تعالى يقول: {فَلَمَّا زاغُوا أزاغَ اللهُ قُلوبَهُمْ}، وقال تعالى: {وَمَنْ أضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَواهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللهِ إنَّ اللهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الظَّالِمينَ}.
فليحذر المصرُّون على أخطائهم في الفتيا من الدخول في عموم هاتين الآيتين.
ويجب على المفتين وغيرهم أن يعملوا بقول عمر رضي الله عنه في مراجعة الحق إذا تبيَّن، وترك التمادي في الباطل، ويجب عليهم أيضا أن يقتدوا به في تواضعه وقبوله للحق ممَّن جاء به، واعترافه بخطئه وصواب المرأة التي عارضته بما جاء في القرآن.
والدليل على وجوب الأخذ بقول عمر رضي الله عنه والاقتداء بما فعله مع المرأة التي عارضته قول النبي صلى الله عليه وسلم: «اقتدوا باللَّذين من بعدي: أبي بكر وعمر»، رواه: الإمام أحمد، والترمذي، وابن ماجه، والحاكم في «المستدرك»؛ من حديث حذيفة بن اليمان رضي الله عنهما، وقال الترمذي: «هذا حديث حسن»، وصححه الحاكم والذهبي.
وليتأمل الذين يأنفون من الرجوع عن أخطائهم في الفتيا ما ثبت عن الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز من استهانته برد ما خالف الحق وفسخه له، وأن ذلك يسيرٌ عليه، وليقتدوا به في ذلك؛ فإنه من أئمة الهدى؛ كما وصفه بذلك ابن سيرين، وقال الإمام أحمد: «إن قوله حجة»؛ ذكره ابن كثير وغيره.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 43)
فصلٌ
في ذكر قصص من قصص المتَّصفين بالإنصاف والرجوع إلى الحق والاعتراف بالخطأ.
فمن ذلك ما رواه ابن عبد البر في كتابه «جامع بيان العلم وفضله» عن محمد بن كعب القرظي؛ قال: «سأل رجلٌ عليّاً رضي الله عنه عن مسألة؟ فقال فيها، فقال الرجل: ليس كذلك يا أمير المؤمنين! ولكنْ كذا وكذا. فقال عليٌ رضي الله عنه: أصبت وأخطأت، {وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَليمُ}.
ومن ذلك ما ذكره ابن عبد البر عن سفيان بن عيينة عن ابن أبي حسين؛ قال: «اختلف ابن عباس وزيد بن ثابت في الحائض تنفر؟ فقال زيد: لا تنفر حتى يكون آخر عهدها الطواف بالبيت، فقال ابن عباس لزيد: سَلْ نُسَيَّاتك (1) أم سليمان وصويحباتها، فذهب زيد، فسألهنَّ، ثم جاء وهو يضحك، فقال: القولُ ما قلت».
ومن ذلك ما رواه ابن عبد البر عن عبد الرحمن بن مهدي؛ قال: «ذاكراتُ عبيد الله بن الحسن القاضي بحديث وهو يومئذٍ قاضٍ، فخالفني فيه، فدخلتُ عليه وعنده الناس سماطين، فقال لي: ذلك الحديث كما قلتَ أنتَ، وأرجع أنا صاغراً».
وقد روى هذه القصة الخطيب البغدادي في «تاريخه» بإسناده إلى عبد الرحمن بن مهدي؛ قال: «كنا في جنازة فيها عبيد الله بن الحسن، وهو--------------------------------------------
(1) النسيات: تصغير نسوة، قال في (لسان العرب): تصغير نسوة: نُسَيَّة، ويقال: نُسيَّات، وهو تصغير الجمع).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 44)
على القضاء، فلمَّا وضع السرير؛ جلس، وجلس الناس حوله»، قال: «فسألته عن مسألة، فغلط فيها، فقلت: أصلحك الله، القول في هذه المسألة كذا وكذا؛ إلا إني لم أرد هذه، إنما أردت أن أرفعك إلى ما هو أكبر منها، فأطرق ساعة، ثم رفع رأسه، فقال: إذاً أرجع وأنا صاغر، إذاً أرجع وأنا صاغر؛ لأن أكون ذَنَباً في الحق أحبُّ إليَّ من أن أكون رأساً في الباطل».
قال ابن عبد البر: وأخبرني غير واحد عن أبي محمد قاسم بن أصبغ؛ قال: «لما رحلت إلى المشرق؛ نزلت القيروان، فأخذت على بكر بن حماد حديث مسدَّد، ثم رحلت إلى بغداد ولقيتُ الناس، فلما انصرفتُ؛ عدتُ إليه لتمام حديث مسدَّد، فقرأتُ عليه فيه يوماً حديث النبي صلى الله عليه وسلم: «أنه قدم عليه قومٌ من مُضر مجتابي النِّمار»، فقال لي: إنَّما هو مجتابي الثمار، فقلت له: إنما مجتابي النِّمار؛ هكذا قرأته على كل من قرأت عليه بالأندلس وبالعراق، فقال لي: بدخولك العراق تعارضنا وتفخر علينا! أو نحو هذا، ثم قال لي: قم بنا إلى ذلك الشيخ - لشيخ كان بالمسجد -؛ فإن له بمثل هذا علماً، فقمنا إليه، وسألناه عن ذلك؟ فقال: إنما هو مجتابي النِّمار كما قلتَ، وهم قوم كانوا يلبسون الثياب مشقَّقة جيوبهم أمامهم، والنمار جمع نمرة، فقال بكر بن حماد - وأخذ أنفه -: رغم أنفي للحق، رغم أنفي للحق، وانصرف».
ومن ذلك ما جاء في قصة عجيبة في التواضع والاعتراف بالخطأ على رؤوس الملأ، وبالفضل لمن حصل منه التنبيه على الخطأ، وقد ذكر هذه القصة الشيخ محمد بن يوسف الكافي التونسي في كتابه «المسائل الكافية»، فقال ما نصه:
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 45)
«المسألة السابعة والخمسون»: ينبغي لأهل الفضل أن يقدروا قدر من له قدر، ويعرفوا الفضل لأهله، ولا يبخسوا الناس مقاماتهم، ويترفَّعوا عليهم بالإفك والبهتان، انظر هذه المسألة، وتأمَّل فيها؛ تعرف الفرق بين أهل زماننا وبين من مضى زمنهم.
قال العلامة ابن العربي في «أحكامه»: أخبرني محمد بن قاسم العثماني غير مرة، قال: وصلت الفسطاط، فجئت مجلس أبي الفضل الجوهري، فكان ممَّا قال: إنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم طلق وظاهر وآلى]. فلما خرج؛ تبعته حتى بلغ منزله في جماعة، فجلس معنا في الدهليز، وعرفهم غيري؛ فإنه رأى شارة الغربة، فلما انفضَّ عنه أكثرهم؛ قال لي: أراك غريباً، هل لك من كلام؟ قلت: نعم؛ قال لجلسائه: أفرجوا له عن كلامه، فقاموا، فقلتُ له: حضرتُ المجلس متبركاً بك، وسمعتُك تقول: «آلى رسول الله صلى الله عليه وسلم»، وصدقت، و «طلَّق»، وصدقت، و «ظاهر»، ولم يكن، ولا يصح أن يكون؛ لأن الظهار منكر من القول، وزور، وذلك لا يجوز أن يقع من النبي صلى الله عليه وسلم، فضمَّني إلى نفسه، وقبَّل رأسي، وقال: أنا تائب من ذلك، جزاك الله من معلم خيراً.
ثم انقلبتُ عنه، وبكرتُ في الغد إليه، فألفيتُه قد جلس على المنبر، فلما دخلتُ الجامع ورآني؛ ناداني بأعلى صوته: مرحباً بمعلمي، أفسحوا لمعلِّمي، فتطاولت الأعناق إليَّ، وتحدَّقت الأبصار نحوي، وتعرفُني يا أبا بكر «يشير إلى عظيم حيائه؛ فإنه كان إذا سلم عليه أحدٌ أو فاجأه بكلام؛ خجل، واحمرَّ كأن وجهه طلي بجلنار (1)».
قال: وتبادر الناس إليَّ يرفعونني على الأيدي، ويتدافعونني، حتى--------------------------------------------
(1) قال في (القاموس): (الجُلَّنار بضم الجيم وفتح اللام المشددة: زهر الرمان).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 46)
بلغت المنبر، وأنا لعظيم الحياء، لا أعلم في أي بقعة أنا، والجامع غاصٌّ بأهله، وأسال الحياء بدني عرقاً، وأقبل الشيخ على الخلق، فقال لهم: أنا معلمكم، وهذا معلمي، لمَّا كان بالأمس؛ قلتُ لكم كذا وكذا، فما كان أحدٌ منكم فقه عني ولا ردَّ عليَّ، فاتبعني إلى منزلي، وقال لي كذا، وأعاد ما جرى بيني وبينه، وأنا تائب من قولي بالأمس، راجع عنه إلى الحق، فمَن سمعه ممَّن حضر؛ فلا يعود إليه، ومَن غاب؛ فليبلغه مَن حضر، فجزاه الله خيراً، وجعل يحتفل لي في الدعاء والخلق يؤمِّنون.
فانظروا رحمكم الله إلى هذا الدين المتين، والاعتراف بالعلم لأهله على رؤوس الملأ، من رجل ظهرت رياسته واشتهرت نفاسته، لغريب مجهول العين، لا يعرف مَن هو ولا من أين، واقتدوا به؛ ترشدوا» انتهى.
قلت: ما أعظم الفرق بين ما فعله أبو الفضل الجوهري مع الرجل الذي نبَّهه على خطئه وبين أفعال بعض المنتسبين إلى العلم في زماننا؛ فإن بعضهم إذا نبَّهه بعض العلماء على خطئه؛ اشمأزَّ، وتحامل على الذي نبهه، ورماه بالجهل والتعصب وغير ذلك مما يرى أنه يشينه، ولا شكَّ أنَّ هذا من الكبر الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الكبر: بطر الحق، وغمط الناس».
«بطر الحق»: رده، و «غمط الناس»: احتقارهم.
ومن أعظم ما يُبْتَلى به المرء: إعجابه بنفسه، وترفُّعه على أقرانه وبني جنسه.
وقد ذكر ابن عبد البر عن ابن عبدوس: أنه قال: «كلَّما توقَّر العالم، وارتفع؛ كان العجب إليه أسرع؛ إلا مَن عصمه الله بتوفيقه، وطرح حب الرياسة عن نفسه».
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 47)
وذكر ابن عبد البر عن كعب: أنه قال لرجل رآه يتتبَّع الأحاديث: «اتَّق الله، وارض بالدون من المجلس، ولا تؤذ أحداً؛ فإنه لو ملأ علمك ما بين السماء والأرض مع العجب؛ ما زادك الله به إلا سفالاً ونقصاناً».
وروى ابن عبد البر أيضا عن عمر رضي الله عنه: أنه قال: «أخوف ما أخاف عليكم أن تهلكوا فيه ثلاث خلال: شحُّ مطاع، وهوى متَّبع، وإعجاب المرء بنفسه».
وروى أيضاً عن أنس بن مالك رضي الله عنه؛ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ثلاث مهلكات وثلاث منجيات: فأما المهلكات: فشح مطاع، وهوى متَّبع، وإعجاب المرء بنفسه، والثلاث المنجيات: تقوى الله في السر والعلانية، وكلمة الحق في الرضى والسخط، والاقتصاد في الغنى والفقر».
وذكر ابن عبد البر أيضا عن إبراهيم بن الأشعث؛ قال: «سألت الفضيل بن عياض عن التواضع؟ فقال: أن تخضع للحق وتنقاد له، ممن سمعته، ولو كان أجهل الناس؛ لزمك أن تقبله منه».
وذكر أيضاً عن أبي الدرداء: أنه قال: «علامة الجهل ثلاث: العجب، وكثرة المنطق فيما لا يعنيه، وأن ينهى عن الشيء ويأتيه».
قال ابن عبد البر: «وقالوا: العجب يهدم المحاسن».
وعن علَّي رضي الله عنه: أنه قال: «الإعجاب آفة الألباب».
وقال غيره: «إعجاب المرء بنفسه دليل على ضعف عقله».
وقال الفضيل بن عياض: «ما من أحد أحب الرياسة إلا حسد وبغى وتتبَّع عيوب الناس وكره أن يُذْكَر أحد بخير».
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 48)
وقال أبو نعيم: «والله؛ ما هلك من هلك إلا بحب الرياسة».
قال ابن عبد البر: «ومن بركة العلم وآدابه الإنصاف فيه، ومَن لم ينصف؛ لم يفهم ولم يتفهَّم».
وقال أيضاً: «من أفضل آداب العالم: تواضعه، وترك الإعجاب بعلمه، ونبذ حب الرياسة عنه».
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 49)
فصلٌ
ليعلم المفتي أن الفتوى تتضمَّن القول على الله والتوقيع عنه.
وقد وصف ابن القيم المفتين بصفة الموقِّعين عن الله تعالى في كتابه الذي سماه «أعلام الموقعين عن رب العالمين»، وذكر في أول الكتاب أن أول مَن قام بمنصب التوقيع عن الله تعالى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان يفتي بما أوحاه الله إليه، ثم قام بالفتوى بعده أصحابه رضي الله عنهم.
وقد ذكر ابن القيم عدداً كثيراً منهم ما بين مكثر منهم من الفتوى ومقلّ منها، ثم ذكر المفتين من التابعين ومَن بعدهم من أكابر العلماء والأئمة.
ثم ذكر أن السلف من الصحابة والتابعين كانوا يكرهون التسرع في الفتوى، ويودُّ كل واحد منهم أن يكفيه إياها غيره، فإذا رأى أنها قد تعيَّنت عليه؛ بذل اجتهاده في معرفة حكمها من الكتاب والسنة أو قول الخلفاء الراشدين، ثم أفتى.
وذكر أيضاً أقوال الصحابة والتابعين في التحذير من الفتيا بغير علم إلى أن قال: «وقد حرَّم الله سبحانه القول عليه بغير علم في الفتيا والقضاء، وجعله من أعظم المحرمات، بل جعله في المرتبة العليا منها:
فقال تعالى: {قُلْ إِنَّما حَرَّم رَبيَ الفَواحشَ مَا ظَهَرَ مِنْها ومَا بَطَن والإْثمَ والبَغْيَ بِغَيْر الحَقُ وأَنْ تُشْرِكوا بِاللهِ مَا لَمْ يُنزل بِه سُلْطاناً وأَنْ تَقولوا عَلى اللهِ ما لا تَعْلَمون}.
فرتَّب المحرَّمات أربع مراتب، وبدأ بأسهلها، وهو الفواحش، ثم ثنَّى بما هو أشد تحريماً منه، وهو الإثم والظلم، ثمَّ ثلَّثَ بما هو أعظم تحريماً منهما، وهو الشرك به سبحانه، ثم ربَّع بما هو أشدُّ تحريماً من ذلك
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 50)
كله، وهو القول عليه بغير علم، وهذا يعمُّ القول عليه سبحانه بلا علم في أسمائه وصفاته وأفعاله، وفي دينه وشرعه.
وقال تعالى: {وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (116) مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}.
فتقدَّم إليهم سبحانه بالوعيد على الكذب عليه في أحكامه، وقولهم لما لم يحزمه: هذا حرام، ولما لم يحلَّه: هذا حلال، وهذا بيانٌ منه سبحانه أنه لا يجوز للعبد أن يقول: هذا حلالٌ وهدا حرامٌ؛ إلا بما علم أن الله سبحانه أحلَّه وحرَّمه.
وقال بعض السلف: ليتَّق أحدُكم أن يقول: أحلَّ الله كذا، وحرَّم كذا، فيقول الله له: كذبتَ لم أحل كذا، ولم أحرم كذا.
فلا ينبغي أن يقول لما لا يعلم ورود الوحي المبين بتحليله وتحريمه: أحلَّه الله وحرَّمه الله؛ لمجرد التقليد أو بالتأويل.
وقال ابن وهب: سمعتُ مالكاً يقول: لم يكن من أمر الناس ولا من مضى من سلفنا ولا أدركت أحداً أقتدي به يقول في شيء: هذا حلال، وهذا حرام، وما كانوا يجترئون على ذلك، وإنما كانوا يقولون: نكره كذا ونرى هذا حسناً، وينبغي هذا، ولا نرى هذا.
ورواه عنه عتيق بن يعقوب، وزاد: «ولا يقولون: حلالٌ، ولا حرام، أما سمعتَ قول الله تعالى: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ}، الحلال ما أحلَّه الله ورسوله، والحرام ما حرَّمه الله ورسله» انتهى.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 51)
وقد ذكر ابن عبد البر قول مالك في كتابه «جامع بيان العلم وفضله»، ثم قال: «معنى هذا: أن ما أخذ من العلم رأيا واستحساناً؛ لم نقل فيه حلال ولا حرام».
قال: «وقد روي عن مالك أنه قال في بعض ما كان ينزل فيسأل عنه فيجتهد فيه رأيه: {إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ}».
وروى ابن عبد البر عن عطاء بن السائب؛ قال: قال الربيع بن خثيم: «إياكم أن يقول الرجل لشيء: إن الله حرَّم هذا أو نهى عنه، فيقول الله: كذبت؛ لم أحرمه ولم أنهَ عنه، أو يقول: إن الله أحلَّ هذا وأمر به، فيقول: كذبت؛ لم أحلَّه ولم آمر به».
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 52)
فصلٌ
في ذكر نماذج من زلات أهل زماننا وأخطائهم في الفتاوى.
فمن ذلك الفتيا بحل الربا، وعدم المبالاة بما يترتَّب على ذلك من مخالفة الكتاب والسنة والإجماع وأقوال الصحابة رضي الله عنهم، وعدم المبالاة بما جاء من الوعيد الشديد للمرابين ولعنهم وإيذانهم بالحرب من الله ورسوله.
ولو كان للمفتين بحلّ الربا أدنى شيء من العقل السليم؛ لما أقدموا على تحليل الربا، وتعرَّضوا للعظائم التي تترتَّب على تحليله.
وإنه لينطبق عليهم ما جاء في حديث أبي الدرداء رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه قال «حبُّك الشيء يعمي ويصمُّ».
رواه: الإمام أحمد، وأبو داود.
وينطبق عليهم أيضا ما جاء في حديث أبي مسعود البدري رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إنَّ ممَّا أدرك الناس من كلام النبوَّة الأولى: إذا لم تستح؛ فاصنع ما شئت».
رواه: الإمام أحمد، والبخاري، وأبو داود، وابن ماجه.
ومعنى الحديث على أحد الأقوال: أن من لا يمنعه الحياء يقول ويفعل ما يشاء من مساوئ الأقوال والأفعال، ولا يبالي بما يترتَّب على ذلك من الإثم والجرح في العدالة والنقص في الدين.
وينطبق عليهم أيضا ما جاء في حديث أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ليأتينَّ على الناس زمان لا يبالي المرء بما أخذ المال: أمن حلال؟ أم من حرام؟».
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 53)
رواه: الإمام أحمد، والبخاري، والدارمي.
وينطبق عليهم أيضاً ما في حديث عبد الله بن عمرو الذي جاء فيه الإِخبار عن نزع العلم في آخر الزمان، وأنه يبقى ناسٌ جهَّال؛ يُسْتَفْتَوْن، فيفتون برأيهم، فيضلُّون ويُضلون.
وقد تقدَّم ذكر الحديث في أثناء الكتاب؛ فليراجع، وليراجع أيضا ما ذكر بعده من حديث ابن مسعود رضي الله عنه الذي جاء فيه أنه يجيء قوم يقيسون الأمور بآرائهم، فيهدم الإسلام ويثلم.
وقد تصدَّى للردَّ على المفتين بحل الربا كثير من العلماء في زماننا، وكتبوا في ذلك رسائل وكتباً كثيرة، فجزاهم الله خير الجزاء، وضاعف لهم الثواب.
وقد كتبت في هذا الموضوع كتابا سمَّيته: «الصارم البتَّار للإجهاز على مَن خالف الكتاب والسنة والإجماع والآثار»؛ فليراجعه المفتون بتحليل الربا، والمفتونون بأكله؛ ففيه إن شاء الله تعالى كفاية لطالب الحق.
وأما الذين لا يبالون باستحلال الربا ومعارضة الحق وردّه؛ فأولئك ينطبق عليهم قول الله تعالى: {إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ (22) وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ}.
وينبغي أن يُطبَّق عليهم قول ابن عباس في تفسير قول الله تعالى: «يَا أيَّها الَّذين آمَنُوا اتَّقوا اللهَ وذَروا ما بَقيَ مِنَ الرِّبا إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنينَ، فإنْ لَمْ تَفْعَلوا فأذَنوا بِحَرْبٍ مِنَ اللهِ ورسوله}؛ قال: «فمن كان مقيماً على
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 54)
الربا لا ينزع عنه؛ فحقّ على إمام المسلمين أن يستتيبه، فإن نزع، وإلا؛ ضربت عنه».
رواه ابن جرير.
وقال الحسن وابن سيرين: «والله؛ إن هؤلاء الصيارفة لأكلة الربا، وإنَّهم قد أذنوا بحرب من الله ورسوله، ولو كان على الناس إمام عادل؛ لا ستتابهم، فإن تابوا، وإلا؛ وضع فيهم السلاح».
رواه ابن أبي حاتم.
فهذا جزاء المرابين في الدنيا، ولعذاب الآخرة أشدّ وأبقى.
قال الله تعالى: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}.
فليتأمَّل المفتون بتحليل الربا، والمفتونون بأكله، ما جاء في تحريمه والوعيد عليه من الآيات والأحاديث الكثيرة، ولا يستهينوا بشيء منها، ولا يغرَّنهم الشيطان وأعوان الشيطان بما يأتون به من الشبه والأباطيل والأضاليل والحيل لاستحلال الربا بتسميته فوائد وأرباحاً؛ فإن هذه الحيل لا تزيل عنه اسم الربا وحكمه.
وقد روى ابن بطة بإسناد جيّد عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا ترتكبوا ما ارتكب اليهود، فتستحلُّوا محارم الله بأدنى الحيل».
وقد عاقب الله اليهود الذين استحلُّوا المحارم بالحيل بأن مسخهم قردة وخنازير.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 55)
فليحذر الذين يستحلُّون الربا وغيره من المحرَّمات بالحيل أن يُصابوا بمثل ما أُصيب به اليهود من المسخ أو يُعاقبوا بغير ذلك من العقوبات الشديدة.
وليعلموا أن العقوبة على استحلال الربا ليست مختصَّة بالمستحلّين له، بل إنها قد تتعدَّى إلى غيرهم من أهل بلادهم؛ كما جاء في حديث ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ما ظهر في قوم الزنى والربا؛ إلا أحلوا بأنفسهم عذاب الله».
رواه أبو يعلى، قال المنذري والهيثمي: «إسناده جيد».
وعن ابن عباس رضي الله عنهما نحوه.
رواه الحاكم في «المستدرك»، وصححه، ووافقه الذهبي على تصحيحه.
وليعلم المرابون أن لهم في طاعة الله وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم فرجاً ومخرجاً، فمَن اتَّقى الله تعالى وترك الربا طاعةً لله تعالى؛ فإنه يوشك أن ييسر الله له من الرزق الطيب ما يغنيه.
قال الله تعالى: {ومَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرجاً ويَرْزُقْهُ منْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ}.
قال ابن كثير: «أي: ومن يتَّق الله فيما أمره به وترك ما نهاه عنه؛ يجعل له من أمره مخرجا، ويرزقه من حيث لا يحتسب؛ أي: من جهة لا تخطر بباله».
ثم ذكر ما رواه الإمام أحمد عن أبي ذر رضي الله عنه؛ قال: «جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يتلو عليَّ هذه الآية: {وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرجاً ويَرْزُقْهُ
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 56)
مَنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ}، حتى فرغ من الآية، ثم قال: يا أبا ذر! لو أن الناس كلهم أخذوا بها؛ لكفتهم».
وليعلم المرابون أيضا أنَّ من ترك شيئاً اتَّقاء الله؛ عوَّضه الله خيراً منه؛ كما جاء في الحديث الذي رواه الإمام أحمد عن أبي قتادة وأبي الدهماء عن رجل من أهل البادية؛ قال: أخذ بيدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجعل يعلِّمني مما علَّمه الله تبارك وتعالى، وقال: «إنَّك لن تدعَ شيئاً اتَّقاء الله عز وجل؛ إلا أعطاك الله خيراً منه».
قال الهيثمي: «رواه أحمد بأسانيد رجالها رجال الصحيح».
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 57)
فصلٌ
ومن أعظم الزلات وأشدها خطراً ونكاية في المسلمين فتوى بعض المنتسبين إلى العلم في زماننا بجواز سفور النساء وخلعهن جلباب الحياء.
وهذه الزلَّة من أعظم هوادم الإسلام كما لا يخفى على ذوي الإيمان والعقول السليمة، وقد افتتن بها كثير من ضعفاء العقول والدين من الرجال والنساء في زماننا، وجعلها كثير من النساء ذريعة إلى التبرُّج ومخالطة الرجال الأجانب ومجالستهم ومحادثتهم والخلوة معهم في أماكن الريبة والسفر معهم بدون محرم.
وقد جاء في عدة أحاديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لتنقضنَّ عُرى الإسلام عروة عروة».
رواه: الإمام أحمد، وابنه عبد الله في كتاب «السنة»، والطبراني؛ بأسانيد صحيحة.
وابن حبان في «صحيحه»، والحاكم في «مستدركه»؛ من حديث أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه.
ورواه الإمام أحمد أيضاً من حديث فيروز الديلمي رضي الله عنه، ورجاله ثقات.
ورواه ابن أبي الدنيا من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.
ومن عرى الإسلام التي قام بنقضها كثير من ضعفاء العقول والدين في زماننا وقبله بزمان قريب حجاب المرأة عن الرجال الأجانب، وقد تشبَّثوا في هذه الفتيا الجائرة بالشبه وتأويل الآيات والأحاديث على غير تأويلها، فضلُّوا وأضلُّوا، وفتحوا باب التبرُّج والسُّفور على مصراعيه، وجرَّؤوا النساء
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 58)
على التهتك والأفعال الذميمة التي تقدَّم ذكرها، ولم يبالوا بما يترتَّب على هذه الضلالة من حمل الأوزار والآثام التي تفعلها النساء اللاتي يعتمدن على فتاويهم الباطلة.
وقد قال الله تعالى: {لِيَحْمِلوا أوْزارَهُمْ كَامِلَة يَوْمَ القِيامَةِ ومِنْ أوْزارِ الَّذينَ يُضلُّونهّمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلا سَاءَ مَا يَزرونَ}.
وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه قال: «مَن دعا إلى هدى؛ كان له من الأجر مثل أجور مَن تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا، ومَن دعا إلى ضلالة؛ كان عليه من الإثم مثل آثام مَن تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئا».
رواه: الإمام أحمد، ومسلم، وأهل «السنن»؛ من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
وقال الترمذي: «هذا حديث حسن صحيح».
قال النووي: «سواء كان ذلك الهدى والضلالة هو الذي ابتدأه أم كان مسبوقاً إليه».
وقد تقدَّم في أول الكتاب حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه قال: «مَن أُفْتِي بفتيا غير ثَبَت؛ فإنما إثمه على مَن أفتاه».
وقد تصدَّى للردِّ على المبيحين للسفور كثيرٌ من العلماء في زماننا، وكتبوا في ذلك رسائل كثيرة، فجزاهم الله خير الجزاء، وضاعف لهم الثواب.
ومن أحسن ما رأيته من الردود على المبيحين للسفور والمفتين بجوازه ما جاء في التعليق على صفحتي 93 - 94 من الجزء السادس من «الكامل في التاريخ»؛ فقد ذكر في هذا التعليق قصة عجيبة وقعت في حوادث سنة
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 59)
ست وثمانين ومئتين للهجرة، وقد ذكرها ابن تغري بردي في «النجوم الزاهرة»، وهي:
«أنه حضر مجلس القاضي موسى بن إسحاق قاضي الري وكيل امرأة ادَّعى على زوجها صداقها بخمس مئة دينار، فأنكر الزوج، فقال القاضي: البيِّنة، فأحضرها الوكيل في الوقت، فقالوا: لابدَّ أن ننظر المرأة وهي مسفرة لتصحَّ عندهم معرفتها فتتحقَّق الشهادة، فقال الزوج: فلا بد؟ فقالوا: ولا بد، فقال الزوج: أيها القاضي! عندي الخمس مئة دينار، ولا ينظر هؤلاء إلى امرأتي، فأخبرت بما كان من زوجها، فقالت المرأة: إني أشهد القاضي أني قد وهبت له ذلك وأبرأته منه في الدنيا والآخرة، فقال القاضي: تكتب هذه الواقعة في مكارم الأخلاق» انتهى.
قال المعلقون على «الكامل في التاريخ» - وهم نخبة من العلماء -: «انظر أيها العاقل إلى حكم هذا القاضي العادل، كيف جعل منع الرجل زوجته من كشف وجهها أمام الأجانب وإقراره بالمبلغ المدَّعى عليه لذلك من مكارم الأخلاق، ولا شكَّ أن ستر وجه المرأة من الذكور فوق ذلك، وإنه ما حصل الفساد في زماننا هذا وعبث في العائلات الكرام وبيوت الأحرار إلا اختلاط النساء بالذكور، وبابه رفع الحجاب، فلو حجبت النساء عن الرجال لما جاء الاختلاط، ولامتنع الفساد والفجور من الرجال، والتبرُّج والتهتُّك من النساء.
وانظر إلى القاضي المسرف المتغالي بحب السفور كيف ألَّف رسائل ونشر مقالات ودعا العالم الإسلامي إلى الخروج عن أحكام الشريعة الإسلامية وعادات أسلافهم أصحاب الغيرة والحميَّة على حريمهم ونسائهم؛ فإن هذا القاضي المتشبِّع بروح أوروبة ابتدع بدعة ضلالة، وفتح
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 60)
باب شر واسع لا يغلق، فعليه وزره ووزر من عمل بفساده إلى يوم القيامة».
انتهى كلام المعلِّقين على القصة العجيبة، ولقد أجادوا وأفادوا، جزاهم الله خير الجزاء وضاعف لهم الثواب.
وإن الفرق الشاسع جداً بين هؤلاء المتصفين بالغيرة على نساء المسلمين وبين بعض المنتسبين إلى العلم ممن استزلهم الشيطان وزين لهم القول بجواز السفور وكتابة الرسائل والمقالات في تزيين هذه الضلالة للجهال، وإنه لينطبق عليهم قول الله تعالى: {أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ}، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ومن دعا إلى ضلالة؛ كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه، لا ينقص ذلك من آثامهم شيئا»، وثبت عنه صلى الله عليه وسلم: أنه قال: «من أفتي بفتيا غير ثبت؛ فإنما إثمه على من أفتاه»؛ فلا يأمن القائلون بجواز السفور والذين يكتبون الرسائل والمقالات في الدعوة إلى هذه الضلالة وتزيينها للجهال أن يكون لهم نصيب وافر مما جاء في هذين الحديثين ومما جاء في قول الله تعالى: {لِيَحْمِلوا أَوْزارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ القيِامَةِ ومِنْ أَوْزارِ الَّذينَ يضِلُّونَهْم بِغَيْرِ عِلْمٍ ألا سَاءَ مَا يَزِرونَ}.
وقد كان باب السفور مغلقاً منذ زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أواخر القرن الثالث عشر من الهجرة، فابتدأ بفتحه سلطان الترك في أواخر القرن المذكور، وكتب بذلك إلى أهل الحرمين فردُّوا عليه وأجمعوا على خلافه.
وما زال الشيطان وأولياؤه من الزنادقة وأشباههم من الأدعياء علماً وإسلاماً يدعون إلى ما دعا إليه سلطان الترك من السفور وترك الحجاب، وينشرون المقالات والكتب في الدعوة إلى السفور وتحسينه عند الجهلة الأغبياء، حتى استجاب لهم الفئام بعد الفئام من الجهلة الطغام، الذين
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 61)
هم أضل سبيلاً من الأنعام، وثبَّت الله آخرين من المسلمين، فما زالوا قوَّامين على نسائهم، آخذين على أيديهن، سالكين معهن منهج السلف الصالح من الصحابة والتابعين وتابعيهم بإحسان، فهؤلاء ما زالت نساؤهم يحتجبن عن الرجال الأجانب، ويستترن عنهم غاية الاستتار.
وقد ذكر شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى في «تفسير سورة النور»: أن سنة المؤمنين في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه أن الحرة تحتجب والأمة تبرز.
قال: «وكان عمر رضي الله عنه إذا رأى أمة مختمرة؛ ضربها، وقال أتتشبَّهين بالحرائر أي لكاع؟».
وقد ذكر البغوي في «تفسيره» نحو هذا عن عمر رضي الله عنه.
وقال الغزالي في كتابه «إحياء علوم الدين»: «لم تزل النساء يخرجن منتقبات».
وقال الحافظ ابن حجر في «فتح الباري»، والعيني في «عمدة القاري»: ما ملخصه: أن العمل استمرَّ على جواز خروج النساء إلى المساجد والأسواق والأسفار منتقبات لئلا يراهنَّ الرجال.
وحكى النووي في «الروضة» اتفاق المسلمين على منع النساء أن يخرجن سافرات الوجوه.
وحكاه أيضاً ابن رسلان، ونقله عنه الشوكاني في «نيل الأوطار».
وذكر ابن المنذر الإجماع على أن المحرمة تغطي رأسها وتستر شعرها وتسدل الثوب على وجهها سدلاً خفيفاً تستتر به عن نظر الرجال الأجانب.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 62)