كما قال تعالى {فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} [الصف: 5]، وأن يذيقه العذاب الأليم في الدنيا والآخرة.
نعوذ بالله من موجبات غضبه وأليم عقابه.
(فصلٌ)
وقد جعل الله تبارك وتعالى شعر اللحية والشارب زينة وجمالاً للرجال وعلامة فارقة بينهم وبين النساء في الغالب وجعل زينة النساء وجمالهن في عدم هذا الشعر.
فتبارك الله أحسن الخالقين الذي فاوت بين خلقه فجعل للرجال زينة وجمالاً بعكس زينة النساء وجمالهن وجعل ما يستحسن في وجوه الرجال من الشعر يستقبح مثله في وجوه النساء لو وجد ذلك فيهن.
وما يستحسن في وجوه النساء من عدم الشعر يستقبح مثله في وجوه الممثلين بالشعر من الرجال.
حكمة بالغة من حكيم عليم يفعل ما يشاء وهو على كل شيء قدير. فما أسخف عقل من رغب عن الجمال الذي جمل الله به الرجال وآثر مشابهة النساء في جمالهن وزينتهن ولا يرغب عن مشابهة الرجال ويختار مشابهة النساء إلا من في طبيعته أنوثة
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 41)
تدعوه إلى التشبه بما يناسبه كما قيل:
«وكل امرئ يهفو إلى ما يناسبه».
وقد كان السلف يسمون المتشبهين بالنساء المخنثين.
قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري المخنث بكسر النون وبفتحها من يشبه خلقة النساء في حركاته وكلامه وغير ذلك فإن كان من أصل الخلقة لم يكن عليه لوم وعليه أن يتكلف إزالة ذلك وإن كان بقصد منه وتكلف له فهو المذموم ويطلق عليه اسم مخنث سواء فعل الفاحشة أو لم يفعل.
قال ابن حبيب المخنث هو المؤنث من الرجال وإن لم تعرف منه الفاحشة مأخوذ من التكسر في المشي وغيره انتهى.
وفي الحديث الصحيح عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم المتشبهين من الرجال بالنساء والمتشبهات من النساء بالرجال رواه الإمام أحمد والبخاري وأهل السنن إلا النسائي وقال الترمذي هذا حديث حسن صحيح وفي رواية لأحمد والبخاري وأبي داود والترمذي قال: لعن النبي صلى الله عليه وسلم المخنثين من الرجال والمترجلات من النساء.
وروى الإمام أحمد أيضاً بإسناد حسن من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم مخنثي الرجال الذين يتشبهون بالنساء والمترجلات من النساء المتشبهات بالرجال.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 42)
وروى الإمام أحمد أيضاً من حديث عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم لعن المخنثين من الرجال والمترجلات من النساء.
وروى الإمام أحمد أيضاً من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ليس منا من تشبه بالرجال من النساء ولا من تشبه بالنساء من الرجال.
وفي سنن ابن ماجة بإسناد حسن عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لعن المرأة تتشبه بالرجال والرجل يتشبه بالنساء.
ورواه الإمام أحمد وأبو داود بلفظ آخر وصححه ابن حبان والحاكم والنووي وغيرهم وقال الحاكم على شرط مسلم ولم يخرجاه وأقره الحافظ الذهبي في تلخيصه.
وقد ذم الله تبارك وتعالى المنافقين ووبخهم لما آثروا القعود مع النساء على الجهاد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه فقال تعالى {رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ} [التوبة: 87]، الآية.
والممثلون باللحى قد رضوا بأن يكونوا مثل الخوالف في نعومة الخدود وعدم الشعر في الوجوه، فيستنبط من هذه الآية الكريمة ذمهم وتوبيخهم على سوء صنيعهم ورضاهم بمشابهة النساء وأيضاً فإن المنافقين قد رغبوا عن المسير مع رسول الله صلى الله عليه وسلم والجهاد معه، والممثلون باللحى قد رغبوا عن السير على منهاج
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 43)
رسول الله صلى الله عليه وسلم واتباع سنته في شعر الوجه ورضوا بأن تكون وجوههم مثل وجوه المجوس وطوائف الإفرنج ومن شاكلهم من أعداء الله تعالى ففيهم شبه قوي من المنافقين ولهم الذم والتوبيخ بقدر إجرامهم ومخالفتهم لأمر الرسول صلى الله عليه وسلم وارتكابهم لنهيه ورغبتهم عن سنته.
(فصلٌ)
وقد فضل الله الرجال على النساء بأشياء كثيرة ليس هذا موضع ذكرها، ومنها شعر اللحية والشارب وقد قال الله تعالى {وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ} [البقرة: 228]، قال مجاهد بما يمتاز عنها كاللحية حكاه عنه أبو حيان في تفسيره. وقال ابن جرير في تفسيره حدثني موسى بن عبد الرحمن المسروقي قال: حدثنا عبيد بن الصباح قال حدثنا حميد قال وللرجال عليهن درجة قال لحية.
وقال الله تعالى {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ} [النساء: 34].
ذكر أبو حيان في تفسيره أقوالاً مشتملة على أشياء كثيرة مما فضل الله به الرجال على النساء ومنها اللحى وكشف الوجوه وقد رغب الأكثرون من أهل زماننا عما منّ الله به عليهم
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 44)
من الفضيلة والدرجة على النساء وأبوا إلا مساواة النساء في درجتهن ولاسيما في عدم اللحية وهذا من هوان نفوسهم وضعف عقولهم وما أحسن قول الشاعر:
من يهن يسهل الهوان عليه … ما لجرح بميت إيلام
(فصلٌ)
وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجمل الناس وأحسنهم وجهاً وكان مع ذلك كث اللحية ضخمها عظيمها قد ملأت لحيته نحره وكان أشبه الناس بإبراهيم خليل الرحمن كما تقدم بيان ذلك.
وما كان الله ليختار لخليله إلا أحب الأشياء إليه وأكمل الصفات البشرية.
أفيقال في المشركين الذين يحلقون لحاهم ويمثلون بشعورهم أنهم كانوا أجمل من الخليلين؟ كلا إن هذا لا يقوله مسلم، فما أسفه رأي من رغب عن الجمال الذي جمل الله به صفوة خلقه. وما أحمق من زهد في مشابهة الخليلين وآثر مشابهة المجوس وطوائف الإفرنج في مثلتهم القبيحة التي زينها لهم الشيطان وحببها إليهم ليشوه بها وجوههم ويغير خلق الله كما أخبر الله عنه أنه قال {وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ} [النساء: 119].
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 45)
(فصلٌ)
وقد كان لشعر اللحية القدر الرفيع عند المتمسكين بهذه الخصلة من خصال الفطرة حتى عند أوائل اليهود والنصارى وكذلك مشركو العرب في زمن الجاهلية فإنهم كانوا يعفون لحاهم وكانوا متمسكين بأشياء من دين الخليل عليه الصلاة والسلام ومن ذلك إعفاء اللحى.
وأما قوله صلى الله عليه وسلم في حديث ابن عمر رضي الله عنهما خالفوا المشركين فالمراد بهم المجوس فإنهم صنف من أصناف المشركين ويطلق عليهم اسم المشركين كما يطلق على مشركي العرب وغيرهم ممن اتخذ إلهاً من دون الله تعالى ويدل لذلك قوله صلى الله عليه وسلم في حديث أبي هريرة رضي الله عنه «خالفوا المجوس» وقوله في حديث ميمون بن مهران عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم المجوس فقال: إنهم يوفون سبالهم ويحلقون لحاهم فخالفوهم. وبهذا جزم الحافظ ابن حجر في فتح الباري والله أعلم.
وقد كان لشعر اللحية أعظم قدر عند السلف الصالح من هذه الأمة فكانوا يحافظون على إعفائها وإكرامها وذلك لكمال رجولتهم وبعدهم عن مشابهة النساء ومن يحذو حذوهن من المخنثين، ولأن إعفائها كان من هدي نبيهم صلى الله عليه وسلم وهدي الأنبياء والمرسلين قبله.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 46)
وهم كانوا أتبع من غيرهم من الأمم لهدي الأنبياء والمرسلين إذا كان ذلك موافقاً للشريعة المحمدية.
ولم تزل اللحية ذات قدر رفيع عند أتباع السنة من الخاصة والعامة إلى زماننا حتى عند الجفاة من الأعراب فقد رأيناهم يكرمون اللحى ويوفرونها ولا يرضون أن يمسها أحد بسوء وقد رأيت مرة أعرابياً عند بعض القضاة يخاصم رجلاً نتف من لحيته شعرات ورأيته يتغيظ كثيراً من إقدام خصمه على النتف من لحيته وبلغني عن غيره مثل ذلك، وأبلغ من هذا أن قيناً من قيونهم كان ضعيف العقل وكان ذا لحية طويلة فجاء رجل منهم فمزح عليه وجز بعض لحيته فلما علم أخو القين بذلك أخذ سكيناً فضرب بها أنف الرجل يريد جدعه ثم هرب واستجار ببعض رؤساء القبيلة فأجاره وقام على مجلس فيه كبير القوم فأعلمهم بإجارته للقين فسأله أهل المجلس ما ذنب المضروب الأنف فأخبرهم أنه قد جز بعض لحية القين فقالوا: إن جزاءه لأعظم من خطم الأنف وأن الذي يتعرض لجز اللحية ينبغي أن يقتل.
ومن أمثال العامة قولهم هو أعز من شعر اللحية، وإذا اجتهد أحدهم في التأكيد على نفسه قال: هو محلوق اللحية إن لم يفعل كذا وكذا، وربما قال بعضهم هو منتوف اللحية إن لم يفعل كذا وكذا.
ومرادهم بهذا المثل أنه كما يكون محلوق اللحية أو منتوفها في غاية الذل والهوان والخزي بين الناس فكذلك تكون حال
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 47)
هذا الذي يؤكد على نفسه بضرب هذا المثل ثم لا يفعل ما يقول.
وكثيراً ما يقبض بعضهم على لحيته إذا أراد التأكيد على نفسه في نفي شيء أو إثباته ثم يقول لمن يخاطبه احلق هذه أو انتف هذه إن كان كذا وكذا أو إن لم يكن كذا وكذا وإنما يقولون هذا مبالغة في تعظيم حلق اللحية ونتفها.
ولو قيل لأحدهم يا محلوق اللحية أو يا منتوف اللحية لغضب وبادر إلى عقوبة قائل ذلك لأنه من أبلغ السباب عندهم وإن كف عنه وسكت سكت على غيظ وحنق.
ومما يذكر عن العرب أنهم يقولون للرجل المعيب المتهم قد برقع لحيته أي غطاها، قال ابن منظور في لسان العرب يقال للرجل المأبون قد برقع لحيته ومعناه: تزيا بزي من لبس البرقع ومنه قول الشاعر:
ألم تر قيساً قيس عيلان برقعت … لحاها وباعت نبلها بالمغازل
والمأبون هو من رمى بخلة من خلال السوء قاله ابن الأثير وغيره من أهل اللغة.
وإذا كانت العرب تعيب وتذم ببرقعة اللحية فكيف بحلقها ونتفها فهاتان الخلتان أولى أن يذم بهما لأنهما أقرب إلى مشابهة النساء والتزيي بزيهن.
وقد كان الملوك فيما مضى يحلقون لحية الرجل إذا اشتد غضبهم عليه
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 48)
وأرادوا المبالغة في إهانته وإخزائه عند الناس ثم انعكس الأمر عند السفهاء فكانوا يستحسنون هذا الخزي ويتولون إخزاء أنفسهم بأيديهم وأموالهم وهذا من مكر الشيطان وتلاعبه بهم فما أشبههم بالذين قال الله تعالى فيهم {أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ} [فاطر: 8].
ومن عظم قدر اللحية عند أوائل هذه الأمة أن قيس بن سعد بن عبادة رضي الله عنهما كان سناطاً ليس في وجهه شعرة وكانت الأنصار تقول لوددنا أن نشتري لقيس بن سعد لحية بأموالنا.
ذكر ذلك الحافظ ابن حجر عن الزبير بن بكار وذكره ابن عبد البر عن غيره، وهذا بعكس ما عليه المفتونون بالتقاليد الإفرنجية في زماننا.
فأما الأنصار الذين هم من صفوة هذه الأمة وخيارها فيودون أن يشتروا لسيدهم لحية بأموالهم.
وأما الأغمار الذين هم من رذالة هذه الأمة وشرارها فيبذلون من أموالهم لمن يزيل عنهم اللحى أو بعضها، فشتان ما بين هؤلاء وبين أولئك قال الله تعالى {وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَلا الْمُسِيءُ قَلِيلاً مَا تَتَذَكَّرُونَ} [غافر: 58].
وقد ذكر البخاري في تاريخه الكبير عن عبد الرزاق قال: أخبرني أبي وغير واحد من أشياخنا أن همام بن منبه قعد إلى ابن الزبير في نفر من قريش وكان بنجران رجل من الأبناء يعظمونه
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 49)
يقال له حبشي ولم تكن له لحية وكان كوسجاً فقال له رجل من القرشيين ممن أنت؟ قال من أهل اليمن فقال ما فعلت عجوزكم - يريد حبشياً - قال عجوزنا أسلمت مع سليمان لله رب العالمين وعجوزكم حمالة الحطب في جيدها حبل من مسد فبهت الرجل فقال له ابن الزبير: ما تدري من كلمت لما تعرضت لابن منبه.
وفي هذه القصة إشارة إلى عظم قدر اللحية عند أوائل هذه الأمة ولهذا وصف الرجل القرشي من لا لحية له من الأبناء بصفة النساء فقال ما فعلت عجوزكم وأقره ابن الزبير والحاضرون عنده على ذلك.
ولكن لما كان مراده الغض من حبشي ومن يعظمه من أهل اليمن عدل همام في جوابه إلى ذكر امرأتين ذكرهما الله تعالى في كتابه إحداهما ممدوحة وهي ملكت أهل اليمن التي أسلمت مع سليمان لله رب العالمين، والأخرى مذمومة وهي من قريش.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 50)
(فصلٌ)
وقد يظن بعض الناس أن التأديب بحلق اللحى جائز نظراً منهم إلى أن بعض ملوك المسلمين قد فعلوا ذلك وليس الأمر كما يظنون ولا كل ما يفعله الملوك يكون جائزاً وعلى وفق الشريعة المطهرة بل منه ما هو على وفق الشريعة وكثير منه يكون على خلافها ومن ذلك التأديب بحلق اللحى لأنه من المثلة وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن المثلة كما في صحيح البخاري ومسند الإمام أحمد عن عبد الله بن يزيد الأنصاري رضي الله عنه قال: نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن النهبى والمثلة.
وروى الإمام أحمد أيضاً وأبو داود بإسناد جيد عن الهياج بن عمران بن الفصيل أن عمران أبق له غلام فجعل لله عليه لئن قدر عليه ليقطعن يده فأرسلني لأسأل فأتيت سمرة بن جندب رضي الله عنه فسألته فقال: كان نبي الله صلى الله عليه وسلم يحثنا على الصدقة وينهانا عن المثلة فأتيت عمران بن حصين رضي الله عنهما فسألته فقال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحثنا على الصدقة وينهانا عن المثلة.
وقد رواه البخاري في التاريخ الكبير مختصراً، وفي مستدرك الحاكم عن الحسن عن عمران بن حصين رضي الله عنهما قال: ما خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أمرنا بالصدقة ونهانا عن المثلة. قال الحاكم صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي في تلخيصه.
وروى الطبراني من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 51)
ومن حديث المغيرة بن شعبة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن المثلة. وفي صحيح البخاري عن قتادة رحمه الله تعالى قال بلغنا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحث على الصدقة وينهى عن المثلة.
وفي صحيح مسلم ومسند الإمام أحمد والسنن إلا النسائي من حديث بريدة رضي الله عنه إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ولا تمثلوا.
وفي المسند أيضاً من حديث ابن عباس رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ولا تمثلوا.
وفي المسند أيضاً وسنن ابن ماجة من حديث صفوان بن عسال رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ولا تمثلوا.
وفي مستدرك الحاكم من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ولا تمثلوا. صححه الحاكم ووافقه الذهبي في تلخيصه.
وروى الطبراني في معجمه الصغير عن جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ولا تمثلوا.
وروى مالك في الموطأ بلاغاً أن عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى كتب إلى عامل من عماله أنه بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا بعث سرية يقول لهم - فذكر الحديث وفيه - ولا تمثلوا.
إذا علم هذا فقد نص كثير من الفقهاء على أنه يحرم التعزير بحلق اللحية وعللوا ذلك بأنه مثلة قال في الفروع «ويحرم حلق لحيته»
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 52)
قال وفي أحكام القاضي له التعزير بحلق رأسه دون لحيته قال وذكر ابن عبد البر عن عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى أنه قال: إياكم والمثلة في العقوبة وجز الرأس واللحية وقال في الإنصاف يحرم التعزير بحلق لحيته، وقال في الإقناع وشرحه ويحرم التعزير بحلق لحيته لما فيه من المثلة.
وقال في المنتهى وشرحه ويحرم تعزير بحلق لحية وقطع طرف وجرح لأنه مثلة، وقال في الروض المربع ويحرم تعزير بحلق لحية انتهى.
وإذا كان التعزير بحلق اللحى حراماً فمن أسفه السفه وأقبح الجهل أن يعزر الإنسان نفسه بهذا التعزير القبيح الذي لا يعزر بمثله إلا الملوك الظلمة، ولقد أحسن الشاعر حيث يقول:
ما تبلغ الأعداء من جاهل … ما يبلغ الجاهل من نفسه
وأبلغ من هذا قول الله تعالى {وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [المائدة: 41].
فالممثلون باللحى لهم نصيب من هذه الآية الكريمة فلهم خزي في الدنيا بما صنعوه بأنفسهم من المثلة وتشويه الوجوه وهم في الآخرة تحت مشيئة الله تعالى إن شاء عذبهم على مخالفتهم لأمر الرسول صلى الله عليه وسلم والتزيي بزي أعدائه، وإن شاء عفا عنهم. ويستدل بإصرارهم على التمثيل باللحى على أن قلوبهم غير طاهرة من أدران الخبث والنفاق.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 53)
ولو طهرت قلوبهم من ذلك لتابوا وأنابوا إلى طاعة الله تعالى وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم ونزعوا عن المثلة القبيحة والتشبه بأعداء الله وتمسكوا بهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم.
(فصلٌ)
وقد ذكر الفقهاء رحمهم الله تعالى في باب الديات إن في كل واحد من الشعور الأربعة الدية وهي شعر الرأس واللحية والحاجبين وأهداب العينين.
وذكر ابن مفلح في الفروع والمرداوي في الإنصاف أن الإمام أحمد رحمه الله تعالى نص على ذلك، قال المرداوي وعليه الأصحاب انتهى.
وهذا قول أبي حنيفة والثوري وعلل الفقهاء ذلك بأن في إذهابها إذهاباً للجمال على الكمال، قالوا وإن بقي من لحيته أو غيرها ما لا جمال فيه فالدية وقيل بقسطه وقيل حكومة وعن الإمام أحمد رحمه الله تعالى رواية أخرى أن في إذهاب الشعر حكومة لأنه إتلاف جمال من غير منفعة وهذا مذهب مالك والشافعي رحمهما الله تعالى.
فقد اتفق الأئمة الأربعة على أن شعر اللحية من الجمال الظاهر واتفقوا على أنه يجب في إذهابه شيء من المال وإنما اختلفوا
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 54)
هل تجب فيه الدية كاملة أو أن فيه حكومة. وقد انعكس الأمر عند المتشبهين بالمجوس وطوائف الإفرنج وأشباههم من المشركين فصاروا يبذلون من أموالهم لمن يحلق لحاهم ويزيل عنهم الجمال الظاهر والبهاء الذي تشهد به العقول السليمة والفطر المستقيمة، ويجلب إليهم بدل ذلك قبحاً في الوجوه وتشويهاً لها فبئس للظالمين بدلا.
ولما كانت اللحية من جمال الوجه الذي هو أشرف شيء في ظاهر البدن كان العرب يعبرون عنها باسم الوجه فيقولون في الغلام إذا نبتت لحيته طلع وجهه.
وروي في حديث أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً مغطياً لحيته في الصلاة فقال اكشفها فإن اللحية من الوجه.
ذكره الموفق في المغني وصاحب الشرح الكبير وابن كثير في تفسيره.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 55)
(فصلٌ)
فإن قيل إن اللحية هي ما تحت الفم من العنفقة والذقن الذي هو مجتمع اللحيين وأما العارضان فليسا من اللحية، قيل هذا قول طائفة من الممثلين بالشعر وهم الذين يحلقون لحاهم ويتركون من أصول الشعر قليلاً في مجتمع اللحيين فيصيرون بذلك بين صفة الرجال وصفة النساء، وليس لهم على هذه المثلة القبيحة حجة لا من كتاب الله تعالى ولا من سنة رسوله صلى الله عليه وسلم ولا من لغة العرب.
وقد تقدم في صفة النبي صلى الله عليه وسلم إن لحيته كانت من هذه إلى هذه وقد ملأت نحره، وهذا كاف في إبطال قول من زعم أن اللحية مجمع اللحيين فقط.
وقال البخاري رحمه الله تعالى في صحيحه: باب رفع البصر إلى الإمام في الصلاة ثم ساق في الباب أحاديث منها حديث أبي معمر قال: قلنا لخباب أكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في الظهر والعصر قال: نعم! فقلنا بم كنتم تعرفون ذاك قال باضطراب لحيته، ورواه أبو داود والنسائي وابن ماجه في سننهم.
ويستفاد من هذا الحديث أن العارضين من اللحية لأن المأموم إذا رفع بصره إلى الإمام في الصلاة فإنما يرى منه عارضيه فقط وأما ما على الذقن فمستور عنه بالعنق.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 56)
وقد نص أهل اللغة على أن العارضين من اللحية قال ابن سيده اللحية اسم يجمع من الشعر ما نبت على الخدين والذقن نقله عنه ابن منظور في لسان العرب وأقره وكذا قال صاحب القاموس والحافظ بن حجر في فتح الباري أن اللحية اسم لما نبت على الخدين والذقن.
وتقدم قول الهروي والزمخشري وابن الأثير وابن منظور أن من التمثيل المذموم فاعله حلق الشعر من الخدود أو نتفه أو تغييره بالسواد.
وقال الجوهري وابن منظور اللحي منبت اللحية من الإنسان وهما لحيان وكذا قال صاحب القاموس اللحي منبتها وهما لحيان.
قلت وأعلى كل منهما ينتهي إلى العظم الناتئ سمت صماخ الأذن وما فوق ذلك فهو الصدغ وهو من الرأس قال ابن منظور في لسان العرب الصدغ ما انحدر من الرأس إلى مركب اللحيين انتهى. والشعر النابت على العظم الناتئ وما نزل عنه قليلاً يسمى العذار وهو من اللحية.
قال الشيخ أبو محمد المقدسي في المغني العذار هو الشعر الذي على العظم الناتئ الذي هو سمت صماخ الأذن وما انحط عنه إلى وتد الأذن. وقال ابن منظور في لسان العرب العذاران من الفرس كالعارضين من وجه الإنسان قال والعذاران جانبا اللحية لأن ذلك موضع العذار من الدابة. قال رؤبه.
حتى رأين الشيب ذا التلهوق … يغشى عذاري لحيتي ويرتقي
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 57)
وعذار الرجل شعره النابت في موضع العذار. والعذار استواء شعر الغلام يقال ما أحسن عذاره أي خط لحيته.
وقال صاحب القاموس العذاران جانبا اللحية. وقال الخرقي في مختصره في صفة الوضوء منه. وغسل الوجه وهو من منابت شعر الرأس إلى ما انحدر من اللحيين والذقن إلى أصول الأذنين ويتعاهد المفصل وهو ما بين اللحية والأذن.
وقال في الشرح الكبير ويستحب تعاهد المفصل بالغسل وهو ما بين اللحية والأذن نص عليه الإمام أحمد رحمه الله تعالى.
وذكر الشيخ أبو محمد المقدسي في المغني عن المروذي أنه قال أراني أبو عبد الله ما بين أذنه وصدغه وقال هذا موضع ينبغي أن يتعاهد قال الشيخ وهذا الموضع مفصل اللحي من الوجه فلذلك سماه الخرقي مفصلاً.
قال الشيخ وقال مالك ما بين اللحية والأذن ليس من الوجه ولا يجب غسله لأن الوجه ما تحصل به المواجهة وهذا لا يواجه به قال الشيخ ولنا على مالك أن هذا من الوجه في حق من لا لحية له فكان منه في حق من له لحية كسائر الوجه وقوله أن الوجه ما تحصل به المواجهة قلنا وهذا تحصل به المواجهة في الغلام انتهى.
وقد تحصل من كلام هؤلاء الأئمة مالك وأحمد والخرقي والموفق وابن أبي عمر أن أعلا اللحية يحاذي بعض الأذن وذلك هو العذار الذي صرح ابن منظور وصاحب القاموس أنه جانب
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 58)
اللحية أي طرفها. وصرح بذلك رؤبة بن العجاج في رجزه وهو من فصحاء العرب.
وقد صرح بذلك ابن عمر رضي الله عنهما فيما حكاه عنه الشيخ أبو محمد المقدسي في كتاب المغني وهو ظاهر ما حكاه أيضاً. عن عطاء. قال الشيخ أبو محمد رحمه الله تعالى في كتاب الحج منه. ويستحب إذا حلق أن يبلغ العظم الذي عند منقطع الصدغ من الوجه وكان ابن عمر رضي الله عنهما يقول للحالق أبلغ العظمين أفصل الرأس من اللحية.
وكان عطاء يقول من السنة إذا حلق رأسه أن يبلغ العظمين انتهى. وفي كلام ابن عمر رضي الله عنهما أوضح البيان في تحديد طرفي اللحية وأن العذارين منها فضلاً عن العارضين. وقد صرح أبو زيد الأنصاري وهو من أئمة أهل اللغة بنحو ما صرح به ابن عمر رضي الله عنهما قال ابن منظور في لسان العرب وقال أبو زيد الصدغان هما موصل ما بين اللحية والرأس انتهى والصدغ هو ما بين العين والأذن قاله الجوهري وغيره من أئمة اللغة. وأما العارض فهو ما تحت العذار من الشعر النابت على الخد واللحي.
قال الشيخ أبو محمد المقدسي رحمه الله تعالى في المغني العارض هو ما نزل عن حد العذار وهو الشعر الذي على اللحيين قال الأصمعي والمفضل بن سلمة ما جاوز وتد الأذن عارض.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 59)
وقال ابن الأثير العارض من اللحية ما ينبت على عرضي اللحية فوق الذقن وقيل عارضا الإنسان صفحتا خديه.
وقال ابن منظور العارض الحد يقال أخذ الشعر من عارضيه قال والعارضان شقا الفم وقيل جانبا اللحية انتهى. والذقن هو الشعر الذي على مجتمع اللحيين حكاه الشيخ أبو محمد المقدسي عن الأصمعي والمفضل بن سلمة وكذا قال الجوهري في الصحاح ذقن الإنسان مجتمع لحيته.
وقال ابن سيده وصاحب القاموس الذقن بالتحريك مجتمع اللحيين من أسفلهما. قلت فاللحية التامة تجمع ستة أشياء عذارين وعارضين وذقناً وعنفقة وهي ما تحت الشفة السفلى من الشعر وهذه الأشياء الستة يجب إعفاؤها لقول النبي صلى الله عليه وسلم اعفوا اللحى.
ولا يجوز التمثيل بها بحلق أو نتف أو قص لأن ذلك من فعل المشركين وقد نهينا عن التشبه بهم. ولحديث ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعاً. من مثل بالشعر فليس له عند الله خلاق. رواه الطبراني.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 60)