الكلام عنه، وقد رأى ابن مسعود رضي الله عنه رجلاً يضحك في جنازة، فقال: والله؛ لا أكلمك أبداً» انتهى كلام ابن عبد البر رحمه الله تعالى.
والأثر الذي ذكره عن ابن مسعود رضي الله عنه قد رواه الإمام أحمد في كتاب «الزهد»، فقال حدثنا سفيان: حدثنا عبد الرحمن بن حميد: سمعه من شيخ من بني عبس: «أبصر عبد الله رجلاً يضحك في جنازة، فقال: تضحك في جنازة؟! لا أكلِّمك أبداً».
وروى الإمام أحمد بإسناد صحيح عن سعيد بن جُبير عن ابن عباس رضي الله عنهما؛ قال: «تمتَّع النبي صلى الله عليه وسلم، فقال عروة بن الزبير: نهى أبو بكر وعمر عن المتعة، فقال ابن عباس رضي الله عنهما: ما يقول عُرَيَّة؟! قال: يقول: نهى أبوبكر وعمر عن المتعة، فقال ابن عباس رضي الله عنه: أراهم سيهلكون، أقول: قال النبي صلى الله عليه وسلم، ويقول نهى أبوبكر وعمر!».
وإذا كان هذا قول ابن عباس رضي الله عنهما لمن عارض قول النبي صلى الله عليه وسلم بقول أبي بكر وعمر رضي الله عنهما؛ فكيف بمن اطَّرح الأحاديث الصحيحة ونبذها وراء ظهره ولم يعبأ بها؛ كما يفعل ذلك بعض الزنادقة في زماننا؟! فهؤلاء أولى بالإنكار الشديد والتأديب الذي يردعهم عن معارضة الأحاديث الصحيحة والاستهانة بها.
وروى: الإمام أحمد، والبخاري، والنسائي؛ عن الزبير بن عربي؛ قال: «سأل رجل ابن عمر رضي الله عنهما عن استلام الحجر؟ فقال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يستلمه ويقبِّله، قال: قلت أرأيت إن زُحمت، أرأيت إن غُلبت؟ قال: اجعل أرأيت باليمن، رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يستلمه ويقبِّله».
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 103)
وقد رواه أبو داود الطيالسي في «مسنده»؛ قال: حدثنا حماد بن زيد؛ قال: حدثنا الزبير بن العربي؛ قال: «سألت ابن عمر رضي الله عنهما عن المزاحمة على الحجر؟ فقال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يستلمه ويقبِّله، فقلتُ: أرأيت أن أغلب أو أزحم؟ قال: اجعل «أرأيت» مع ذلك الكوكب، رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبله ويستلمه».
قوله: «اجعل أرأيت باليمن»؛ قال الحافظ ابن حجر في «فتح الباري»: «إنما قال له ذلك لأنه فهم منه معارضة الحديث بالرأي، فأنكر عليه ذلك، وأمره إذا سمع الحديث أن يأخذ به ويتَّقي الرأي» انتهى.
وروى الدارقطني بإسناد صحيح عن ابن عمر رضي الله عنهما؛ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا استيقظ أحدكم من منامه؛ فلا يدخل يده في الإناء حتى يغسلها ثلاث مرات؛ فإنه لا يدري أين باتت يده منه، أو أين طافت يده»، فقال له رجل: أرأيت إن كان حوضاً؟ فحصبه ابن عمر، وقال: أخبرك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقول: أرأيت إن كان حوضاً؟!
وقد رواه ابن ماجه مختصراً، ولم يذكر قصة الرجل مع ابن عمر، وإسناده صحيح على شرط مسلم.
وإنما حصب ابن عمر رضي الله عنهما الرجل لأنه فهم منه معارضة الحديث برأيه، فأنكر عليه وحصبه.
وروى: الإمام أحمد بإسناد صحيح، والبيهقي؛ عن أبي هريرة رضي الله عنه؛ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا استيقظ أحدكم من نومه؛ فليفرغ على يديه من إنائه ثلاث مرات؛ فإنه لا يدري أين باتت يده». فقال له قيس الأشجعي: فإذا جئنا مهراسكم هذا؛ فكيف نصنع به؟ فقال أبو
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 104)
هريرة رضي الله عنه: أعوذ بالله من شرِّك.
هذا لفظ البيهقي.
وإنما تعوَّد أبو هريرة رضي الله عنه من شرِّ قيس؛ لأنه فهم منه معارضة الحديث برأيه، فأنكر عليه ذلك، وتعوَّذ بالله من شرِّه.
وقال الترمذي في «جامعه»: باب ما جاء في إشعار البُدْن: حدثنا أبو كريب: أخبرنا وكيع عن هشام الدستوائي عن قتادة عن أبي حسان الأعرج عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم قلَّد نعلين وأشعر الهدي في الشقِّ الأيمن بذي الحُلَيفة وأماط عنه الدم».
قال الترمذي: «حديث حسن صحيح».
قال: «والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم، يرون الإشعار، وهو قول الثوري والشافعي وأحمد وإسحاق».
قال: «سمعت يوسف بن عيسى يقول: سمعتُ وكيعاً يقول حين روى هذا الحديث، فقال: لا تنظروا إلى قول أهل الرأي في هذا؛ فإن الإشعار سنة، وقولهم بدعة».
قال: «سمعت أبا السائب يقول: كنا عند وكيع، فقال لرجل ممَّن ينظر في الرأي: أشعر رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقول أبو حنيفة: هو مُثلة! قال الرجل: فإنه قد رُوي عن إبراهيم النخعي أنه قال: الأشعار مُثلة! قال: فرأيت وكيعاً غضب غضباً شديداً، وقال: أقول لك: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقول: قال إبراهيم! ما أحقَّك بأن تحبس ثم لا تخرج حتى تنزع عن قولك هذا!».
وقال الشافعي في كتاب «الرسالة»: أخبرني أبو حنيفة سماك بن
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 105)
الفضل الشيباني؛ قال: حدثني ابن أبي ذئب عن المقبري عن أبي شريح الكعبي رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال عام الفتح: «مَن قُتِل له قتيل، فهو بخير النظرين: إن أحبَّ أخذ العقل، وإن أحبَّ فله القَود». فقلت لابن أبي ذئب: أتأخذ بهذا يا أبا الحارث؟ فضرب صدري وصاح عليَّ صياحاً كثيراً ونال مني وقال: أحدثك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقول: تأخذ به؟! نعم؛ آخذ به، وذاك الفرض عليَّ وعلى مَن سمعه، إنَّ الله عز وجل اختار محمداً صلى الله عليه وسلم من الناس، فهداهم به، وعلى يديه، واختار لهم ما اختار له وعلى لسانه، فعلى الخلق أن يتبعوه طائعين أو داخرين، لا مخرج لمسلم من ذلك، قال: وما سكت عني حتى تمنَّيت أن يسكت».
وقال الفضل بن زياد عن أحمد بن حنبل؛ قال: «بلغ ابن أبي ذئب أن مالكاً لم يأخذ بحديث: «البيِّعان بالخيار»، فقال: يُستتاب في الخيار، فإن تاب، وإلا؛ ضربت عنقه».
قال أحمد: «ومالك لم يردَّ الحديث، ولكن تأوله على غير ذلك».
وإذا كان هذا قول ابن أبي ذئب في الإمام مالك حين تأوَّل حديثاً واحداً على غير تأويله؛ فكيف بأدعياء العلم من الأجلاف الذين لا يبالون بردِّ الأحاديث الصحيحة ورفضها من أجل أنها تخالف آراءهم ونظرياتهم التي هي في الغالب مأخوذة من آراء أعداء الله ونظرياتهم التي تخالف الإسلام وأهله؟! فهؤلاء هم الذين يجب أن يُستتابوا، فإن تابوا، وإلا؛ ضربت أعناقهم.
والله المسؤول أن يبعث لدينه وأحاديث رسول صلى الله عليه وسلم أنصاراً يجاهدون أهل الزيغ والفساد، ولا تأخذهم في الله لومة لائم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 106)
وقال أبو العباس أحمد بن يحيى المعروف بـ «ثعلب»: حدثني محمد بن عبيد بن ميمون: حدثني عبد الله بن إسحاق الجعفري؛ قال: «كان عبد الله بن الحسن يكثر الجلوس إلى ربيعة، قال: فتذاكروا يوماً السنن، فقال رجل كان في المجلس: ليس العمل على هذا، فقال عبد الله: أرأيت إن كثر الجهال حتى يكونوا هو الحكام؛ أفهم الحجة على السنة؟! فقال ربيعة: أشهد أن هذا كلام أبناء الأنبياء»، ذكره ابن القيم في كتابه «إغاثة اللهفان».
وروى الخطيب البغدادي في «تاريخه» من طريق يعقوب بن سفيان؛ قال: سمعت علي بن المديني يقول: قال محمد بن خازم»: «كنت أقرأ حديث الأعمش عن أبي صالح على أمير المؤمنين هارون، فكلَّما قلت: قال رسول الله؛ قال: صلى الله على سيدي ومولاي حتى ذكرتُ حديث: «التقى آدم وموسى»، فقال عمه - وسماه عليٌّ فذهب عليَّ - فقال: يا محمد! أين التقيا؟ قال: فغضب هارون، وقال: مَن طرح إليك هذا؟ وأمر به فحُبس، ووكل بي في حشمه من أدخلني إليه في محبسه، فقال: يا محمد! والله؛ ما هو إلا شيء خطر ببالي، وحلف لي بالعتق وصدقة المال وغير ذلك من مغلَّظات الأيمان: ما سمعتُ ذلك من أحد، ولا جرى بيني وبين أحد فيه كلام، قال: فلما رجعتُ إلى أمير المؤمنين؛ كلَّمته، قال: ليدلَّني على مَن طرح إليه هذا الكلام، فقلت: يا أمير المؤمنين! قد حلف بالعتق ومغلَّظات الأيمان أنه إنما هو شيء خطر ببالي، لم يجر بيني وبين أحد فيه كلام، قال: فأمر به، فأطلق من الحبس، وقال لي: يا محمد! ويحك؛ إنما توهَّمت أنه طرح إليه بعض الملحدين هذا الكلام الذي خرج منه، فيدلني عليهم، فأستبيحهم».
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 107)
وروى أبو عثمان الصابوني في عقيدته بإسناده عن محمد بن حاتم المظفري؛ قال: «كان أبو معاوية الضرير يحدث هارون الرشيد، فحدَّثه بحديث أبي هريرة: «احتجَّ آدم وموسى»، فقال عيسى بن جعفر: كيف هذا وبين آدم وموسى ما بينهما؟ قال: فوثب به هارون وقال: يحدثك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتعارضه بـ «كيف»؟! قال: فما زال يقول حتى سكت عنه».
قال الصابوني: «هكذا ينبغي للمرء أن يعظم أخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويقابلها بالقبول والتسليم والتصديق، وينكر أشد الإنكار على مَن يسلك فيها غير هذا الطريق الذي سلكه هارون الرشيد مع من اعترض على الخبر الصحيح الذي سمعه بـ «كيف» على طريق الإنكار له والابتعاد عنه، ولم يتلقَّه بالقبول كما يجب أن يُتَلَقى جميع ما يرد عن الرسول صلى الله عليه وسلم» انتهى كلامه رحمه الله.
وقال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: «عجبتُ لقوم عرفوا الإسناد وصحته، يذهبون إلى رأي سفيان، والله تعالى يقول: {فَلْيَحْذَرِ الَّدينَ يُخالِفونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصيبَهُم عَذابٌ أَليمٌ}: أتدري ما الفتنة؟ الفتنة: الَشرك، لعلَّه إذا ردَّ بعض قوله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ، فيهلك»، ثم جعل يتلو هذه الآية: {فَلا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنونَ حَتَّى يُحَكِّموكَ فيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً ممَّا قَضَيْتَ ويُسَلِّموا تَسْليماً}.
وقال الحاكم: سمعتُ الأصمَّ يقول: سمعت الربيع يقول: «سمعت الشافعي، يقول، وروى حديثاً، فقال له رجل: تأخذ بهذا يا أبا عبد الله؟ فقال: متى رويت عن رسول صلى الله عليه وسلم حديثاً صحيحاً، فلم آخذ به؛ فأشهدكم أنَّ عقلي قد ذهب، وأشار بيده إلى رأسه؛ يعني: أن منزلة
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 108)
الحديث الصحيح عنده على الرأس».
وقال شارح «العقيدة الطحاوية»: «طريق أهل السنة أن لا يعدلوا عن النصِّ الصحيح، ولا يعارضوه بمعقول ولا قول فلان؛ كما قال البخاري رحمه الله، سمعت الحميدي، يقول: كنا عند الشافعي رحمه الله، فأتاه رجلٌ، فسأله عن مسألة، فقال: قضى فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا وكذا، فقال رجل للشافعي: ما تقول أنت؟ فقال: سبحان الله! تراني في كنيسة؟ تراني في بيعة؟! تراني على وسطي زنَّار؟! أقول لك: قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنت تقول: ما تقول أنت؟!».
وقال الحاكم: أنبأني أبو عمرو السماك مشافهة: أن أبا سعيد الجصَّاص حدثهم؛ قال: سمعت الربيع بن سليمان يقول: «سمعت الشافعي يقول، وسأله رجل عن مسألة، فقال: روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال كذا وكذا، فقال له السائل: يا أبا عبد الله! أتقول بهذا؟ فارتعد الشافعي، واصفرَّ، وحال لونه، وقال: ويحك! أي أرض تقلُّني وأي سماء تظلُّني إذا رويت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً فلم أقل به؟! نعم؛ على الرأس والعينين، نعم، على الرأس والعينين».
وقال الربيع: قال الشافعي: «لم أسمع أحداً نسبته عامة أو نسب نفسه إلى علم يخالف في أن فرض الله اتباع أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم والتسليم لحكمه؛ فإن الله لم يجعل لأحد بعده إلا اتباعه، وأنه لا يلزم قول رجل قال إلا بكتاب الله أو سنة رسوله، وأن ما سواهما تبع لهما، وأن فرض الله علينا وعلى مَن بعدنا وقبلنا في قبول الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم واحد، لا يختلف فيه الفرض، وواجب قبول الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم».
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 109)
فصلٌ
وإذا عُلِم ما ذكرتُه عن السلف الصالح من تعظيم الأحاديث الصحيحة، والمبالغة في الإنكار على مَن تهاون بها أو عارضها بأقوال الناس وآرائهم؛ فليعلم أيضاً أنه ينبغي لمن أشكل عليه شيء من الأحاديث الصحيحة أو وقع في نفسه منه شيء: أن يظنَّ به أحسن الظن، ولا يبادر إلى إنكاره ورده كما يفعل ذلك أهل الزيغ والإلحاد.
قال عليٌ رضي الله عنه: «إذا حُدِّثتم شيئاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فظنوا به الذي هو أهدى، والذي هو أتقى، والذي هو أهيأ».
رواه: الإمام أحمد، وأبو داود الطيالسي، والدارمي، وابن ماجه، وعبد الله ابن الإمام أحمد في «زوائد المسند»؛ بأسانيد صحيحة.
وروى: الإمام أحمد، والدارمي، وابن ماجه أيضاً؛ عن عون بن عبد الله عن ابن مسعود رضي الله عنه: أنه قال: «إذا حُدثتم بالحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فظنُّوا به الذي هو أهيأ، والذي هو أهدى، والذي هو أتقى».
في إسناد هذا الحديث انقطاع بين عون بن عبد الله وابن مسعود؛ فإنه لم يسمع منه، ولكن يشهد له حديث علي الذي قبله.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 110)
فصلٌ
وإذا عُلم أن السلف الصالح كانوا ينكرون أشدَّ الإنكار على مَن تهاون بشيء من الأحاديث الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم وعلى مَن رَدَّ شيئاً منها أو عارضه برأيه أو رأي غيره؛ فكيف يُقال في بعض الأجلاف من العصريين الذين لا يبالون برد الأحاديث الكثيرة ورفضها من أجل أنها تخالف آراءهم ونظرياتهم؟!.
ولو أحصي ما ردَّه بعضهم، وصرَّح برفضه في كتبه ومقالاته؛ لبلغ أعداداً كثيرة جداً؟!
وأدهى من ذلك وأفظع ما جاء في قصَّة وقعت له مع بعض الطلاب في الجزائر، حيث كان يناقش الطالب في بحث قدَّمه لنيل درجة الماجستير أو الدكتوراه، فذكر الطالب في بحثه حديث أنس بن مالك رضي الله عنه: أن رجلاً قال: يا رسول الله! أين أبي؟ قال: «في النار»، فلمَّا قفَّى؛ دعاه، فقال: «إنَّ أبي وأباك في النار».
رواه: مسلم وابن حبان في «صحيحيهما»، والبيهقي في «دلائل النبوة».
فقال الجلف الجافي للطالب: «ضع هذا الحديث تحت رجلك».
كذا قال الجلف هذه الكلمة العظيمة الوخيمة التي لا تصدر من رجل يؤمن بالله ورسوله، وهي من الكلمات التي تقتضي الردَّة عن الإسلام؛ لما فيها من المبالغة في الاستهانة بالحديث الثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم، ومَن استهان بشيء من الأحاديث الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ فلا شكَّ أنه قد استهان بالنبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن الاستهانة بكلامه فرع عن الاستهانة به، ومَن استَهان بالنبي صلى الله عليه وسلم؛
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 111)
فلا شكَّ في ردَّته وحل دمه وماله.
قال الله تعالى: {قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (65) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ}.
وقد ذكرتُ قريباً عن البربهاري أنه صرَّح في كتابه «شرح السنة» بتكفير من ردَّ حديثاً عن النبي صلى الله عليه وسلم.
وإذا كان ردُّ الحديث الواحد يقتضي الكفر؛ فكيف بردِّ الأحاديث الكثيرة الصحيحة والتصريح برفضها؛ فهذا أشدُّ وأشدُّ.
وأشدُّ من ذلك كله أمر الطالب بوضع الحديث الثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم تحت رجله!
فهذه الكلمة الوخيمة تنافي الإسلام غاية المنافاة؛ لأنه لا بُدَّ في صحة الإسلام من تحقيق الشهادة بأن محمداً رسول الله، ولا بدَّ في تحقيقها من تصديق النبي صلى الله عليه وسلم في كل ما أخبر به.
والدليل على ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: «أمرْتُ أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، ويؤمنوا بي، وبما جئت به، فإذا فعلوا ذلك؛ عصموا منِّي دماءهم وأموالهم؛ إلا بحقِّها، وحسابهم على الله».
رواه مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
وفيه دليل على أن مَن لم يؤمن بكل ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم من الأخبار؛ فهو حلال الدم والمال.
وهذا الحكم ينطبق على الجلف الذي لم يؤمن بما أخبر به رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أبيه بأنه في النار، وقد زاد على عدم الإيمان بهذا الحديث أمره للطالب أن يضع الحديث تحت رجله.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 112)
والله المسؤول أن يقيِّض لهذا الجلف وأمثاله مَن يعاملهم بمثل معاملة عمر بن الخطاب رضي الله عنه للمنافق الذي لم يرضَ بحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم، حيث عاجله بالقتل ولم يمهله.
وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم في حقِّ أمه نحو ما جاء عنه في حقِّ أبيه، وذلك فيما رواه: الإمام أحمد، ومسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه؛ عن أبي هريرة رضي الله عنه؛ قال: «زار النبي صلى الله عليه وسلم قبر أمه، فبكى وأبكى مَن حوله، فقال: استأذنت ربي في أن أستغفر لها؛ فلم يؤذن لي، واستأذنته في أن أزور قبرها؛ فأذن لي، فزوروا القبور؛ فإنها تذكِّركم الموت».
وقد رواه: ابن حبان في «صحيحه»، والحاكم في «المستدرك»، والبيهقي في «السنن» وفي «دلائل النبوة».
وروى: الإمام أحمد أيضا، وابن حبان في «صحيحه»، والحاكم، والبيهقي؛ عن ابن بريدة عن أبيه؛ قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر، فنزل بنا ونحن قريبٌ من ألف راكب، فصلَّى بنا ركعتين، ثم أقبل علينا بوجهه وعيناه تذرفان، فقام إليه عمر بن الخطاب، ففَدَّاه بالأب والأم، وقال: مالك يا رسول الله؟ فقال صلى الله عليه وسلم: «إني سألت ربي عز وجل في الاستغفار لأمي؛ فلم يأذن لي، فدمعت عيناي رحمة لها من النار «وذكر بقية الحديث».
قال الحاكم: «صحيح على شرط الشيخين»، ووافقه الذهبي في «تلخيصه».
وفي رواية لأحمد عن ابن بريدة عن أبيه؛ قال: خرجتُ مع النبي صلى الله عليه وسلم، حتى إذا كنَّا بودَّان؛ قال: «مكانكم حتى آتيكم»، فانطلق، ثم جاءنا وهو سقيم، فقال: «إني أتيت قبر أم محمد، فسألت ربي الشفاعة - يعني
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 113)
لها - فمنعنيها (وذكر بقية الحديث)».
وروى البيهقي في «دلائل النبوة» من طريق علقمة بن مرثد عن سليمان بن بريدة عن أبيه؛ قال: انتهى النبي صلى الله عليه وسلم إلى رسم قبر، فجلس وجلس الناس حوله كثير، فجعل يحرك رأسه كالمخاطب، قال: ثم بكى، فاستقبله عمر رضي الله عنه، فقال: ما يبكيك يا رسول الله؟ قال: «هذا قبر آمنة بنت وهب، استأذنت ربي في أن أزور قبرها فأذن لي، واستأذنته في الاستغفار لها فأبى عليَّ، وأدركتني رقَّتها فبكيت». قال: فما رُئي ساعة أكثر باكياً من تلك الساعة.
وروى البيهقي أيضا في «دلائل النبوة» عن مسروق بن الأجدع عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه؛ قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر في المقابر، وخرجنا معه، فأمرنا فجلسنا، ثم تخطَّى القبور حتى انتهى إلى قبر منها، فناجاه طويلاً، ثم ارتفع نحيب رسول الله صلى الله عليه وسلم باكياً، فبكينا لبكاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقبل إلينا، فتلقَّاه عمر بن الخطاب، فقال: يا رسول الله! ما الذي أبكاك؟ لقد أبكانا وأفزعنا، فجاء، فجلس إلينا، فقال: «أفزعكم بكائي؟»، فقلنا: نعم يا رسول الله! فقال: «إنَّ القبر الذي رأيتموني أناجي فيه قبر آمنة بنت وهب، وإني استأذنت ربي في زيارتها، فأذن لي فيه، واستأذنت ربي في الاستغفار لها، فلم يأذن لي فيه، ونزل عليَّ: {مَا كَانَ للنَّبِيِّ والَّذينَ آمنُوا أَنْ يَسْتَغْفِروا للمُشْرِكينَ} حتى ختم الآية: {ومَاَ كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهيمَ لأبِيه إِلَّا عَنْ مَوِعدَةٍ وَعَدَها إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّن لهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ للهِ تَبَرَّأ منهُ}، فأخذني ما يأخذ الولد للوالدة من الرقة؛ فذلك الذي أبكاني».
وهذه الأحاديث التي وردت في منع النبي صلى الله عليه وسلم من الاستغفار لأمه
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 114)
ومنعه من الشفاعة لها يوم القيامة وأنه صلى الله عليه وسلم بكى رحمة لها من النار، لو عرضت على الجلف الذي تقدَّمت الإشارة إليه؛ لما كان بعيداً منه أن يأمر مَن يعرضها عليه أن يضعها تحت رجله؛ كما أمر بذلك في حديث أنس الذي تقدَّم ذكره في أول الفصل.
وقد قال الله تعالى: {وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبعَ هَواهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللهِ إِنَّ اللهَ لا يَهْدي القَوْمَ الظَّالمِينَ}.
وكلُّ ما تقدَّم ذكره في الأحاديث التي جاءت في حقِّ أبوي النبي صلى الله عليه وسلم؛ فإنه حقٌّ يجب الإيمان به، ولا يجوز الاعتراض على شيء منه؛ لأنه لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم شيء يعارضه ويردُّه.
ولله الحكمة البالغة في مصير أبوي النبي صلى الله عليه وسلم يوم القيامة، وللنبي صلى الله عليه وسلم أسوة بأبيه إبراهيم خليل الرحمن حيث تبرَّأ من أبيه وامتنع من الاستغفار له لمَّا تبيَّن له أنه عدو لله.
وقد ثبت في «صحيح البخاري» أن إبراهيم إذا شفع لأبيه يوم القيامة؛ لم تقبل شفاعته له، ويمسخ الله أباه ضبعاً، ويأمر به، فيؤخذ بقوائمه، ويلقى في النار.
وهذا مما يجب الإيمان به، ومَن لم يؤمن بما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ فهو ممَّن يُشَكُّ في إسلامه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 115)
فصلٌ
ومن أعظم الزلات خطراً على الإسلام وأشدها أثراً في نقض عراه محاولة بعض أهل الزيغ والفساد في زماننا أن يقاربوا بين المسلمين وبين أهل الأديان الباطلة من اليهود والنصارى وغيرهم من سائر أهل الملل المخالفة لدين الإسلام، ومحاولتهم أيضاً أن يقاربوا بين أهل السنة وبين الرافضة وغيرهم من أهل البدع المخالفة لما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه والتابعون لهم بإحسان.
وقد نشروا دعوتهم إلى هذه المذاهب الهدَّامة في كتب لهم ومقالات كثيرة.
وإنه لينطبق عليهم قول الله تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (112) وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ}.
وقوله تعالى: {إِّنهُمُ اتَّخذوا الشَّياطينَ أوْلياءَ منْ دُونِ اللهَ ويَحْسَبونَ أَنَّهُمْ مُهْتدونَ}.
فليحذر المؤمن الناصح لنفسه من هؤلاء الزائغين أشد الحذر؛ فأنهم ألدُّ الأعداء للسنَّة وأهلها، وهم أضرُّ على السنة وأهلها من اليهود والنصارى وسائر أهل الملل.
والله المسؤول أن يكفي المسلمين شرَّهم، ويطهر الأرض منهم؛ إنَّه ولي والقادر عليه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 116)
وهذا آخر ما تيسَّر إيراده، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومَن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
9/ 5/ 1412 هـ.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 117)