الآية فليس يصادم بالظواهر القطعيات. ولها تأويلات:
39 _أحدهما أنها خطاب مع المستثنى.
40 _والآخر أنه إنما وقع المنع من إفراط الشرب في أوقات الصلاة ،وذلك خطاب في وقت الصحة ،وقبل أن تحرم الخمر.
41-فأما الاعتراض الذي يلحقون هنا وهو كيف يكون الله آمرا في الأزل لعباده ومن شرط الآمر أن يكون المأمور موجودا ،وكذلك كونه آمرا للسكران في حال سكره وللمجنون والصبي ،على شرط أن يفيق ذلك ويصح ذلك ويبلغ هذا ،فالجواب عنه ليس مما يمكن في هذا الموضع ،ولا هو خاص بهذا النظر. والقول فيه مبني على قواعد تحتاج إلى تمهيد طويل وفحص كثير. وكما قلنا أنه ليس ينبغي أن نفحص عن كل شيء ولا عن أشياء كثيرة في موضع واحد ،بل ينبغي أن يفرد بالقول كل واحد منها في الموضع اللائق به ،والذي يحمل على هذا حب التكثير بما ليس يفيد شيئا.
42-وأما الشرط الثاني فهو البلوغ ،وهذا الشرط مدركه الشرع. فإن قيل فقبل أن يحتلم الصبي بزمان يسير أليس هو عاقلا؟ فإن انفصال النطفة عنه لا تزيده عقلا؟ قلنا: لما كان ذلك مما يخفي دركه في شخص ،ويختلف وقته، نصب الشرع لذلك علامة توجد على الأكثر دالة عليه.
43-وأما المحكوم فيه وهو الفعل فإنه ما جاز كونه مكتسبا للعبد باختياره مع اعتقاد اكتسابه طاعة وامتثالاً.
44-وينبغي أن يعلم أن الأمور المتكسبة للإنسان هي التي له أن يأتي منها أي الضدين شاء ،مثل أن القيام مكتسب له وله أن يقوم أو
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 52)
يقعد. وإذا كان معنى الاكتساب هذا فلا معنى لاستثنائهم من هذا –كما زعموا-وجوب النظر المعرف ،إذ لا يمكن فيما زعموا قصد إيقاعه طاعة قبل المعرفة بوجوبه ،لأن وجوب النظر كما سلف من قولنا يحصل ضرورة لكون المنظور فيه معلوما بالضرورة ،وليس لإنسان اختيار في وقوع التصديق بوجوبه عند ظهور المعجزة. وكذلك أيضا لا معنى لاستثنائهم من ذلك إرادة الطاعة ،وقولهم إن الإرادة لو افتقرت إلى إرادة لافتقرت الإرادة إلى إرادة وتسلسل الأمر ،فإن الإرادة شوق ،وحدوث الشوق للإنسان كالضروري ،إذ كان فاعله التصديق بالرغبة والرهبة ،فشرط الفعل الشرعي أن يكون مكتسبا أولا ،ثم ثانيا أن يكون السبب في اكتساب اعتقاد وجوب الأمر لأشياء أخر مما يجوز له أن يفعل.
45-وأما الشيخ أبو الحسن فليس من شرط الفعل عنده أن يكون مكتسبا ،بل يرى أن ليس هنا فعل مكتسب للإنسان أصلا ،وأن ما يظهر كون الإنسان فاعلا للشيء فأمر مصاحب ولاحق لا أن الإنسان لذلك الفعل سبب لا قريب ولا بعيد، حتى تكون نسبة ذي القدمين مثلا إلى المشي هي بعينها نسبة العادم للقدمين. وهذه مخالفة للحس ورأي غريب جدا عن طباع الإنسان (1) . وقد بين أبو المعالي في (الرسالة النظامية) الوجه الذي به يصلح في الشرع أن يقال إن للإنسان اقتدارا واكتسابا. ومن لم يكن عنده للإنسان اقتدار على شيء ما، جاز عنده تكليف ما لا يطاق وبحق ما فعل ذلك لأنه ليس على رأيه ههنا شيء--------------------------------------------
(1) بهذه الأفاظ تقريبا يرد مذهب الأشاعرة في كتاباته اللاحقة ومنن أشهرها الكشف والتهافت....
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 53)
يطاق. والذي ينبغي أن نقول ههنا أن تكليف ما لا يطاق ممتنع عقلا وشرعا. أما شرعا فلقوله (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها) . وأما عقلا فلا متناع قيام المحال بالنفس. وأن من الشرط المأمور به أن يكون مفهوما ومتصورا مكانه عند الآمر والمأمور.
46_ وقد يلحق آخر هذا الجزء مسائل:
47_ فمنها هل المكره على وفق التكليف أو خلافه مختار حتى يثاب على الواحد ويعاقب على الآخر؟ ونحن نقول في ذلك: أما المكره على وفق التكليف فقد يشبه أن يظن به أنه مختار من جهة أن له أن يأتي بخلاف ما أكره عليه محتملا لما به أكره. وهذا التفاوت بحسب ما يلحق المكره من الأذى. لكن إن لم يأت ذلك معتقدا إتيانه طاعة وامتثالا لم يثب عليه، فإن اعتقد ذلك أثبت عليه. وإن كان سبب تحريكه إلى الفعل الإكراه، فإنه إذا أخذ في الفعل واعتقد وقوعه طاعة أثيب عليه. وعلى هذا الوجه جاء إكراه الكفار على الإيمان بالقتل في الشرع. وبالجملة فالتوعد بالعقاب هو إكراه ما على هذا الوجه. ومثل هذا يتصور في أن يكون الإنسان يصده عن الامتثال عناد أو غير ذلك من الأسباب المانعة. وبالجملة الأمّارة بالسوء كثيرا ما تصد الإنسان عن الواجب مع اعتقاد وجوبه. وأما المكره على مخالفة الشرع مثل الإكراه على قتل مسلم، أو ترك الصلاة، فالسؤال فيه في موضعين: … أحدهما هل إذا فعل بمقتضى الإكراه أثم أم لا؟
والثاني: إن احتمل الإكراه ولم يفعل بمقتضاه هل يثاب أو يأثم، فإن لنفس المرء عليه حقا، والذي ينبغي أن يقال في ذلك هو أن الإكراه تتفاوت مراتبه لتفاوته ما به يقع الإكراه، ومدرك مراتب هذا التفاوت، والمقايسة بينه وبين مخالفة الأمر وترجيح أحدهما على الآخر، مدرك
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 54)
شرعي، ولا سيما إذا كان ما به يقع الإكراه من نوع المكره عليه، مثل أن يكره بالقتل على القتل، وبالجملة فهذه المسألة اجتهاديه.
48_ ومنها: هل المقتضى بالتكليف الكف كما يقتضي الفعل. والجواب أن الترك صنفان: صنف يلحق الإنسان عند تركه التلبس بضد، فهذا لا يثاب عليه كالصيام. وصنف لا يلحق الإنسان عند تركه التلبس بضد، فهذا لا يثاب عليه. وإلحاق مسألة مسألة بهذين الصنفين نظر فروعي.
49_ ومنها: هل يتوجه الأمر بالشيء قبل حصول شرطه، كالأمر بالصلاة، فيعاقب على تركه من غير حصول شرطه، هذا إذا كان الشرط شرعيا كأمر المحدث بالصلاة في حين إحداثه، أو لا يتوجه الأمر بالشيء إلا حصول شرطه كالأمر بالصلاة في حين الطهارة؟
ونحن نقول:
إذا كان الشرط مكتسبا للإنسان باختياره فجائز أن يؤمر الإنسان بالشيء على تقدير حصول شرطه ويعاقب على تركه، وإن لم يأت بشرطه كتارك الصلاة يعاقب عليها وإن لم يتوضأ قط، وبذلك ورد الشرع، وقد دل دليل الإجماع على لحوق العقاب للمكذب بالرسل، قبل المعرفة بالله وإن كانت شرطا للإيمان بالرسل، وقد تمسك قوم في هذا بقوله عز وجل: (ما سلككم في سقر قالوا لم نكن من المصلين) ، وراموا أن يثبتوا أنه نص في الآية، وهي وإن لم تكن نصا فهي ظاهرة، لأنه محتمل أن يريد ها هنا بالمصلين المؤمنين كما قال عليه السلام: (نهيت عن قتل المصلين) . وما امتنع وقوع مثل هذا عنده عقلا صرف الظاهر إلى التأويل كالعادة في الظاهر المحتمل.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 55)
50_ وقد احتج من منع التكليف بمثل هذا بأنه لا معنى لوجوب الزكاة وقضاء الصلاة مع استحالة وقوعهما فكيف يجب ما لا يمكن امتثاله. وهؤلاء القوم اشتبه عليهم الشرط الشرعي بالشرط الوجودي. وليس الأمر كذلك فهذا المكلف إنما يتوجه إليه الأمر بالشيء قبل حصول شرطه على تقدير حصول شرطه، وهو مستطاع له ومكتسب بخلاف الشرط الوجودي.
51_ أما احتجاجهم بأن الكافر إذا أسلم انتفى وجوب الصلاة والزكاة عنه، فلا حجة فيه، لأن مصيرنا إلى سقوط وجوبها بالإسلام إنما هو بدليل الشرع وإنما أوجبنا القضاء على المرتد دون الكافر، لأن القضاء إنما يجب بأمر مجرد فليتبع فيه الدليل الشرعي، ولذلك قد يؤمر بالقضاء من لا يؤمر بالأداء، وقد يؤمر بالأداء من لا يؤمر بالقضاء.
52_ ومما يلحقون بهذا الباب مسألة رابعة وهي:
كما أنه لا يجوز إتيان الأمر بالجمع بين الضدين كذلك لا يجوز إتيان الأمر بالتخلي عنهما، إذا لم يكن بينهما وسط.
53_ ولكن ها هنا فيما زعموا مسائل جزئية توقع شكا في هذه المسألة الكلية وهي: من توسط أرضا مزدرعة مغصوبة فيحرم عليه المكت ويحرم عليه الخروج، إذ في كل واحد فساد زرع الغير، فهو عاص بأيهما فعل. وكذلك من سقط على صدر صبي محفوف بصبيان، وعلم إن مكث قتل من تحته وإن انتقل قتل من حواليه. ومثل هذه المسائل فهي اجتهادية، وليست مما يوقع شكا في أنه لا يجوز. ورود الأمر بالتخلي عن الضدين. ويشبه أن يقال فيها هو غير مكلف في هذا الحال، ويشبه أن يقال في المسألة الأولى يخرج لتقليل الضرر وفي
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 56)
الثانية يمكث، فإن الانتقال فعل مستأنف لا يصح إلا من حي. ويحتمل أن يقال يتخير، ولاسيما إذا لم يترجح أحد الفعلين في قلة الضرر على الثاني.
وهنا انقضى القول في الفعل وهو القسم الثالث من الجزء الأول من هذا الكتاب.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 57)
القول في القسم الرابع:
54_ هذا القسم يتضمن القول في أن ها هنا أسبابا مظهرة للأحكام ولصفات تتصف بها الأحكام، كالصحة والفساد، وتتضمن شرح ما تدل عليه هذه الأسماء، وهو أربعة فصول:
93/1 الفصل الأول: في الأسباب المظهرة للأحكام
55_اعلم أن الشرع قد نصب للأحكام علامات تتضمن وقوعها كما تتضمن العلل الحسية معلولاتها، وبهذه الأسباب نتوصل إلى معرفة وقوع الأحكام، وإلا كان إثباتها محالا. والقول في تفصيل الأحوال التي بها تكون مقتضية للأحكام هو في الجزء الثالث من هذا الكتاب.
الفصل الثاني: فيما يدل عليه اسم الصحة والبطلان في الأحكام
56_ إعلم أن هذا يطلق في العبادات على أوجه مختلفة، فالصحة تنطلق عند المتكلمين على ما وقع على وفق الشرع، وجب القضاء أو لم يجب؛ وعند الفقهاء عما أجزأ وأسقط القضاء، حتى أن الصلاة من ظن أنه متطهر صحيحة في اصطلاح المتكلمين، لأن القضاء لازم بأمر متجدد. وهذه اصطلاحات لا مشاحة فيها إذا فهم الغرض. وأما في العقود فينطلق الفساد على كل حكم لم يتضمن أحد ما به يتم الحكم، سواء كان ذلك شرطا أو سببا، والصحة مقابل هذا. اللهم إلا أن أصحاب أبي حنيفة فإنهم يخصون باسم الفاسد ما كان مشروعا في أصله ممنوعا في وصفه. لكن قد تقدم من قولنا أن كل ممنوع بوصفه ممنوع بأصله وعائد عليه بالفساد من جهة ما هو متصف. وبالجملة
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 58)
فالأحكام إنما تتصف بالصحة إذا فعلت بالأمور والأحوال التي اشترط الشرع في فعلها، والفساد بخلاف ذلك.
95/1 الفصل الثالث: في وصف العبادة بالأداء والقضاء والإعادة
57_ اعلم أن الواجب إذا أدي في وقته سمي أداء، وإذا فعل مرة على نحو من الخلل ثم فعل ثانيا سمي قضاء. وقد يطلق اسم القضاء على معان غير هذه بعضها أقرب إلى هذا المعنى، وبعضها أبعد. فمنها ما يترك سهوا حتى يخرج وقته فهذا أيضا يسمى قضاء حقيقة، لكن يفارق الأول بحط الإثم عن فاعله. ومنها ألا يجب الأداء كالصيام في حق الحائض. وقد أشكل هذا على طائفة حتى ألزموا وجوب الصوم على الحائض بدليل وجوب القضاء، والإجماع يرد هذا فإنها لو ماتت قبل أن تطهر لم تأثم، ومنها حالة المريض والمسافر فإنهما من حيث لهما أن يصوما أشبه فرضهما الواجب الموسع. وقد كان ينبغي ألا يسمى هذا قضاء مجاز، لما في ذلك من فوات الوقت الأول المشهور.
58_ وفي المسافر والمريض مذهبان غير هذا: أحدهما مذهب أهل الظاهر أنهما لو صاما لم يصح صومهما لقوله عز وجل: (فعدة من أيام أخر) والثاني مذهب الكرخي أن الواجب أيام أخر، ولكن لو صاما رمضان صح، كمن قوم الزكاة على الحول. وكلا هذين القولين إنما يبنيان على من لا يرى أن في الآية حذفا، وأن التقدير: فافطر فعدة من أيام أخر، وإن ذلك محمول على الرخصة. وستبين هذه المسألة مما يقال في الجزء الثالث من هذا الكتاب. فأما ما يحتمل أن يسأل عنه من يرى
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 59)
ذلك محمولا على الرخصة من جواز وقوع صيام المريض الذي يخاف على نفسه الهلاك والضرر العظيم، فتلك مسألة اجتهادية تحتمل الوجهين، وهي خارجة عن هذا الغرض.
59_ وقد أطلق القاضي رحمه الله اسم القضاء على ما يتركه الإنسان متعمدا مع غلبة ظنه وبالإخترام قبل أدائه الفعل إذا انكشف خلاف ما ظن، لأنه يقدر الوقت بحسب غلبة الظن. وهذا لا معنى له، لأنه ليس يكون ظنه بالاخترام سببا لخروج الوقت في نفسه.
الفصل الرابع: في العزيمة والرخصة
60_ اعلم أن العزم في الشرع عبارة عما لزم العباد بإيجاب الله تعالى، والرخصة عبارة عما وسع للمكلف في فعله لعذر أو عجز عنه، مع قيام السبب المحترم، كتحليل جرعة خمر للشرق، والميتة للمضطر. وقد تطلق الرخصة على معان غير هذه بعضها أقرب إلى هذا وبعضها أبعد.
61_ وهنا انتهى النظر في الجزء الأول من هذا المختصر، وتلوه كتاب أصول الأحكام.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 60)
القول في الجزء الثاني من هذا الكتاب
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 61)
صفحة فارغة في الأصل
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 62)
62ـ وهو يتضمن النظر في الأصول التي تستند إليها هذه الأحكام وعنها تستنبط.، وهي أربعة: الكتاب، والسنة، وإجماع الأمة، ودليل العقل على النفي الأصلي، وتسمية مثل هذا أصلا تجوز، إذ ليس يدل على الأحكام بل على نفيها. فأما قول الصحابة وشريعة من قبلنا فمختلف فيه. فلنبدأ من ذلك بالكتاب، وننظر أولا في حقيقتة، ثم فيما يحصره، ثم في ألفاظه، ثم في أحكامه.
الأصل الأول
63_ فأما حقيقتة ومعناه (فهو الكلام القائم بذات الله تعالى، وهو صفه قديمة من صفاته) (1) ، والقول في إثبات هذه الصفة وتخليصها من غيرها من الصفات هو من علم الكلام.
64_ فأما ما يحصره فهو ما نقل إلينا بين دفتي المصحف على الأحرف السبعة المشهورة نقلا متواترا. وإنما قيدناه بالمصاحف لأن الصحابة رضي الله عنهم بلغوا في الاحتياط في نقله بالكتب. واشترطنا في نقله التواتر لأنه المفيد لليقين. وليعلم أيضا أن ما هو خارج عنه مما لم ينقل نقل تواترا فليس منه، إذ يستحيل في عرف العادة أن يهمل بعضه أو ينقل نقل آحاد مع استفاضته في الجماعة التي لا يصح عليها الإغفال والإهمال وهم الذين يقع بنقلهم التواتر، ولهذا ما كانت الزيادات التي لم تنقل نقل تواتر ليست توجب عند الأكثر عملا، خلافا لأبي حنيفة، كالتتابع في الكفارة وما أشبهه. وليست هذه متنزلة منزلة أخبار الآحاد، لأن الخبر لا معارض له ولا دليل على كونه كذبا. وإذا لم تجعل--------------------------------------------
(1) كذا بالحرف ورد في المستصفى. ولنقارن ما صادق عليه ههنا بما ذهب إليه في الكشف عن مناهج الأدلة مثلا في معرض حديثه عن صفة الكلام.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 63)
هذه الزيادات من القرآن احتملت أن تكون مذهبا لصاحب، واحتملت الخبر وما يتردد بين هذين الاحتمالين فلا يجوز العمل به. ولهذا قطع القاضي رحمه الله بتخطئه الشافعي رحمه الله في جعله باسم الله الرحمان الرحيم آية من كل سورة، مع كونها من النمل، إذ لو كان ذلك كذلك لنقل إلينا تصريحا كونها من القرآن، ولم يقع في ذلك خلاف. وللشافعي أن يتمسك بأن جعلها في أول سورة بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ونزولها في أول كل سورة قرائن توهم أنها من القرآن، فلو لم تكن منه لصرح بذلك. وليس كذلك التعوذ والقنوت وما أشبه ذلك مما لم يصرح بكونه من القرآن. وبالجملة فهي مسألة اجتهادية ولذلك لم يكفر القاضي بها ومع ذلك فهي قليلة الغناء في الاستنباط عنها (1) .
والشافعي إنما أوجب قراءة بسم الله الرحمان الرحيم في الصلاة للأخبار الواردة بذلك (2) .
65-وأما النظر في ألفاظه فمنها حقيقة ومجاز، ووجود ذلك فيه بين من حيث هو بلغة العرب ولسانها. وبالجملة فما أظن لسانا ولا لغة--------------------------------------------
(1) عرض لهذه المسألة في (بداية المجتهد) وأشار إلى قول الشافعي وإلى رد القاضي ورأي أبي حامد بما لا يخرج كثيرا عما ذهب إليه ههنا. ثم اختتم بتعليق انتقد فيه مذاهب القوم مع ميل واضح إلى مذهب الشافعي حيث قال: (وهذا كله تخبط وشيء غير مفهوم فإنه كيف يجوز في الآية الواحدة بعينها أن يقال فيها إنها من القرآن في موضع وإنها ليست من القرآن في موضع آخر بل يقال إن باسم الله الرحمان الرحيم قد ثبت أنها من القرآن حيثما ذكرت وأنها آية من سورة النمل. وهل هي آية من سورة أم القرآن ومن كل سورة يستفتح بها مختلف فيه والمسألة محتملة وذلك أنها في سائر السور فاتحة وهي جزء من سورة النمل فتأمل هذا فإنه بين والله أعلم) .
(2) انظر (بداية المجتهد) ص 89_90/ ج 1 دار الفكر_ د. ت.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 64)
تعرى من ذلك، وإن كانت الألسنة تتفاوت في ذلك. وأما نفي بعضهم أن يكون في ألفاظه شيء ليس في لغة العرب وجوزه بعضهم فالوقوف على ذلك قليل الغناء فيما نحن بسبيله. وبالجملة إن كان في لسان العرب شيء من غير ألفاظها فقد عربته العرب تعريبا وغيرته تغييرا استوجب به اللفظ كونه من لغتها ومنسوبا إليها.
وفي ألفاظه محكم ومتشابه كما قال عز وجل، وقد اختلف الناس في المتشابه، والأولى أن يظن أن الألفاظ المتشابهة هي التي يمكن حملها على معنى أكثر من واحد، أو التي يوهم حملها على الظاهر تعارضا فيها، أو الألفاظ التي لم تتقدم للعرب مواضعة ولا اصطلاح على معانيها كالحروف التي في أوائل السور، أو جميع هذه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 65)
القول في الأصل الثاني وهو السنة
66_ وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم حجة لدلالة المعجزة على صدقه، وهو حجة بنفسه على من سمعه مشافهة.
فأما نحن فلم يبلغنا قوله صلى الله عليه وسلم إلا على لسان المخبرين، إما بطريق التواتر، وإما بطريق الآحاد. ولذلك ينقسم القول في الأخبار إلى هذين القسمين، ويعمهما بيان مراتب ألفاظ الصحابة رضي الله عنهم في نقل الأخبار عنه صلى الله عليه وسلم، وهي مراتب:
67_فأولها أن يقول الصحابي سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو حدثني، أو أخبرني أو شافهني، فهذا لا يتطرق إليه احتمال.
68_المرتبة الثانية: أن يقول: قال رسول الله كذا أو حدث بكذا. فهذا ظاهره النقل، إذا صدر عن الصحابي وليس نصا صريحا، إذ ممكن أن يكون حدث به عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. لكن رأي أكثرهم العمل بمثل هذا جائز للقرائن الدالة على ذلك، لاسيما إذا صدر ذلك عن من كثرت صحبته.
69_ المرتبة الثالثة: أن يقول الصحابي أمر رسول الله بكذا، ونهى عن كذا، أو فرض كذا، وأوجب كذا. فهذا يتطرق إليه احتمالان: أحدهما في سماعه كما في قوله تعالى، والثاني في فهمه عن الخطاب الأمر أو الوجوب، إذ صيغة الأمر مختلف فيها. ولذلك رأى داوود ومن تبعه من أهل الظاهر ألا حجة في قوله ما لم ينقل لفظه صلى الله عليه وسلم. وقد احتج عليهم أن هذا نظر من حيث فهم الألفاظ. وإنما وقع الخلاف فيها بيننا من حيث أنا لسنا بفصحاء ولا بحجة على الكلام العربي. وأما الصحابي من حيث أنه عربي فكيف يتوهم عليه الغلط في
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 66)
صيغة الأمر، مع أن به تقوم الحجة عند الاختلاف فيها.
70_ وإنا نرى أن تصحيح الألفاظ في لسان ما عند من لم يكن من أهل ذلك اللسان إنما يحصل بأحد أمرين: إما باستقراء كلامهم، أو النقل عنهم إذا استفاض ذلك فيهم. وعلى هذا لا يصح الاحتجاج بقول الواحد حتى يستفيض قوله. وأما هل يشترط في اللغة التواتر أو تكفي في الآحاد؟ فذلك مختلف فيه. ويشبه أن يكفي في كثير منها نقل الآحاد، وإلا لم يكن سبيل إلى الوقوف على أكثر دلالات الألفاظ لو اشترط في نقل كل واحدة منها التواتر.
71_ المرتبة الرابعة: أن يقول أمرنا بكذا أو نهينا عن كذا. فهذا يتطرق إليه، مع ما سبق من الاحتمالات، احتمال آخر وهو أن الأمر بذلك عساه أن يكون غير النبي صلى الله عليه وسلم من الأئمة والأمراء، وفي معنى هذا قولهم: من السنة كذا، والسنة جارية بكذا.
72_ المرتبة الخامسة: أن يقول الصحابي كانوا يفعلون كذا، فأضاف الفعل إلى عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم. فهذا أيضا يحتمل أن يكون بلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو الأظهر، فأقره. ويحتمل أن يكون لم يبلغه.
73_ فقد ظهر من هذا ما هو إخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما ليس بإخبار.
74_ والآن فقد بقي تبيين طريق انتهاء الأخبار إلينا، وذلك إما أن يكون نقل تواتر أو آحاد. ولنقل فيهما وفي مرتبة التصديق الحاصل عنهما، ولنبدأ من ذلك بالتواتر، فنقول:
75_ إن التواتر هو خبر مستفيض يحصل عنه اليقين في أمور ما وعند أحوال ما من غير أن ندري من أين حصل ولا كيف حصل ولا متى حصل. وإنما قلنا: في أمور ما، لأنه ليس يحصل فيما ليس شأنه
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 67)
أن يحس مما هو معقول، أو مما شأن مناسبه أن يحس، إلا أنه غير ممكن الوجود، كعنز أيل وغير ذلك مما ليس له وجود خارج النفس، ولا فيما شأنه أن يحس بعد مما هو ممكن الوجود، بل إنما يحصل اليقين به فيما هو محصل الوجود في الزمان الحاضر، أو كان محصل الوجود في الزمان الماضي مما لم نحسه بعد، لأن ما أحسسناه أو كان لنا سبيل (1) إلى إدراكه بقياس يقيني، كحدث العالم، وغير ذلك، فلا غناء للتواتر فيه، لأنه إما أن يتواتر عندنا بحسب ما أحسسنا أو وقفنا عليه بالقياس، فذلك في حقنا فضل، وأما إن تواتر خلافه، فلا يقع لنا به تصديق.
وقولنا: وعند أحوال ما، تحفظ فيما تواتر ولم يقع اليقين به، ولذلك رام قوم لما شعروا بهذا أن يشترطوا في التواتر عددا يلزم عنه بالذات وأولا اليقين، حتى يكون هو السبب في الوقوع عنه، ومقتضيا له على جهة ما تقتضي الأسباب مسبباتها. فلما لم يتحصل لهم حدوده بأنه الذي يحصل عنه اليقين على أنه محصل الوجود في نفسه، وإن كان مجهولا عندنا. والمشاهدة بخلاف ذلك، فإنه يظهر أن العدد الذي يحصل عنه اليقين يزيد وينقص في نازلة نازلة ولو كان ههنا عدد ما بالطبع يحصل عنه اليقين بالذات وأولا لكنا سنحسه ونقف عليه. وبالجملة فإن كثرة المخبرين أحد القرائن التي تفيد التصديق، ولذلك يلزم أن يزيد وينقص بحسب ما تنضاف إليه من القرائن الأخر (2) .
76_ وإذا كان هذا هكذا، فلسنا نقدر أن نقول إن فاعل ذلك--------------------------------------------
(1) في الأصل: سبيلا.
(2) وقريب من هذا ذهب إليه في (مختصر المنطق) بل تكاد أن تكون العبارات أحيانا واحدة. انظر (جوامع الجدل والخطابة والشعر) تحقيق شارل بوترورت 1977:
Albany State University of New York Press. 194_189
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 68)
التصديق بالنتيجة يحصل على المقدمات، أو على جهة ما نقول إن المعقولات الأول تحصل عن الحس. ومن ظن أن الحال في التواتر كالحال في المقدمات التجريبية، وهي التي يحصل اليقين بكلتيها عند التعمد لإحساس جزيئاتها، فمخطئ قطعا. بل التصديق الحاصل عن التواتر من الفعل النفس، وكأن نسبته إليها نسبة … (1) وبالجملة [فلم يقع خلاف في التواتر يوقع اليقين إلا ممن لا يؤبه به، وهم السفسطائيون. وجاحد ذلك يحتاج إلى عقوبة، لأنه كاذب بلسانه على ما في نفسه. وإنما الخلاف في جهة وقوع اليقين عنه، فقوم رأوه بالذات، وقوم رأوه بالعرض، وقوم رأوه مكتسبا] (2) مثل ما رآه أبو حامد ههنا ومن نحا نحوه من أن اليقين به إنما يحصل بعد مقدمتين: إحداهما أن هؤلاء مع اختلاف أحوالهم لا يجمعهم على الكذب جامع. والثاني أنهم قد اتفقوا على الإخبار عن هذه الواقعة. لكن أبو حامد يسلم أن هاتين المقدمتين لم تشكلا (3) قط في الذهن بالفعل، ولا احتاج الإنسان إلى إحضارهما عند وقوع التصديق بالتواتر.
77 –وإذا وضع هذا، فيما لا شك، هو المشاهد من أمر التواتر، فمن البين أنه ليس لهاتين المقدمتين في إيقاع اليقين غناء ،لأن ما ليس موجودا في النفس بالفعل فليس يكون سببا لوجود ما هو فيها بالقوة حتى تخرجه إلى الفعل. ولولا كون حصول المقدمة الكبرى في الشكل الأول في النفس بالفعل ما كانت سببا لحصول النتيجة عنها التي كانت منطوية فيها بالقوة.--------------------------------------------
(1) بياض في الأصل في قدر كلمة أو كلمتين.
(2) ما بين معقوفين ورد في (البحر المحيط في أصول الفقه) للزركشي 4/239. أنظر حاشية ص 21 هامش رقم (1) من المطبوع. (عبد العزيز الساوري) .
(3) في الأصل: لم تشكل.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 69)
فأي فائدة لاشتراط ما وجوده مثل هذا الوجود في إيقاع التصديق. ولهذا اشتراطنا في حد التواتر من غير أن ندري كيف حصل ولا من أين حصل. وبالجملة فالأخبار والشهادات على الأخبار لا تفيد إلا ظنا، وذلك يتفاوت بحسب تفاوت القرائن، حتى يحصل في بعضها اليقين. ولذلك اختلف الناس في مراتب التصديقات الواقعة عن الأخبار بحسب ما يقترن بها، كمن يجعل خبر الواحد بين يدي الجماعة، إذا أمسكوا عن تكذيبه مع أنهم عدد يمتنع في عرف العادة تواطؤهم على تسويغ الكذب، يتنزل منزلة التواتر إذا كان ما أخبر عنه مدركا لهم بالحس. وكذلك ههنا قرائن تضعف الظن الواقع بالأخبار حتى يكاد في بعض المواضيع يقطع بكذبها؛ كمن أخبر بقتل ملك البلدة في السوق ثم مر أهل السوق ولم يتحدثوا بذلك. ومن هذا الجنس رد أبي حنيفة رحمه الله أخبار الآحاد فيما تعم به البلوى من الأحكام، لأنه يرى أن ينقل نقلا مستفيضا. وكذلك رد مالك لكثير من الأحاديث إذا لم يصحبها العمل.
78 – فهذا ما ينبغي أن يقال في مرتبة التصديق الحاصل عن الأخبار، وفي أي موضع غناؤها، وفي أيها لا.
79- فأما خبر الآحاد بحسب ما حد في هذه الصناعة فهو مما لم ينته أن يفيد اليقين في موضع ما بخبر الواحد بحسب ما يقترن بذلك من قرائن (1) قلنا هذا وإن كان غير ممتنع فهو مما يقل وجوده ولعل ذلك يقع في حق شخص ما ونازلة ما. ولتفاوت هذا الظن الواقع في النفس عند اقتران القرائن بأخبار الآحاد رأى بعضهم أن خبر الواحد قد يفيد اليقين.
80 –ويلحق بخبر الواحد بعد التكلم في حده التكلم في جواز--------------------------------------------
(1) نقص في العبارة نترك تأمله لاجتهاد القارئ
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 70)
العمل به شرعا، والتكلم في شروط الناقلين له، والجرح والتعديل، وكيفية نقل الراوي عن مرويه.
الفصل الأول: في جواز العمل بخبر الواحد شرعا
81 - أما العمل بأخبار الآحاد فهو جائز عقلا وواقع شرعا.
أما جواز وقوعه شرعا، فإنه غير ممتنع أن ينصب الله تعالى غلبة الظن علامة للحكم، كنصبه سائر الأشياء علامات. وعلى هذا يتصور القضاء بالشهود، والحكم بالفتوى، واستقبال الكعبة إذا لم تعاين. وقد رأى بعضهم أن نصب غلبة الظن علامة للحكم في الشرع واجب عقلا، ولولا ذلك لسقطت أكثر الأحكام عن من لم يشافه رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقول أبي حامد إن هذا ليس بقوي لأن لقائل أن يقول تسقط الأحكام في حق من لم يبلغه تواترها كما تسقط في حق من لم يسمع بالشرع ولا تواتر عنده، فليس عندي بمرضي. لأن انظواء الشرع نادر وقليل جدا حتى لا يكاد يقع هذا مع تطاول الزمان، بل باضطرار وقع نقله إلى جميع المعمورة تواترا. وإنما يشبه أن يقع مثل هذا في أول الإسلام، وليس كذلك العمل بأخبار الآحاد، لأنه ليس من ضرورة كل خبر أن ينقل تواترا، فلو اشترط في العمل به التواتر لأدى ذلك إلى تعطيل أكثر الأحكام عن أكثر المكلفين. وبالجملة لو لم يجب القضاء بالشهود والأيمان والحكم بالاجتهاد لما كان سبيل إلى رد المظالم والأخذ بالحقوق. وقد يستدل أيضا على وقوعه شرعا بإجماع الصحابة على العمل به، وتوقفهم في بعض الأخبار إنما كان اجتهادا منهم في طرقها. وإنفاذ رسول الله صلى الله عليه وسلم الولاة إلى البلاد، وتكليف الناس تصديقهم، مما يقطع (به) على وقوعه شرعا.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 71)