثمانية التي التزمنا الرجوع إليها، ولا في غيرها من الكتب التي رجعنا إليها، بل وجدنا أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يعين أحداً للخلافة من بعده كما ذكرنا من قبل، والإمام الثانى عشر الذي قالت به الجعفرية تبع لقولهم في باقي الأئمة. ووجدنا كذلك في بعض الأحاديث ما ينقض قول الجعفرية، ففيها " يؤاطئ اسمه اسمى واسم أبيه اسم أبى ". وفيها أن علياً نظر إلى ابنه الحسن رضي الله عنهما فقال: إن ابنى هذا سيد كما سماه النبي صلى الله عليه وسلم وسيخرج من صلبه رجل يسمى باسم نبيكم صلى الله عليه وسلم يشبهه في الُخلق ولا يشبهه في الخْلق صلى الله عليه وسلم.... يملأ الأرض عدلاً (2)
وبعد: فتلك سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم تشهد بصحة ما ذهب إليه جمهور المسلمين، وتشهد بأن الإمامة ما كانت بنص ولا تعيين. فالحمد لله عز وجل الذي هدانا … لهذا، وما كنا لنهتدى لولا أن هدانا الله.--------------------------------------------
(1) ذهبت فرقة الشيخية - التي خرجت على الجعفرية - إلى أن المهدى سيوجد بالولادة مما أثار غضب الاثنى عشرية. (انظر المهدية في الإسلام ص 241) .
(2) فالمهدى إذن اسمه محمد بن عبد الله وليس محمد بن الحسن، وينتهى نسبه إلى الحسن لا إلى الحسين رضي الله عنهما. (انظر عون المعبود شرح سنن أبى داود - كتاب المهدى 11 / 370، 371، 381، 382) وفى التفسير الكاشف للعالم الجعفرى محمد جواد مغنية أشار إلى المهدى وأحاديثه وقال: وفى هذا المعنى أحاديث كثيرة وصحيحة، منها ما رواه أبو داود في كتاب السنن - وهو أحد الصحاح السته: " قال رسول الله: لو لم يبق من الدنيا إلا يوم واحد لطول الله ذلك اليوم حتى يبعث رجلاً من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمى واسم أبيه اسم أبى " … (5/302) .
ولا ندرى لم ذكر هذا الحديث الشريف واعترف بصحته مع أنه يخالف عقيدته!
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 156)
الفصل الرابع
الاستدلال بالتحريف والوضع
رأينا في الفصول السابقة أن عقيدة الإمامة عند الشيعة الاثنى عشرية لا تستند إلى شيء من القرآن الكريم، واستدلالاتهم تبنى على روايات متصلة بأسباب النزول، وتأويلات انفردوا بها، ولم يصح شيء من هذا ولا ذاك بما يمكن أن يكون دليلا يؤيد مذهبهم. كما رأينا أن السنة النبوية المطهرة لا تؤيد هذه العقيدة الباطلة، بل تعارضها، وتثبت بطلانها بكثير من الأحاديث الصحيحة الصريحة.
والإسلام ـ عقيدة وشريعة ـ إنما يستمد من الكتاب العزيز والسنة المشرفة. وكان إذن يمكن الاكتفاء بما سبق والانتقال إلى موضوع آخر، غير أننى رأيت أن كتبهم التي يحاولون بها إفساد المجتمع المسلم، ونشر هذه العقيدة الباطلة، رأيت هذه الكتب لا تكتفي بما سبق مما ناقشناه من الأدلة، بل تلجأ إلى تحريف القرآن الكريم نصا ومعنى، وجمع الروايات المختلفة للأحاديث الموضوعة والباطلة، وتقدم كل هذا على أنه أدلة ثابتة أو يقينية متواترة تؤيد عقيدتهم. وغير أهل الاختصاص، وهم الكثرة، بل عامة الناس، لا يستطيعون أن يميزوا بين الروايات الصحيحة وغير الصحيحة.
ولذلك كان من المناسب كشف هذا التضليل وبيان هذا الباطل. ومن الكتب القديمة التي حاولت إفساد المجتمع المسلم آنذاك كتاب " منهاج الكرامة في معرفة الإمامة " لابن المطهر الحلي وقد رد عليه بالتفصيل ممن عاصره شيخ الإسلام ابن تيمية بكتابه القيم الفذ " منهاج السنة النبوية ".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 157)
وفى عصرنا وجدنا كتابا طبع منه ملايين النسخ، أو مئات الآلاف على أقل تقدير، حاول مؤلفه أيضا أن يفسد المجتمع المسلم المعاصر، وأن يشككه في عقيدته الصحيحة، ويزين له باطل هذا الرافضي، وهذا الكتاب المشهور هو كتاب المراجعات لعبد الحسين شرف الدين الموسوي، وقد رددت عليه بكتابي" المراجعات المفتراة على شيخ الأزهر البشرى ".
وفى هذا الفصل أتناول شيئا من كتابى الرافضيين، والرد عليهما، وبيان بعض ما جاء فيهما من الباطل والضلال، كما نبين منهج الرافضة في التضليل، والله عز وجل هو المستعان.
تحريف القرآن الكريم
للاستدلال بالقرآن الكريم على عقيدة الرافضة، سلكوا كغيرهم من الفرق الضالة مسلك التحريف في النص والمعنى، وسنرى هذا بوضوح وجلاء عند دراستنا لكتب تفسيرهم، وبيان موقفهم من القرآن الكريم، وكذلك عند عرضنا لكتابهم الأول ـ والأعلى عندهم ـ في الحديث، وهو كتاب الكافى، وذلك أثناء عرض الأبواب والأخبار المتصلة بالقرآن المجيد.
وعبد الحسين في كتابه نرى المراجعة الثانية عشرة تدور حول ما أسماه … " حجج الكتاب "، وذكر فيها كثيرا من الآيات الكريمة، وحرف معناها حتى بدا القرآن الكريم كأي كتاب من كتب الفرق الضالة وليس " ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ"، " وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ " فعلى سبيل المثال جاء في هذه المراجعة أن الرافضة هم مراد الله تعالى فيمن ذكر أنهم أصحاب الجنة، والمتقون، وخير البرية، … إلى آخره، أما خير أمة
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 158)
أخرجت للناس من الصحابة الكرام الذين رضي الله تعالى عنهم ورضوا عنه، فهؤلاء في زعم خليفة ابن سبأ هم أصحاب النار، والفجار، والكفار، وكذلك خير البشر بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم أبو بكر الصديق، وعمر الفاروق، حيث خصهما بمزيد من الطعن؛ فهما في زعمه الجبت والطاغوت وأئمة الضلال. وهكذا يستمر هذا الرافضي اللعين في زندقته وضلاله مما يوجب إقامة الحد عليه.
وما ذكره هذا الرافضي يردده غلاة الرافضة في كتبهم واستدلالاتهم. ومعظم ما ذكره هنا سبقه إليه ابن المطهر الحلى، حيث جاء بأربعين آية كريمة، وحرف معناها لتتفق مع ضلاله. وقد أثبتها كاملة شيخ الإسلام وأجاب … عنها، وفصل بطلان الاستدلال بها في الجزء السابع من منهاج السنة (من بدايته إلى ص 297) ولولا الإطالة لنقلت تلك الصفحات، ففيها إقناع وإمتاع، وفضح للغلاة الرافضة. وسأكتفى هنا بذكر جزء جاء في بداية الرد على البرهان الأول، وهو نفسه الدليل الأول الذي ذكرته في الفصل الثانى من هذا الباب، وهو ما يتعلق بقوله تعالى … " إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ … رَاكِعُونَ " (55: المائدة) بعد ذكر كلام الرافضي قال شيخ الإسلام:
والجواب من وجوه: أحدها: أن يقال: ليس فيما ذكره ما يصلح أن يقبل ظنا، بل كل ما ذكره كذب وباطل، من جنس السفسطة، وهو لو أفاده ظنونا كان تسميته براهين تسمية منكرة؛ فإن البرهان في القرآن وغيره يطلق على ما يفيد العلم واليقين، كقوله تعالى:
" وَقَالُواْ لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَاّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ " (سورة البقرة: 111) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 159)
وقال تعالى:
" أَمَّن يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاء وَالْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ " (سورة النمل: 64) .
فالصادق لابد له من برهان على صدقه، والصدق المجزوم بأنه صدق هو المعلوم.
وهذا الرجل جميع ما ذكره من الحجج فيها كذب، فلا يمكن أن يذكر حجة واحدة جميع مقدماتها صادقة، فإن المقدمات الصادقة يمتنع أن تقوم على باطل. وسنبين إن شاء الله تعالى عند كل واحدة منها ما يبين كذبها، فتسمية هذه براهين من أقبح الكذب.
ثم إنه يعتمد في تفسير القرآن على قول يحكى عن بعض الناس، مع أنه قد يكون كذبا عليه، وإن كان صدقا فقد خالفه أكثر الناس. فإن كان قول الواحد الذي لم يُعلم صدقه، وقد خالفه الأكثرون برهانا، فإنه يقيم براهين كثيرة من هذا الجنس على نقيض ما يقوله فتتعارض البراهين فتتناقض، والبراهين لا تتناقض.
بل سنبين إن شاء الله تعالى قيام البراهين الصادقة التي لا تتناقض على كذب ما يدعيه من البراهين، وأن الكذب في عامتها كذب ظاهر، لا يخفى إلا على من أعمى الله قلبه، وأن البراهين الدالة على نبوة الرسول حق، وأن القرآن حق، وأن دين الإسلام حق ـ تناقض ما ذكره من البراهين، فإن غاية ما يدّعيه من البراهين إذا تأمله اللبيب، وتأمل لوازمه وجده يقدح في الإيمان والقرآن والرسول.
وهذا لأن أصل الرفض كان من وضع قوم زنادقة منافقين، مقصودهم الطعن في القرآن والرسول ودين الإسلام، فوضعوا من الأحاديث ما يكون التصديق به طعنا في دين الإسلام، وروجوها على أقوام، فمنهم من كان صاحب هوى وجهل، فقبلها لهواه، ولم ينظر في حقيقتها. ومنهم من كان له نظر فتدبرها
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 160)
فوجدها تقدح في حق الإسلام، فقال بموجبها، وقدح بها في دين الإسلام، إما لفساد اعتقاده في الدين، وإما لاعتقاده أن هذه صحيحة وقدحت فيما كان يعتقده من دين الإسلام.
ولهذا دخلت عامة الزنادقة من هذا الباب؛ فإن ما تنقله الرافضة من الأكاذيب تسلَّطوا به على الطعن في الإسلام، وصارت شبها عند من لم يعلم أنها كذب، وكان عنده خبرة بحقيقة الإسلام.
وضلت طوائف كثيرة من الإسماعيلية والنصيرية، وغيرهم من الزنادقة الملاحدة المنافقين، وكان مبدأ ضلالهم تصديق الرافضة في أكاذيبهم التي يذكرونها في تفسير القرآن والحديث، كأئمة العُبيْديين إنما يقيمون مبدأ دعوتهم بالأكاذيب التي اختلقتها الرافضة، ليستجيب لهم بذلك الشيعة الضُلَاّل، ثم ينقلون الرجل من القدح في الصحابة، إلى القدح في علىّ، ثم في النبي صلى الله عليه وسلم، ثم في الإلهية، كما رتبه لهم صاحب البلاغ الأكبر، والناموس الأعظم. ولهذا كان الرفض أعظم باب ودهليز إلى الكفر والإلحاد.
ثم نقول: ثانيا: الجواب عن هذه الآية حق من وجوه: الأول: أنا نطالبه بصحة هذا النقل، أو لا ُيذكر هذا الحديث على وجه تقوم به الحجة؛ فإن مجرد عزوه إلى تفسير الثعلبى، أو نقل الإجماع على ذلك من غير العالمين بالمنقولات، الصادقين في نقلها، ليس بحجة باتفاق أهل العلم، إن لم نعرف ثبوت إسناده. وكذلك إذا روى فضيلة لأبى بكر وعمر، لم يجز اعتقاد ثبوت ذلك بمجرد ثبوت روايته باتفاق أهل العلم.
فالجمهور ـ أهل السنة ـ لا يثبتون بمثل هذا شيئا يريدون إثباته: لا حكما، ولا فضيلة، ولا غير ذلك. وكذلك الشيعة.
وإذا كان هذا بمجرده ليس بحجة باتفاق الطوائف كلها، بطل الاحتجاج به. وهكذا القول في كل ما نقله وعزاه إلى أبى نُعيم أو الثعلبى أو النقاش أو ابن المغازلى ونحوهم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 161)
الثانى: قوله: " قد أجمعوا أنها نزلت في علىّ " من أعظم الدعاوى الكاذبة، بل أجمع أهل العلم بالنقل على أنها لم تنزل في علىّ بخصوصه، وأن عليا لم يتصدق بخاتمه في الصلاة، وأجمع أهل العلم بالحديث على أن القصة المروية في ذلك من الكذب الموضوع.
وأما ما نقله من تفسير الثعلبى، فقد أجمع أهل العلم بالحديث أن الثعلبى يروى طائفة من الأحاديث الموضوعات، كالحديث الذي يرويه في أول كل سورة عن أبى أمامة في فضل تلك السورة، وكأمثال ذلك. ولهذا يقولون: " هو كحاطب ليل ".
وهكذا الواحدى تلميذه، وأمثالهما من المفسرين: ينقلون الصحيح والضعيف.
ولهذا لما كان البغوى عالما بالحديث، أعلم به من الثعلبى والواحدى، وكان تفسيره مختصر تفسير الثعلبى، لم يذكر في تفسيره شيئا من هذه الأحاديث الموضوعة التي يرويها الثعلبى، ولا ذكر تفاسير أهل البدع التي ذكرها الثعلبى، مع أن الثعلبى فيه خير ودين، لكنه لا خبرة له بالصحيح والسقيم من الأحاديث، ولا يمّيز بين السنة والبدعة في كثير من الأقوال.
وأما أهل العلم الكبار: أهل التفسير، مثل تفسير محمد بن جرير الطبري، وبقىّ بن مخلد، وابن أبى حاتم، وابن المنذر، وعبد الرحمن بن إبراهيم دحيم، وأمثالهم ـ فلم يذكروا فيها مثل هذه الموضوعات.
دع من هو أعلم منهم، مثل تفسير أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه. بل ولا ُيذكر مثل هذا عند ابن حُميد ولا عبد الرزاق، مع أن عبد الرزاق كان يميل إلى التشيع، ويروى كثيرا من فضائل علىّ، وإن كانت ضعيفة، لكنه أجل قدرا من أن يروى مثل هذا الكذب الظاهر.
وقد أجمع أهل العلم بالحديث على أنه لا يجوز الاستدلال بمجرد خبر يرويه الواحد، من جنس الثعلبى والنقَّاش والواحدى، وأمثال هؤلاء المفسرين، لكثرة ما
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 162)