Arabic source text

📘 সুন্নাতুত তারকি ওয়া দালালাতুহা আলাল আহকামিশ শারইয়্যাহ (মুহাম্মদ হুসাইন আল-জিজানি)

📘 سنة الترك ودلالتها على الأحكام الشرعية (محمد حسين الجيزاني)

📘 সুন্নাতুত তারকি ওয়া দালালাতুহা আলাল আহকামিশ শারইয়্যাহ (মুহাম্মদ হুসাইন আল-জিজানি)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
بالإسلام، وأن ذلك رُبَّما نفَّرهم عنه بعد الدخول فيه".
وكذلك إن كان عقل السائل لا يحتمل الجواب عمَّا سأل عنه، وخاف المسئول أن يكون فِتْنَة له، أمسك عن جوابه (1).
ثالثًا: متى يصير التَّرْكُ بدعة (2)؟
ترك ما أحلَّه الله - تعالى - يصير بدعة ضلالة في حالتين:
الحالة الأولى: أن يعتقد تحريم فعل ما أحلَّه الله.
والأصل في ذلك: التحريم الواقع من الكفار؛ كالبحيرة والسائبة والوصيلة والحام؛ كما ورد ذلك في قوله - تعالى: {مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ} [المائدة: 103].
ومن الأمثلة على ذلك:
1 - اعتقاد تحريم التمتع بالطيبات.
2 - اعتقاد حُرْمة جميع ما يُصنع ويأتي من بلاد الكافرين، من أطعمة وألبسة وغيرها.
3 - اعتقاد حُرْمة بعض المخترعات العصرية، كالوسائل الكهربائية.
والحالة الثانية: أن يقترن بِتَرْك فِعْل ما أحَلَّه الله قصد--------------------------------------------
(1) إعلام الموقعين (4/ 157، 158).
(2) انظر الاعتصام (1/ 42 - 45) والإبداع ص (51 - 53).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 27)

التعبد ونية التقرب إلى الله، من وجه لم يعتبره الشارع، وإن كان هذا التَّارِك يعتقد في نفسه أن إتيان هذا الفعل حلال من حيث الأصل.
وذلك مثل التَّقَرُّب إلى الله - تعالى - بِتَرْك النوم ليلًا أو تَرْك الأكل نهارًا، أو تَرْك إتيان النساء، وهذا ما وَرَدَ في قصة الرَّهْطِ الثلاثة.
فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: «جاء ثلاثة رَهْط إلى بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم يسألون عن عبادة النبي صلى الله عليه وسلم فلما أخبروه كأنهم تَقَالُّوها فقالوا: وأين نحن من النبي صلى الله عليه وسلم قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخَّر.
قال أحدهم: أما أنا فأصلي الليل أبدًا، وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أُفْطِر. وقال آخر: أنا اعتزل النساء فلا أتزوج أبدًا.
فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأُفْطِر، وأُصلي وأرقد، وأتزوج النساء فمن رَغِبَ عن سُنَّتي فليس مني» (1).
وذلك أن هؤلاء الثلاثة أرادوا التقرب إلى الله - تعالى - بِتَرْكِ الحلال، وهو تَرْكُ النوم ليلًا، وتَرَكُ الإفطار نهارًا، وتَرَكُ الزَّواج.--------------------------------------------
(1) أخرجه البخاري ص (1070) برقم (5063).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 28)

ثم إن الرسول صلى الله عليه وسلم قد أنكر عليهم صنيعهم هذا وبَيَّنَ سُنَّتِه وجَلَّاها، فقال: «لَكِنِّي أصوم وأُفطر، وأُصلي وأرقد، وأتزوج النِّساء، فمن رَغِبَ عن سُنَّتِي فليس مِنِّي» والرغبة عن السنة مُوقِع في البدعة.
والأصل في ذلك: قول الله - تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} [المائدة: 87] حيث نهى أوَّلًا عن تحريم الحلال ثم جاءت الآية تشعر بأن ذلك اعتداء لا يحبه الله، وذلك أن التَّرك المقصود معارضة للشارع في شرع التحليل.
ومما يَحْلَق بهذا النوع من التَّرك: الاقتصار في الملبس على الخشن من غير ضرورة، أو الاقتصار على البشيع في المأكل من غير عذر فإنه تَنَطُّع؛ لأنه من قبيل التشديد والتَّنَطُّع المذموم، وفيه أيضًا مَنْ قصد الشهرة ما فيه، وهذا كله قد يفضي إلى الوقوع في الغلو المنهي عنه.
رابعًا: متى يصير الترك معصية (1).
يُعَدُّ التَّرْكُ معصية: إذا تُرِكَ ما هو مطلوب في الشرع كَسَلًا أو تضييعًا أو عبثًا، فهذا الضرب من التَّرْكِ راجع إلى مخالفة أمر الشارع، فإن كان في أمر يفيد الوجوب فالتَّرك يكون حينئذ معصية؛ كَتَرْك الطَّعام يوم العيد.--------------------------------------------
(1) انظر: الاعتصام (1/ 42 - 45) والإبداع ص (51 - 53).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 29)

وإن كان التَّرْك في أمر يفيد النَّدب، فهذا التَّرك لا يُعَدُّ معصية؛ كترك الاستياك والتَّطَيُّب لصلاة الجمعة.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 30)

‌‌المطلب الثاني
تعريف السُّنَّة التَّرْكِيَّة
قبل الشروع في تعريف السُّنَّة التَّرْكِيَّة يَجْدُر التعرض بالبيان لأقسام تَرْكِه صلى الله عليه وسلم وذلك على النحو الآتي:
ينقسم تَرْكِه صلى الله عليه وسلم إلى خمسة أقسام:

‌‌القسم الأول: التَّرْكُ الجِبِلِّيّ أو العادي، وهو ما يرجع إلى الجِبِلَّة أو العادة؛ كَتْرِكه صلى الله عليه وسلم أكل الضَّب؛ لكونه لم يكن بأرض قومه (1).
ومن ذلك: ما تركه صلى الله عليه وسلم على جهة النسيان.
مثال ذلك: أن الرسول صلى الله عليه وسلم صلى بأصحابه رضي الله عنهم صلاة فزاد أو نقص، فلما سلم قيل له: يا رسول الله أَحَدَثَ في الصلاة شيء؟ قال: "وما ذاك؟ " قالوا: صليت كذا وكذا، فثني رجليه بوجهه قال: «إنه لو حدث في الصلاة شيء لنبأتكم به ولكن إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تَنْسُون فإذا نسيت فذكروني، وإذا شك أحدكم في صلاته فليتحر الصواب فليتم--------------------------------------------
(1) أخرجه البخاري ص (1134) برقم (5391) ومسلم ص (1041) برقم (1946) وقد تقدم.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 31)

عليه ثم ليسلم ثم يسجد سجدتين» (1).

‌‌القسم الثاني: التَّرك الخاص به صلى الله عليه وسلم وهو ما ثبت بالدليل كونه خاصًا به صلى الله عليه وسلم كتَرْكِه صلى الله عليه وسلم أكل الثَّوم (2).
‌‌القسم الثالث: التَّرك المصلحي، وهو ما يرجع إلى تحقيق مصلحة شرعية.
ومن أمثلته ما يأتي:
تَرْكِه صلى الله عليه وسلم صلاة القيام في رمضان جماعة بأصحابه؛ رحمةً بأمته (3).
تَرْكه صلى الله عليه وسلم هدم الكعبة وبنائها على قواعد إبراهيم صلى الله عليه وسلم تأليفًا لقلوب أهل مكة؛ لقرب عهدهم بالكفر (4).
تَرْكه صلى الله عليه وسلم قتل المنافقين؛ سدًا لذريعة التنفير من الدخول في الإسلام (5).
تَرْكه صلى الله عليه وسلم الصلاة على صاحب الدَّين (6) وتركه صلى الله عليه وسلم الصلاة على الغال (7) من باب العقوبة لهما والترهيب من صنيعهما.--------------------------------------------
(1) أخرجه البخاري ص (89) برقم (401).
(2) أخرجه البخاري ص (1492) برقم (7359) ومسلم ص (269) برقم (564).
(3) أخرجه البخاري ص (1480) برقم (7290).
(4) أخرجه البخاري ص (704) برقم (3368) وقد تقدم.
(5) أخرجه البخاري ص (735) برقم (3518) ومسلم ص (1351) برقم (2584) وقد تقدم.
(6) انظر في ذلك: ما أخرجه البخاري ص (459) برقم (2295).
(7) انظر في ذلك: ما أخرجه أبو داود في سننه (3/ 68) برقم (2710) وابن ماجة (2/ 950) برقم (2848) والنسائي (4/ 64) والحديث صححه محقق زاد المعاد. انظر: زاد المعاد ص (108).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 32)

‌‌القسم الرابع: التَّرْكُ البياني، أو التَّرْكُ التشريعي، وهو ما تَرَكَه صلى الله عليه وسلم بيانًا للشرع؛ كتَرْكه صلى الله عليه وسلم الأذان للعيدين وتَرْكه الاحتفال بمولده صلى الله عليه وسلم.
وهذا القسم من تَرْكه صلى الله عليه وسلم هو المُراد من السُّنَّة التَّرْكية، وإنما يُحْتج به فيجب تَرْك ما تَرَكَ صلى الله عليه وسلم ، إذا وجد السبب المُقتضي لفعل هذا المتروك في زمنه صلى الله عليه وسلم وانتفى المانع من فعله كما سيأتي.
ومما يلتحق بهذا القسم - أعني التُّرْك البياني - ثلاثة أنواع من التَّرْك:
الأول: تَرْكه صلى الله عليه وسلم واجتنابه لما هو مُحَرَّم شرعًا، ومن ذلك: تَرْكه صلى الله عليه وسلم وهو مُحْرِم للطيب والصيد؛ فإن المعلوم من شاهد الحال أن ذلك لأجل الإحرام (1).
الثاني: قاعدة: "تَرْك الاستفصال في حكاية الحال مع قيام الاحتمال يُنَزَّل منزلة العموم في المقال، ويحسن بها الاستدلال"، وهي مقالة مشهورة عن الإمام الشافعي (2).--------------------------------------------
(1) انظر: إرشاد الفحول ص (213).
(2) وقد نقل عنه قول آخر يخالف هذا القول هو: "حكاية الحال إذا تطرق إليها الإحتمال كساها ثوب الإجمال وسقط منها الاستدلال".
وقد استشكل ذلك بعض العلماء، وجعلهما بعضهم قولين للشافعي وجمع بعضهم بين القولين بأن الاحتمال إذ كان قريبًا سقط بها الاستدلال وإذا كان بعيدًا فلا يسقط.
انظر القواعد والفوائد الأصولية ص (234، 235) وشرح الكوكب المنير (3/ 172 - 174).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 33)

ومعنى القاعدة: أن النبي صلى الله عليه وسلم إذا تَرَك السُّؤَال عن تفاصيل واقعة ما فإن عدم السؤال يدل على عموم حكمها، وذلك أن غيلان بن سلمة الثقفي رضي الله عنه أسلم وله عشر نسوة في الجاهلية فأسلمن معه، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يتخير أربعًا منهن (1).
فدَّل تَرْكه صلى الله عليه وسلم سؤاله: هل عقد عليهن معًا أو مرتبًا على عموم الحكم وعدم الفرق بين الأمرين (2).
قال تاج الدين السبكي: "اشتهر عن الشافعي رضي الله عنه أن تَرْكَ الاستفصال في حكاية الأحوال مع قيام الاحتمال ينزل منزلة العموم في المقال".
وهذا وإن لم أجده مسطورًا في نصوصه فقد نقله عنه لسان مذهبه، بل لسان الشريعة على الحقيقة أبو المعالي رضي الله عنه.--------------------------------------------
(1) رواه ابن ماجة في سننه (1/ 628) برقم (1953) والترمذي (3/ 435) برقم (1128) وقال: والعمل على حديث غيلان بن سلمة عند أصحابنا منهم الشافعي وأحمد وإسحاق.
(2) انظر: القواعد والفوائد الأصولية ص (234، 235) وشرح الكوكب المنير (3/ 171 - 174) وأضواء البيان (5/ 100، 581، 6/ 516، 547).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 34)

ومعناه صحيح؛ فقد كانت من عادته صلى الله عليه وسلم أن يستفصل ويستقصي بحيث لا يدع غاية في البيان ولا إشكالا في الإيضاح.
الثالث: سكوته صلى الله عليه وسلم على حكم لو كان مشروعًا لبينه، فإنه يدل على عدم الحكم (1).
ومن أمثلته: القول بأن المرأة لا كفارة عليها في الوقاع في نهار رمضان؛ إذ لو وجبت على المرأة كفارة لبَيَّنَهَا رسول الله صلى الله عليه وسلم ولأمر الأعرابي بتبليغ ذلك لأهله؛ كما أمر أنيسًا لمَّا قال له: «واغْدُ يا أنيس على امرأة هذا فإن اعترفت فارْجُمْها» (2).
ومما يدل على ذلك: قوله صلى الله عليه وسلم «إن الله عز وجل فرض فرائض فلا تضيعوها وحرَّم حُرُمات فلا تنتهكوها وحدَّ حدودًا فلا تعتدوها، وسكت عن أشياء رحمة لكم من غير نسيان فلا تبحثوا عنها» (3).
ويدل على ذلك - أيضًا - قول ابن عباس رضي الله عنهما «وما سكت عنه فهو مما عفا عنه» (4).--------------------------------------------
(1) انظر: مفتاح الأصول ص (581 - 583) والموافقات (1/ 161) وما بعدها.
(2) أخرجه البخاري ص (562) برقم (2724 - 2725) ومسلم ص (902) برقم (1697، 1698).
(3) أخرجه الدارقطني في سننه (4/ 183) برقم (42) من كتاب الرضاع والحديث حسنه النووي في الأربعين النووية: الحديث الثلاثون.
(4) أخرجه أبو داود (3/ 354) برقم (3800) وصححه الحاكم ووافقه الذهبي انظر المستدرك (4/ 115) وقد رواه مرفوعًا ابن ماجه في سننه (1/ 1117) برقم (3367) والترمذي (4/ 220) برقم (1726) وقال حديث غريب لا نعرفه مرفوعًا إلا من هذا الوجه، وقال: وكأن لحديث الموقوف أصح.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 35)

قال التلمساني: واعلم أن من شرط هذا الاستدلال بيان أن الوقت وقت حاجة للبيان، بحيث يكون التأخير معصية (1).
وهذا النوع أعني دلالة سكوته صلى الله عليه وسلم يقرب من السنة التقريرية إلا أن السنة التقريرية - كما سيأتي في المطلب الآتي - لا بد أن يقترن بها فعل أو قول من بعض الصحابة رضي الله عنهم بخلاف دلالة السُّكوت فإنها أعَمَّ؛ إذ قد يقترن بها استفسار وسؤال سابق، فتكون من قبيل السُّنَّة التَّقريرية، وقد لا يقترن بها سُؤال؛ فتكون من قبيل التمسك بالأصل، وهو براءة الذمة؛ فتكون من قبيل سُنَّة التَّرْكِ.

‌‌القسم الخامس: ما تَرَكَه صلى الله عليه وسلم لعدم القدرة عليه، وهذا التَّرْك لم يوجد معه القصد إلى التَّرْك (2).
وهذا على التحقيق لا يُسَمَّى تَرْكًا؛ لكونه غير داخل تحت حقيقة التَّرْك؛ إذ الترك كما تقدم مخصوص بتَرْكِ فعل المقدور عليه.
ومن الأمثلة عليه: تركه صلى الله عليه وسلم الإتيان بالمستجدات الواقعة--------------------------------------------
(1) انظر مفتاح الوصول ص (583).
(2) انظر مجموع الفتاوى (20/ 314).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 36)

بعد عصره صلى الله عليه وسلم كَتَرْكه صلى الله عليه وسلم قتال مانعي الزكاة؛ فإن جحد وجوب الزكاة إنما وقع في عهد أبي بكر رضي الله عنه وكتَرْكِه صلى الله عليه وسلم دخول الحَمَّامَات، فإن هذه الحَمَّامَات لم تكن معروفة ولا متوافرة في بلاد المسلمين قبل الفتوحات.
وبناء على ذلك فإن تَرْكه صلى الله عليه وسلم عاد إلى أربعة أقسام، وهي ترجع إلى قسمين: تَرْكُ تشريعي وتَرْكُ مُعَلَّل.
فالتَّرك التشريعي نوعان: فقد يكون خاصًا به صلى الله عليه وسلم ، وقد يكون تَرْكُه صلى الله عليه وسلم عامًا له ولأمته، وهذا - أعني التَّرْك التشريعي العام - هو التَّرْك الرَّاتب، وهو مَحَل الاقتداء، وهو الذي يُطْلَق عليه سُنَّة التَّرْك.
وأما الأنواع الأخرى من التُّرُوك فإنها داخلة تحت تَرْكِه صلى الله عليه وسلم لكنها لا تُسَمَّى سُنَّة تَرْكِيَّة.
وأما التَّرْكُ المُعَلَّل فهو ما وقع فيه التَّرْك لأجل عِلَّة معينة غير عِلَّة التشريع وبيان الحكم.
وذلك أن الترك - ها هنا - حكم معلل بوجود مانع معين، وهذا المانع يتضمن معنى معتبرًا.
إذ قد يرجع هذا المعنى أو المانع إلى الجِبِلَّة والعادة، وقد يرجع إلى تحصيل مصلحة أو درء مفسدة.
وحيث إن الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا، فإن هذا المعنى أو المانع متى تبين زواله وعُلِمَ انتفاؤه زال حكم التَّرْك

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 37)

وانقطع وصار الإتيان بهذا الأمر المتروك مشروعًا متى ما وُجِدَ في الشرع ما يقتضيه.
فهذا القسم من التَّرْكِ يُسَمَّى بالتَّرْك غير الرَّاتب؛ لأنه منوط بقيام علته، ومقيد بها، ولا يُشْرَع فيه الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم.
وقد أشار ابن تيمية إلى هذين القسمين من التَّرْك بقوله: " فاستحباب الصلاة عقب السعي كاستحبابها عند الجمرات أو بالموقف بعرفات أو جعل الفجر أربعًا قياسًا على الظهر".
والتَّرْكُ الرَّاتب سُنَّة كما أن الفعل الرَّاتب سُنَّة.
بخلاف ما كان تَرْكِه بعدم مقتضى أو فوات شرط أو وجود مانع وحدث بعده من المقتضيات والشروط وزوال المانع ما دلَّت الشريعة على فعله حينئذ كجمع القرآن في المصحف وجَمْعِ الناس التراويح على إمام واحد وتعلم العربية وأسماء النقلة للعلم وغير ذلك مما يحتاج إليه في الدين، بحيث لا تتم الواجبات أو المستحبات الشرعية إلا به.
وإنَّمَا تَرْكُه صلى الله عليه وسلم لفوات شرطه أو وجود مانع" (1):
وبذلك يمكن تعريف سُنَّة التَّرْك بأنها: " تَرْكُه صلى الله عليه وسلم فعل الشيء مع وجود مقتضيه بيانًا لأمته".--------------------------------------------
(1) انظر: مجموع الفتاوى (26/ 172).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 38)

وقد تضمن هذا التعريف قُيودًا أربعة:
القيد الأول: أن يكون هذا الأمر المَتْرُوك مقدورًا عليه من جهة النبي صلى الله عليه وسلم، وذلك أن التَّرْك - حسبما تقدم في التعريف اللغوي - عدم فعل المقدور عليه.
وبهذا القيد يخرج ما تَرَكَه صلى الله عليه وسلم لعدم القدرة عليه؛ فإن هذا النوع من الترك لم يوجد معه القصد إلى الترك (1).
وهذا على التحقيق لا يسمى تَرْكًا؛ لكونه غير داخل تحت حقيقة التَّرْك؛ إذ الترك مخصوص بترك فعل المقدور عليه.
ومن الأمثلة على ذلك: تركه صلى الله عليه وسلم الإتيان بالمستجدات الواقعة بعد عصره صلى الله عليه وسلم مع وجود مقتضيها؛ كتركه صلى الله عليه وسلم استعمال مكبرات الصوت الحديثة في نقل الأذان وتكبيرات الإمام والخطبة فهي غير مقدور عليها.
وقد مثل ابن تيمية لذلك بتركه صلى الله عليه وسلم دخول الحمامات، وذلك أن هذه الحمامات لم تكن معروفة ولا متوافرة في بلاد المسلمين قبل الفتوحات.
قال رحمه الله: ليس لأحد أن يحتج على كراهة دخولها أي الحمامات أو عدم استحبابه بكون النبي صلى الله عليه وسلم لم يدخلها ولا أبو بكر وعمر، فإن هذا إنما يكون حجة لو--------------------------------------------
(1) انظر: مجموع الفتاوى (20/ 314).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 39)

امتنعوا من دخول الحمام، وقصدوا اجتنابها، أو أمكنهم دخولها فلم يدخلوها.
وقد علم أنه لم يكن في بلادهم حينئذ حمام، فليس إضافة عدم الدخول إلى وجود مانع الكراهة أو عدم ما يقتضي الاستحباب، بأولى من إضافته إلى فوات شرط الدخول، وهو القدرة والإمكان (1).
القيد الثاني: أن يكون هذا الأمر المتروك من قبيل الأفعال فالسنة التركية مخصوصة بتركه صلى الله عليه وسلم للفعل دون تركه صلى الله عليه وسلم للقول.
وبهذا القيد يحترز من السنة التقريرية؛ فإنها من قبيل السكوت وذلك تركه صلى الله عليه وسلم للقول.
القيد الثالث: أن يكون هذا الأمر المتروك من الأمور التي قام سببها ووجدت الحاجة إلى فعلها.
وبهذا القيد خرج ما تركه الرسول صلى الله عليه وسلم لعدم الحاجة إليه في زمنه، إلا أن الحاجة إليه طرأت فيما بعد، وهذا هو باب المصالح المرسلة، وذلك أن المصلحة المرسلة فعل أمر لم يكن في عهد النبي لكن دعت الحاجة إلى فعله بعد زمنه.
ومن الأمثلة على ذلك: تَرْكه صلى الله عليه وسلم قتال مانعي الزكاة؛ فإن منع الزكاة إنما وقع في عهد أبي بكر رضي الله عنه.--------------------------------------------
(1) مجموع الفتاوى (20/ 314) ..

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 40)

وخرج بهذا القيد - أيضًا: تَرْكه صلى الله عليه وسلم للمنهيات والمنكرات، إذ ليس هنالك ما يقتضي فعل المعصية، بل الشرع يقتضي تَرْكها واجتنابها.
القيد الرابع: أن يقع هذا التَّرْكُ من النَّبي صلى الله عليه وسلم على وجه التشريع والبيان؛ وذلك أن يَتْرُك الرَّسُول صلى الله عليه وسلم فعل الشيء ليبين لأمته أن المشروع في هذا الشيء تَرْكُه وعدم فعله.
وبهذا القيد خَرَجَ ما تَرَكَه صلى الله عليه وسلم لا على وجه التشريع، وإنما تَرْكُه مِن أجل قيام مانع من الموانع: إما لمانع جِبِلِّي، كَتَرْكِه صلى الله عليه وسلم أكل الضَّب (1)، أو تأليفًا للقلوب؛ كَتَرْكِه صلى الله عليه وسلم نقض الكعبة وبنائها على قواعد إبراهيم عليه السلام (2) ، أو لغير ذلك من المعاني.
وخرج بهذا القيد - أيضًا - تَرْكه صلى الله عليه وسلم فعل أمر من الأمور الدنيوية المحضة؛ فإن هذا التَّرْك منه صلى الله عليه وسلم إنما يقع من جهة كونه بشرًا، فهو راجع إلى أفعاله صلى الله عليه وسلم الجِبِلِّيَّة والعادية، وهي في الأصل تأخذ حكم الإباحة.
ومن الأمثلة على ذلك: أمرُه صلى الله عليه وسلم بِتَرْك تأبير النخل، فعن موسى بن طلحة عن أبيه رضي الله عنه قال: مررت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوم على رؤوس النخل فقال: «ما يصنع هؤلاء» فقالوا:--------------------------------------------
(1) أخرجه البخاري ص (1134) برقم (5391) ومسلم ص (1041) برقم (1946) وقد تقدم.
(2) أخرجه البخاري ص (704) برقم (3368) وقد تقدم.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 41)

يلقحونه؛ يجعلون الذكر في الأنثى فيلقح؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «ما أظن يغني ذلك شيئًا» قال: فأُخبروا بذلك فتركوه، فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك فقال: «إن كان ينفعهم ذلك فليصنعوه؛ فإني إنما ظننت ظنًا فلا تؤاخذوني بالظن، ولكن إذا حدثتكم عن الله شيئًا فخذوا به فإني لن أكذب على الله عز وجل» (1).
وقد خرج بهذا القيد - أيضًا - التَّرْك الخاص به صلى الله عليه وسلم؛ فإن هذا التَّرْك وإن حصل به بيان للشريعة، لكنه بيان يختص به صلى الله عليه وسلم دون أمته؛ كَتَرْكِه صلى الله عليه وسلم أكل الثوم (2).--------------------------------------------
(1) أخرجه مسلم ص (1243) برقم (2361).
(2) أخرجه البخاري ص (1492) برقم (7359) ومسلم ص (269) برقم (564) وقد تقدم.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 42)

‌‌المطلب الثالث
أقسام السُّنَّة التَّرْكِيَّة
‌‌أولاً: تنقسم السَّنَّة التَّرْكِيَّة بحسب مجالاتها إلى ما يأتي:
1 - باب الاعتقادات، كالقول بأن أول واجب على المكلف هو النظر أو القصد إليه، وكالاستدلال بطريقة الأعراض وحدوثها على إثبات الصانع.
2 - باب العبادات، كَتَرْكِه صلى الله عليه وسلم صلاة ركعتين بعد الفراغ من السَّعْي.
3 - باب الأعياد، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم تَرَكَ الاحتفال بأيام الإسلام المشهودة ولم يتخذها أعيادًا.
قال ابن تيمية: "وللنبي صلى الله عليه وسلم خطب وعهود ووقائع في أيام متعددة، مثل يوم بدر وحنين والخندق وفتح مكة، ووقت هجرته ودخوله المدينة، وخُطَب له متعددة يذكر فيها قواعد الدين، ثم لم يوجب ذلك أن يتخذ أمثال تلك الأيام أعيادًا، وإنما يفعل مثل هذا النصارى الذين يتخذون أمثال أيام حوادث عيسى عليه السلام أعيادًا أو اليهود".
وإنما العيد شريعة، فما شرعه الله اتُّبع، وإلا لم يحدث

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 43)

في الدين ما ليس منه (1).
4 - باب النكاح وما يتعلق به، وقد مَثَّلَ الشاطبي لذلك فقال: "وعلى هذا النحو جرى بعضهم في تحريم نكاح المُحَلِّل وأنها بدعة منكرة من حيث وجد في زمانه عليه الصلاة والسلام المعنى المقتضى للتخفيف والترخيص للزوجين بإجازة التحليل ليراجعا كما كان أول مرة، وأنه لما لم يشرع ذلك مع حرص امرأة رفاعة على رجوعها إليه دل على أن التحليل ليس بمشروع لها ولا لغيرها.
5 - باب الجنايات والحدود، ومن الأمثلة على ذلك: تَرْكِه صلى الله عليه وسلم جَلْدَ الزاني المحصن اكتفاءً برجمه.
وسيأتي مزيد من الأمثلة لهذه الأبواب وغيرها في الفصل الثالث الخاص بالتطبيقات.

‌‌ثانيًا: تنقسم السُّنَّة التَّرْكِيَّة بالنسبة إلى نقلها إلى طريقين (2):
الطريق الأول: أن يرد نص صريح من الصحابي، بأن الرسول صلى الله عليه وسلم تَرَكَ كذا وكذا ولم يفعله، وذلك كقوله: «إن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى العيد بلا أذان ولا إقامة» (3).--------------------------------------------
(1) اقتضاء الصراط المستقيم (2/ 614، 615).
(2) انظر إعلام الموقعين (2/ 389 - 391).
(3) أخرجه أبو داود في سننه (1/ 298) برقم (1147) وصححه النووي انظر: لمجموع (5/ 13) وأصل الحديث في الصحيحين.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 44)

وقد ورد في السُّنَّة المطهرة تَرْكِه صلى الله عليه وسلم الأذان والإقامة لصلاة العيد بألفاظ متعددة فمن ذلك: عن جابر بن سمرة رضي الله عنه قال: "صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم العيدين غير مرة ولا مرتين بغير أذان ولا إقامة» (1).
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم خطب وأبو بكر وعمر وعثمان في العيد بغير أذان ولا إقامة» (2).
وفي "صحيح البخاري" أن ابن عباس رضي الله عنهما أرسل إلى ابن الزبير رضي الله عنهما في أول ما بويع له إنه لم يكن يؤذن بالصلاة يوم الفطر إنما الخُطْبَة بعد الصلاة (3).
الطريق الثاني: اجتماع القرائن الدالة على مواظبته صلى الله عليه وسلم على تَرْكِ هذا الفعل، وذلك بأن تتوافر همم الصحابة رضي الله عنهم ودواعيهم أو أكثرهم أو واحد منهم على نقله لو أن الرسول صلى الله عليه وسلم فعله، فحيث لم ينقله واحد منهم البتة، ولا حدَّث به في مجمع أبدًا عُلم أنه لم يكن.
ومن أمثلة ذلك: تَرْكُه صلى الله عليه وسلم التلفظ بالنية عند دخوله في--------------------------------------------
(1) أخرجه الترمذي (2/ 412) وقال: حديث حسن صحيح، والعمل عليه عند أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم أنه لا يؤذن لصلاة العيدين ولا لشيء من النوافل.
(2) أخرجه أحمد في مسنده (4/ 348).
(3) أخرجه البخاري ص (192) برقم (959).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 45)

الصلاة، وتَرْكُه الدَّعاء بعد الصلاة مستقبل المأمومين وهم يُؤَمِّنُون على دعائه دائمًا بعد الصُّبْح والعصر أو في جميع الصلوات (1).
قال ابن النجار: "وإذا نُقل عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه تَرَكَ كذا كان - أيضًا - من السنة الفعلية؛ كما وَرَدَ أنه صلى الله عليه وسلم لما قُدِّمَ إليه الضَّبُّ فأمسك عنه وتَرَكَ أكله: أمسك الصحابة رضي الله عنهم وتركوه حتى بين لهم أنه حلال ولَكنَّه يَعَافه" (2).
ولكن هذا النوع مقيد بتصريح الراوي بأنه تَرك، أو قيام القرائن عند الراوي الذي يروي عنه أنه تَرك (3).--------------------------------------------
(1) انظر: إعلام الموقعين (2/ 389 - 391) والبحر المحيط (4/ 190، 191).
(2) أخرجه البخاري ص (1134) برقم (2391) ومسلم ص (1041) برقم (1946) وقد تقدم.
(3) شرح الكوكب المنير (2/ 165).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 46)