المقتضي لفعل عمل ما في باب العبادات متى ثبت في حق الأمة فثبوته في حق النبي صلى الله عليه وسلم أَوْلَى وأَتَم، لأنه صلى الله عليه وسلم كان أتقى هذه الأمة لله على الإطلاق.
ومثل هذا يُقَال - أيضًا - في حق السلف الصالح، فإن المعنى المقتضي للإحداث - وهو الرغبة في الخير والاستكثار من الطاعة - كان أَتَمُّ في السلف الصالح؛ لأنهم كانوا أحقُّ بالسبق إلى الفضل وأرغب في الخير ممن أتى بعدهم.
وهذا بخلاف غير العبادات من الأعمال، فإن المقتضي لفعلها قد يوجد في حق النبي صلى الله عليه وسلم وفي حق السلف، وقد لا يوجد (1).
الشرط الثاني: أن يقع هذا التَّرْك منه صلى الله عليه وسلم مع تمكنه صلى الله عليه وسلم من الفعل، ويحصل ذلك بانتفاء الموانع وعدم العوارض؛ لأنه صلى الله عليه وسلم قد يَتْرُك فعلا من الأفعال - مع وجود المقتضي له - بسبب وجود مانع يمنع من فعله.
ومن الأمثلة على ذلك: تركه صلى الله عليه وسلم جمع القرآن (2) فإن المانع من جمعه كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الوحي لا يزال ينزل فيغير الله ما يشاء ويحكم ما يريد، فلو جُمع في مصحف واحد لتعسر أو تعذر تغييره كل وقت فلما استقر--------------------------------------------
(1) انظر: الاعتصام (1/ 368).
(2) انظر صحيح البخاري ص (1056) برقم (4986).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 69)
القرآن بموته أَمِنَ الناس من زيادة القرآن ونقصه فكان جمعه داخلا تحت معنى سنته صلى الله عليه وسلم.
وهكذا تَرْكِه صلى الله عليه وسلم قيام رمضان مع أصحابه رضي الله عنه في جماعة بعد ليالٍ وعلل ذلك بخشيته أن يُفرض عليهم (1) فلما كان في عهد عمر رضي الله عنه جمعهم على قارئ واحد (2) ولم يكن هذا الاجتماع بهذه الهيئة مخالفًا لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم بل هو راجع إلى العمل بالسُّنَّة.
تنبيه:
احتج بعضهم بذلك في تحسين بعض البدع - كالاحتفال بمولده صلى الله عليه وسلم وبيوم هجرته، وتخصيص ليلة السابع والعشرين من شهر رجب بالمزيد من الذكر والقيام - حيث قال: إن الرسول صلى الله عليه وسلم ربما لم يفعل بعض العبادات وآثر تَرْكها مع قيام المقتضي لفعلها؛ رحمة منه صلى الله عليه وسلم بأمته وشفقة عليهم؛ كما تَرَكَ صلى الله عليه وسلم الاجتماع في صلاة التراويح خشية أن يُكْتب على أمته، فهذا هو المانع الذي لأجله تَرَكَ صلى الله عليه وسلم فعل بعض العبادات، ومعلوم أنَّ تَرْكَه صلى الله عليه وسلم مع وجود المانع - كما تقرر - لا يكون حجة.
والجواب: أن هذا يفتح باب الإحداث في الدين على--------------------------------------------
(1) أخرج ذلك البخاري في صحيحه ص (1480) برقم (7290) وقد تقدم.
(2) انظر صحيح البخاري ص (400) برقم (2010).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 70)
الإطلاق، فمن زاد في أعداد الصلوات أو أعداد الركعات أو صيام شهر رمضان أو الحج أمكنه أن يقول: هذه زيادة مشروعة، وهي عمل صالح والرسول صلى الله عليه وسلم إنما تَرَكَها رحمةً بأمته.
بل الصواب أن ينظر فيما تَرَكَه صلى الله عليه وسلم من العبادات: هل تَرَكَه كذلك صحابته من بعده رضي الله عنهم والتابعون لهم؟
فإن كانت هذه العبادة قد تركها النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم لما توفي فعلها الصحابة رضي الله عنهم من بعده عُلم أنَّ تَرْكَ النبي صلى الله عليه وسلم كان لأجل مانع من الموانع؛ كَتَرْكِه صلى الله عليه وسلم صلاة التراويح جماعة.
أمَّا إذا تواطأ النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته رضي الله عنهم من بعده على تَرْكِ عبادةٍ فهذا دليل قاطع على أنها بدعة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 71)
المطلب الثالث
الأدلة على حُجِّيَّة السُّنَّة التَّركية
تتنوع الأدلة الدالة على حُجَّيَّة سُنَّة التُّرْكِ إلى أنواع ثلاثة.
أولاً: الأدلة الدَّالة على حُجَّيَّة أفعاله صلى الله عليه وسلم:
من المقرر أن أفعاله صلى الله عليه وسلم قِسْمٌ من أقسام السُّنَّة النبوية، وهذه الأفعال تشمل ما قصد صلى الله عليه وسلم إلى فعله وما قصد إلى تَرْكِه.
والأدلة كثيرة على وجوب الاقتداء به صلى الله عليه وسلم ومتابعته في أفعاله وتروكه (1) فمن ذلك:
أ - قوله تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ} [الأحزاب: 21].
قال ابن كثير: "هذه الآية أصل كبير في التأسي برسول الله صلى الله عليه وسلم في أقواله وأفعاله وأحواله" (2).
ب - وقوله تعالى: {فَآَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ--------------------------------------------
(1) انظر شرح الكوكب المنير (2/ 190).
(2) تفسر ابن كثير (3/ 483).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 72)
الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} [الأعراف: 158].
قال ابن تيمية: "وذلك لأن المتابعة أن يفعل مثل ما فعل على الوجه الذي فعل؛ فإذا فعل فعلًا على وجه العبادة شرع لنا أن نفعله على وجه العبادة، وإذا قصد تخصيص مكان أو زمان بالعبادة خصَّصناه بذلك (1).
ثانيًا: ما ورد عن الصحابة رضي الله عنهم وعن أئمة العلم والدين من الاحتجاج بسُنَّة التَّرْكِ والعمل بها في غير موضع فمن ذلك:
قال حذيفة رضي الله عنه: «كل عبادة لم يتعبد بها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا تتعبدوا بها، فإن الأول لم يدع للآخر مقالا فاتقوا الله يا معشر القُرَّاء، خذوا طريق من كان قبلكم» (2).
وقال الإمام مالك: «لن يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها» (3).
وقال الإمام الشافعي: «كل من تكلم بكلام في الدين أو في شيء من هذه الأهواء ليس له فيه إمام متقدم من النبي صلى الله عليه وسلم--------------------------------------------
(1) مجموع الفتاوى (1/ 280).
(2) انظر الأمر بالاتباع ص (62) وأخرج البخاري نحوه (13/ 250) برقم (7282).
(3) اقتضاء الصراط المستقيم (2/ 718).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 73)
وأصحابه فقد أحدث في الإسلام حدثًا» (1).
وقال الإمام أحمد لابن أبي دؤاد يسأله: "خبِّرني عن هذا الأمر الذي تدعو الناس إليه: أشيء دعا إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: "لا" قال: "ليس يخلو أن تقول: علموه أو جهلوه؛ فإن قلت علموه وسكتوا عنه وسعنا وإياك من السكوت ما وسع القوم، وإن قلت جهلوه وعلمته أنت فيا لكع بن لكع يجهل النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدون رضي الله عنهم شيئًا وتعلمه أنت وأصحابك" (2).
وبوَّب الإمام ابن خزيمة في صحيحه فقال: "باب ترك الصلاة في المصلي قبل العيدين وبعدها اقتداء بالنبي واستنانًا به" (3).
وقال السمعاني: "إذا ترك الرسول شيئًا وجب علينا متابعته فيه" (4).
وقال الطرطوشي في إبطاله لبعض البدع: "ولو كان هذا لشاع وانتشر وكان يضبطه طلبة العلم والخلف عن السلف فيصل ذلك إلى عصرنا، فلما لم ينقل هذا عن أحد ممن يعتقد علمه ولا ممن هو في عداد العلماء؛ عُلم أن هذه حكاية العوام والغوغاء" (5).--------------------------------------------
(1) صون المنطق والكلام ص (150).
(2) انظر الشريعة ص (63).
(3) (2/ 345).
(4) قواطع الأدلة (2/ 190).
(5) الحوادث والبدع ص (74).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 74)
وقال ابن تيمية في إنكاره لبعض البدع: "ومعلوم أنه لو كان هذا مشروعًا مستحبًا يثيب الله عليه لكان النبي صلى الله عليه وسلم أعلم الناس بذلك، ولكان يعلم أصحابه ذلك وكان أصحابه أعلم بذلك وأرغب فيه ممن بعدهم.
فلما لم يكونوا يلتفتون إلى شيء من ذلك علم أنه من البدع المحدثة التي لم يكونوا يعدونها عبادة وقربة وطاعة فمن جعلها عبادة وقربة وطاعة فقد اتبع غير سبيلهم، وشرع من الدين ما لم يأذن به الله (1).
وسئل تقي الدين السبكي عن بعض المحدثات فقال: "الحمد لله هذه بدعة لا يَشُكُ فيها أحد، ولا يرتاب في ذلك ويكفي أنها لم تُعرف في زمن النبي صلى الله عليه وسلم ولا في زمن أصحابه ولا عن أحد من علماء السلف" (2).
وقال ابن القيم: "فإن تَرْكَه صلى الله عليه وسلم سُنَّة كما أن فعله سُنَّة، فإذا استحببنا فعل ما تَرَكه كان نظير استحبابنا تَرك ما فعله، ولا فرق" (3).
وقال الشاطبي: "لأن تَرْك العمل به من النبي صلى الله عليه وسلم في جميع عمره، وتَرْك السَّلف الصالح له على توالي أزمنتهم قد تقدم أنه نص في التَّرك، وإجماع مِنْ كل مَنْ ترك؛ لأن عمل--------------------------------------------
(1) اقتضاء الصراط المستقيم (2/ 798).
(2) فتاوى السبكي (2/ 549).
(3) إعلام الموقعين (2/ 390).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 75)
الإجماع كنصه (1).
وقال الزركشي: "لأن المتابعة كما تكون في الأفعال تكون في التُّروك (2).
وقال ابن النجار: "وإذا نقل عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه تَرَك كذا كان - أيضًا - من السُّنَّة الفعلية" (3).
وقال الشوكاني: "تَرْكه صلى الله عليه وسلم للشيء كفعله له في التأسي به فيه" (4).
ثالثًا: أن عدم الاحتجاج بسُنَّة التَّرك وإهدار العمل بها والغفلة عنها يلزم منه الوقوع في مفاسد شرعية ومحاذير دينية فمن ذلك:
المفسدة الأولى: القول بعدم قيام الرسول صلى الله عليه وسلم بواجب التبليغ وأن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يُعْلِّم أمته بعض الدين.
مثال ذلك: أن اعتقاد الأذان للتراويح عبادة مشروعة والعمل بها يلزم منه القول بأن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يُبَيِّنْ ذلك لأحد من أمته.
المفسدة الثانية: القول بضياع بعض الدين، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم فعل هذه العبادة وبلغها للأمة، لكن الصحابة رضي الله عنه كتموا نقل ذلك.--------------------------------------------
(1) الاعتصام (1/ 365).
(2) البحر المحيط (4/ 191).
(3) شرح الكوكب المنير (2/ 165).
(4) إرشاد الفحول ص (42).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 76)
المفسدة الثالثة: فتح باب الابتداع والإحداث في الدين عامة، وفي باب العبادات خاصة دون قيد ولا شرط.
فمن زاد في أعداد الصلوات أو أعداد الركعات أو صيام شهر رمضان أو الحج أمكنة أن يقول: هذه زيادة مشروعة وهي عمل صالح.
قال ابن القيم: "فإن قيل: من أين لكم أنه لم يفعله وعدم النقل لا يستلزم نقل العدم؟ فهذا سؤال بعيد جدًا عن معرفة هديه وسُنَّته وما كان عليه.
ولو صَحَّ هذا السؤال وقُبِلَ لاستحب لنا مستحب الأذان للتراويح وقال: من أين لكم أنه لم يُنْقَل؟
واستحب لنا مستحب آخر الغسل لكل صلاة، وقال: من أين لكم أنه لم يُنْقَل؟ واستحب لنا مستحب آخر النداء بعد الأذان للصلاة يرحمكم الله ورفع بها صوته، وقال: من أين لكم أنه لم يُنْقَل؟
واستحب لنا آخر صلاة ليلة النصف من شعبان أو ليلة أول جمعة من رجب وقاك: من أين لكم أن إحياءهما لم يُنَقَل؟ وانفتح باب البدعة وقال كل من دعا إلى بدعة: من أين لكم أنَّ هذا لم يُنْقَل؟ "
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 77)
ومن هنا يظهر لكل ذي بصيرة أن العمل بالسُّنَّة التَّركية أمر متعين شرعًا، وهو ضرورة دينية لا بد من المصير إليها.
وذلك أن الاحتجاج بسُنَّة التَّرك مَبْنِي على مقدمات ثابتة راسخة (1).
المقدمة الأولى: كمال هذه الشريعة واستغناؤها التام عن زيادات المبتدعين واستدراكات المستدركين فقد أتَمَّ الله هذا الدين فلا ينقصه أبدًا ورضيه فلا يسخطه أبدًا (2).
ومن الأدلة على هذه المقدمة: قوله - تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [المائدة: 3].
وقوله صلى الله عليه وسلم: «وأَيْمُ الله لقد تركتكم على مثل البيضاء، ليلها ونهارها سواء» (3).
المقدمة الثانية: بيانه صلى الله عليه وسلم لهذا الدين وقيامه بواجب التبليغ خير قيام، فلم يُتْرَك أمرًا من أمور هذا الدين صغيرًا كان أو كبيرًا إلا وبلغه لأمته.
ومن الأدلة على ذلك: قوله - تعالى: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا--------------------------------------------
(1) انظر في هذه المقدمات: إعلام الموقعين (4/ 375 - 377) ومعارج القبول (2/ 346 - 357).
(2) انظر: تفسير ابن كثير (1/ 14).
(3) أخرجه ابن ماجه في سننه (1/ 4) برقم (5) وصححه الألباني انظر السلسلة الصحيحة (2/ 308) ص (688).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 78)
أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ} [المائدة: 67] وقد امتثل صلى الله عليه وسلم لهذا الأمر، وقام به أَتَمّ القيام.
وقد شهدت له أمته بإبلاغ الرسالة وأداء الأمانة واستنطقهم بذلك في أعظم المحافل، في خطبته يوم حُجْة الوداع فقال صلى الله عليه وسلم «ألا هل بلغت؟» قالوا: نعم، قال: «اللهم فاشهد» (1).
المقدمة الثالثة: حفظ الله لهذا الدين وصيانته من الضياع، فهَيَّأ الله له من الأسباب والعوامل التي يسرت نقله وبقاءه حتى يومنا هذا وإلى الأبد إن شاء الله - تعالى.
ومن الأدلة على ذلك قوله - تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر: 9].
والواقع المشاهد يصدِّق ذلك؛ فإن الله قد حفظ كتابه وسُنَّة نبيه صلى الله عليه وسلم ووفق علماء المسلمين إلى قواعد مصطلح الحديث، وأصول الفقه، وقواعد اللغة العربية.--------------------------------------------
(1) انظر: تفسير ابن كثير (2/ 80) وانظر خطبة الوداع في صحيح البخاري ص (348) برقم (1741).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 79)
الفصل الثالث
أثر الاحتجاج بالسُّنَّة التَّرْكِية
وفي هذا الفصل أربعة فروع:
الفرع الأول: أثر سُنَّة التَّرك في تخصيص العموم.
الفرع الثاني: أثر سُنَّة التَّرك في معرفة مقاصد الشريعة.
الفرع الثالث: أثر سُنَّة التَّرك في إبطال البدع والرد على المبتدعة.
الفرع الرابع: أثر سُنَّة التَّرك في المسائل المعاصرة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 81)
الفرع الأول
أثر سُنَّة التَّرك في تخصيص العموم
الأصل في ذلك: أن سُنَّة التَّرك دليل خاص يقدم على كل عموم.
وإليك توضيح ذلك بالأمثلة:
المثال الأول: تَرْكه صلى الله عليه وسلم للأذان في العيدين (1)؛ فإن الرسول صلى الله عليه وسلم تَرَكَه مع وجود المقتضي لفعله في عهده وهو إقامة ذكر الله ودعاء الناس إلى الصلاة.
فهذا التَّرْك دليل خاص يقدم على العمومات الدَّالة على فضل ذكر الله، كقوله _تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا} [الأحزاب: 41] والأذان من الذِّكر الذي يدخل تحت هذا العموم.
قال ابن تيمية تعليقًا على هذا المثال: "فهذا مثال لما حدث مع قيام المقتضي له وزوال المانع لو كان خيرًا.
فإنَّ كل ما يبديه المحدث لهذا من المصلحة، أو يستدل به من الأدلة قد كان ثابتًا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ومع هذا لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم.--------------------------------------------
(1) أخرجه أبو داود (1/ 298) برقم (1147) وصححه النووي، وقد تقدم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 83)
فهذا التَّرْك سُنَة خاصة، مقدمة على كل عموم وكل قياس (1).
المثال الثاني: إسقاط الزكاة من الخضر والبقول مع وجوب الزكاة فيها بعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم: «فيما سقت السماء والعيون أو كان عثريًا العشر، وما سُقِي بالنضح نصف العشر» (2) لأن عدم نقل أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ الزكاة منها يُنَزَّل كالسُنَّة القائمة في أن لا زكاة فيها.
المثال الثالث: تَرْكه صلى الله عليه وسلم استلام الرُّكنين الشاميين، وغيرهما من جوانب البيت.
وقد ورد في ذلك أن ابن عباس ومعاوية رضي الله عنهما طافا بالبيت فاستلم معاوية رضي الله عنه الأركان الأربعة، فقال ابن عباس رضي الله عنهما إنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يستلم إلا الركنين اليمانيين، فقال معاوية رضي الله عنه: ليس من البيت شيء متروك، فقال ابن عباس رضي الله عنهما: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} [الأحزاب: 21] فرجع إليه معاوية رضي الله عنه (3).--------------------------------------------
(1) اقتضاء الصراط المستقيم (2/ 597).
(2) أخرجه البخاري ص (301) برقم (1483).
(3) انظر: اقتضاء الصراط المستقيم (2/ 798 - 799).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 84)
الفرع الثاني
أثر سُنَّة التَّرك في معرفة مقاصد الشريعة
عَدَّ الإمام الشاطبي سُنَّة التَّرْك من الطرق التي تُعْرَف بها مقاصد الشريعة، فقال - رحمه الله تعالى: "والجهة الرابعة مما يعرف به مقصد الشارع السكوت عن شرع التسبب أو عن شرعية العمل مع قيام المعنى المقتضي له" (1).
وقد بين الشاطبي في هذا المقام أن سكوت الشارع عن الحكم على ضربين: (2).
الضرب الأول: أن يسكت الشارع عنه لأنه لا داعية له تقتضيه ولا موجب يُقَدَّر لأجله.
ومن الأمثلة على ذلك: تلك النوازل التي حدثت بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنها لم تكن موجودة ثم سكت عنها مع وجودها وإنما حدثت بعد ذلك، فاحتاج أهل الشريعة إلى النظر فيها وإجرائها على ما تقرر في كلياتها وما أحدثه السلف الصالح؛ كجمع المصحف وتدوين العلم وتضمين الصناع وما أشبه ذلك مما لم يجر ذكره، في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم--------------------------------------------
(1) الموافقات (2/ 409).
(2) انظر: الموافقات (2/ 409 - 410).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 85)
تكن من نوازل زمانه ولا عرض للعمل بها موجب يقتضيها.
فهذا الضرب يندرج تحت مقاصد الشريعة، وهذا ما يُعْرف باسم المصالح المرسلة.
الضرب الثاني: أن يسكت الشارع عنه وموجبه المقتضي له قائم فلم يقرر فيه حكم عند نزول النازلة زائد على ما كان في ذلك الزمان.
فهذا الضرب يعتبر فيه سكوت الشارع كالنص على أن قصد الشارع أن لا يزاد فيه ولا ينقص؛ لأنه لما كان هذا المعنى الموجب لشرع الحكم العملي موجودًا ثم لم يشرع الحكم دلالة عليه كان ذلك صريحًا في أن الزائد على ما كان هنالك بدعة زائدة ومخالفة لما قصده الشارع إذ فهم من قصده الوقوف عند ما حد هنالك لا الزيادة عليه ولا النقصان منه.
وقد مَثَّل الشاطبي لهذا الضرب بقوله: "وعلى هذا النحو جرى بعضهم في تحريم نكاح المحلل، وأنها بدعة منكرة؛ من حيث وجد في زمانه عليه الصلاة والسلام المعنى المقتضي للتخفيف والترخيص للزوجين بإجازة التحليل ليراجعا كما كان أول مرة، وأنه لما لم يشرع ذلك مع حرص امرأة رفاعة على رجوعها إليه دَلَّ على أن التحليل ليس بمشروع لها ولا لغيرها.
وهو أصل صحيح إذا اعْتُبر وضح به الفرق بين ما هو من البدع وما ليس منها، ودَلَّ على أن وجود المعنى المقتضي
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 86)
مع عدم التشريع دليل على قصد الشارع إلى عدم الزيادة على ما كان موجودًا قبل، فإذا زاد الزائد ظهر أنه مخالف لقصد الشارع فبطل" (1).--------------------------------------------
(1) الموافقات (2/ 414).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 87)
الفرع الثالث
أثر سُنَّة التَّرْك في إبطال البدع والرَّد على المُبتدعة
وهذا يشمل البدع العملية والعلمية.
فمن البدع العملية (1):
التلفظ بالنِّيَّة عند الدخول في الصلاة.
والأذان لغير الصلوات الخمس.
والصلاة عقب السعي بين الصفا والمروة.
قال ابن تيمية: "فأمَّا ما تَرَكَه أي النبي صلى الله عليه وسلم من جنس العبادات مع أنه لو كان مشروعاً لفعله أو أَذِنَ فيه، ولفعله الخلفاء بعده والصحابة؛ فيجب القطع بأن فعله بدعة، وضلالة ويمتنع القياس في مثله (2).
ومن البدع العلمية: كل ما لم يرد في الكتاب والسنة ولم يؤثر عن الصحابة رضي الله عنهم والتابعين من الاعتقادات (3).--------------------------------------------
(1) انظر: اقتضاء الصراط المستقيم (2/ 591 - 597) ومجموع الفتاوى (6/ 172) والاعتصام (1/ 361) والإبداع للشيخ علي محفوظ ص (34/ 45).
(2) مجموع الفتاوى (26/ 172).
(3) انظر أحكام الجنائز ص (242).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 88)
ومن الأمثلة على ذلك:
- علم الكلام (1):
قال الإمام مالك: "لو كان الكلام علمًا لتكلم فيه الصحابة والتابعون كما تكلموا في الأحكام والشرائع، ولكنه باطل يدل على باطل" (2).
وقال ابن أبي العز: "وصاروا يبتدعون من الدلائل والمسائل ما ليس بمشروع، ويُعرضون عن الأمر المشروع" (3).
أ - فمن المسائل المبتدعة: القول بأن أول واجب على المكلف هو النظر أو القصد إلى النظر (4).
ب - ومن الدلائل المبتدعة: الاستدلال بطريقة الأعراض وحدوثها على إثبات الصانع (5).
قال الخَطَّابي: "واعلم أن الأئمة الماضين وأولي العلم--------------------------------------------
(1) المراد بالكلام الذي ذمَّه أئمة السلف ونهوا عن الخوض فيه: الكلام في الدين على غير طريقة المرسلين.
ومن هنا أمكن تعريف علم الكلام بأنه إثبات أمور العقائد بالأدلة العقلية والطرق الجدلية مع الإعراض عما في القرآن والسنة من الأدلة العقلية الدالة على أصول الدين.
انظر: مجموع الفتاوى (11/ 335، 336) (12/ 460، 461) (19/ 163).
(2) صون المنطق والكلام ص (57) والأمر بالاتباع ص (70).
(3) شرح العقيدة الطحاوية ص (593).
(4) انظر شرح العقيدة الطحاوية ص (74، 75).
(5) انظر: درء التعارض ص (308 - 310) ومجموع الفتاوى (5/ 542 - 544).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 89)
من المتقدمين لم يتركوا هذا النمط من الكلام، وهذا النوع من النظر عجزًا عنه، ولا انقطاعًا دونه، وقد كانوا ذوي عقول وافرة، وأفهام ثاقبة، وقد كانت هذه الفتن قد وقعت في زمانهم وظهرت، وإنما تركوا هذه الطريقة وأضربوا عنها لمَّا تخوفوه من فتنتها وعلموه من سوء عاقبتها وسيء مغبتها.
وقد كانوا على بينة من أمورهم، وعلى بصيرة من دينهم؛ لما هداهم الله بنوره وشرح صدورهم بضياء معرفته فرأوا أن فيما عندهم من علم الكتاب وحكمته وتوقيف السنَّة وبيانها غناء ومندوحة مما سواها، وأن الحجة قد وقعت وتمت بهما وأن العلة والشبهة قد أزيحت بمكانهما.
فلما تأخر الزمان بأهله وفترت عزائمهم في طلب حقائق علوم الكتاب والسنة وقلت عنايتهم بها واعترضهم الملحدون بشبههم والطاعنون في الدين بجدلهم حسبوا أنهم إن لم يردوهم عن أنفسهم بهذا النمط من الكلام ودلائل العقل؛ لم يقووا عليهم ولم يظهروا في الحجاج عليهم.
فكان ذلك ضِلَّة من الرأي وخدعة من الشيطان.
فلو سلكوا سبيل القصد ووقفا عندما انتهى بهم التوقيف لوجدوا بردِّ اليقين ورَوْح القلوب، ولكثرت البركة وتضاعف النماء وانشرحت الصدور وأضاءت فيها مصابيح النور" (1).--------------------------------------------
(1) انظر: درء التعارض (7/ 282 - 283، 286 - 287) وصون المنطق والكلام ص (93، 94).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 90)