ومنها: الاستعارة التصريحية التبعية في قوله: {أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا} لأن مضى حقيقة في نفوذ الأمر، فاستعارهُ للسير والذهاب.
ومنها: الاستعارة التصريحية التبعية في قوله: {أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنا إِلَى الصَّخْرَةِ} لأن الرؤية هنا مستعارة للمعرفة التامة، والمشاهدة الكاملة، فهي استعارة تصريحية تبعية؛ لأنها أجريت في فعل، وقد حذف المشبه، وأقيم المشبه به مقامه، شبهت المعرفة التامة، بالرؤية، فاستعير اسم المشبه به الذي هو الرؤية للمشبه الذي هو المعرفة التامة، ثم اشتق من الرؤية بمعنى المعرفة {أَرَأَيْتَ} بمعنى أعرفت، وشاهدت على طريق الاستعارة، التصريحية التبعية.
ومنها: الاستعارة في قوله: {سَرَبًا} لأنه حقيقة في الحفيرة تحت الأرض، ثمّ استعير لمسلك الحوت في الماء، بجامع النفوذ في كل.
ومنها: الطباق بين {نَسِيتُ} {واذكر}.
ومنها: التنكير للتفخيم في قوله: {فَوَجَدا عَبْدًا}.
ومنها: الإضافة للتشريف في قوله: {مِنْ عِبادِنا}.
ومنها: الاستفهام الإنكاري في قوله: {أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً}، والتقريري في قوله: {أَلَمْ أَقُلْ}.
ومنها: الزيادة والحذف في عدة مواضع.
والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب. وإليه المرجع والمآب، وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا (1).--------------------------------------------
(1) وكان الفراغ من تسويد هذا المجلد السادس عشر - ولله الحمد - أوائل ليلة الخميس الليلة الخامسة من شهر صفر من شهور سنة اثنتي عشرة وأربع مئة وألف من سني الهجرة النبوية، على صاحبها أفضل الصلاة، وأزكى التحية، ويتلوه المجلد السابع عشر بحول الله تعالى وقوته، وتيسيره نسأل الله تعالى الإعانة لنا على التمام والإكمال، كما أعان على الابتداء والافتتاح، والحمد لله أولًا وآخرًا حمدًا يوافي نعمه ويكافىء مزيده، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد خاتم النبيين، وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.
قد تم تصحيحه بيد مؤلفه في تاريخ 13/ 5/ 1416 هـ.
(খণ্ড: 16) (পৃষ্ঠা: 459)
شعر
سُبْحَانَكَ لَا عِلْمِ لَنَا … إِلَّا مَا ألْهَمتَنَا إِلْهَامَا
وَإِنِّي إِذَا مَا خَتَمْتُ خَتْمًا … أَقُوْلُ اللَّهُمَّ يَا اللَّهُمَّا
لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا يُوَافِيْ … وَلَكَ الشُكْرُ شُكْرًا يُكَافِيْ
(খণ্ড: 16) (পৃষ্ঠা: 460)
تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن (محمد الأمين الهرري)القسم: التفسير
الكتاب: تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن
المؤلف: محمد الأمين بن عبد الله الأرمي العلوي الهرري الشافعي [ت 1441 هـ]
المدرس بدار الحديث الخيرية في مكة المكرمة
إشراف ومراجعة: الدكتور هاشم محمد علي بن حسين مهدي
خبير الدراسات برابطة العالم الإسلامي
الناشر: دار طوق النجاة، بيروت - لبنان
الطبعة: الأولى، 1421 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء: 33 (المقدمة و 32)
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
تاريخ النشر بالشاملة: 11 رمضان 1436
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 7323)
تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن
تأليف
الشيخ العلامة محمد الأمين بن عبد الله الأرمي العلوي الهرري الشافعي
المدرس بدار الحديث الخيرية في مكة المكرمة
إشراف ومراجعة
الدكتور هاشم محمد علي بن حسين مهدي
خبير الدراسات برابطة العالم الإسلامي - مكة المكرمة
«المجلد السابع عشر»
(খণ্ড: 17) (পৃষ্ঠা: 7324)
حقوق الطبع محفوظة للناشر
الطبعة الأولى
1421 هـ - 2001 م
دار طوق النجاة
بيروت - لبنان
(খণ্ড: 17) (পৃষ্ঠা: 2)
تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن
[17]
(খণ্ড: 17) (পৃষ্ঠা: 3)
بسم الله الرحمن الرحيم
(খণ্ড: 17) (পৃষ্ঠা: 4)
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الموفق سبيل الرشاد، من أرادَ به خيرًا من العباد، والصلاة والسلام على من جمع علوم الأولين والآخرين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فإني لما فرغت من تفسير الجزء الخامس عشر من القرآن بعون الله وتيسيره .. أردفته بتفسير الجزء السادس عشر منه، راجيًا منه سبحانه الإعانة والتوفيق، لما هو المعنى عنده، وأن يكون ذخيرة لي عنده، ليوم لا ينفع فيه مال ولا بنون، إلا من أتى الله بقلب سليم، وأقول وقولي هذا:
قال الله سبحانه جلَّ وعلا:
{قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (75) قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا (76) فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا (77) قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا (78) أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا (79) وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا (80) فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا (81) وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا (82)}
(খণ্ড: 17) (পৃষ্ঠা: 5)
المناسبة
قوله تعالى: {قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ …} الآيات، لا يزال الكلام متصلًا في قصص موسى والخضر عليهما السلام، ولكن لوحظ في تقسيم القرآن إلى أجزائه الثلاثين جانب اللفظ، لا جانب المعنى، ولذا تجد نهاية جزء، وبداية آخر، حيث لا يزال الكلام في معنى واحد لم يتم بعد كما هنا.
قوله تعالى: {أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ …} الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله سبحانه وتعالى، لما ذكر (1) الأمور التي رآها موسى عليه السلام، حين صاحب الخضر وذكر ما كان من اعتراض موسى عليه، مرة بعد أخرى، وقد كان أعلمه من قبل أنه لا يستطيع معه صبرًا، وكان من جراء ذلك أنه فارقه، ولم يستطع صحبته .. أردف ذلك بتفسير ما أشكل عليه أمره، مما ينكر ظاهره، وقد أظهر الله تعالى الخضر على حكمة باطنة، فإن الأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه، يحكمون بناء على الظواهر، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "نحن نحكم بالظواهر والله يتولى السرائر".
وأحكام هذا العالِم مبنية على الأسباب الحقيقية الواقعة في نفس الأمر، وهذه لا يُطلع الله عليها إلا بعض خواص عباده، ومن ثم اعترض موسى على ما رأى، ولم يعلم ما آتاه الله تعالى الخضر من قوة عقلية، قدر بها أن يشرف على بواطن الأمور، ويطّلع على حقائق الأشياء فكانت مرتبة موسى في معرفة الشرائع والأحكام بناءً على الظواهر ومرتبة هذا العالم الوقوف على بواطن الأمور وحقائق الأشياء والإطلاع على أسرارها الكامنة.
التفسير وأوجه القراءة
75 - {قَالَ} الخضر {أَلَمْ أَقُلْ لَكَ} يا موسى - والهمزة (2) فيه للاستفهام التقريري،--------------------------------------------
(1) المراغي.
(2) المراغي.
(খণ্ড: 17) (পৃষ্ঠা: 6)
المضمَّن للتوبيخ لموسى على ترك الوصية، زاد هنا كلمة (لك) على سابقه، لتشديد العتاب على رفض الوصية لأنه قد نقض العهد مرتين -: إنك لن تستطيع معي صبرًا، ووسمه بقلة الصبر والثبات حين تكرر منه الاشمئزاز والاستكبار، مع عدم الارعواء بالتذكير أول مرة، قال البغوي: روي أن يوشع كان يقول لموسى: اذكر العهد الذي أنت عليه، وفي البخاري قال: "يرحم الله موسى لوددنا أنه صبر حتى يقص علينا من أمرهما"
76 - {قَالَ} موسى للخضر {إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا} أي بعد (1) هذه المرة أو بعد هذه النفس المقتولة فلا تصاحبني ولا ترافقني أي لا تجعلني صاحبًا لك ولا تكن مرافقًا معي، بل أبعدني عنك وإن سألتُ صحبتك، نهاه عن مصاحبته مع حرصه على التعلم لظهور عذره، ولذا قال: {قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا}؛ أي: قد وجدت (2) عذرًا من قبلي حين خالفتك مرة بعد أخرى، أو (3) قد بلغت الغاية التي تُعذر بسببها في فراقي، إذ خالفتك مرة بعد أخرى، وهذا كلام نادم أشد الندم، قد اضطره الحال إلى الاعتراف، وسلوك سبيل الإنصاف، وفي "البحر" ومعنى: {قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا}؛ أي: قد اعتذرت إليَّ وبلغت إليَّ العذر. انتهى.
والعذر (4): بضمتين وبسكون الذال في الأصل تحري الإنسان ما يمحو به ذنوبه، بأن يقول: لم أفعل أو فعلت لأجل كذا، أو فعلت فلا أعود، وهذا الثالث التوبة، فكل توبة عذر بلا عكس، والاعتذار عبارة عن هو أثر الذنب، وأصله القطع، يقال: اعتذرت إليه؛ أي: قطعت ما في قلبه من الموجدة.
وقرأ الجمهور (5): {فَلَا تُصَاحِبْنِي} من باب المفاعلة، وقرأ عيسى ويعقوب: {فلا تصحبني} مضارع صحب، وقرأ عيسي أيضًا: {فلا تصحبني} بضم التاء وكسر الحاء مضارع أصحب.
ورواها سهل عن أبي عمرو؛ أي: فلا تصحبني علمك، وقدره بعضهم:--------------------------------------------
(1) الشوكاني.
(2) روح البيان.
(3) المراغي.
(4) روح البيان.
(5) البحر المحيط.
(খণ্ড: 17) (পৃষ্ঠা: 7)
فلا تصحبني إياك، وبعضم نفسك، وقرأ الأعرج بفتح التاء والباء وتشديد النون، وقرأ الجمور: {مِنْ لَدُنِّي} بإدغام نون لدن في نون الوقاية، التي اتصلت بياء المتكلم، وقرأ نافع وعاصم بتخفيف النون، وهي نون لدن، اتصلت بياء المتكلم، وهو القياس؛ لأن أصل الأسماء إذا أضيفت إلى ياء التكلم .. لم تلحق بها نون الوقاية، نحو: كلامي وفرسي، وأشمَّ شعبة الضم في الدال.
ورُوي عن عاصم سكون الدال، قال ابن مجاهد: وهو غلط، وكأنه يعني من جهة الرواية.
وأما من جهة اللغة: فليست بغلط؛ لأن من لغاتها (لَدْ) بفتح اللام وسكون الدال.
وقرأ عيسى: {عذرًا} بضم الذال، ورويت عن أبي عمرو وعن أبيّ {عذري} بكسر الراء مضافًا إلى ياء المتكلم.
77 - {فَانْطَلَقَا}؛ أي: انطلق الخضر وموسى عليهما السلام، بعد المرتين الأوليين، بعدما شرطا ذلك {حَتَّى إِذَا أَتَيَا} ووصلا {أَهْلَ قَرْيَةٍ} بعد (1) الغروب في ليلة باردة، وهي أنطاكية، بفتح الهمزة وكسرها وسكون النون وكسر الكاف وفتح الياء المخففة، قاعدة العواصم، وهي ذات أعين وسور عظيم من صخر داخله خمسة أجبل، دورها إثنا عشر ميلاً، كما في "القاموس" وقيل: برقة، وقيل: قرية من قر أذربيجان، وقيل: قرية من قرى الروم {اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا}؛ أي: طلبا من أهلها أن يطعموهما ضيافة، قيل: لم يسألاهم، ولكن نزولهما عندهم كالسؤال منهم، ووضع (2) الظاهر موضع المضمر، لزيادة التأكيد، أو لكراهة اجتماع الضميرين في هذه الكلمة، لما فيه من الكلفة، أو لزيادة التشنيع على أهل القرية، بإظهارهم، فقوله: {اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا} جواب إذا، أو صفة لقرية كما سيأتي، وفي الأسئلة المقحمة (3) استطعم موسى هاهنا فلم يطعم، وحين سقى--------------------------------------------
(1) المراح.
(2) الشوكاني.
(3) روح البيان.
(খণ্ড: 17) (পৃষ্ঠা: 8)
لبنات شعيب ما استطعم وقد أُطعم، حيث قال: {إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا} والجواب هاهنا: إن الحرمان كان بسبب المعارضة، بحيث لم يكشف بعلم الله بحاله، بل جنح إلى الاعتماد على مخلوق، فأراد السكوت بحادث مسبوق، وهناك جرى على توكله ولم يُدخل وساطة عن المخلوقين بينه وبين ربه، بل حط الرحل ببابه {فَأَبَوْا}؛ أي: فامتنعوا؛ أي: أبى أهل القرية {أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا}؛ أي: أبوا من تضييفهما وتطعيمهما، وفي قوله: {فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا} دون أن يقول: فأبوا أن يطعموهما، زيادة تشنيع عليهم، ووصفهم بالدناءة والشح، فإن الكريم قد يردّ السائل المستطعم ولا يعاب، ولكن لا يرد الغريب المستضيف إلا لئيم، ألا تراهم يقولون في أهاجييهم: فلان يطرد الضيف؟ وعن قتادة: شر القرى التي لا يضاف فيها، ولا يُعرف لابن السبيل حقه.
وقرأ ابن الزبير والحسن وأبو رجاء وأبو رزين وابن محيصن وعاصم في رواية المفضل وأبان: بكسر الهضاد وإسكان الياء من أضاف، كما تقول: ميَّل وأمال، ذكره في "البحر".
{فَوَجَدَا}؛ أي: فوجد الخضر وموسى عليهما السلام {فِيهَا}؛ أي: في تلك القرية {جِدَارًا}؛ أي: حائطاً مائلاً {يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ}؛ أي: يقرب أن يسقط فمسحه بيده {فَأَقَامَهُ}؛ أي: أقام الخضر الجدار بالإشارة بيده فاستقام، أو هدمه ثم بناه، وعن ابن عباس: دفعه بيده فاستقام، وهذا أليق بحال الأنبياء، وكان ارتفاع الجدار مئة ذراع، وعرضه خمسون ذراعًا، وامتداده على وجه الأرض خمس مئة ذراع، والمعنى: فوجدا في القرية حائطاً مائلاً، مشرفاً على السقوط، فمسحه بيده، فقام واستوى وكان ذلك من معجزاته {قَالَ} له موسى لضرورة الحاجة إلى الطعام {لَوْ شِئْتَ} يا خضر أخذ الأجرة {لَاتَّخَذْتَ}؛ أي: لأخذت {عَلَيْهِ}؛ أي: على عملك هذا {أَجْرًا}؛ أي: أجرة حتى تشتري بها طعامًا؛ أي: كان (1) ينبغي لك أن تأخذ منهم جعلًا على عملك، لتقصيرهم فينا--------------------------------------------
(1) المراح.
(খণ্ড: 17) (পৃষ্ঠা: 9)
مع حاجتنا، وليس لنا في إصلاح الجدار فائدة، فهو من فضول العمل.
قال بعضهم (1): لما قال له: {لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا} .. قال الخضر: أليس كنت في البحر ولم تغرق بغير سفينة، ولما قال: {أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ} .. قال أليس قتلت القبطي بغير ذنب، ولما قال: {لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا} قال: أنسيت سقياك لبنات شعيب من غير أجرة، وهذا من باب لطائف المحاورات.
قال بعضهم (2): إن قلت: كيف جوز موسى طلب الأجر بمقابلة العمل الذي حصل بمجرد الإشارة، وهو من طريق خرق العادة الذي لا مؤنة فيه؟
قلت: لم ينظر إلى جانب الأسباب، وإنما نظر إلى النفع العائد إلى جانب أصحاب الجدار، ألا ترى أنه جوز أخذ الأجرة بمقابلة الرقية بسورة الفاتحة ونحوها، وهو ليس من قبيل طلب الأجر على الدعوة، فإنه لا يجوز للنبي أن يطلب أجرًا من قومه على دعوته وإرشاده، كما أشير إليه في مواضع كثيرة من القرآن.
والمعنى (3): أي قال موسى ذلك تحريضًا للخضر، وحثًا له على أخذ الجعل - الأجر - على فعله، لإنفاقه في ثمن الطعام والشراب وسائر مهام المعيشة.
وقرأ الجمهور (4): {يَنْقَضَّ}، أي: يسقط، من انقضاض الطائر، ووزنه انفعل، نحو انجر، قال صاحب "اللوامح": من الفضة وهي الحصى الصغار، ومنه طعام قضض، إذا كان فيه حصى، فعلى هذا يريد أن ينقض؛ أي: يتفتت فيصير حصاة. انتهى. وقيل: وزنه افعل كاحمر، وقرأ أبي {أَنْ يَنْقَضَّ} بضم الياء وفتح القاف والضاد، مبنيًا للمفعول من نقضته، وهي مروية عن النبي صلى الله عليه وسلم.
وفي حرف عبد الله وقراءة الأعمش {يُرِيدُ لِيَنْقَضَّ} كذلك، إلا أنه منصوب--------------------------------------------
(1) روح البيان.
(2) روح البيان.
(3) المراغي.
(4) البحر المحيط.
(খণ্ড: 17) (পৃষ্ঠা: 10)
بأن المقدرة بعد اللام، وقرأ علي، وعكرمة، وأبو شيخ خيوان بن خالد الهنائي، وخليد بن سعد، ويحيى بن يعمر: {ينقاص} بالصاد غير معجمة مع الألف، ووزنه ينفعل اللازم، من قاص يقيص، إذا كسرته .. تقول: قصصته فانقاص، وقرأ الزهري {ينقاض} بألف وضاد معجمة، وهو من قولهم: قضته - بضاد معجمة - فانقاض؛ أي: هدمته فانهدم، قال أبو علي: والمشهور عن الزهري بصاد غير معجمة. انتهى.
وعبارة ابن الجوزي هنا: وقرأ أبيُّ بن كعب وأبو رجاء: {ينقاض} بألف وضاد معجمة، وقرأ ابن مسعود، وأبو العالية، وأبو عثمان النهدي {ينقآص} بألف ومدة وصاد غير معجمة، وكله بلا تشديد، قال الزجاج: فمعنى ينقض يسقط بسرعة، وينقاص غير معجمة ينشق طولًا، يقال: انقاصت سنه، إذا انشقت قال ابن مقسم: انقاصت سنه وانقاضت بالصاد والضاد على معنى واحد. انتهى.
وقوله: {لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا} قرأ (1) ابن كثير وأبو عمرو {لتخذت} بكسر الخاء، غير أن أبا عمرو كان يدغم الذال، وابن كثير يظهرها.
وقرأ نافع، وعاصم، وابن عامر، وحمزة، والكسائي: {لاتخذت} وكلهم أدغموا إلا حفصاً عن عاصم فإنه لم يدغم مثل ابن كثير.
قال الزجاج: يقال: تخذ يتخذ، في معنى اتخذ يتخد، نحو تبع واتبع، افتعل من تخذ، وأدغم التاء في التاء.
78 - {قَالَ} الخضر لموسى: {هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ}؛ أي: هذا الوقت وقت الفراق بيننا، أو هذا الاعتراض الثالث منك سبب الفراق الموعود بقوله {فَلَا تُصَاحِبْنِي}، أو هذا (2) الاعتراض المتوالي منك، هو سبب الفراق بيني وبينك، بحسب ما شرطت على نفسك، وإنما كان هذا الأخير سبب الفراق دون الأولين لأن ظاهرهما منكر، فكان موسى فيهما معذورًا دون هذا، إذ لا ينكر الإحسان إلى المسيء بل يحمد، وإضافة الفراق إلى البين من إضافة المصدر إلى الظرف--------------------------------------------
(1) زاد المسير.
(2) المراغي.
(খণ্ড: 17) (পৃষ্ঠা: 11)
اتساعًا؛ أي: هذا الكلام والإنكار منك على ترك الأجر، هو المفرق بيننا، وتكريره (1) بيني وبينك وعدوله عن بيننا، لمعنى التأكيد، وقرأ ابن أبي عبلة {فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ} بالتنوين والجمهور على الإضافة.
{سَأُنَبِّئُكَ}؛ أي: سأخبرك، السين للتأكيد لعدم تراخي التنبئة، وقرأ ابن وثاب: {سأنبيك} بإخلاص الياء من غير همز {بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا}؛ أي: بعاقبة ومآل ما لم تقدر يا موسى صبرًا عليه من الأفعال الثلاثة التي صدرت مني وهي خرق السفينة، وقتل الغلام، وإقامة الجدار، ومألها خلاص السفينة من اليد الغاصبة، وخلاص أبوي الغلام من شره، مع الفوز ببدل حسن، واستخراج اليتيمين للكنز.
وفي قوله (2): {بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا} دون أن يقول بتأويل ما فعلت، أو بتأويل ما رأيت ونحوهما، تعريض به عليه السلام وعتاب له.
قال بعضهم (3): ومن هذا أخذ قول بعض الكبار: من قال لأستاذه: لِمَ .. لم يفلح، والتأويل رجع الشيء إلى مآله، والمراد به هاهنا المال والعاقبة، إذ هو المنبأ به دون التأويل ثم شرع في البيان له.
79 - فقال: {أَمَّا السَّفِينَةُ} التي خرقتها {فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ} أعني لضعفاء لا يقدرون على مدافعة الظلمة، وكانوا عشرة إخوة، خمسة منهم زمنى {يَعْمَلُونَ} بها أي يكتسبون بها {فِي الْبَحْرِ} مؤاجرة، فإسناد العمل إلى الكل بطريق التغليب أو لأن عمل الوكلاء بمنزلة عمل الموكلين.
{فَأَرَدْتُ} بحكم الله وإرادته {أَنْ أَعِيبَهَا}؛ أي: أن أجعلها ذات عيب بالخرق {و} الحال أنه كان ورائهم؛ أي: أمامهم كقوله: {وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ} فوراء من الأضداد {مَلِكٌ} كافر اسمه جلندي بن كرر، ملك غسان وقيل: اسمه هدد بن بدد، كان بجزيرة الأندلس ببلدة قرطبة، وأول فساد ظهر في البحر كان--------------------------------------------
(1) البحر المحيط.
(2) المراغي.
(3) روح البيان.
(খণ্ড: 17) (পৃষ্ঠা: 12)
ظلمه على ما ذكره أبو الليث، وأول فساد ظاهر في البر قتل قابيل هابيل على ما ذكره أيضًا عند تصير قوله تعالى: {ظَهَرَ الْفَسَادُ} الآية، {يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ} صحيحة جيدة، وهو من قبيل إيجاز الحذف {غَصْبًا} من أصحابها وانتصابه على أنه مصدر مبين لنوع الأخذ، أو على الحالية، بمعنى غاصبًا، والغصب أخذ الشيء ظلمًا وقهرًا، ويسمى المغصوب غصبًا، والمعنى؛ أي (1): أما فعلي ما فعلت بالسفينة، فلأنها كانت لقوم ضعفاء، لا يقدرون على دفع الظلمة، وكانوا يؤاجرونها ويكتسبون قوتهم منها، فأردت أن أعيبها بالخرق الذي خرقته، وكان قدامهم ملك يأخذ كل سفينة صالحة للاستعمال غصبًا، ويدع كل معيبة، فعبتها لأرده عنها، وخلاصة ذلك: أن السفينة كانت لقوم مساكين عجزة، يكتسبون بها، فأردت بما فعلت إعانتهم على ما يخافون ويعجزون عن دفعه، من غصب ملك قدامهم، من عادته غصسب السفن الصالحة؛ أي: إنما خرقتها لأن الملك إذا راها منخرقة .. تركها ورقعها أهلها فانتفعوا بها.
وقرأ الجمهور (2): {مَسَاكِينَ} بتخفيف السين جمع مسكين، وقرأ علي - كرم الله وجهه - بتشديد السين، جمع مسَّاك جمع تصحيح، فقيل: المعنى ملاحين، والمساك الذي يمسك رجل السفينة، وكل منهم يصلح لذلك، وقرأ الجمهور: {وَرَاءَهُمْ} وهو لفظ يطلق على الخلف وعلى الأمام، ومعناه أمامهم في المكان، لأنهم كانوا يسيرون إلى بلده، وقرأ (3) أبي بن كعب وابن مسعود {وكان أمامهم ملك}.
قال الزمخشري: فإن قلت قوله: {فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا} مسبب عن خوف الغصب عليها، فكان حقه أن يتأخر عن السبب، فلِمَ قدَّم عليه؟.
قلتُ: النية به التأخير وإنما قدم للعناية، ولأن خوف الغصب ليس هو السبب وحده، ولكن مع كونها لمساكين، فكان بمنزلة قولك: زيد ظني مقيم.--------------------------------------------
(1) المراغي.
(2) البحر المحيط.
(3) زاد المسير.
(খণ্ড: 17) (পৃষ্ঠা: 13)
80 - {وَأَمَّا الْغُلَامُ} الذي قتلته، وهر جيسور، وكان كافرًا .. {فَكَانَ أَبَوَاهُ} من عظماء تلك القرية، اسم أبيه كازبرا، واسم أمه سهوى، كما في "التعريف" {مُؤْمِنَيْنِ}؛ أي: مقرين بتوحيد الله تعالى {فَخَشِينَا}؛ أي: خفنا من {أَنْ يُرْهِقَهُمَا}؛ أي: يكلفهما {طُغْيَانًا}؛ أي: ضلالةً {وَكُفْرًا}؛ أي: إشراكًا بالله ويتبعان له لمحبتهما إياه، فيكفران بعد الإيمان، ويضلان بعد الهداية، وإنما خشي الخضر من ذلك لأن الله تعالى أعلمه بحال الولد، أنه طُبع؛ أي: خلق كافرًا
81 - {فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا}؛ أي: أن يبدل الأبوين، ويعوضهما ويرزقهما ولدًا {خَيْرًا مِنْهُ}؛ أي: من المقتول {زَكَاةً}؛ أي: دينًا وصلاحًا وطهارةً من الذنوب والأخلاق الرديئة {وَأَقْرَبَ} منه {رُحْمًا}؛ أي: رحمةً وبرًا بوالديه.
قال ابن عباس رضي الله عنهما: أبدلهما الله تعالى جارية، تزوجها نبي من الأنبياء فولدت سبعين نبيًا.
قال مطرف: فرح به أبواه حين ولد، وحزنا عليه حين قتل، ولو بقي .. لكان فيه هلاكهما، فليرض المرء بقضاء الله، فإن قضاء الله للمؤمن خير له من قضائه فيما يحب.
وفي الحديث "لا يقضي الله لمؤمن قضاء إلا كان خيرًا له" وقال تعالى: {وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ}.
وخلاصة ذلك: أنا قد علمنا أنه لو أدرك وبلغ .. لدعا أبويه إلى الكفر فأجاباه ودخلا معه في دينه لفرط حبهما له، وإنما قال أولًا فأردت، وثانيًا فأردنا، وثالثًا فأراد ربك؛ لأن العرب تؤثر اختلاف الكلام على اتفاقه، مع تساوي المعاني؛ لأنه أعذب على الألسن، وأحسن موقعاً في الأسماع، ذكره في "زاد المسير" وقرأ ابن عباس (1): {وأما الغلام فكان كافرًا وكان أبواه مؤمنين} وقرأ أبو سعيد الخدري والجحدري {فكان أبواه مؤمنان} فخرجه الزمخشري، وابن عطية، وأبو الفضلى الرازي، على أن في {كان} ضمير الشأن والجملة في--------------------------------------------
(1) البحر المحيط.
(খণ্ড: 17) (পৃষ্ঠা: 14)
موضع نصب خبر لكان، وأجاز أبو الفضل أن يكون مؤمنًا خبرًا لكان، على لغة بني الحرث بن كعب، فيكون منصوبًا. وفي قراءة أُبيَّ {فخاف ربك أن يرهقهما} والمعنى: فكره ربك كراهة من خاف سوء عاقبة الأمر فغيَّره، والظاهر إسناد فعل الخشية في خشينا إلى ضمير الخضر وأصحابه الصالحين، الذين أهمهم الأمر وتكلموا، وقرأ (1) نافع، وأبو عمرو، وأبو جعفر، وشيبة، وحميد، والأعمش، وابن جرير {أن يبدلهما} بالتشديد هنا، وبالتحريم والقلم، وقرأ باقي السبعة والحسن وابن محيصن {أَنْ يُبْدِلَهُمَا} بالتخفيف.
{وَأَقْرَبَ رُحْمًا}؛ أي: أوصل للرحم، وأبر للوالدين، والرحم والرحمة: العطف، مصدران كالكثر والكثرة، وقال رؤبة بن الحجاج:
يَا مُنْزِلَ الرَّحْمِ عَلَى إِدْريْسَا … وَمُنْزِلَ اللَّعْنِ عَلَى إِبْلِيْسَا
وأفعل التفضيل هنا ليس على بابه؛ لأن ذلك الغلام لا زكاة فيه ولا رحمة، وقرأ ابن عامر، وأبو جعفر في رواية، ويعقوب، وأبو حاتم {رُحُمًا} بضم الحاء، وقرأ ابن عباس {رحمًا} بفتح الراء وكسر الحاء،
82 - {وَأَمَّا الْجِدَارُ} الذي سويته وأصلحته {فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ} اسمهما (2) أصرم وصريم ابنا كاشح، وكان سياحًا تقيًا، واسم أمهما دنيا، فيما ذكره النقاش كائنين {فِي الْمَدِينَةِ} وهي القرية المذكورة سابقًا، وهي أنطاكية، وفيه (3) جواز إطلاق اسم المدينة على القرية لغة وعبر عنها بالقرية فيما تقدم تحقيراً لها، لخسة أهلها، وعبر عنها هنا بالمدينة تعظيمًا لها، من حيث اشتمالها على هذين الغلامين وعلى أبيهما اهـ شيخنا {وَكَانَ تَحْتَهُ}؛ أي: تحت ذلك الجدار {كَنْزٌ لَهُمَا}؛ أي: مال مدفون لهما، من ذهب وفضة {وَكَانَ أَبُوهُمَا} أي: أبو الغلامين {صَالِحًا} كان الناس يضعون الودائع عند ذلك الصالح، فيردها إليهم سالمة، فحفظا بصلاح أبيهما في مالهما وأنفسهما، قال جعفر بن محمد: كان بينهما وبين الأب الصالح سبعة آباء، فيكون الذي دفن ذلك الكنز جدهما السابع {فَأَرَادَ رَبُّكَ} يا موسى بالأمر بتسوية--------------------------------------------
(1) البحر المحيط.
(2) روح البيان.
(3) الشوكاني.
(খণ্ড: 17) (পৃষ্ঠা: 15)
الجدار؛ أي: مالكك ومدبر أمرك، وأضاف الرب إلى ضمير موسى تشريفًا له.
{أَنْ يَبْلُغَا}؛ أي: أن يبلغ الغلامان {أَشُدَّهُمَا}؛ أي: حلمهما وكمال رأيهما، وتمام نموهما {وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا} من ذلك الموضع الذي عليه الجدار، ولولا أني أقمته لانقضّ وخرج الكنز من تحته، قبل اقتدارهما على حفظ المال، وتنميته وضاع بالكلية {رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ} لهما مصدر في موقع الحال؛ أي: مرحومين من قبله تعالى، أو علة لإرادة، فإن إرادة الخير رحمة، أو مصدر لمحذوف؛ أي: رحمهما الله سبحانه بذلك رحمة {وَمَا فَعَلْتُهُ}؛ أي: وما فعلت ما رأيته يا موسى من خرق السفينة، وقتل الغلام، وإقامة الجدار {عَنْ أَمْرِي}؛ أي: عن رأيي واجتهادي، وإنما فعلته بأمر الله، ووحيه، وهذا إيضاح لما أشكل على موسى، وتمهيد للعذر في فعله المنكر ظاهرًا، والمعنى؛ أي: وما فعلت الذي رأيتني أفعله، عن رأيي ومن تلقاء نفسي، بل فعلته عن أمر الله إياي به، لأن الإقدام على تنقيص أموال الناس، وإراقة دمائهم، لا يجوز إلا بالوحي والنص القاطع.
{ذَلِكَ} المذكور من تلك البيانات التي بينتها لك، وأوضحت وجوهها لك، {تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا}؛ أي: مآل وعاقبة الأمر الذي لم تطق ولم تقدر الصبر والسكوت عليه، لكون ظاهره من المنكر؛ أي: لم تستطع الصبر عليه، فحذف (1) التاء للتخفيف، فإن استطاع واسطاع بمعنى واحد، وهو إنجاز للتنبئة الموعودة.
وخلاصة المسائل الثلاثة (2): أنه حين يتعارض ضرران، يجب تحمل الأدنى لدفع الأعلى، فلو لم يعب تلك السفينة بالتخريق لغصبها الملك، وفاتت منافعها بتاتًا، ولو لم يقتل ذلك الغلام لكان بقاؤه مفسدة لوالديه في دينهم ودنياهم، ولأن المشقة الحاصلة بإقامة الجدار أقل ضررًا من سقوطه، إذ بالسقوط كان يضيع مال أولئك الأيتام.--------------------------------------------
(1) روح البيان.
(2) المراغي.
(খণ্ড: 17) (পৃষ্ঠা: 16)
ومجمل الأمر في ذلك: أن الله أطلع الخضر على بواطن الأشياء وحقائقها في أنفسها، وهذا لا يمكن تعلمه إلا بتصفية الباطن، وتجريد النفس، وتطهير القلب عن العلائق الجسمية، ومن ثم قال في صفة علمه {وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا} وموسى عليه السلام لما كملت مرتبته في علم الشريعة، بعثه الله إلى هذا العالِم ليعلمه أن كمال المعرفة في أن ينتقل الإنسان من علوم الشريعة المبنية على الظواهر، إلى علوم الباطن المبنية على الإشراف على معرفة حقائق الأشياء على ما هي عليها في الواقع.
روي (1): أن موسى لما أراد أن يفارقه .. قال له الخضر: لو صبرت .. لأتيت على ألف عجيب، كل عجيب أعجب مما رأيت، فبكى موسى على فراقه وقال له: أوصني يا نبي الله، قال لا تطلب العلم لتحدث به الناس، واطلبه لتعمل به، وذلك لأن من لم يعمل بعلمه، فلا فائدة في تحديثه، بل نفعه يعود إلى غيره.
ومن وصايا الخضر: كن نفاعًا، ولا تكن ضرارًا، وكن بشاشًا، ولا تكن عبوسًا غضابًا، وإياك واللجاجة، ولا تمشِ في غير حاجة، ولا تضحك من غير عجيب، ولا تعير المذنبين خطاياهم بعد الندم، وابك على خطيئتك ما دمت حيًا، ولا تؤخر عمل اليوم إلى الغد، واجعل همك في معادك، ولا تخض فيما لا يعنيك، ولا تأمن لخوف من أمَّنك، ولا تيأس من الأمن من خوفك، وتدبر الأمور في علانيتك، ولا تذر الإحسان في قدرتك، فقال له موسى: قد أبلغت في الوصية، فأتم الله عليك نعمته، وغمرك في رحمته، وكلأك من عدوه، فقال له الخضر: أوصني أنت يا موسى، فقال له موسى: إياك والغضب إلا في الله، ولا تحب الدنيا، فإنها تخرجك من الإيمان وتدخلك في الكفر.
فقال له الخضر: قد أبلغت في الوصية فأعانك الله على طاعته، وأراك السرور في أمرك، وحببك إلى خلقه، وأوسع عليك من فضله، قال له: آمين،--------------------------------------------
(1) روح البيان.
(খণ্ড: 17) (পৃষ্ঠা: 17)