شيء، بل العوام أبدا متبعون للمجتهدين وموافقون لهم، إذ كان ذلك فرضهم. فإن سمّي مثل هذا إجماعا لم يمتنع، لكن مثل هذا ليس بأصل يستعمله المجتهد.
134- فأما عدد المجمعين فليس فيه شرط سوى أن يكونوا جميع المجتهدين من أهل العلم الموجدين في عصر واحد، لأنا لو اشترطنا إجماع أهل الأعصار، من سلف منهم ومن هو حاضر ومن سيأتي، لم يقع إجماعا.
135-فأما إن أجمع أهل عصرنا على أمر لم يجمع عليه من سبقهم هل ينعقد الإجماع أم لا؟ ففيه موضع نظر. أما ما سكت عليه أهل العصر المتقدم، ولم ينقل عنهم فيه قول، فإجماع من بعدهم منعقد ضرورة. وأما إذا نقل فيه عن من سلف خلاف، فها هنا موضع القول. وقد اختلف الناس في ذلك، والوقوف عليه يكون من جهة صيغ الألفاظ الواردة في معنى العصمة لهذه الأمة كقوله عليه السلام (لن تجتمع أمتي على الضلال) ، وسائر الأحاديث التي أوردناها، فإنها وإن لم يمكن حملها على العموم، إذ هو من الممتع أن يتناول ههنا لفظ الأمة من سيأتي، فهو حجة في عموم ما بقي داخلا تحت تناول اللفظ. فبأي جهة ليت شعري يخرج من شرط الإجماع أهل العصر المتقدم، وعموم ما بقي من دلالة اللفظ يتناولهم، اللهم إلا عند من يرى أن العام إذا خصص فليس بحجة في عموم ما بقي.
136-فأما أهل الظاهر فليس يتصور معهم هذا الخلاف لأنهم يرون الإجماع إنما هو اتفاق الصحابة رضي الله عنهم على حكم ما. وذلك لازم لأصولهم. لأنهم لا يجوزون الإجماع بالقياس. وإذا كان هذا هكذا فإنما يقع الإجماع عندهم إما لأثر قد عفا ولم يصل إلينا ،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 92)
وإما لقرائن وأحوال مشاهدة منه صلى الله عليه وسلم ، ومثل هذا لا يتصور في غير الصحابة. وأما من يجوز وقوع الإجماع عن القياس فيلزمه الخلاف المذكور وسنبين هذا في كتاب الاستنباط، إذا تبين ما هو المعنى الذي يعنونه بالقياس في هذه الصناعة.
137-وأما هل يتناول أيضا لفظة الأمة جميع الشخوص المجتهدين في ذلك العصر حتى إن شذ منهم واحد لم يكن إجماعا، أم يراد به الأكثر، فالظاهر من الصيغ الواردة في ذلك تناول جميعهم. وبالجملة فالنظر في هذه الأحوال المشترطة في الإجماع يشبه أن يكون اجتهاديا. وأما إذا نقل عن أكثرهم أيضا قول، وسكت الباقون فمختلف فيه. والأظهر كما يقول الشافعي ألا ينسب إلى ساكت قول قائل، اللهم إلا أن يعلم من قرائن أحوال الساكتين أن سكوتهم ربما كان رضي منهم بالقول واتفاقا عليه، فإن الإنسان قد يسكت لأسباب شتى: إما أنه ليس عنده في ذلك الوقت في الشيء رأي، وإما إن كان عنده رأي في الشيء فقد تمنعه عن التصريح به موانع: منها أنه لعله يرى أن الحكم في محل الاجتهاد، أو أن كل مجتهد مصيب، أو هيبة ما، أو غير ذلك من قرائن تقترن له.
138-وإذا كان هذا هكذا وكان من شرط الإجماع اتفاق جميع المجتهدين الموجودين في ذلك العصر، فمن رأى إجماع أهل المدينة حجة لأنهم الأكثر في أول الإسلام فلا معنى له. لكن حذاق المالكيين إنما يرونه حجة من جهة النقل وهذا إذا بني فيه أن يجعل حجة فيما يظهر لي، فينبغي أن يصرح فيه بنقل العمل قرنا بعد قرن حتى يوصل بذلك إلى زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فيكون ذلك حجة بإقراره له صلى الله عليه وسلم. مثل أن يقولوا: هكذا وجدنا آباءنا يفعلون، إلى أن ينتهي ذلك إلى زمن
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 93)
رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى الله عليه وسلم. مثل ما اتفق لمالك مع أبي يوسف بحضرة الرشيد في مسألة الصاع. وإلا متى لم يشترط هذا، ولم يحتفظ به، لم يكن ممتنعا أن يكون إجماعهم على أمر حملهم عليه بعض الخلفاء والأمراء. وبالجملة فالحكم في الشرع بمثل هذا الحكم بين أنه ليس يرجع إلى أصل مقطوع به في الشرع على ما شأنها (1) أن ترجع إليه الأمارة الظنية، اللهم إلا أن يصرح بنقل العمل كما قلنا فيكون من باب النقل (2) .
139-وأما من يشترط في الإجماع انقراض عصر المجتهدين دون أن يقطع بينهم خلاف فليس تقتضيه صيغ الأحاديث الواردة بكون الإجماع حجة، بل من خالف من بعد وقوع الإجماع--------------------------------------------
(1) في الأصل: (على ما تبيانها)
(2) لعل هذا الموضع الذي يحيل إليه في (بداية المجتهد) حين قال: (ص74/ج I) (وقد تكلمنا في العمل وقوته في كتابنا في الكلام الفقهي وهو الذي يدعى بأصول الفقه) . ولكنه في موضع آخر من البداية (ص126/ج i) ينتهي إلى موقف يحمل جديدا بالقياس إلى ما ذهب إليه ههنا يقول: (لكن النظر في هذا الأصل الذي هو العمل كيف يكون دليلا شرعيا فيه نظر. فإن متقدمي شيوخ المالكية كانوا يقولون إنه من باب الإجماع وذلك لا وجه له فإن إجماع البعض لا يحتج به. وكان متأخروهم يقولون إنه من باب نقل التواتر ويحتجون في ذلك بالصاع وغيره مما نقله أهل المدينة خلفا عن سلف. والعمل إنما هو فعل، والفعل لا يفيد التواتر إلا أن يقترن بالقول، فإن التواتر طريقه الخبر لا العمل، وجعل الأفعال تفيد التواتر عسير بل لعله ممنوع. والأشبه عندي أن يكون من باب عموم البلوى الذي يذهب إليه أبو حنيفة.... وهو أقوى من عموم البلوى … لأن أهل المدينة أحرى ألا يذهب عليهم ذلك من غيرهم من الناس الذين يعتبرهم أبو حنيفة في طريق النقل. وبالجملة العمل لا يشك أنه قرينة إذا اقترنت بالشيء المنقول إن وافقته أفادت به غلبة ظن وإن خالفته أفادت به ضعف ظن … )
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 94)
في لحظة ما فغير ملتفت إليه ومقطوع بخطئه.
140-فهذا هو القول في الإجماع ما هو، وسائر ما يشترط فيه بأوجز ما أمكننا، وسائر ما يلحقه من المسائل والاعتراضات التي كثر أبو حامد بذكرها فقد يقف عليها بسهولة من تصور من الإجماع هذا المقدار الذي كتبناه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 95)
القول في الأصل الرابع
141- وهو دليل العقل في استصحاب براءة الذمة عن الواجبات ، وسقوط الحرج عن الخلق فيما لم يأت فيه أمر أو نهي ، كسقوط الصلاة السادسة مثلا ، وأكل شوال وما أشبه ذلك. وبالجملة فتسمية هذا دليلا تجوز فيه العبارة. والذي أصارهم إلى هذا تكلفهم أن يجعلوا السمعيات في وجوب الدليل في حالتي النفي والإثبات كوجوب ذلك في العقليات ، حتى تراهم يضطربون ، فمرة يقولون: "عدم الدليل دليل " ، ومرة يقولون: " ثبت بالقياس أو بالإجماع إن لم يلف دليل عليه في الشرع فتستصحب فيه البراءة الأصلية ". والصواب غير هذا ، لأن ما كان طريق وجوده السمع فهو على العدم محمول حتى يرد غير ذلك ، والعدم فيه أشهر. وما كان هذا إما أن لا يطلب من الناس دليل عليه أصلا ، وأما إن طلب فدون دليل المثبت ، كالحال في المدعي والمدعى عليه.
[221/1] 142- والاستصحاب في هذه الصناعة يطلق على وجوه: أحدها استصحاب البراءة الأصلية الذي تقدم. والثاني استصحاب العموم حتى يرد تخصيص. والثالث استصحاب النص حتى يرد نسخ. والرابع استصحاب حكم عند أمر قرنه الشرع به لتكرر ذلك الأمر. والخامس استصحاب الإجماع ، أو بالجملة الحكم الشرعي الثابت بالنقل في موضع يظن أن المحكوم عليه قد تغير حكمه لتغيره في نفسه، كبيع أم الولد وما أشبه ذلك. وهذا الاستصحاب يراه أهل الظاهر وهم لازمون في ذلك لأصولهم ، لأن من لا يجوز في الشرع النوع من النظر الذي يسمى عند أهل هذه الصناعة بالقياس، فالأشياء كما أنها عندهم على البراءة الأصلية حتى يرد دليل السمع ، كذلك إذا ورد دليل الشرع بقي على حكمه وإن تغيرت أوصافه حتى يرد دليل الارتفاع.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 96)
وكان الحال ههنا بالعكس في استصحاب البراءة الأصلية لأن هناك كان العدم أظهر فوجب الدليل على المثبت، وههنا الوجود أظهر فوجب الدليل على النافي. وأما من يرى القياس في الشرع فيلزمه ألا يقول بمثل هذا الاستصحاب ، لأن له أن يقول نحن مكلفون بالنظر بالقياس فيما ليس فيه نص، وهذا قد تغير وصفه ، فله حكم ما لم يرد فيه نص ، إذ تغير الوصف يوجب تغير الحكم.
وهنا انقضى القول في الأصل الرابع وهو منتهى الكلام في الجزء الثاني من هذا الكتاب وهو المشتمل على أصول الأدلة.
وقد يظن أن ههنا أصولا غير هذه نحن ذاكروها: منها قول الصحابي يظن به أنه حجة وليس بحجة ، لأن من لم تثبت عصمته لم يجز تقليده ، فالعصمة إنما تثبت بالمعجزة أو بقول صاحب المعجزة فيه إنه معصوم. وقد تفرق الناس في ذلك على أقوال: فبعضهم خص بذلك بعض الصحابة ، وبعضهم رآه في كل صاحب. وبالجملة فالصاحب مجتهد من المجتهدين ، لكن النفس أميل إلى أقوالهم لما انضافت إليهم من القرائن ، وهي التي أوقعت من رأى أقوالهم حجة في ذلك.
ومنها شرع من قبلنا ، والدليل على أنه ليس بأصل أنه لو كان كذلك لكان نقله من فروض الكفايات | … على الأمة أن يذهب عليها في وقت ما فرض من فروض الكفايات بدليل العصمة | (1) لهم، ولو كان فرضا من فروض الكفايات لأخبر به الصحابة ونقل إلى اليوم. فأما ما منها في الكتاب ونحن مأمورون به فإنما نحن مأمورون به من جهة ما هو--------------------------------------------
(1) كلمة أو كلمتان غير مقروءتين في هذا الاستدراك الذي كتبه الناسخ في هامش الورقة ، ولعلها " ويستحيل ".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 97)
في الكتاب لا من جهة ما هو شرع من قبلنا.
146- ومنها الاستحسان والاستصلاح وهذان إن أريد بهما نوع من أنواع القياس، جلي أو خفي مما يجوز في الشرع على الجهة التي يجوزه القائلون به، فهو على رأيهم أصل ، وأما إن لم يرد به ذلك فليس بأصل. وبالجملة النظر في المصالح قد ندب إليها الشرع لكن بمقدار ما وبحد ما، وهو ما شهد لنا بكونها أو كون جنسها مصلحة (1) . وأما هل القياس أصل فسيأتي القول فيه فيما بعد.
147- وهنا انتهى النظر في الجزء الثاني من هذا العلم والحمد لله.--------------------------------------------
(1) اتخذ في بداية المجتهد موقفا مماثلا لما ذهب إليه ههنا بصدد الاستصلاح والاستحسان وقياس المصلحة أو القياس المرسل. انظر ص197/ج2. ص2،40،140،186،189،202،209،220،327/ج2 وسننقل في الهوامش اللاحقة بعض ما ورد في هذه المواضع.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 98)
القول في الجزء الثالث من المختصر
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 99)
صفحة فارغة في الأصل
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 100)
148- وهذا الجزء هو النظر فيه أخص بهذا العلم على ما قدمنا فيما سلف، وهو ينقسم بحسب الأشياء التي يقع بها الفهم عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وذلك إما لفظ أو قرينة.
149- واللفظ ينقسم إلى ما يدل على الحكم بصيغته ، وإلى ما يدل بمفهومه ومعقوله.
150- والقرينة تنقسم إلى قسمين: أحدهما فعله صلى الله عليه وسلم ، والآخر إقراره على الحكم
1) القول في النص والمجمل من جهة الصيغة
151- ولنبدأ من ذلك بالنظر في الألفاظ فنقول:
إن العادة قد جرت عندهم في هذه الصناعة أن يقسموا الألفاظ والأقاويل إلى المجمل والنص والظاهر والمؤول. وينبغي أن ننظر في واحد واحد من هذه الأقسام، ونبين المعنى الذي يدلون عليه في واحد واحد منها، فنقول:
152- إن الألفاظ منها مفردة ومنها مركبة، والمفرد إما اسم وإما فعل وإما حرف. والمركبة ما تركب من هذه وكان يدل جزءه على جزء من المعنى. ومن هذه ما هو غير مستقل بنفسه في الفهم، ومنها ما هو مستقل بنفسه. وهذا ينقسم إلى أمر ونهي وطلبة وتضرع ونداء.
153- والألفاظ ، سواء كانت أسماء أو حروفا أو أفعالا أو مفردة أو مركبة، منها ما يفهم عنها بصيغها في كل موضع معنى واحدا أبدا، وهذه بعض ما يعنون بالنص في هذه الصناعة، ولنسمه نحن النص من جهة الصيغ. ومنها ألفاظ يمكن أن يفهم عنها أكثر من معنى واحد، وهذه إذا كانت دلالتها على جميع المعاني بالسواء، حتى لا يفهم أحدها
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 101)
إلا بدليل أو قرينة فهو أيضا بعض ما يعنون بالمجمل في هذه الصناعة، ولنسمه نحن مجملا من جهة الصيغ. ومن هذه الألفاظ ما يقال من أول الأمر على شيء منها ويكون أشهر في الدلالة عليه، ثم يستعار حينا ما لشيء آخر لشبهه بالمعنى الأول، أو يبدل بعضها مكان بعض اتكالا في ذلك على قرينة تفهم المعنى المستعار أو المبدل. وهذه إذا وردت خلوا من القرائن حملت على وضعها الأول، وهي ما يعنون في هذه الصناعة بالظاهر، ولنسمه نحن على عادتنا الظاهر من جهة الصيغ. وإذا دلت القرائن على استعارتها أو تبديلها فهو بعض ما يسمى في هذه الصناعة مؤولا، ولنسمه المؤول من جهة الصيغ. وفي هذا الصنف تدخل الأسماء العرفية، وهي أسماء استعملت في الوضع على أشياء ثم نقلت في الشرع إلى أشياء أخرى لشبهها بالمعاني الأول أو لتعلقها بها بوجه من أوجه التعلق. وهذه إذا وردت في الشرع كانت ظاهرة في المعاني الشرعية، ولم تحمل على المعاني اللغوية إلا بالتأويل (1) .
154- ومن هذه الألفاظ والأقاويل ما تدل بمفهوماتها لا بصيغها وذلك لتغييرها بالنقص والحذف أو الزيادة، وكذلك أيضا بالتبديل والاستعارة. وهذا الصنف من الألفاظ يسمى مجازا.
155- وهذه يوجد فيها أيضا ما يشبه النص والمجمل والظاهر والمؤول، وإنما يوجد ذلك فيها من جهة القرائن لا من صيغها. فيكون إذا النص المستعمل في هذه الصناعة يعنى به صنفان: أحدهما ما كان نصا--------------------------------------------
(1) يقول في بداية المجتهد: " فإن الأسماء التي لم تثبت لها معان شرعية يجب أن تحمل على المعنى اللغوي حتى يثبت لها معنى شرعي بخلاف الأمر في الأسماء التي تثبت لها معان شرعية، أعني أنه يجب أن تحمل على المعاني الشرعية حتى يدل الدليل على المعنى اللغوي ص101 ج1.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 102)
من جهة الصيغ، والثاني ما كان نصا من جهة المفهوم. وبمثل هذه القسمة ينقسم الظاهر والمجمل والمؤول.
156-ويشبه أن تكون قسمة الألفاظ إلى هذه الأصناف هي النافعة في هذه الصناعة. وينبغي أن ننظر فيها على عادتهم، ونبين في واحد واحد منها كونه دليلا شرعيا، ونفحص عما يظن به من الأقاويل أنه متردد بين أكثر من صنف واحد من هذه الأصناف. ولنبدأ من هذه الأقسام بما يوجد للفظ من جهة صيغته ومن هذه في المفردة والمركبة تركيب إخبار.
157- واللفظ كما قلناه إنما يكون نصا إذا فهم عنه في كل موضع معنى واحدا، وهذا يوجد في المفرد والمركب. أما مثال المفرد فكالإنسان والفرس والحيوان، وأما في المركب فمثل قوله تعالى: {قل هو الله أحد} وبالجملة كل ما تركب عن المفردات النصوص، ولم تكن الضمائر فيه محتملة أن تعود على معنى أكثر من واحد.
158- والمجمل من جهة الصيغة في مقابلة هذا. أما في الألفاظ المفردة فكمثل اسم العين الذي يقال باشتراك على عين الماء ، وعلى عين الميزان، والعين التي يبصر بها، وغير ذلك. وربما قيل على الشيء وضده كالقرء الذي يعنى به مرة الطهر ومرة الحيض. وأما المجمل من جهة التركيب فما تركب عن مثل هذه الالفاظ ، او كانت الضمائر التي يرتبط بها القول محتملة، كقوله تبارك وتعالى: {أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح} . فإن الضمير محتمل هنا أن يعود على الولي أو الناكح.
159- واسم البيان يقع عندهم في هذه الصناعة على كل ما يمكن أن تثبت به الأحكام، ويقع في الأفهام، من صيغة لفظ أو مفهومه، وما
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 103)
سوى ذلك مما عددناه قبل على مراتبه في إفادة التصديق. وسنقول في كون واحد واحد منها دليلا شرعيا.
160- فأما المجمل فليس ببيان بإجماع ، ولا يثبت به حكم أصلا. ويتطرق إلى هذا مسألة وهي: هل تجوز المخاطبة على معنى الأمر بالمجمل حتى يرد البيان، أو بالظاهر حتى يرد التخصيص، وذلك في وقت الحاجة؟ وهذه المسألة هي التي يرسمونها بجواز تأخير البيان عن وقت الحاجة. وقد أجاز ذلك قوم، ومنعه آخرون. ونحن نقول في ذلك (1) :
161- وهذه المسألة الفحص عنها لغوي، فلذلك ينبغي أن نجعل نظرنا فيها من الجهة التي تنظر في اللغة فنقول: إنه إذا استقرىء كلام العرب ظهر من أمرهم أنهم لا يخاطبون بالاسم المشترك إلا حيث يدل الدليل على المعنى المقصود من سائر ما يقال عليه ذلك الاسم ، إما لقرينة حاضرة مبتذلة ، أو موجودة في نفس اللفظ. فإن قول الله تبارك وتعالى: {فأصبحت كالصريم} قد تقدم من صفات المشبه ما يدل على أن الصريم ههنا الليل. وكذلك إذا أرادوا بالصريم الصبح قالوا ضوء الصريم، وما أشبه ذلك.
وبالجملة فالمخاطبة بالألفاظ المجملة والمخاطب يعلم قطعا أنها مجملة مما لم يقع بعد، ولو وقع لكان هذرا، اللهم إلا أن المخاطب بالاسم المجمل قد يخاطب به ويغلب على ظنه فهم ذلك عنه اتكالا منه على القرائن ولا يفهم ذلك عنه المخاطب، فهنا يصلح--------------------------------------------
(1) ذهب في البداية كما سيفعل ههنا إلى عدم جواز تأخر البيان عن وقت الحاجة. انظر ص 8 ، 9 ، 15 ، ج2.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 104)
الاستفهام من المخاطب والبيان من المخاطب وإن رأى المخاطب أن اقتضاء ذلك خوطب به لم يطلب منه في ذلك الوقت، أخر السؤال إلى وقت الحاجة فيتأخر البيان. فأما أن يرد الخطاب بالألفاظ المجملة والمخاطب لا يفهم عنه شيئا تعويلا من المخاطب على أنه سيبين ذلك المعنى المقصود عند وقت الحاجة فهو شيء كما قلنا لم يقع من عربي قط ولا من غيره. وبالجملة فليس تقع المخاطبة بالألفاظ المجملة اللهم إلا أن يراد بها اللغز والاستهزاء لطبيعة المخاطب (1) وكذلك ما كان مجملا من جهة مفهومه وأما الشرع فإنه لم يتصرف في ذلك بوضع عرفي.
162 وأما الظاهر أيضا من جهة الصيغة فحكمه عندي حكم الاسم المشترك، وذلك منه فيما قيل من أول الأمر علي شيء ما، وكان ظاهرا فيه ثم استعير وقتا ما لشيء ما آخر لشبهه بالمعنى الأول أو لتعلقه به بوجه من أوجه التعلق. فإن العربي إذا أطلق لفظ السماء لم يفهم عنه أبدا إلي السماء المكوكبة فإذا أراد بذلك المطر دل على ذلك بقرينة كقولهم: (ما زلنا نطأ السماء حتى أتيناكم) وكقولهم (إذا سقط السماء بأرض قوم) وإلا متى خوطب بمثل هذه الأسماء وأطلقت إطلاقا، والمراد بها غير ما هي راتبة عليه، لم يقع ذلك إلا غلطا، وإن قصد ذلك كان تغليطا، هذا إذا كان وقت الحاجة. وأما إن لم يكن وقت الحاجة فأي فائدة لمخاطبة يعتقد الإنسان منها خلاف ما يأتي به البيان. ويشبه أن يكون كذلك الظاهر من جهة المفهوم
163 وأما الظاهر من جهة الإبدال وذلك منه فيما يأتي من--------------------------------------------
(1) وفي الأصل الاستهزاء الطبيعة المخاطب
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 105)
الألفاظ العامة التي المراد بها ما تحتها، فالمخاطبة بها دون أن تقيد أو تقترن بها قرينة تدل على فهم ذلك المعنى المخصص قصدا بتأخير البيان فيها إلى وقت الحاجة، واقع لغة وشرعا، إذا فهم المخاطبون من قرائن الأحوال أن ههنا أيضا موضعا للسؤال، وأن المخاطب لم يكن قصده الإقتصار على ما خاطب به. وعلى ذلك ورد قوله عز وجل: (إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة) فإنهم لم يزالوا يسألون والجواب يرد بالتخصيص إلى أن تعينت لهم البقرة المخصوصة. فأما إذا لم يعلم المخاطبون من قرائن الأحوال أن ههنا موضعا للسؤال فذلك غير واقع. وإنما ساغ مثل هذا في العام، ولم يسغ في المجمل، ولا في الجنس الأول من الظاهر لأن من عرف الشيء بأمر كلي فقد عرفه بوجه ما، مع أنه ينتظر معرفته بوجه أخص. وكثيرا ما تكون الأقاويل المؤلفة عن مثل هذه أبين من الأسماء أو مضطرا إليها فيما لم تكن لها أسماء كما اتفق في البقرة المأمور بذبحها. وعلى هذا تجوز المخاطبة بالأسماء العرفية قبل فهم المعاني التي يدل عليها بتلك الأسماء، اتكالا على أن المخاطبين يعلمون أن تلك الأسماء تدل على معان زائدة إلى ما كانت تدل عليه في الوضع الأول، وفائدة ذلك العزم على الأمر وبتأخر البيان إلى وقت الحاجة (1) كالأمر بالزكاة والحج قبل وجوبهما. وإذا أنت تصفحت الأشياء التي يحتج بها من يجوز تأخير البيان إلى وقت الحاجة من غير تفصيل وجدتها داخلة تحت هذه التي عددناها، وكذلك إذا نظرت إلى ما يحتج به من يجوزه وجدت ذلك إنما هو في المجمل المحض الاحتمال، وفي الصنف الأول من الظاهر. وبالجملة فكلا الرأيين إذا أخذا بإطلاق كاذب بالجزء، على ما من شأنها أن تكذب الآراء المصححة بالاستقراء الذي--------------------------------------------
(1) كذا في الأصل والظاهر أن في العبارة اضطرابا.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 106)
لا تستوفي فيه جميع الجزئيات. فأما أن البيان لا يتأخر عن وقت الحاجة فذلك ما لا خلاف فيه (1) .
وإذا قلنا في المجمل والنص فلنقل في الظاهر والمؤول.
2) القول في الظاهر والمؤول من جهة الصيغة
164 والظاهر كما قلنا من جهة الصيغة قسمان: أحدهما الألفاظ المقولة من أول الأمر على شيء ثم استعيرت لغيره لتشابه بينهما أو تعلق بوجه من أوجه التعلق. أما الذي استعير لتشابه بينهما فمثل تسميتهم الفراش عشا، وأما الذي استعير لتعلقه بوجه آخر فكتسميتهم النبت ندى، لأنه عن الندى يكون. ومن هذا الصنف الكناية، كتعبيرهم عن الرجيع بالغائط وعن النكاح بالمسيس.
165- وأما القسم الثاني من أقسام الألفاظ الظاهرة فهي المبدلة، ونعني هنا بالمبدلة إبدال الكلي مكان الجزئي، والجزئي مكان الكلي. وعلى التحقيق فالتبديل يلحق جميع الألفاظ المستعارة، ثم تنقسم هذه الأقسام التي أحصيناها، لكن رأينا أن نخص هذا الصنف باسم التبديل، أعني الكلي والجزئي، وإن كان في الحقيقة كل مبدل مستعار وكل مستعار مبدل.
166 وهذان الصنفان إذا وردا بإطلاق في الشرع حملا على ظاهرهما حتى يدل الدليل على غير ذلك ، وهو حملهما على المعنى المستعار، وهو المسمى تأويلا. وكون هذه الألفاظ ظاهرة في هذه الدلالات يعرف ذلك ضرورة من استقراء اللغة. وكونها دليلا شرعيا--------------------------------------------
(1) وهذا ما ذهب إليه في بداية المجتهد كما رأينا
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 107)
يعرف بإجماع الصحابة على الأخذ بالظواهر، وأن الشرع لم يتصرف في ذلك بوضع عرفي. وأيضا فلو لم نصر إلى الأخذ بالظواهر لكان سيبطل كثير من العبادات لأن النصوص معوزة جدا. وبالجملة الضرورة الداعية إلى العمل بأخبار الآحاد هي ههنا الضرورة الداعية إلى العمل بظواهر الألفاظ. وهذه الألفاظ الظاهرة لها مراتب في الظهور. وكلما كان اللفظ أظهر احتيج في تأويله إلى دليل أقوى، وبالعكس متى كان اللفظ قليل الظهور انصرف إلى التأويل بأيسر دليل. ولنضرب في ذلك ثلاثة أمثلة، واحدا في الرتبة الأولى وثانيا في الرتبة الوسطى وثالثا في الرتبة الأخيرة، وذلك في صنفي الظاهر جميعا.
167- أما الذي في المرتبة الأولى من الأسماء المستعارة فمثل من حمل قوله عز وجل:
{يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوءاتكم} . على أن اللباس ههنا المطر، فإن مثل هذا التأويل يحتاج إلى دليل فإن اللباس ظاهر جدا فيما يواري الإنسان، والثاني مثل حمل قوله تعالى: {لقد أرسلنا رسلنا بالبيّنات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان} . على أن الميزان ههنا العدل. والثالث مثل قوله تعالى: {أو لامستم النساء.} فإن بعض الفقهاء حمله على اللمس الذي باليد، وحمله بعضهم على الجماع. وهذا وإن كان الظاهر فيه اللمس باليد فقد يحتمل أن يراد به الجماع احتمالا قريبا، إذ ذلك من عادة العرب، وقد كنّى الله تعالى عن الجماع بالمسيس، وهو في معنى اللمس.
168- وبالجملة فمراتب الظهور في الألفاظ إنما هو بحسب كثرة الاستعمال وقلته، فإن بلغت كثرة الاستعمال في المعنى الذي استعير له أن يعادل استعماله في المعنى الأول بقي اللفظ بين الأول والثاني مشتركا ومجملا، ومهما نقصت كثرة الاستعمال في الثاني كان أظهر في الأول،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 108)
وربما كان التأويل في الظاهر بينا بنفسه، وربما احتيج إلى تبيين، وربما كان ذلك ظنا أكثريا، وربما كان قطعا. مثال ما كان من ذلك بينا بنفسه وكان قطعا قولهم: (وما زلنا نطأ السماء حتى أتيناكم) ، ومثال ما كان من ذلك بينا بدليل قطعي قوله تعالى: {الرحمان على العرش استوى} فإنه قد علم بدليل قطعي أن الاستواء ههنا ليس هو التمكن.
169-وأما الصنف الثاني من اللفظ الظاهر، وهو الذي سمّيناه المبدل، فهو أيضا صنفان: أحدهما اللفظ الكلي، والثاني اللفظ الجزئي. ولنجعل نظرنا من ذلك أولا في الكلي وهو العام. والعام أصنافه كثيرة، وقد نازع قوم في وجود معنى العموم في الألفاظ وكونه إذا ورد مطلقا ظاهرا في حصر جميع ما يدل تحته. ولا معنى لمنازعتهم، فإن الأمر ظاهر، بل هو شيء مشترك لجميع الألسنة واللغات. والشرع لم يتصرف في تغييره بوضع عرفي. والحجة على كونه دليلا شرعيا هي الحجة على كون الظاهر بما هو ظاهر دليلا شرعيا. وقد تقدم ذلك.
170-وأصناف هذه الألفاظ كثيرة: فمنها أسماء الجموع، دخلتها الألف واللام أو لم تدخلها. ومنها أسماء الأجناس والأنواع والأصناف إذا كان فيها الألف واللام ولم تكن في آخرها هاء التأنيث مثل الثمرة والنخلة والمرأة. ومنها من وما، إذا أوردت، وأين ومتى. ومنها حروف النفي. ومنها الألفاظ المؤكدة كقولهم كلهم وأجمعون. وهذه الأصناف إذا أطلقت إطلاقا حملت على الأكثر على عمومها إلى أن يدل الدليل على تخصيصها، ولها أيضا مراتب في الظهور، كما كانالصنف الأول. ولأدلتها أيضا مراتب بحسبها لأنه أبدا يشترط في الدليل المؤوّل أن يكون أقوى دلالة من صيغة اللفظ، مثال ما منها في:
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 109)
171- المرتبة الأولى من الظهور قوله صلى الله عليه وسلم (أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل) حمله قوم على الأمة فلما لم يسغ لقوله صلى الله عليه وسلم (فلها المهر وإنما مهر الأمة لسيدها) حملوه على المكاتبة وهذا يبعد من جهة التأويل.
172 المرتبة الثانية قوله عليه السلام: (لا صيام لمن لم يبيت الصيام) (1) حمله قوم على القضاء والنذر وهذا التأويل أقرب من الأول.
173 المرتبة الثالثة قوله صلى الله عليه وسلم (فيما سقت السماء العشر وفيما سقي بالنضح نصف العشر) حمله قوم على كل شيء حتى أخذوا الزكاة من الخضر، وقال آخرون هو مقصور على سائر الحبوب التي تؤخذ منها الزكاة.
174 فهذه أصناف ألفاظ العموم ومراتبها في الظهور وربما ورد اللفظ العام والمراد به الخاص، ويكون ذلك فيه بينا من أول الأمر، كقول القائل عندما يضرب ولده ليس في الأولاد خير. وربما كان ذلك ظنا أكثريا، وربما كان قطعيا، وذلك بحسب قرينة قرينة. وربما تبين ذلك بدليل. والدليل أيضا إما قطعي وإما أكثري، وربما علمنا أنه عام أريد به الخاص، ولم نعلم أي خاص هو، وربما كانت قوته قوة المجمل.
175 وقد بقي علينا أن نقول فيما يظن به من أصناف الألفاظ أن لها عموما، وليس لها عموم. أو فيما يظن منها أن ليس لها عموم ولها عموم، ونرسم في ذلك مسائل:--------------------------------------------
(1) نجد في بداية المجتهد رواية أخرى: (من لم يبيت الصيام من الليل فلا صيام له.
انظر ص214 ج1
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 110)
176- مسألة: العموم في الألفاظ إنما يتصور إذا كان من لفظ الشارع على سبيل الابتداء، أو رد عند السؤال على سبب خاص فأخرج مخرج | العام | (1) . مثل قوله صلى الله عليه وسلم ، وقد سئل عن بئر بضاعة فقال: (خلق الله الماء طهورا لا ينجسه شيء) فإن هذا القول ليس يحمل على بئر بضاعة وحده، بل على جميع المياه. وقد رأى قوم أن مثل هذا القول خاص ويقتصر به عن الشيء المسؤول عنه، وإن أخرج مخرج العموم. ولا معنى لقولهم، فإن الأمر في ذلك بين.
177- مسألة: ليس للاسم المشترك عموم لجميع ما يقال عليه، وإن كان قد يرى ذلك بعضهم مثل من حمل قوله تعالى {أو لامستم النساء} على الأمرين جميعا، أعني النكاح واللمس بالجارحة التي هي اليد. وهذا يتبين خلافه باستقراء كلام العرب، فإنهم ليس يطلقون في مخاطبتهم اسم العين مثلا ويريدون به أن يفهم السامع عنهم جميع المعاني التي يقال عليها اسم العين. وأبين ما يظهر ذلك في الأسماء المقولة على المتضادات، اللهم إلا أن يدّعي مدّع أن ذلك مفهوم بالعرف الشرعي، لكن إن ادّعى ذلك فعليه إثباته.
178- مسألة: يدخل تحت لفظ الناس والإنسان العبد والكافر والذكر والأنثى. وأما المؤمنون فيدخل تحته العبد ولا يدخل تحته النساء، إذ هي صيغة خاصة بالمذكر.
179- مسألة: صرف العموم إلى غير الاستغراق جائز. وأما رده إلى ما دون أقل الجمع عند من يرى أن أقل ما يدل بلفظ الجميع عليه اثنان، فزعم أبو حامد أن ذلك ممتنع، وفيه نظر.--------------------------------------------
(1) كتب الناسخ في الصلب (العموم) ثم صححها في الهامش كما أثبتناها.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 111)