Arabic source text

📘 আল-মিহনাতি ওয়া আসারুহা ফী মানহাজিল ইমাম আহমাদান নাকদি (আবদুল্লাহ বিন ফাওযান আল-ফাওযান)

📘 المحنة وأثرها في منهج الإمام أحمد النقدي (عبد الله بن فوزان الفوزان)

📘 আল-মিহনাতি ওয়া আসারুহা ফী মানহাজিল ইমাম আহমাদান নাকদি (আবদুল্লাহ বিন ফাওযান আল-ফাওযান)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
ابنًا أنا به معجب، وإن له في قلبي موقعًا، فأحب أن تحدثه بأحاديث، فسكت، فلما خرج قال: أتراه لا يرى ما أنا فيه؟!» (1).
ثم استقر الأمر بالإمام ألا يحدث إلا ولده وحنبل ابن عمه.
قال عبد الله: «سمعت أبي سنة سبع وثلاثين ومائتين يقول: قد استخرت الله أن لا أحدث حديثًا على تمامه أبدًا، ثم قال: إن الله يقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} [المائدة: 1]، وإني أعاهد الله أن لا أحدث بحديث على تمامه أبدًا، ثم قال: ولا لك، وإن كنت تشتهي.
فقلت له بعد ذلك بأشهر: أليس يروى عن شريك، عن يزيد بن أبي زياد، عن عبد الله بن الحارث، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «العهد يمين» (2)؟ قال: نعم سكت، فظننت أنه سيكفر، فلما كان بعد أيام قلت له في ذلك، فلم ينشط للكفارة، ثم لم أسمعه يحدث بحديثٍ على تمامه» (3).--------------------------------------------
(1) السير (11/ 276)، وينظر: مناقب الإمام أحمد لابن الجوزي ص (451).
(2) لم أقف عليه عن ابن عباس، وهو بهذا الإسناد ضعيف؛ لحال شريك القاضي ويزيد بن أبي زياد، وقد أخرجه عبد الرزاق (15981، 15982) عن طاووس والشعبي من قولهما.
(3) السير (11/ 309)، وينظر: مناقب الإمام أحمد لابن الجوزي ص (451 - 452).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 23)

وقال حنبل: «وكان أبو عبد الله قد بلغ بُصْرَى - لما خرج إلى المتوكل بالعسكر في سُرَّ مَنْ رأى - فوجه إليه رسولاً، وقد باب ببصرى يأمره بالرجوع، فرجع أبو عبد الله، وامتنع من الحديث إلا لولده ولنا، وربما قرأ في منزلنا» (1).
وقال المروذي: سمعت أبا عبد الله في العسكر، يقول لولده: قال الله تعالى: {أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} [المائدة: 1]، أتدرون ما العقود؟ إنما هو العهود، وإني أعاهد الله عز وجل، ثم قال: والله، والله، والله، وعلي عهد الله وميثاقه ألا حدثت بحديث لقريب ولا لبعيد حديثًا تامًا حتى ألقى الله، ثم التفت إلى ولده وقال: وإن كان هذا يشتهي منه ما يشتهي، ثم بلغه عن رجل من الدولة وهو ابن أكثم أنه قال: قد أردت أن يأمره الخليفة أن يكفر عن يمينه، ويحدث، فسمعت أبا عبد الله يقول لرجل من قبل صاحب الكلام: لو ضربت ظهري بالسياط، ما حدثت (2).
ويستنتج من كل ما مضى في مسألة ترك التحديث ومراحله ومنهج الإمام فيه ما يلي:
أولاً: أن الإمام كان يرى عظيم أثر العلم والحديث والسنة لا سيما أيام المحن وظهور البدع وعلو شأنها.--------------------------------------------
(1) ذكر محنة الإمام أحمد ص (74)، وينظر: سيرة الإمام أحمد لابنه صالح ص (101).
(2) ينظر: السير (11/ 310).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 24)

ثانيًا: أن أول ترك للتحديث منه رحمه الله كان من قبله ابتداءً، ولم يكن بمرسوم من السلطان، وذلك في سنة سبع وعشرين ومائتين - أي: في زمن المحنة وقبل انجلاء غمتها - ولم يستمر هذا الترك.
وأما قبل ذلك فلم يترك التحديث، بل إن تلك الفترة - بين سنة عشرين وسبع وعشرين - هي التي أسمع فيها ابنيه وابن عمه حنبل مسنده، فقد قيل: إن ذلك كان سنة خمس وعشرين ومائتين، وفي هذه الفترة أيضًا حدَّث عنه فيها الأئمة كمسلم وأبي داود وغيرهما؛ كما عُلم من تاريخ رحلاتهم ودخولهم إلى بغداد للسماع من شيوخها وعلى رأسهم الإمام رحمه الله.
ثالثًا: أنه ترك تحديث ابن رسول الخليفة ولم يكن ذلك بسبب أمر المحنة؛ بل للموقف الواضح من أبي عبد الله تجاه السلاطين وأعوانهم، وأيضًا لم يكن طلب رسول الخليفة لأبي عبد الله أن يحدث ابنه إلا لطلب الشرف بذلك والتزين به.
رابعًا: أن الإمام ترك التحديث لعامة الناس، واقتصر على تحديث ولده وابن عمه، وهو الذي استمر عليه حتى مات رحمه الله، وكان ذلك من سنة سبع وثلاثين، ويلحظ على هذه المرحلة أنه في آخرها لم يكن ينبسط للتحديث مطلقًا، بل أقسم على نفسه ألا يحدث حديثًا تام.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 25)

ترك التحديث عمن أجاب بعد المحنة وإبقاء ما حدَّث به عنه قبلها:
وهذا كان من الإمام أحمد - فيما وقفتُ عليه - في راوٍ واحدٍ وهو الإمام الحجة المتقن علي بن عبد الله بن المديني (ت 234 هـ).
فالإمام رحمه الله روى عنه قبل المحنة، فلما حصلت ترك الرواية عنه في أثنائها وبعدها، لكنه لم يضرب على حديثه جملةً كغيره لجلالته وعظيم منزلته في هذا الشأن؛ ولذا وجد لابن المديني في المسند أكثر من خمسة وستين حديثًا.
وقد ورد التصريح في ثلاثة مواضع من المسند على أن روايته عنه كانت قبل المحنة، وسيأتي مزيد بسط لذلك عند الكلام على موقف أحمد من ابن المديني تفصيلاً.
الضرب على حديث بعض الرواة وتركه مطلقًا.
وهذا الصنيع كان من الإمام مع جملة من الرواة، فيهم كبار أئمة وأساطين رواية؛ كابن معين، وعلي بن الجعد، وأبي نصر التمار، وغيرهم.
قال أبو الفضل صالح ابن الإمام: «وضرب أبي على حديث كل مَنْ أجاب» (1).--------------------------------------------
(1) سيرة الإمام أحمد لابنه صالح ص (74).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 26)

وقال سعيد بن عمر البرذعي: «سمعت الحافظ أبا زرعة الرازي يقول: كان أحمد بن حنبل لا يرى الكتابة عن أبي نصر التمار، ولا عن يحيى بن معين، ولا عن أحد ممن امتحن فأجاب» (1).
وقال أبو زرعة أيضًا: «كان أحمد بن حنبل لا يرى الكتابة عن علي بن الجعد، ولا سعيد بن سليمان، ورأيته في كتابه مضروبًا عليهما» (2).
نهيه عن التحديث بما يُفْهَم منه تأييد البدعة:
ويظهر هذا الأثر حينما أنكر الإمام رحمه الله ما بلغه عن ابن المديني أنه حديث بحديث: «كلوه إلى عالمه»، فقال فيه: «كلوه إلى خالقه»، وهو مما أخطأ فيه الوليد بن مسلم، فحدث به ابن المديني على الخطأ في قصة بينه وبين ابن أبي دؤاد زعيم فتنة القول بخلق القرآن.
قال الخطيب البغدادي: «أخبرنا أبو طالب عمر بن إبراهيم الفقيه، أخبرنا عيسى بن حامد القاضي، حدثنا أبو بكر أحمد بن محمد الصيدلاني، حدثنا أبو بكر المروذي، قال: قلت--------------------------------------------
(1) السير (11/ 87)، وينظر: مناقب الإمام أحمد لابن الجوزي ص (473).
(2) تاريخ بغداد (5/ 185)، وينظر: تهذيب الكمال (20/ 348)، وسير أعلام النبلاء (11/ 456).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 27)

لأبي عبد الله أحمد بن حنبل: إن علي بن المديني يحدث عن الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، عن الزهري، عن أنس، عن عمر: «كلوه إلى خالقه»؟ فقال أبو عبد الله: كذب، حدثنا الوليد بن مسلم مرتين ما هو هكذا، إنما هو: «كلوه إلى عالمه» (1). قلت لأبي عبد الله: إن عباسًا العنبري قال لما حدث به بالعسكر: قلت لعلي ابن المديني: إنهم قد أنكروه عليك؟ فقال: حدثتكم به بالبصرة، وذكر أن الوليد أخطأ فيه، فغضب أبو عبد الله وقال: فنعم، قد علم - يعني: علي بن المديني - أن الوليد أخطأ فيه فلم أراد أن يحدثهم به؟ يعطيهم الخطأ؟ وكذبه أبو عبد الله» (2).
منعه لابنه أن يحدث عن المبتدعة عمومًا، وعمن أجاب في المحنة خصوصًا:
قال الخطيب: «أخبرنا البرقاني: سمعت أبا بكر أحمد بن جعفر بن سلم يقول: عبد الله بن أحمد بن حنبل لم يكن عنده عن رجل عن شعبة إلا عن يحيى بن عبدويه، عن شعبة، ولم يسمع من علي بن الجعد، منعه أبوه عنه إذ أجاب في الفتنة،--------------------------------------------
(1) أخرجه: سعيد بن منصور (1/ 181) ح (43)، وابن أبي شيبة (6/ 136)، وأحمد (11/ 353 - 354)، ح (6741) ح (2281). وينظر: علل الدارقطني (2/ 120).
(2) تاريخ بغداد (11/ 469)، وينظر: سير أعلام النبلاء (11/ 54 - 55)، وتاريخ الإسلام (4/ 317).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 28)

وحثَّه أبوه على السماع من يحيى بن عبدويه وأثنى عليه» (1).
وقال ابن حجر: «كان عبد الله بن أحمد لا يكتب إلا عمن أذن له أبوه في الكتابة عنه، وكان لا يأذن له أن يكتب إلا عن أهل السنة، حتى كان يمنعه أن يكتب عمن أجاب في المحنة؛ ولذلك فاته علي بن الجعد ونظراؤه من المسند» (2).
على أن هذا الامتناع من عبد الله كان مؤقتًا؛ لأن المتقرر أن عبد الله إنما سمع من أبيه وبقية شيوخه بعد المحنة كما قال الذهبي (3)؛ إذ كان في زمن المحنة صغيرًا، فقد ولد قبل ابتدائها بخمس سنين في سنة ثلاث عشرة ومائتين، وعبد الله بقي بعد أبيه قرابة الخمسين عامًا، وقد وجد في كتبه بما فيها زوائد المسند تحديثه عن جملة ممن أجاب في المحنة؛ كيحيى بن معين، وأبي معمر، وأبي كريب وغيرهم.
ولعل طول مدة بقاء عبد الله بعد المحنة وجلالة هؤلاء الأئمة وطلب العلو في الإسناد من الأسباب التي دعته إلى عدم ترك التحديث عنهم، وأنه ربما حمل نهي أبيه له على زمن المحنة وما قاربه، أو لعله ترخص في ذلك كغيره من الرواة، وأن موقف أبيه رحمه الله عزيمة يصعب تطبيقها، وإلا لفاته الكثير من الشيوخ والأحاديث والأسانيد العالية.--------------------------------------------
(1) تاريخ بغداد (14/ 166).
(2) تعجيل المنفعة ص (1/ 258 - 259)، وينظر: (1/ 814)، (2/ 173)، (2/ 216).
(3) السير (11/ 181).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 29)

‌‌المطلب الثاني
أثرها في منهجه النقدي خصوصًا
وفيه ما يلي:
تعديل الرجل والثناء عليه؛ لثباته في المحنة، وتمسكه بالسنة:
وقد كان هذا من الإمام رحمه الله في الثناء على من ثبتوا في المحنة وأعطوا الجهد من نفوسهم ولم يجيبوا، فقد اشتهر ثناؤه على محمد بن نوح وأحمد بن نصر الخزاعي، وسيأتي الكلام تفصيلاً عن ذلك في تراجمهم في المبحث الثالث.
كلامه فيمن أجاب متأولاً:
لا شك أن موقف الإمام رحمه الله تجاه هذه الطائفة كان صريحًا وواضحًا، وقد تجلى ذلك فيما يلي:
كلامه الصريح في بعض الرواة من أجل ذلك.
ترك الرواية عن بعضهم أثناء المحنة وبعدها.
الضرب على حديث رواةٍ آخرين مطلقًا، بما في ذلك ما سمع منهم قبل المحنة.
هجر من أجاب إلى ذلك، حتى ربما في ردَّ السلام وبدء الكلام، مع أن منهم من بينه وبينهم مودة تامة، وصحبة صادقة؛ كابن معين رحمه الله.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 30)

عدم شهوده لجنائز بعضهم.
نهيه لابنه عبد الله أن يحدث عن هؤلاء.
وهذا الأثر تجليته واضحًا وتحريره كشفًا وبيانه وصفًا هو لب المراد وخلاصة القصد، فقد تباينت الأفهام تفسيرًا واختلفت الأقلام تسطيرًا وازدوجت المقاصد تأويلاً في وصف موقف الإمام رحمه الله من هذه الطائفة من الأئمة في هذه المحنة المدلهمة، فطائفة حرَّفت، وأخرى انتقصت، وثالثة غلت وأسرفت.
وأستمد مولاي مدده وعونه في بيان ذلك وإيضاحه من خلال النقاط التالية:
1 - أن المسألة جليلة، والقول بها خطير، والزلل فيها كبير، وليست مسألة هينة سهلة، من فضول العلم ومكملاته، وذلك بالنظر إلى مقاصدها، وما تفضي إليها من التعطيل، وجحد الشريعة، وتكذيب الربّ - عياذًا بالله تعالى -.
2 - أن مَنِ امتحن في هذا الشأن كانوا أئمة كبارًا، مقتديً بهم، أسوةً لغيرهم، لهم تمام الأثر في عامة الناس، إيجابًا أو سلبًا، خيرًا أو شرًا، فبهم - بعد قدرة الله وإرادته وحكمته - نجاة الناس أو هلاكهم في هذا الأمر الكبار، وهذا مقصد الإلحاح في امتحانهم من أحمد البدعة والاعتزال ابن أبي دؤاد - عليه من الله ما يستحق.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 31)

3 - أن عامة الناس قد اشرأبت أعناقهم، وشخصت أبصارهم، وأصغت أسماعهم ينتظرون جواب هؤلاء الأئمة وقولهم في ذلك.
4 - أن الإمام رحمه الله كان قد أمل في بعضهم تمام الثبات، والتعاون على الحق، والتواصي بالصبر.
5 - أن الإمام قارن موقف بعض كبار أهل العلم وأئمة الدين بموقف أفراد ليسوا بمنزلتهم؛ كموقف ابن المديني أو ابن معين بموقف محمد بن نوح - رحمهم الله تعالى - فأثر ذلك في نفسه.
6 - أن موقفه رحمه الله من الابتداع وأهله عمومًا فيه حزم وعزيمة، لا رخصة عنده في هذا الأمر، وإذا كان قد أقل الرواية عن رواة عدلهم وأثنى عليهم بسبب شيء من التشيع أو القدر أو نحو ذلك ففي هذه النازلة أشد، بل قد ذهب الإمام إلى ما هو أبعد من ذلك في موقفه من رواةٍ تتلمذوا في مدرسة أهل الرأي وعلى قول أبي حنيفة رحمه الله.
7 - أن الأئمة الذين أجابوا إلى القول بذلك كانوا مكرهين بلا شك.
8 - أن الإكراه لم يكن قد وصل - لا سيما مع بعضهم - إلى حدَّ الإلجاء الذي يحصل به تمام المعذرة، ورفع الحرج، وسرعة الإجابة.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 32)

9 - أن بيان مدرك الإكراه وتحقيق حكم المعذرة فيه يختلف باختلاف الأمر الممتحن فيه، والشخص الممتحن، والعقوبة المتوعد عليها، وأثر الإجابة والموافقة حالاً ومآلاً.
10 - أن منهم من ندم على ذلك وكره ما حصل من سرعة الإجابة.
11 - أن منهم من عذره الإمام لما كان إكراهه ملجئًا، كما ذكر حنبل من عذره لعباس العنبري، وسجادة، والقواريري (1).
12 - أن موقف الإمام رحمه الله كان لخاصة نفسه واجتهاده، فلم يلزم به أحدًا من الناس - سوى نهيه لابنه أن يحدث عمن أجاب - ولم يشع الكلام في هؤلاء الأئمة بين الناس والدهماء.
13 - أنه لم يجرحهم جرحًا عامًا، أو يسقط الرواية عنهم جملةً وتفصيلاً، وإنما ترك حديث بعضهم، أو كلام فئة منهم، أو الانبساط إلى طائفة ثالثة، أو تشييع جنازة لآخرين.
14 - أنه قد وجد من وقف مثل موقف الإمام أو أشد منه، وحزن لإجابة من أجاب حزنًا عظيمًا، فقد قال بشر بن الحارث الحافي: «وددت أن رؤوسهم خضبت بدمائهم وأنهم لم يجيبوا»، وترك أبو زرعة الرواية عن بعض من أجاب، وترك--------------------------------------------
(1) ذكر المحنة لحنبل ص (36 - 37 - 68 - 69).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 33)

أبو حاتم الرواية عن قوم توقفوا، وهم بذلك عثمان بن سعيد الدارمي، ووجدت مواقف مماثلة لبعض علماء الأندلس (1).
15 - أن إطلاق تفسير جرح الإمام لبعض الرواة بسبب المحنة جرى فيه شيء من التوسع؛ بدليل أنه وجد جملة ممن أجاب أو له أثر سلبي واضح في المحنة لم يوقف على كلام له فيه (كما سيأتي إيضاحه).
16 - أنه لم يترتب على ذلك - فيما وقفت عليه - رد أحاديث الثقات أو قبول رواية غيرهم، فليست المسألة إسقاطًا للعدالة أو كلامًا في ضبط الراوي من حيث الصناعة الحديثية، وإنما هو موقف تدين واحتساب، وانتصار وغيرة على السنة (2).
17 - أن معرفة بساط حال المحنة، وإدراك تأثيرها على نفس الإمام، وكشف أغوارها، وتصور أبعادها يتوقف على معايشتها وحضور مشاهدها، وهي تلك الفتنة العظيمة التي تجاوزت خمسة عشر عامًا، فليس من السهل أن يصادر موقف الإمام، أو يتعقبه، أو يهون منه، بله أن يصفه بالتشدد والغلو والإفراط من يعيش رغدًا ويأتي--------------------------------------------
(1) ينظر: مناقب الإمام أحمد لابن الجوزي ص (478)، وتهذيب الكمال (21/ 171)، وكتاب مسألة خلق القرآن، وموقف علماء القيروان منها للدكتور فهد بن عبد الرحمن الرومي.
(2) ينظر: التنكيل للمعلمي (1/ 207).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 34)

خلفًا (1)، ولكن كما قالت العرب: «ويل للشجيَّ من الخليَّ».
18 - أن من عرف وتأمل مسألة اللفظ وأثرها على الأئمة وعلم الجرح والتعديل (كما في قصة الإمامين الذهلي والبخاري، أو الإمامين ابن منده وأبي نعيم رحمه الله الجميع رحمةً واسعة) تبين له شيء من التفسير والفهم لموقف الإمام أحمد في أصل المحنة وأساسها.
19 - أن من أئمة الجرح والتعديل من توقف في بعض الرواة، أو جرحهم بأدنى مغمز وأهون سبب، بل ربما كان الحامل على ذلك مواقف شخصية، أو منافرة أقران؛ فكيف بمثل هذه الفتنة العمياء؟!
20 - حَسْبُ الإمام أنه مجتهدٌ، وهو من أئمة الاجتهاد المطلق، فليس بخارج عن الأجرين والأجر، قدس الله روحه، وأعلى منزلته، وجزاه عنا خير الجزاء وأوفاه.--------------------------------------------
(1) ممن تكلم في هذا فما أنصف تصورًا وتصويرًا، وتفسيرًا وحكمًا، وزعم أن المسألة ليست من أصول الدين، وإنما هي من فضول العلم المقبلي في العلم الشامخ ص (370)، والشوكاني في الإرشاد (1/ 95 - 96)، وعبد الفتاح أبو غدة في رسالته «مسألة خلق القرآن وأثرها في صفوف الرواة والمحدثين وكتب الجرح والتعديل»، وقد ردَّ عليه وفنَّد ما في رسالته الشيخ العلامة حمود بن عبد الله التويجري في رسالته «تنبيه الإخوان على الأخطاء في مسألة خلق القرآن».

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 35)

كلامه فيمن قال: القرآن مخلوق اعتقادًا:
كلامه رحمه الله في هذا الأمر كالشمس وضوحًا وكالقمر نورًا؛ سبيل غيره من الأئمة، نصحاء الملة، وأمناء الأمة في أن من اعتقد ذلك فهو كافر.
وقد نقل ذلك عنه ما يزيد على خمسة وعشرين من أصحابه.
بل إن الإمام رحمه الله في عدد من النصوص عنه رتَّب جملة من الأحكام على هذا الوصف.
فقال: «لا يصلي خلف من قال: القرآن مخلوق، فإن صلى رجلٌ أعاد» (1).
وقال: «إذا كان القاضي جهميًا فلا تشهد عنده» (2).
ونهى عن كلامهم، ومجالستهم، وعيادة مرضاهم، وشهود جنائزهم، وأمر بالتفرقة بينهم وبين زوجاتهم (3).--------------------------------------------
(1) سيرة الإمام أحمد لابنه صالح ص (67).
(2) السنة لابنه عبد الله (1/ 103).
(3) ينظر في ذلك: خلق أفعال العباد للبخاري (2/ 115 - 116)، وسيرة الإمام لابنه صالح ص (67)، وذكر المحنة لحنبل بن إسحاق ص (69 - 70)، والسنة لابنه عبد الله (1/ 102 - 105)، والسنة لأبي بكر الخلال (6/ 9 - 12، 29 - 36) (7/ 61 - 62)، والشريعة للآجري (! /505 - 506)، والإبانة لابن بطة (5/ 157)، وشرح السنة للالكائي (2/ 263)، ومناقب الإمام أحمد لابن الجوزي ص (201 - 203)، وهداية الإنسان إلى الاستغناء بالقرآن لابن عبد الهادي بن المبرد ص (77 - 86، 185، 229، 234 - 235)، والمسائل والرسائل المروية عن الإمام أحمد في العقيدة (1/ 223 - 224).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 36)

كلامه في الواقفة (1):
المقصود بالواقفة الذين لم يفصحوا في المسألة نفيًا أو إثباتًا، فلم يقولوا: القرآن غير مخلوق، ولا: مخلوق، وهؤلاء منهم من وقف مطلقًا ولم يصرحوا بشيء مدعين أن الأمر لم يتبين لهم، وهذا الصنف يسمون عند السلف: الشاكة، وقد عدَّهم الإمام رحمه الله جهمية، وصرح بكفرهم في بعض الروايات عنه، ولم يعذرهم بهذه الحجة الواهية؛ لأن الأمر أوضح من أن يشك فيه، وبعضهم ربما اتخذ ذلك ذريعة إلى التستر بالقول بخلق القرآن.
قال عبد الله ابن الإمام أحمد: «سمعت أبي رحمه الله يقول: من كان من أصحاب الحديث أومن أصحاب الكلام فأمسك عن أن يقول: القرآن ليس بمخلوق فهو جهميٌّ» (2).
وقال مرةً عن الواقفة: «من كان يخاصم ويعرف بالكلام فهو جهمي، ومن لم يعرف بالكلام يجانب حتى يرجع، ومن--------------------------------------------
(1) تركت الكلام في مسألة اللفظ، وبيان حكم اللفظية؛ لأن حكمها العام مدرك من أصل المسألة؛ ولأن فيها من الاشتباه والاحتمال لمن أطلقها ما جعلها من أشكل مسائل الباب، وفيها تفاصيل عقدية ليس هذا مقام تحريرها، ولكن ينظر تحرير رأي الإمام فيها في كتاب: المسائل والرسائل المروية عن الإمام أحمد في العقيدة (1/ 232 - 252).
(2) السنة لابنة عبد الله (1/ 151)، وينظر: السنة للخلاف (5/ 131).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 37)

لم يكن له علم يسأل يتعلم» (1).
وفي رواية ثالثة قال: «من وقف فهو كافر»، وقال: «من شك فهو كافر» (2).
وفي رابعة ذكر أنهم أشد من الجهمية مبينًا العلة في ذلك فقال: «هم أشد على الناس تزيينًا من الجهمية؛ هم يشككون الناس، وذلك أن الجهمية قد بان أمرهم، وهؤلاء إذا قالوا: إنا لا نتكلم، استمالوا العامة، إنما هذا يصير إلى قول الجهمية» (3).
وقال في رواية الحسن بن ثواب: «هم شرٌّ من الجهمية، استتروا بالوقف» (4).
وطائفة أخرى من الواقفة وقفوا عند قول: القرآن كلام الله فقط، معتقدين أن هذا أسلم لهم، وأبعد عن الخوض في أصل المسألة، وقد سئل الإمام عنهم فقيل: «هل لهم رخصة أن يقول الرجل: كلام الله. ثم يسكت؟ فقال: ولم يسكت؟! لولا ما وقع فيه الناس كان يسعه السكوت، ولكن حيث تكلموا لأي شيء لا يتكلمون؟!» (5).--------------------------------------------
(1) السنة لابنه عبد الله (1/ 179)، وينظر: السنة للخلال (5/ 130).
(2) السنة للخلال (5/ 132).
(3) السنة للخلال (5/ 135).
(4) السنة للخلال (5/ 129).
(5) السنة للخلال (5/ 132 - 133).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 38)

وقال في رواية سلمة بن شبيب: «من لم يقل: القرآن كلام الله غير مخلوق، فهو كافر. ثم قال: لا تشكن في كفرهم، فإن لم يقل: القرآن كلام الله غير مخلوق، فهو يقول: مخلوق، ومن قال: هو مخلوق، فهو كافر» (1).
وفي رواية أبي بكر المروذي قال: «لا نرضى أن يقول: كلام الله. ويسكت، حتى يقول: إنه غير مخلوق» (2).
وقد نهى الإمام أبو عبد الله رحمه الله عن كلامهم، وأمر بهجرهم والبعد عنهم، بل وأفتى بالتفريق بين الزوجين من أجل ذلك.
قال أبو بكر المروذي: «قدم رجل من ناحية الثغر فأدخلته عليه، فقال: ابن عم لي يقف، وقد زوجته ابنتي، وقد أخذتها وحولتها إلي، علي أن أفرق بينهما؟ فقال: لا ترضى منه حتى يقول: غير مخلوق، فإن أبى ففرق بينهما» (3).
وفي رواية الجُرْجَرائي قال: «سألت أبا عبد الله عن رجل له أخت أو عمة، ولها زوج واقفي، قال: يلتقي بها ويسلم--------------------------------------------
(1) مناقب الإمام أحمد لابن الجوزي ص (205 - 206).
(2) هداية الإنسان إلى الاستغناء بالقرآن لابن عبد الهادي ابن المبرد ص (95).
(3) المصدر السابق ص (96 - 97).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 39)

عليها، قلت: فإن كانت الدار له؟ قال: يقف على الباب ولا يدخل» (1).--------------------------------------------
(1) السنة لأبي بكر الخلال (5/ 143)، وينظر للفائدة: الشريعة للآجري (1/ 209)، والإبانة لابن بطة (5/ 128 - 141، 160 - 176)، وشرح السنة للالكائي (2/ 323 - 329)، ومناقب الإمام أحمد لابن الجوزي ص (205 - 208)، وهداية الإنسان إلى الاستغناء بالقرآن لابن عبد الهادي بن المبرد ص (93 - 102)، والمسائل والرسائل المروية عن الإمام أحمد في العقيدة (1/ 252 - 257).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 40)

‌‌المبحث الثالث
أشهر الأئمة الذين امتحنوا وموقف الإمام منهم
وفيه مطلبان:

‌‌المطلب الأول
أشهر الأئمة الذين امتحنوا ولم يجيبوا
‌‌1 - أحمد بن عبد الله العجلي الكوفي نزيل طرابلس:
هو: الإمام الحافظ الأوحد الزاهد أبو الحسن أحمد بن عبد الله بن صالح بن مسلم، العجلي الكوفي، نزيل طرابلس، من أئمة الجرح والتعديل، له كتاب «معرفة الثقات»، ولد بالكوفة سنة اثنتين وثمانين ومائة، وتوفي سنة إحدى وستين ومائتين رحمه الله (1).
موقفه في المحنة:
قال الذهبي: «ومن كلام أحمد بن عبد الله قال: من آمن برجعة علي رضي الله عنه فهو كافر، ومن قال: القرآن مخلوق فهو--------------------------------------------
(1) ينظر في ترجمته: تاريخ بغداد (4/ 214 - 215)، وتذكرة الحفاظ (2/ 560)، والسير (12/ 505)، والوافي بالوفيات (7/ 97)، والبداية والنهاية (14/ 465)، وطبقات الحفاظ (242).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 41)

كافر، وقيل: إنه فرَّ إلى المغرب لما ظهر الامتحان بخلق القرآن، فاستوطنها وولد له بها» (1).
وقد قيل: إنه ارتحل إلى المغرب في السنة التي ابتدأت فيها المحنة، سنة ثمان عشرة ومائتين، وأنه لقي الإمام أحمد ودخل عليه ببغداد قبل رحلته.
موقف الإمام منه:
لم أقف على كلام للإمام أحمد في أبي الحسن العجلي، ولعل السبب تقدم رحلته إلى بلاد المغرب وبقاؤه هناك حتى توفي رحمه الله.

‌‌2 - أحمد بن نصر الخزاعي:
هو: الإمام الكبير الشهيد أبو عبد الله أحمد بن نصر بن مالك بن الهيثم، الخزاعي المروزي ثم البغدادي، كان رحمه الله أمَّارًا بالمعروف قوالاً بالحق، استشهد سنة إحدى وثلاثين ومائتين، قتله الواثق في قصة المحنة (2).--------------------------------------------
(1) السير (12/ 506)، وينظر: تذكرة الحفاظ (2/ 560).
(2) ينظر في ترجمته: تاريخ بغداد (5/ 173)، وطبقات الحنابلة (1/ 189 - 203)، ومناقب الإمام أحمد لابن الجوزي ص (484 - 486)، وتهذيب الكمال (1/ 505 - 514)، والسير (11/ 166)، والوافي بالوفيات (7/ 211)، والبداية والنهاية (14/ 310 - 319)، وتهذيب التهذيب (1/ 87)، والتقريب (120).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 42)