وقد روى مالك(1) عن نافع(2) عن ابن عمر: أنه كان يقول: من نذر بدنة فإنه يقلدها(3) نعلين، ويسوقها، ويشعرها(4)، حتى ينحرها عند البيت العتيق أو بمنى يوم النحر(5) ليس لها محل دون ذلك، ومن نذر جزوراً من الإبل أو البقر فلينحرها حيث شاء(6)، فجعل ابن عمر محل الهدي مكة، أو منى يوم النحر، وحكم أيام النحر كلها سواء(7).--------------------------------------------
(1) مالك بن أنس رأس المتقنين، تقدم.
(2) نافع مولى ابن عمر ثقة ثبت فقيه مشهور، تقدم.
(3) تقليد الهدي هو: أن يعلق بعنق البعير قطعة من جلد؛ ليعلم أنه هدي، فيكف الناس عنه.
[المصباح المنير: 513].
(4) أشعرت البدنة إشعاراً: حززت سنامها حتى يسيل الدم؛ فيعلم أنها هدي. [المرجع السابق: 316].
(5) في الأصل: حتى ينحرها عند البيت العتيق، أو بمنى يوم النحر ليس لها محل دون البيت العتيق، أو بمنى يوم النحر ليس لها محل دون ذلك. والصواب ما أثبت، ولعله خطأ من الناسخ حيث كرره مرتين.
(6) رواه مالك في الموطأ: 1/ 317 كتاب الحج حديث: 182 بنحوه، وهذا لفظ الموطأ برواية أبي مصعب: 1/ 534، وقد رواه ابن أبي شيبة في مصنفه: 3/ 388 من كان يقول إذا جعل عليه بدنة نحرها بمكة، من طريق آخر عن ابن عمر بنحوه.
(7) ذكر المؤلف مسألة أين يمحر المحصر هديه إذا كان معه هديه، وقد اختلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين، هما:
الأول: أن المحصر ينحر هديه حيث أحصر من حل أو حرم، وهذا قول جمهور العلماء، مالك والشافعي وأحمد.
الثاني: أن المحصر لا ينحر هديه إلا في الحرم، وبه قال عبدالله بن مسعود، وعطاء، وطاوس، ومجاهد، والحسن، وابن سيرين، وهو قول أبي حنيفة والثوري، ورواية عن الإمام أحمد.
وقد ذهب ابن عباس رضي الله عنهما إلى التفصيل في هذه المسألة: فقد روى البخاري في صحيحه: 2/ 643 كتاب الإحصار والصيد باب من قال ليس على المحصر بدل، عن ابن عباس أنه قال: إنما البدل على من نقض حجه بالتلذذ، فأما من حبسه عذر أو غير ذلك فإنه يحل ولا يرجع، وإن كان معه هدي وهو محصر نحره إن كان لا يستطيع أن يبعث به، وإن استطاع أن يبعث به لم يحل حتى يبلغ الهدي محله.
وسبب اختلافهم في هذا هل نحر رسول الله صلى الله عليه وسلم هديه بالحديبية في الحل أو في الحرم؟
وقد جزم الشافعي بأن الموضع الذي نحر فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه هديهم من الحديبية من الحل لا من الحرم، مستدلاً بأن الله أخبر أن الهدي معكوفاً لم يبلغ محله.
[انظر المدونة: 1/ 397، والأم: 2/ 159، وأحكام القرآن للطحاوي: 2/ 251، وأحكام القرآن للجصاص: 1/ 374، وتفسير القرطبي: 2/ 379، والمغني: 5/ 197].
ولعل الراجح هو ما ذهب إليه الجمهور من أن المحصر ينحر هديه حيث أحصر من حل أو حرم، قال ابن القيم: وفي ذبحه صلى الله عليه وسلم بالحديبية وهي من الحل بالاتفاق، دليل على أن المحصر ينحر هديه حيث أحصر من حل أو حرم، وهذا قول الجمهور أحمد ومالك والشافعي، وعن أحمد رحمه الله رواية أخرى أنه ليس له نحر هديه إلا في الحرم، فيبعثه إلى الحرم، ويواطئ رجلاً على أن ينحره في وقت يتحلل فيه، وهذا يروى عن ابن مسعود رضي الله عنه، وجماعة من التابعين، وهو قول أبي حنيفة. =

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 478)