82- فأما قول الله عزوجل: {فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِم) (التوبة: من الآية122) فرأى بعضهم أنها قاطعة في العمل بأخبار الآحاد إذ طائفة تقع على النفر اليسير الذين لا يحصل اليقين بقولهم وأبو حامد يرى أنها ليست بقاطعة إلا في وجوب الإنذار قال: وليس يلزم من وجوبه عليهم وجوب العمل به كما يجب على الشاهد الواحد إذ الشهادة لا يعمل بها وقال وبمثل هذا الاعتراض يضعف التمسك بقوله عز وجل {إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى} وبقوله) : صلى الله عليه وسلم نضر الله أمرءا سمع مقالتي فوعاها وأداها كما سمعها) الحديث، وهذا القول منه لا معنى له لأنه ما فائدة وجوب الإنذار إذا لم يجب العمل بنقلهم وليس يشبه هذا الشاهد فإنه إنما وجب عليه أداء الشهادة رجاء أن يأتي من عنده مثل شهادته فيقع العمل بها. اللهم إلا أن يقول القائل عسى إن وجد الإنذار إنما لزم الآحاد ليتكثروا حتى يقع العلم الضروري بقولهم لكن هذا ينكسر مما تقدم من أن ذلك كان يؤدي إلى تعطيل أكثر الأحكام وإنما يشبه أن يظن أن الآية ليست بقاطعة ولا نصا في العمل بأخبار الآحاد من جهة أن الطائفة اسم يقع على النفر اليسير والعدد الكثير الذي يمكن أن يقع على اليقين بقولهم بدليل قوله (لا تزال طائفة من أمتي) الحديث. لكن الآية أظهر في أنه ليس المراد بالطائفة ههنا من يحصل العلم بنقلهم.
الفصل الثاني: في شروط الراوي وصفته
83- وإذ قد تبت العمل بخبر الواحد فلا بد من ذكر الشروط التي يقبل بها ويجب العمل به إذ ليس كل خبر يجب العمل به. فأولها أن خبر الواحد يعمل به وإن لم يعمل بشهادته لأن اشتراط العدد إذا
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 72)
ثبت العمل به مما يجب على مدعي ذلك إثباته شرعا ولا يصح في مثل هذا حمله على الشهادة قياسا. واستظهار الصحابة رضي الله عنهم بالعدد في واقعتين أو ثلاث فذلك اجتهاد منهم لأحوال خاصة بتلك النوازل وبالجملة فاشتراط العدد ليس بشرط عندنا.
84-وأول الشروط أنا لا نقبل خبر الصبي، لأنه لا يخاف الله، فلا نأمن عليه الكذب. وأما إذا كان طفلا عند السماع، ثم نقل الحديث بعد بلوغه، فهو مقبول بدليل إجماع الصحابة على العمل بالأحاديث من غير فرق بين من سمع في الصغر أو بعد البلوغ. وقول من قال تقبل شهادة الصبيان في الجنايات التي تقع بينهم، فإنما حمله على ذلك الاستدلال بالقرائن لكثرتهم، ولذلك اشترط في شهادتهم قبل أن يتفرقوا.
85-ومن الشروط أن يكون ضابطا، فإن من كان مغفلا يقع منه في الأكثر الغلط. وأما كونه مسلما فلا خلاف في اشتراطه ذلك، لأن الكافر لا تقبل روايته لأنه متهم في الدين. وإن كانت تقبل شهادة بعضهم على بعضهم عند أبي حنيفة، فلا مخالف في رد روايته، وبالجملة فالاعتماد في ردها على الإجماع.
86-وأما اشتراط العدالة فغير مختلف فيه، لكن ما يدل عليه اسمها مختلف فيه فذهب قوم وهم الأكثرون أن العدالة حالة في النفس يلزم عنها اجتناب ما نهي عنه في الشرع نهي تحريم أو نهي كراهة وإتيان ما أمر به في الشرع أمر وجوب أو أمر ندب من غير أن يخل بذلك.
87 وبالجملة فيشترط فيه تجنب كل ما يقدح في دينه مما لا يمتنع عليه الكذب مع إتيانه وهذا يختلف بحسب نظر المجتهدين ولكن لا
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 73)
خلاف في أنه لا تشترط فيه العصمة كما لا يكفي في ذلك اجتناب الكبائر وذهب قوم إلى أن عدالة عبارة عن إظهار الإسلام مع أنه لا يعلم فاسقا دون بحث عن سيرته وسريرته
88 أما أصحاب المذهب الأول فاحتجوا بأن قالو كما أن المجهول الكفر لا يجوز نقله كذلك المجهول الفسق ولأولئك أن يقولوا (1) إن المجهول الكفر ليس تعرف منه حالة يغلب بها على الظن حسن الثقة به وليس كذلك المعروف من إظهار الإسلام، وقد احتجوا أيضا لذلك برد الصحابة أخبار المجاهيل كرد عمر رضي الله عنه خبر فاطمة بنت قيس ورد علي قول الأشجعي وما ظهر من طلب رسول الله صلى الله عليه وسلم العدالة والثقة فيمن كان ينفده إلى البلاد.
89 وأما ما احتج به أهل الفرقة الثانية فقبوله صلى الله عليه وسلم شهادة الأعرابي في رؤية الهلال مع أنه لم يعرف منه إلا الإسلام ولأولئك ألا يسلموا أنه كان مجهولا عند الله واحتجوا أيضا بأن الصحابة قبلوا قول من لم يعرفوهم بالفسق وعرفوهم بالإسلام.
90 وبالجملة فقد احتج كل فريق منهم بحجج، وهي وإن كانت ظاهرة بحسب دعواه فهي مع هذا محتملة للتأويل والمسألة اجتهادية لا قطعية. وبالجملة فالمقصود فيما يظهر من العدالة إنما هو غلبة الظن بالصدق وذلك يختلف بحسب اختلا ف قرائن الأحوال. فينبغي إذن فيما لم ينصب الشرع فيه علامة محدودة بطريق قطعي لغلبة الظن بالصدق ألا نحد فيها حدا بل يوكل ذلك إلى نظر المجتهدين، فإنه رب مجتهد تجتمع عنده قرائن يغلب بها على ظنه صدق إنسان ما ليس تجتمع--------------------------------------------
(1) في لأصل: أن يقولون
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 74)
لإنسان آخر.
91 وأما الفاسق المتأول وهو الذي لا يعرف فسق نفسه فقد اختلفوا فيه. فمن رأى أن الفسق إنما يمنع القبول للتهمة فلا يتصرف عنده رده إلا أن يكونوا فسقه في إجازة الكذب. ومن رأى أن الفسق بنفسه هادم للقبول لموضع التهمة أجاز شهادة بعضهم على بعض والأول مذهب الشافعي والثاني مذهب القاضي. ويشبه أن يكون مذهب الشافعي أقيس ويشهد له قبول الصحابة رضي الله عنهم أخبار الخوارج.
92 والفاسق المتأول ربما علم فسقه بدليل قطعي وربما علم فسقه بدليل ظني. وينبغي أن يكون قبول رواية من علم فسقه بدليل ظني أولى ولذلك يقول الشافعي أفسق الحنفي الشارب للنبيذ ولا أرد شهادته.
93 فهذه هي الأشياء التي تشترط في الراوي وأما الأشياء التي يقع بها الترجيح فتكاد لاتتناهى..
الفصل الثالث: في الجرح والتعديل
94 فيه أربعة فصول:
95 الفصل الأول: اشترط قوم العدد في المزكي قياساعلى الشهادة وبعض لم يشترطه قياسا على قبول رواية العدل وهو الأظهر.
96 الفصل الثاني: في ذكر سبب الجرح والتعديل. قال الشافعي يجب ذكر سبب الجرح دون التعديل. إذ قد يرى واحد جرحة ما لا يراه الآخر. وأما العدالة فليس لها إلا سبب واحد. ورأى
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 75)
قوم نقيض هذا لتسارع الناس إلى الثناء على الظاهر. وقال القاضي لا يجب ذكر السبب فيهما تعويلا على المزكي. وقال قوم لابد من ذكر السبب فيهما جميعا وهو الأحوط عندي إذ العدالة والتجريح (1) مختلف فيهما كما تقدم. وأما إذا تعارض الجرح والتعديل فالجرح هو المقدم لأنه اطلاع على زيادة لم يطلع عليها المعدل إلا أن يكون يعنى تشخيص ما أثبته الجارح فحينئذ يتعارض الجرح والتعديل.
97 الفصل الثالث: في نفس التزكية والتعديل. وذلك يتصور وقوعه على أربعة أنحاء: إما بالقبول أو بالرواية عنه أو بالعمل بخبره أو بالحكم بشهادته. وأعلاها صريح القول بتعريف وجه عدالته ودون ذلك أن يروي عنه خبرا. وهذا إنما يصح علي رأي من يكفي عنده في التعديل نفس التزكية هذا إذا فهم من حالة التجريح عن الثقات عنده وأما العمل بالخبر فليس بتعديل إذ قد يمكن أن يعمل بدليل آخر إلا إن علمنا أنه عمل بذلك الخبر من طريق ذلك الناقل. وهذا أيضا على رأي من لا يشترط ذكر سبب الجرح والتعديل. وأما الحكم بشهادته فذلك أقوى من تزكيته. وأما تركه الحكم بشهادته أو خبره فليس جرحا، إذ قد يتوقف في شهادة العبد أو روايته سبب آخر فهو كالجرح المطلق.
98 الفصل الرابع: في تعديل الصحابة رضي الله عنهم.
والذي عليه جماهير الأمة والمعتمد عليهم أن عدالتهم مقطوع بها بتعديل الله جل وعز لهم وتعديل رسوله في غير ما آية من كتاب الله--------------------------------------------
(1) في الأصل: الرجيح
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 76)
جل وعز ما حديث عنه صلى الله عليه وسلم.
99 وقد ذهبت طوائف من الخوارج والمعتزلة والقدرية وبالجملة أهل البدع والزيغ إلى رد شهادتهم وروايتهم بعد ما شجر بينهم الشتات وظهرت الحروب بينهم والخصومات، وذلك عند أهل السنة محمول على أن كل مجتهد إما غير مأثوم وإما مصيب بحسب الرأيين. وذهب قوم من أهل السنة أن قتلة عثمان مخطئون قطعا، لكن جهلوا خطأهم، وكانوا متأولين. والفاسق المتأول لا ترد شهادته على رأي الأكثر.
100-وقد بقي علينا من القول في الخبر الواحد القول في كيفية نقل الراوي عن مرويه، وذلك يتصور وقوعه على خمس مراتب:
101-المرتبة الأولى: قراءة الشيخ عليه ليحدث عنه، وبذلك يصح قوله على الحقيقة حدثنا وأخبرنا وسمعته، وهي أعلى المراتب.
102-المرتبة الثانية: أن يقرأ على الشيخ وهو ساكت. فهذا خالف فيه بعض أهل الظاهر، لكن عند الأكثر سكوته وإقراره إياه يتنزل منزلة قوله. هذا إذا كان بحيث لا يخال سكوته لغفلة أو إكراه أو ما أشبه ذلك. إلا أنهم اختلفوا هل يقول حدثنا مطلقا، أو سمعت فلانا. والصحيح أنه لا يجوز، لأن ذلك كذب محض، إلا أن يعلم بقرينة حال منه أو تصريح أنه يريد بذلك القراءة على الشيخ.
103-المرتبة الثالثة: الإجازة، وهو أن يقول أجيز لك أن تروي عني الكتاب الفلاني، أو ما صح عندك من تعيين مسموعاتي. ولا يجوز في مثل هذا إطلاق القول بحدثنا أو أخبارنا إلا تجوزا.
104-المرتبة الرابعة: المناولة، وصورتها أن يقول الشيخ خذ هذا الكتاب وحدث به عني. ومجرد المناولة دون اللفظ لا معنى له،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 77)
فهي زيادة تكلف، وهي في الحقيقة إجازة. وهي وإن لم تفد معرفة عين الطريق الموصل، فهي تفيد معرفة صحة الخبر.
105-المرتبة الخامسة: الاعتماد على الخط بأن يجد بخطه مكتوبا إني رويت عن فلان كذا وكذا. فهذا لا يجوز أن يروى عنه لأن الخط يشتبه. وأما إذا قال الشيخ: هذا خطي ، قبل قوله ، ولكن لا يروي عنه ما لم يأذن له بالقول أو بقرينة حال وأما إذا قال عدل: هذه نسخة صحيحة من كتاب البخاري فرأى فيها حدثنا ، فليس له أن يروي عنه. ولكن هل يلزمه العمل به ، أما إذا كان مقلدا فعليه أن يسأل المجتهد ولا خلاف ، وإن كان مجتهدا فقال قوم لا يجوز العمل به ، لأن أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم كانوا يحملون الصحف إلى البلاد ، وكان الناس يعتمدون عليها بشهادة حامل الصحف. ولكن على الجملة فلا ينبغي أن يروي إلا ما سمع بعد المعرفة ، فإن الذي رواهم لم يشك في شيء مما أخذوه عنه ، فإن شك في شيء تركت روايته.
106- وقد يتفرع عن هذا مسائل منها: إذا كان في مسموعاته حديث يغلب على ظنه أنه سمعه هل يجوز له أن يرويه؟ أما إذا شك فلا خلاف في أنه لا يجوز له ، وأما إذا غلب على ظنه أنه سمعه فقد قال قوم يجوز أخذه عنه ، لأن الاعتماد في هذا الباب على غلبة الظن ، وهو بعيد ، لأن غلبة الظن إنما تتصور في كون الشيخ صادقا. وكذلك غلبة الظن في الشهادة إنما تتصور في حق الحاكم ، وأما الشاهد فينبغي أن يشهد على القطع فيما القطع فيه ممكن ، وكذلك الراوي.
107- ومنها إذا أنكر الشيخ الحديث إنكار جاحد قاطع بكذب الراوي فإنه لا يعمل به ، ولكن لا يصير الراوي مجرحا ، لأنهما عدلان
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 78)
تعارض قولهما. وأما إذا أنكر إنكار متوقف فيعمل بالخبر ، لأن الراوي جازم في أنه سمعه ، والشيخ ليس هو قاطعا بتكذيبه وهما عدلان. وذهب الكرخي إلى أن نسيان الشيخ الحديث يبطله ، واحتج بأن الشيخ ليس يجب عليه العمل
إذا رواه له العدل وهو لا يذكره ، وهذا لا يتصور في الراوي ، لأنه قاطع ، وأما غيرهما فحالته بين حالتيهما. ويشبه أن يكون أغلب على ظنه صدق الراوي للنسيان الغالب على الإنسان ، مع أن الشيخ ليس بقاطع بكذبه. وإلى هذا ذهب مالك والشافعي وجماهير المتكلمين ، وهو يشبه عندهم شك الشيخ في زيادة في الحديث أو إعراب فيه.
108- ومنها إذا انفرد ثقة بزيادة في الحديث عن جماعة ثقات حفاظ فقيل: تقبل الزيادة ، لأنه لو انفرد دونهم بحديث قبل. وكذلك الزيادة. وأنت تعلم أن الأمر ليس كذلك ، لأن انفراده دونهم بزيادة ، في حديث رووه ، مع أنهم حفاظ قرينة تضعف الظن الواقع بالزيادة ، وليس كذلك إذا انفرد بحديث دونهم ، فلذلك رأى بعضهم ألا تقبل الزيادة ، ورأى بعضهم أن تقبل ، لكن ليس لهذه العلة التي تقدمت بل لأن أولئك ليسوا بقاطعين على نفي الزيادة ، ويمكن أن يكونوا (1) دخلوا في المجلس وقد مضى من الحديث شيء ، ويمكن أن يكونوا حاضرين ويفوت أسماعهم لشاغل أو عارض وبالجملة فهي مسألة اجتهادية ، ويتفاوت الظن فيها بحسب نازلة نازلة وحديث حديث.
109- ومنها نقل الحديث بالمعنى دون اللفظ ، فقوم أجازوه للعالم العارف بمواقع الخطاب ، وقال قوم لا يجوز له إلا بإبدال القوم بما يرادفه ويساويه في المعنى ، كما نبدل القعود مثلا بالجلوس مما لا يشك في--------------------------------------------
(1) في الأصل: أن يكون.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 79)
ترادفهما لا فيما يحتاج في ذلك إلى استدلال. وقد احتج الفريق الأول بالإجماع على جواز شرح المعاني التي في الشرع للعجم بلسانهم ، قالوا فإذا جاز إبدال العربية بعجمية ترادفها أن يجوز بالعربية أولى وأحرى ، ولم يفصلوا بين ما كان إبدال اللفظ بغيره بينا بنفسه وبين ما يحتاج في ذلك إلى استدلال. قالوا وكذلك كان سفراء رسول الله صلى الله عليه وسلم يبلغون أوامره إلى غير العرب.
110- وأنا أرى أن فهم ما تدل عليه الألفاظ إذا كان في محل الاجتهاد فلا يجوز للمجتهد العمل به حتى ينقل إليه لفظ الشارع ، وإلا عاد المجتهد من حيث هو مجتهد مقلدا ، اللهم إلا أن يقول ذلك المعنى صحابي فهذا يرجع القول فيه إلى ما تقدم من الخلاف المذكور في ذلك. وأما المجتهد المقلد فيجوز له عندي إبدال اللفظ بلفظ غيره عند من يقلده لأن ذلك اجتهاد ما ، وعلى هذا حال شرح العربية وتبديلها بالعجمية. وأما تجويز نقل بعض الخبر فهو [عندي جائز ، إذا كان مفيدا ومكتفيا بنفسه وغير محتاج في فهمه إلى ما قبله ، أو كان ليس يوجب صدق (1) ما حذف منه ، تردد المفهوم عنه بين معنيين أو أكثر من ذلك ، وسواء [جوزنا] الأمر في هذا عند من أجاز نقل الحديث بالمعنى دون اللفظ أو لم يجزه] (2) .
111- ومنها النقل المرسل والمسند. وهذا قد اختلفوا فيه ، فذهب مالك وأبو حنيفة والجماهير إلى أن المرسل مقبول ومعمول به ، وذهب الشافعي والقاضي إلى أنه غير مقبول وصورته أن يقول: قال رسول الله … صلى الله عليه وسلم--------------------------------------------
(1) قرأها الأستاذ جمال الدين العلوي رحمه الله: "حذف" ، والصواب ما أثبتناه من كتاب " البحر المحيط ". (عبد العزيز الساوري)
(2) ما بين معقوفين ورد في " البحر المحيط في أصول الفقه " للزركشي 4/364. أنظر حاشية ص 21 هامش (1) من المطبوع. (عبد العزيز الساوري) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 80)
من لم يعاصره ، أو قال أبو هريرة من لم يعاصره. أما الفريق الأول فاحتجوا بأن رواية العدل تعديل، لا سيما فيما يصرح به، كقوله عن الثقة عندهم، فروجعوا بان رواية العدل ليست بتعديل إلا أن يعلم من قرينة حاله أنه لا يجرح إلا عن عدل أو يصرح بعدالته ثم إذا علم من قرينة حاله أنه لا يجرح إلا عن عدل او صرح بعدالته فليس بتعديل ما لم يذكر ما العدالة عنده. وهذا عندي غير لازم على مذهب الشافعي والقاضي على ما تقدم لكن عساهم لا يسلمون التعديل المطلق إلا فيمن عرفت عينه ، إذ من لم تعرف عينه ممكن أن لو سمي عرفناه بفسق. وقد احتج الفريق الأول أيضا في قبول المراسيل بإجماع الصحابة والتابعين على جواز العمل بالمراسيل لكن نوزعوا في نفس الإجماع ، إذ لم يتصل ذلك عن جميعهم ، وسكوت من سكت منهم ليس يتنزل منزلة من قال ، لا سيما في ما كان في محل الاجتهاد كما سيأتي من بعد. وأيضا فإن من المنكرين للمرسل من قبل مرسل الصحابي لأنه في الأكثر لا يحدث إلا عن صحابي ، وكلهم عدل ، وكذلك مراسيل التابعين إذ في الأكثر إنما يروون عن صحابي. لكن المختار عند من لا يقبل المراسيل أن لا يقبل مرسل الصحابي أو التابعي حتى يعلم بصريح لفظه أو قرينة حال أنه لا يروي إلا عن صحابي. وأما ما يمكن أن يحتج به على من منع قبول المراسيل من العنعنة وإجرائها مجرى المسند مع إمكان أن يكون بين الراوي والمروي غيره ، فلهم أن يجيبوا عن ذلك بأن العنعنة إنما أجريت مجرى المسند حيث تقترن قرائن تدل على أنه سمع منه ، أو يصرح بذلك ، ومتى لم يصرح بذلك ولا دلت على ذلك قرائن فهو متردد بين المرسل والمسند.
112- وأما قبول خبر الواحد فيما تعم به البلوى كحديث مس الذكر وما أشبهه فقد تقدم القول في وجه الاسترابة به ، لأن ما
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 81)
تعم به البلوى ينتشر ويستفيض بحسب عرف العادة. وقد رد هذه القرينة من أجاز العمل بأخبار الآحاد فيما تعم به البلوى بأن الاستفاضة إنما تلزم في ما تعبد فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم بإشاعته في الجميع ، وأما ما تعبد به باتصاله إلى الآحاد ورد الخلق إلى أخبارهم فلا يلزم ذلك فيه. ويحتجون لتجويز ردهم إلى أخبار الآحاد في بعض النوازل مع إمكان استفاضة ذلك بتجويز ردهم إلى القياس فيما يمكن أن ينص عليه كمسألة الربا وأشباهها. قالوا وليس عموم البلوى علة الإشاعة والاستفاضة ، بل علة ذلك جهة التكليف.
113- وأنا أرى أن تبليغه صلى الله عليه وسلم فرضا من فروض الله مما هو واجب على الأعيان واحدا ، وسكوته عن تبليغه لمن يراوحه ويغاديه من أصحابه صلى الله عليهم وسلم اتكالا منه صلى الله عليه وسلم على أنه إن وصلهم ذلك الخبر عملوا به ، وإن لم يصلهم فهو ساقط في حقهم غير معلوم من قرائن أحواله صلى الله عليه وسلم مع حرصه على التعليم والتبيين. وسواء جاز وقوع مثل هذا عقلا أو لم يجز هو مما يكاد يقطع بامتناع وقوعه شرعا عند تصفح أحواله صلى الله عليه وسلم في البيان والتبيين. وإنما الحق أن بعض الأخبار ليس يمكن فيها أن تصل إلينا إلا بطرق الآحاد ، وإن عمت بها البلوى فيما سلف واستفاضت ، وبعضها يمكن ان تصل بهذا وهذا، وبعضها ممتنع أن تصل بغير التواتر ، وذلك يختلف في نازلة نازلة وقضية قضية ، وذلك بحسب الزمان والمكان وغير ذلك من العوائق. ولذلك ربما انقدح للمجتهد في بعض الأخبار القول برده لعموم البلوى ، وربما لم ينقدح له رده ، ولا سيما في فروض الكفايات. وينبغي أن يقال في كل موضع بحسب ما يحتمل الأمر المقول فيه ، فإن رد الإنسان طرق الآحاد فيما تعم به البلوى في كل موضع غير صواب ، إذ يتفاوت ذلك بحسب القرائن وكذلك العمل بها على الإطلاق. وليس لهذا التقسيم طبيعة التقابل حتى
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 82)
يجعل طرفي نقيض ويتكلم عليها كل واحد من الفريقين على أن الصدق منحصر في أحدهما. وأنت تعلم أن كثيرا ما يفعلون هذا في كثير من هذه المسائل.
114- وهنا انتهى النظر في الأصل الثاني وهو السنة ، وينبغي أن تعلم أن هذين الأصلين يلحقهما النسخ ، ولنقل في ذلك.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 83)
القول في الناسخ والمنسوخ
115- وقد اختلف في حد النسخ فحده المتكلمون بأنه الخطاب الدال على رفع الحكم الثابت بالخطاب المتقدم على وجه لولاه لكان الحكم ثابتا مع تراخي الخطاب الدال على ارتفاعه. وإنما اشترطوا فيه هذه الفصول لأنهم يجوزون على الله تعالى رفع الحكم في وقت ما بعد الأمر به على التأبيد مثلا ، وبالجملة فيجوز عندهم النسخ قبل التمكن من الفعل. وحده آخرون بأنه الخطاب الكاشف عن مدة انقضاء العبادة ، اعتقادا منهم أن النسخ إنما يرد مبينا فيما لم يقصد به من أول الأمر عموم جميع الزمان ولا استغراقه. وحده أيضا آخرون بأنه الخطاب الدال على أن مثل الحكم الثابت بالنص زائل على وجه لولاه لكان ثابتا. وهذا الحد وإن كان فيه تثبيج ، لأنهم جعلوا المرفوع مثل الحكم ولم يجعلوه الحكم نفسه ، فإنما اضطرهم إلى ذلك أنهم لا يجوزون على الله تعالى النهي عن الشيء الواحد بعينه بعد الأمر به.
116-وبالجملة فالنظر فيما يجوز من هذا على الله تعالى وما لا يجوز لا يخص الفقيه بما هو فقيه. والذي يكفي الفقيه من هذا أن يسلم أن في الشرع أحكاما رفعت بعد الأمر بها ويعتقد ذلك سواء كان ذلك كشفا عن انقضاء مدة العبادة أو لم يمكن، وإن وقوع مثل هذا شرعا مما ثبت تواترا. وأما تجويز وقوعه عقلا فليس يخصه النظر فيه ولا في جهة جوازه، فلنبدأ من ذلك بالضروري في هذه الصناعة، والقول في ذلك يشتمل على مسائل:
117-إذا نسخ بعض العبادة أو شرط من شروطها أو سنة من سننها هل هو نسخ لأصل العبادة أم لا؟ وهذه المسألة قد اختلفوا فيها، والحق أن رفع البعض رفع للكل، لأن الكل إنما هو كل ببعضه، والعبادة
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 84)
إنما هي مأمور بها من جهة ما تحتوي على جميع أجزائها. وبالجملة رفع الجزء رفع للكل، لأنه لا يبقى كلا وذلك فيما لا يتبعض. ويشبه أن يكون كذلك رفع الشرط، لأنه الذي به تتم العبادة. وأما رفع السنة فليس يلزم عنها رفع وجوب العبادة.
118-مسألة: الزيادة على النص نسخ عند قوم، وليست بنسخ عند القوم. والمختار أن الزيادة إذا صار بها المزيد غير ما كان قبل وثانيا بالعدد فهي نسخ، مثل الصلاة إن صح فيها أنها فرضت أولا ركعتين ثم زيد فيها. فأما إذا كانت الزيادة مباينة للعبادة المزيد عليها بالنوع فبين أنها ليست بنسخ، كإيجاب الصلاة مثلا، ثم إيجاب الزكاة. وكذلك إن كانت الزيادة مع المزيد عليه واحدة بالنوع ولم يصر المزيد عليه بها غيرا بالشخص فليست أيضا بنسخ، كزيادة عشرين جلدة في الحد مثلا على ثمانين، وإن كان أبو حنيفة رحمه الله يرى مثل هذا نسخا.
119-مسألة: ليس من شرط النسخ إثبات بدل المنسوخ يقوم مقامه ويتنزل منزلته، وذلك جائز على مذهب أهل السنة، وواقع شرعا، كنسخ ادخار لحوم الأضاحي، وتقدمه الصدقة أمام المناجاة. وأما قول الله عز وجل {ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها} - فإنها وإن كانت ظاهرة في إثبات بدل المنسوخ المتنزل منزلته فيمكن أن يتأول قوله عز وجل {نأت بخير منها} - أي نأتي بآية أخرى، وإن لم تتضمن بدلها الآية المنسوخة في الحكم، بل تتضمن حكما آخر ليس ببدل للحكم المرفوع.
120- مسألة: يجوز النسخ بالأخف والأثقل، وذلك جائز عقلا وواقع شرعا. مثال نسخ الأخف بالأثقل نسخ التخيير بين الصوم والفدية بالإطعام بتعيين الصيام، وتحريم الخمر ونكاح المتعة، ونسخ
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 85)
صوم عاشوراء بإيجاب رمضان.
121-مسألة: الآية إذا تضمنت حكما يجوز نسخ تلاوتها دون حكمها ونسخ حكمها دون تلاوتها ونسخها جميعا، وذلك جائز عقلا وواقع شرعا. أما جوازه عقلا فإن التلاوة تتضمن معنيين: أحدهما قراءتها وكتبها في المصحف والصلاة بها. والثاني ما فيها من الأحكام. وكل واحد من هذين المعنيين جائز أن يكلفه الإنسان دون الثاني، وجائز أن يرفعا معا بحسب ما تقتضيه مذاهب أهل السنة. وأما الذي يدل على وقوعه سمعا فقوله تعالى- {وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مساكين} - الآية. وقد نسخ حكمها بتعيين الصوم وبقيت تلاوتها. وكذلك قوله عز وجل {الوصية للوالدين والأقربين} -منسوخ بقوله عليه السلام *لا وصية لوارث*- لكن في هذا نظر، لأن من الناس من لا يجوز نسخ القرآن بالسنة. وأما نسخ التلاوة وبقاء الحكم فقد تظاهرت الأخبار بنسخ تلاوة آية الرجم مع بقاء حكمها، لكن عندي في هذا نظر، لأنه ينبغي أن يقبل أن مثل هذا كان في القرآن حتى يتواتر ولا يقبل ذلك بطرق الآحاد.
122-مسألة: الإجماع لا ينسخ به، إذ لا نسخ بعد انقطاع الوحي، وإن توهم أن شيئا ما منسوخ بالإجماع فذالك دليل على ناسخ سبق لم يبلغنا.
123-مسألة: نسخ السنة المتواترة بالسنة المتواترة، والآحاد بالآحاد، والآحاد بالمتواتر، مما لا خلاف فيه. فأما نسخ المتواتر بالآحاد فقد اختلفوا فيه، والمختار أنه جائز عقلا وواقع شرعا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم بتحول أهل مسجد قباء إلى الكعبة بخبر الواحد، وقد كان ثابتا عنهم التوجه إلى بيت المقدس بطريق قطعي، وبالجملة فإنفاد رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى الله عليه وسلم -
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 86)
رسله إلى الأطراف بالناسخ والمنسوخ مما تواتر. فأما وقوع ذلك بعده صلى الله عليه وسلم فممتنع بإجماع الصحابة على أن القرآن لا يرفع بخبر الواحد ، وبالجملة التواتر. ويشبه أن تكون العلة في ذلك قرائن تقترن بخبر المخبرين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في حياته ليس تقترن بالمخبرين عنه بعد موته صلى الله عليه وسلم من إمكان مراجعته واستفهامه وغير ذلك.
124- وأما نسخ المتواتر من القرآن بالمتواتر من السنة فإنه قد نقل عن الشافعي وعن قوم من أهل الظاهر أنهم كانوا لا يجوزون ذلك بدليل قوله عز وجل {ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها} - وهذه الآية وإن كانت ظاهرة فيما رأوا فقد قلنا في ما سلف أنه يمكن أن لا تتضمن الآية الواردة بدل الآية المنسوخة في الحكم ، وتكون السنة هي المتضمنة بدل حكم المنسوخة. ومن يجوز ذلك فقد احتج بنسخ قوله تعالى - {الوصية للوالدين والأقربين} - بقوله عليه السلام – "لا وصية للوارث" – وكذلك احتجوا بقوله عليه السلام أيضا " قد جعل الله لهن سبيلا البكر بالبكر جلد مائة (1) وتغريب عام. والثيب بالثيب جلد مائة والرجم" (2) وهو نسخ {فأمسكونهن في البيوت} وهذه الاحتجاجات قد يتمكن أن يتطرق إليها الاحتمال وليست قاطعة.
125- ويشبه أن يكون الذي أصار القائلين بهذا إلى امتناع ذلك مع ما تقدم من حجتهم ،ما نجد في أنفسهم من ترجيح التصديق الواقع عن تواتر الكتاب ، إذ هو أرفع مراتب التواتر ، وأن ما عدا ذلك من--------------------------------------------
(1) في الأصل: هاته.
(2) وفي بداية المجتهد نقرأ: " خذوا عني قد جعل الله سبيلا البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام والثيب بالثيب جلد مائة والرجم بالحجارة. ص326/ج2.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 87)
الأحاديث فإنها تواترت فلا يمتنع أن يكون التصديق بها مقصرا عن التصديق بالكتاب. وليس بمحال على ما يرى كثير من الناس أن يتفاضل التصديق اليقيني لاسيما فيما سبيله النقل ، فأما ما نقل عن الشافعي رحمه الله أنه كان لا يجوز نسخ السنة المتواترة بالقرآن ، فلا معنى له ، إذا أخذ على ظاهره ، اللهم إلا أن يتأول ذلك ، فإن وجوه التأويل لا تضيق.
126- مسألة: لا يجوز نسخ النص القاطع المتواتر بالقياس المظنون ، كما لا يجوز بخبر الواحد. وقد احتج من أجاز ذلك بجواز تخصيص القياس للنص المتواتر. وهذا إذا سلم فليس بحجة ، إذ التخصيص بيان والنسخ رفع. وبالجملة فالحجة في ذلك إجماع الصحابة على إبطال كل رأي مخالف للنص ، فكيف النص المتواتر. وحديث معاذ إذ قال اجتهد رأيي عند عدم النص وتزكية رسول الله صلى الله عليه وسلم له على ذلك ، فأما إذا تناقض نصان قاطعان وأشكل فهل يقضى بتأخر أحدهما بخبر الآحاد؟ فيه نظر ، والمسألة في محل الاجتهاد.
127- مسألة: لا ينسخ الحكم بقول الصحابي نسخ حكم كذا ما لم يقل سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ذلك. هذا إذا كان الحكم ثابتا بخبر الواحد ، لأن كثيرا ما يظن بما ليس بنسخ أنه نسخ ، كما ظن قوم أن الزيادة على النص نسخ. وأما إذا كان الحكم ثابتا بطريق التواتر فليس قول الصحابي بنسخ وإن نقل ألفاظ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لأن الآحاد لا ينسخ به التواتر كما تقدم.
128- وبالجملة فينبغي أن تعلم أن للنسخ شرائط يتضمنها الحد المتقدم وهي منطوية فيه أولها: أن يكون المرفوع حكما شرعيا لا عقليا كالبراءة الأصلية التي ترتفع بإيجاب العبادات. والثاني أن يكون النسخ بخطاب لا أن يكون الخطاب المرفوع حكمه مقيدا بوقت يقتضي
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 88)
دخوله. وبالجملة فتلحقه شرائط تعتبر فيه بحسب حد حد من حدود النسخ التي عددناها وتخرج عنه شرائط.
129- مسألة: إذا تعارض نصان قاطعان فلم يعلم أيهما ناسخ لصاحبه. فالوقوف على ذلك ليس يكون بشيء سوى النقل وذلك يمكن بطرق: أحدها أن يكون في لفظ أحدهما ما يدل على نسخ الآخر ، كقوله عيه السلام "كنت نهيتكم عن كذا فافعلوه ". الثاني أن يعلم التاريخ فيهما. وقد تقع معرفة ذلك بأن تجتمع الأمة على نسخ أحدهما. وما سوى هذا مما يظن أنه نسخ فليس بنسخ، مثل تأخر الراوي في الإسلام ، وتأخره في السن أو انقطاع صحبته.
تم القول في الناسخ والمنسوخ.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 89)
القول في الأصل الثالث من أصول الأدلة وهو الإجماع
130- والإجماع هو اتفاق المجتهدين من أمة محمد صلى الله عليه وسلم على حكم شرعي وسواء كان ذلك الحكم مما صرح به صاحب الشرع صلى الله عليه وسلم فدثر ولم ينقل، أو لم يصرح به، فوقع الإجماع منهم على ذلك لقرينة حال أو دليل أو غير ذلك مما يوجب الاتفاق. أما ما صرح به النبي عليه السلام ونقل نقل تواتر فلا غناء للإجماع في تصحيحه. وأما ما نقل نقل آحاد فإن الإجماع ينقله من رتبة الظن إلى رتبة القطع. وأما ما لم يصرح به أو صرح به ولم يبلغنا فإن الإجماع يستعمل دليلا قاطعا في تثبيته. أما وقوع مثل هذا شرعا فموجود وأما اطلاعنا عليه فذلك يمكن بأحد وجهين: أما إن كان المجمعون معاصرين لنا فبلقائهم. وأما إن كانوا ممن (1) سلف فبالنقل المستفيض الذي يوقع التصديق.
131- وأما الدليل على كون الإجماع حجة فمأخوذ من جهة النقل من الكتاب والسنة. فمن ذلك قوله تعالى: {ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى} الآية. وهذه أقوى آية في التمسك بالإجماع. ومنها قوله تبارك وتعالى: {وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا} . وقوله: {كنتم خر أمة أخرجت للناس} . وقوله تعالى: {وممن خلقنا أمة يهدون بالحق وبه يعدلون} .
وهذه الآيات وإن لم تكن واحدة واحدة منها نصا في كون الإجماع دليلا شرعيا فإنها بمجموعها تقتضي لهذه الأمة التعظيم والتشريف واتباع سبيلهم وموافقتهم والنهي عن مخالفتهم والخروج عن جماعتهم.--------------------------------------------
(1) في الأصل: من.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 90)
وبالجملة إذا أضيف إلى هذه الآيات ما ورد من أحاديث الأخبار في وجوب العصمة لهذه الأمة ، وإن لم تكن تواترت في اللفظ فهي متواترة في المعنى ، كقوله عليه السلام: " لا تجتمع أمتي على خطأ " وقوله عليه السلام" لم يكن الله ليجمع أمتي على الخطأ ومن سره بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة " (1) . وقوله عليه السلام " يد الله مع الجماعة " ، إلى ما سوى ذلك من الأحاديث ، ثبت على القطع كون الإجماع دليلا شرعيا. (2)
132-وأما من احتج على كون الإجماع حجة بدليل العقل فضعيف، لأنه وإن كان يبعد اجتماع الكثير على الكذب، فغير بعيد اجتماعهم على الخطأ. بل تقول لو بقي من أهل الاجتهاد اثنان أو ثلاثة وأجمعوا على رأي وقع الإجماع بهم لشهادة الشرع لهم بالعصمة، من حيث ينطلق عليهم اسم الأمة في ذلك الوقت.
133-وإنما اشترطنا في حده المجتهدين، لأن العوام وإن تصور دخولهم في الإجماع فإنما ذلك في الأمور التي نقلت نقل تواتر كالصلوات الخمس والصوم والزكاة، أو فيما كانوا (3) فيه مستصحبين وتابعين لإجماع المجتهدين، فلذلك لا غناء لإجماعهم في تصحيح--------------------------------------------
(1) ورد هذا الحديث في المستصفى هكذا: ( … ومن سره أن يسكن بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة) .
(2) تحدث عن مفهم الإجماع بجهة مخالفة في (مختصر المنطق) فقال: (وأما الإجماع الذي هو اتفاق أهل الملة فمستنده أيضا في الإقناع شهادة الشرع لهم بالعصمة. ولما شعر قوم بهذا قالو إن خارق الإجماع ليس بكافر. وأبوا حامد قد صرح بهذا المعنى في أول كتابه الملقب بالتفرقة بين الإسلام والزندقة قال لم يجمع بعد على ما هو الإجماع) . ص195
(3) في الأصل: أو في كانوا
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 91)