Arabic source text

📘 তাফসীরু হাদায়িকির রূহি ওয়ার-রাইহান ফী রাওয়াবী উলূমিল কুরআন (মুহাম্মদ আল-আমিন আল-হারারি - মৃত্যু 1441 হিজরী)

📘 تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن (محمد الأمين الهرري - ت 1441 هـ)

📘 তাফসীরু হাদায়িকির রূহি ওয়ার-রাইহান ফী রাওয়াবী উলূমিল কুরআন (মুহাম্মদ আল-আমিন আল-হারারি - মৃত্যু 1441 হিজরী)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
وبالجملة فهو مع عدمها سنة من السنن المؤكدة؛ لقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح - بعد ترغيبه في النكاح -: "ومن رغب عن سنتي فليس مني"، ولكن مع القدرة عليه وعلى مؤنه.
والمراد بالأيامى هنا الأحرار والحرائر. وأما المماليك فقد بين ذلك بقوله تعالى: {وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ}؛ أي: وزوجوا أيها السادات الصالحين؛ أي: المؤمنين من عبادكم وإمائكم لحصن دينهم. وهم الذين تنزلونهم منزلة الأولاد في المودة، في بذل المال والمنافع. وقال في "الوسيط": معنى الصلاح هاهنا: الإيمان. وتقييد (1) الأرقاء بالصالحين دون الأحرار فلأن من لا صلاح له من الأرقاء بمعزل من أن يكون خليقًا بأن يعتني مولاه بشأنه ويشفق عليه ويتكلف في نظم مصالحه بما لا بدّ منه شرعًا وعادةَ من بذل المال والمنافع، بل حقه أن لا يستبقيه عنده. وأما عدم اعتبار الصلاح في الأحرار والحرائر، فإن الغالب فيهم الصلاح، بخلاف المماليك؛ ولأنهم مستقلون في التصرفات المتعلقة بأنفسهم وأموالهم.
وقيل المعنى: وزوجوا أيها السادات الصالحين والصالحات من عبادكم وإمائكم؛ أي (2): القادرين والقادرات على النكاح، والقيام بحقوق الزوجية، بأن يقوم العبد بما يلزم لها، وتقوم الأمة بما يلزم للزوج. أو المراد بالصلاح أن لا تكون صغيرة لا تحتاج إلى النكاح.
والخلاصة: أن في الآية أمرًا للأولياء بتزويج من لهم عليهم حق الولاية، وللسادة بتزويج العبيد والإماء. والجمهور قد حملوا الأمر على الاستحسان، لا على الوجوب؛ لأنه قد كان في عصر النبي صلى الله عليه وسلم، وفي سائر العصور بعده أيامى من الرجال والنساء، ولم ينكر ذلك أحد عليهم. والظاهر أن الأمر يكون للوجوب إذا خيفت الفتنة، وغلب على الظن حصول السفاح من الرجل أو المرأة.--------------------------------------------
(1) روح البيان.
(2) المراغي.

(খণ্ড: 19) (পৃষ্ঠা: 316)

وفي الآية دليل على أن المملوك لا يزج نفسه، إنما يزوجه مالكه. وقد ذهب الجمهور إلى أنه يجوز للسيد أن لكره عبده وأمته على النكاح. وقال مالك: لا يجوز. وقرأ مجاهد والحسن: {من عبيد}، بالياء مكان الألف وفتح العين. ذكره في "البحر".
فإن قلت (1): قد أطلق سبحانه في هذه الآية الكريمة العبد والأمة على الغلام والجارية. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح كما رواه مسلم: "لا يقولن أحدكم عبدي وأمتي، كلكم عبيد الله، كلُّ النساء إماء الله، ولكن ليقل غلامي وجاريتي، وفتاي وفتاتي".
قلت: إن ذلك إنما يكره إذا قاله على طريق التطاول على الرقيق، والتحقير لشأنه، والتعظيم لنفسه. فسقط التعارض. والحمد لله تعالى.
ثم رجع سبحانه إلى الكلام في الأحرار، فقال: {إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ}؛ أي: لا تمتنعوا أيها الأولياء من تزويج الأحرار والحرائر بسبب فقرهم؛ لأنهم إن يكونوا فقراء عادمي المال {يُغْنِهِمُ اللَّهُ} سبحانه وتعالى {مِنْ فَضْلِهِ} ورزقه؛ أي (2): لا تنظروا إلى فقر من يخطب إليكم، أو فقر من تريدون زواجها. ففي فضل الله سبحانه ما يغنيهم، والمال غاد ورائح. والله سبحانه يرزق من يشاء من حيث لا يحتسب. قال بعضهم: من صح افتقاره إلى الله .. صح استغناؤه بالله.
قال الزجاج (3): حث الله سبحانه على النكاح، وأعلم أنه سبب لنفي الفقر، ولا يلزم أن يكون هذا حاصلًا لكل فقير إذا تزوج، فإن ذلك مقيد بالمشيئة، وقد يوجد في الخارج كثير من الفقراء لا يحصل لهم الغنى إذا تزوجوا. وإنما كان النكاح يسبب الغنى؛ لأن العقد الديني يجلب العقد الدنيوي، إما من حيث لا يحتسبه الفقير، أو من حيث أن النكاح سبب للجد في الكسب، والكسب ينفي الفقر. وقيل المعنى: إنه يغنيه بغنى النفس. وقيل المعنى: إن يكونوا فقراء إلى--------------------------------------------
(1) روح البيان.
(2) روح البيان.
(3) الشوكاني.

(খণ্ড: 19) (পৃষ্ঠা: 317)

النكاح .. يغنيهم الله من فضله بالحلال ليتعففوا عن الزنا. والوجه الأول أولى. ويدل عليه قوله تعالى: {وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ} فيحمل المطلق هنا على المقيد هناك.
وجملة قوله: {وَاللَّهُ} سبحانه {وَاسِعٌ}؛ أي: ذو سعة وغنى. فلا انتهاء لفضله، ولا حد لقدرته، فهو يسع هذين الزوجين وغيرهما. {عَلِيمٌ} بأحوال خلقه، يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر، بحسب ما تقتضيه الحكمة والمصلحة. مؤكدة لما قبلها، ومقررة لها.
والمعنى: أنه سبحانه ذو سعة، ولا ينقص من سعة ملكه غنى من يغنيه من عباده، عليم بمصالح خلقه، يغني من يشاء، ويفقر من يشاء. وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ثلاثة حق على الله عونهم: الناكح يريد العفاف، والمكاتب يريد الأداء، والغازي في سبيل الله". أخرجه ابن ماجه في سننه، والترمذي والنسائي أيضًا.

‌‌33 - وبعد أن بيَّن سبحانه حال القادرين على النكاح ووسائله .. بين حال العاجزين عن تلك الوسائل، فقال: {وَلْيَسْتَعْفِفِ}؛ أي: وليطلب العفة عن الزنا، والحرام والاجتناب عنه. {الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ} ولا يقدرون {نِكَاحًا}؛ أي: سبب نكاح ووسيلته وهو المال. وقيل: النكاح هنا ما تنكح به المرأة من المهر والنفقة، كاللحاف اسم لما يلتحف به، واللباس اسم لما يلبس؛ أي: وليجتهد (1) في العفة وقمع الشهوة من لا يجد أسباب نكاح من مهر ونفقة - فإنه لا معنى لوجدان نفس العقد والتزوج - وذلك بالصوم. كما قال عليه السلام: "ومن لم يستطع فعليه بالصوم، فإنه له وجاء" معناه: إن الصوم يضعف شهوته، ويقهرها على طلب الجماع، فيحصل بذلك صيانة الفرج وعفته. والأمر في {ليستعفف} محمول على الوجوب في صورة التوقان.
ثم قيد سبحانه هذا الأمر بغايةِ هي قوله تعالى: {حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ--------------------------------------------
(1) الشوكاني.

(খণ্ড: 19) (পৃষ্ঠা: 318)

فَضْلِهِ}؛ أي: وليجتهدوا في الاستعفاف حتى يرزقهم الله سبحانه رزقًا يستغنون به، ويتمكنون بسببه من النكاح.
والخلاصة: أي وليجتهد في العفة وصون النفس من لا يتمكن من المال الذي به يتم النكاح، ولينتظر أن يغنيه الله من فضله، حتى يصل إلى بغيته من النكاح، ثم لما رغب سبحانه في تزويج الصالحين من العبيد والإماء، أرشد المالكين إلى طريقة يصير بها المملوك من جملة الأحرار، فقال: {وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ}؛ أي: والمماليك الذين يطلبون المكاتبة والإعتاق على المال {مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} وأيديكم من عبيدكم وإماءكم، ليصيروا أحرارًا، والموصول في محل رفع مبتدأ خبره {فَكَاتِبُوهُمْ}؛ أي: فصيروهم أحرارًا بعقد الكتابة. والفاء لتضمن الموصول معنى الشرط. ويجوز أن يكون الموصول في محل نصب على إضمار فعل يفسره ما بعده؛ أي: وكاتبوا الذين يبتغون الكتاب. والأمر فيه للندب؛ لأن الكتابة عقد يتضمن الإرفاق، فلا تجب كغيرها.
{إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ}؛ أي: في أولئك المماليك {خَيْرًا}؛ أي: أمانةً ورشدًا، وقدرةً على أداء مال الكتابة بتحصيله من وجه حلال، وصلاحًا بحيث لا يؤدي الناس بعد العتق وإطلاق العنان. وهو شرط في استحباب (1) عقد الكتابة المفهوم من قوله تعالى: {فَكَاتِبُوهُمْ}. فاللام من انتفاء هذا القيد، انتفاء الاستحباب، لا انتفاء الجواز.
فصل في بيان معنى الكتابة وحكمها وكيفيتها
والكتابة لغة: مصدر كاتب يكاتب كتابة وكتابًا ومكاتبة. نظير قاتل يقاتل قتالًا ومقاتلة. وشرعًا: أن يقول (2) السيد لمملوكه: كاتبتك على كذا من المال، ويسمى مالًا معلومًا، تؤدي ذلك في نجمين، أو في نجوم معلومة، في كل نجم كذا. فإذا أديت ذلك .. فأنت حر، ويقبل العبد ذلك. فإذا أدى العبد ذلك المال عتق، ويصير العبد أحق بمكاسبه بعد الكتابة. وإذا عتق بأداء المال، فما فضل--------------------------------------------
(1) روح البيان.
(2) الخازن.

(খণ্ড: 19) (পৃষ্ঠা: 319)

في يده من المال فهو له، ويتبعه أولاده الذين حصلوا في الكتابة في العتق. وإذا عجز عن أداء المال، كان لمولاه أن يفسخ كتابته، ويرده إلى الرق. وما في يده من المال فهو لسيده لما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "المكاتب عبد ما بقي عليه درهم". أخرجه أبو داود.
وذهب بعض أهل العلم إلى أن قوله تعالى: {فَكَاتِبُوهُمْ} أمر إيجاب، يجب على السيد أن يكاتب عبده الذي علم فيه خيرًا إذا سأل العبد ذلك على قيمته، أو على أكثر من قيمته، وإن سأل على أقل من قيمته لا يجب. وهو قول عطاء وعمرو بن دينار. لما روي أن سيرين أبا محمد بن سيرين سأل أنس بن مالك أن يكاتبه - وكان كثير المال - فأبى، فانطلق سيرين إلى عمر فشكاه، فدعاه عمر فقال له: كاتبه، فأبى، فضربه بالدرَّة، وتلا {فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا} فكاتبه.
ولا تجوز الكتابة على أقل من نجمين عند الشافعي؛ لأنه عقد جوز إرفاقًا بالعبد. ومن تتمة الإرفاق أن يكون ذلك المال عليه إلى أجل، حتى يؤديه على مهلٍ، فيحصل المقصود. وجوز أبو حنيفة الكتابة حالة منجمة بنجم واحد.
ومعنى المفاعلة (1) في هذا العقد: أن المولى يكتب؛ أي: يفرض، ويوجب على نفسه أن يعتق المكاتب إذا أدى البدل، ويكتب العبد على نفسه أن يؤدي البدل من غير إخلال. وأيضًا بدل هذا العقد مؤجل منجم على المكاتب، والمال المؤجل يكتب فيه كتاب على من عليه المال غالبًا.
واختلفوا في معنى: {إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا} فقال ابن عمر: قوةً على الكسب. وهو قول مالك والثوري. وقيل: مالًا. روي أن عبدًا لسلمان الفارسي قال له: كاتبني، قال: ألك مال؟ قال: أتريد أن تطعمني أوساخ الناس، ولم يكاتبه. قيل: لو أراد به المال لقال: إن علمتم لهم خيرًا. وقيل: صدقًا وأمانةً. وقال الشافعي: أظهر معاني الخير في العبد، الاكتساب مع الأمانة، فأحب أن لا يمنع من الكتابة إذا كان هكذا. وقيل: معنى الخير، أن يكون العبد عاقلًا بالغًا.--------------------------------------------
(1) روح البيان.

(খণ্ড: 19) (পৃষ্ঠা: 320)

فأما الصبي والمجنون فلا تصح كتابتهما؛ لأن الابتغاء منهما لا يصح. وجوز أبو حنيفة كتابة الصبي المراهق.
والمعنى: أي والمماليك الذين يطلبون من سادتهم أن يكاتبوهم على أداء مال معين نجومًا، ليصيروا بعد أدائها أحرارًا، ويكونوا قادرين على الكسب، وأداء ما كوتبوا عليه مع الأمانة والصدق فكاتبوهم، ويكونون بعد إنتهاء الأجل وأداء ما أوجبوه على أنفسهم أحرارًا في رقابهم وفي كسبهم.
ثم حث المؤمنين جميعًا على تحرير الرقاق، فقال: {وَآتُوهُمْ}؛ أي: واعطوا أيها السادة المكاتبين شيئًا {مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ}؛ أي: أعطاكم، وليس لكم فيه فضل، فإن الله ربكم ورب عبيدكم، وأموالكم ملكه. أو أعطوا أيها الحكام المكاتبين سهامهم التي جعلها الله لهم في بيت المال في مصارف الزكاة بقوله: {وَفِي الرِّقَابِ}؛ أي: وفي تحرير الأرقاء.
وعلى القول بأن الخطاب للسادة .. فالواجب إما أن يعطوهم شيئًا من المال، أو يحطوا عنهم مما كوتبوا عليه. وظاهر الآية عدم تقدير ذلك بمقدار. وقيل: الثلث. وقيل: الربع. وقيل: العشر. ولعل وجه تخصيص الموالي بهذا الأمر هو كون الكلام فيهم وسياق الكلام معهم، فإنهم المأمورون بالكتابة. وقال الحسن والنخعي وبريدة: إن الخطاب بقوله: {وَآتُوهُمْ} لجميع الناس.
ثم إنه سبحانه لما أرشد الموالي إلى نكاح الصالحين من المماليك .. نهى المسلمين عما كان يفعله أهل الجاهلية من إكراه إمائهم على الزنا، فقال: {وَلَا تُكْرِهُوا}؛ أي: لا تجبروا أيها السادة {فَتَيَاتِكُمْ}؛ أي: إمائكم، فإن كلا من الفتى والفتاة كناية مشهورة عن العبد والأمة. وباعتبار المفهوم الأصلي، وهو أن الفتى: الطري من الشباب، ظهر مزيد مناسبة الفتيات لقوله: {عَلَى الْبِغَاءِ} وهو الزنا من حيث صدوره عن الشواب؛ لأنهن اللاتي يتوقع منهن ذلك غالبًا، دون ما عداهن من العجائز والصغار.
{عَلَى الْبِغَاءِ}؛ أي: على الزنا، مصدر بغت المرأة تبغي بغاءً، إذا زنت وفجرت، وذلك لتجاوزها إلى ما ليس لها. ثم الإكراه إنما يحصل متى حصل

(খণ্ড: 19) (পৃষ্ঠা: 321)

التخويف بما يقتضي تلف النفس، أو تلف العضو. وأما باليسير من التخويف فلا تفسير مكرهة {إِنْ أَرَدْنَ} تلك الفتيات {تَحَصُّنًا}؛ أي: تعفيفًا عن الزنا؛ أي: جعلن أنفسهن في عفة كالحصن. وهذا (1) القيد، ليس لتخصيص النهي بصورة إرادتهن التعفف عن الزنا. وإخراج ما عداها من حكمه، بل للمحافظة على عادتهم المسمرة، حيث كانوا يكرهونهن على البغاء وهن يردن التعفف عنه. وكان لعبد الله بن أبيّ ست جوارٍ جميلةٍ، وهي معاذة ومسيكة وأميمة وعمرة وأروى وفتيلة، يكرههن على الزنا. وضرب عليهن ضرائب، جمع ضريبة - وهي الغلة المضروبة على العبيد - والجزية، فشكت اثنتان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي معاذة ومسيكة، فنزلت.
وفيه من زيادة تقبيح حالهم وتشنيعهم على ما كانوا يفعلونه من القبائح ما لا يخفى، فإن من له أدنى مروءة لا يكاد يرضى بفجور من يحويه من إمائه، فضلًا عن أمرهن وإكراههن عليه، لا سيما عند إرادتهن التعفف. وفي (2) ذلك إشارة إلى أن للسادة إكراههن على النكاح، فليس للأمة أن تمتنع على السيد إذا زوجها.
وفي "الخازن" واختلف العلماء (3) في معنى قوله تعالى: {إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا} على أقوالٍ:
أحدها: إن الكلام ورد على سبب، وهو الذي ذكر في سبب نزول الآية، فخرج النهي على صفة السبب وإن لم يكن شرطًا فيه.
الثاني: إنما شرط إرادة التحصن؛ لأن الإكراه لا يتصور إلا عند إرادة التحصن، فأما إذا لم ترد المرأة التحصن؛ فإنها تبغي بالطبع طوعًا.
الثالث: (إنَّ) (إنْ) بمعنى إذا؛ أي: إذا أردن، وليس معناه الشرط؛ لأنه لا--------------------------------------------
(1) روح البيان.
(2) المراح.
(3) الخازن.

(খণ্ড: 19) (পৃষ্ঠা: 322)

يجوز إكراههن على الزنا إن لم يردن تحصنًا. كقوله: {وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ}؛ أي: إذا كنتم مؤمنين.
القول الرابع: إن في هذه الآية تقديمًا وتأخيرًا، فيكون هذا القيد راجعًا إلى الأيامى. ويكون تقدير الكلام؛ أي: وانكحوا الأيامى والصالحين من عبادكم إن أردن تحصنًا، ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء. اهـ.
وقيل (1): إن هذا الشرط ملغى. وقيل: إن هذا الشرط خرج مخرج الغالب؛ لأن الغالب أن الإكراه لا يكون إلا عند إرادة التحصن، فلا يلزم منه جواز الإكراه عند عدم إرادة التحصن. وهذا الوجه أقوى هذه الوجوه. فإن الأمة قد تكون غير مريدة للحلال، ولا للحرام، كما فيمن لا رغبة لها في النكاح. والصغيرة فتوصف بأنها مكرهة على الزنا مع عدم إرادتها للتحصن، فلا يتم ما قيل من أنه لا يتصور الإكراه إلا عند إرادة التحصن.
ثم علل سبحانه هذا النهي بقوله: {لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا}؛ أي: لا تكرهوهن أيها السادة على الزنا، لتطلبوا بهذا الإكراه حطام هذه الحياة الدنيا. والعرض (2) ما لا يكون له ثبوت. ومنه استعار المتكلمون العرض، لما لا ثبات له قائمًا بالجوهر. كاللون والطعم. وقيل: الدنيا عرض حاضر، تنبيهًا على أن لا ثبات لها.
والمعنى: لا تفعلوا ما أنتم عليه من إكراههن على البغاء لطلب المتاع السريع الزوال من كسبهن وبيع أولادهن. وهذا التعليل أيضًا خارج مخرج الغالب.
والمعنى: أن هذا العرض هو الذي كان يحملهم على إكراه الإماء على البغاء في الغالب؛ لأن إكراه الرجل لأمته على البغاء لا لفائدة له أصلًا لا يصدر مثله عن العقلاء، فلا يدل هذا التعليل على أنه يجوز له أن يكرهها إذا لم يكن مبتغيًا بكراهها عرض الحياة الدنيا.--------------------------------------------
(1) الشوكاني.
(2) روح البيان.

(খণ্ড: 19) (পৃষ্ঠা: 323)

{وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ}؛ أي: ومن يكره منكم أيها السادة الإماء على البغاء {فَإِنَّ اللَّهَ} سبحانه وتعالى {مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنّ}؛ أي: من بعد إكراهكم إياهن، فهو مصدر مضاف إلى المفعول؛ أي: من بعد كونهن مكرهات على البغاء {غَفُورٌ} لهن ما قد يعرض لهق في تضاعيف الزنا، وتكراره من شائبة المطاوعة إما بحكم الجبلة البشرية، أو يكون الإكراه قاصرًا عن حد الإلجاء المزيل للاختيار. {رَحِيمٌ} بهن بعدم مؤاخذتهن على البغاء، وفي هذا التفسير جواب عما يقال: إن المكرهة على الزنا غير آثمة.
ويشهد لهذا المعنى قراءة ابن مسعود وجابر بن عبد الله وسعيد بن جبير {لهن غفور رحيم} بزيادة لهن، وتوسيط (1) الإكراه بين اسم إن وخبرها للإيذان. بأن ذلك هو السبب للمغفرة والرحمة.
وفيه دلالة على أن المكرهين محرومون منهما بالكلية. وحاجتهن إلى المغفرة المنبئة عن سابقة الإثم، باعتبار أنهن وإن كن مكرهات، لا يخلون في تضاعيف الزنا عن شائبة مطاوعة ما بحكم الجبلة البشرية. كما مرّ آنفًا. أو أتي بالمغفرة لغاية تهويل أمر الزنا وحث المكرهات على التثبت في التجافي عنه، والتشديد في تحذير المكرهين، ببيان أنهن حيث كنَّ عرضة للعقوبة. لولا أن تداركتهن المغفرة والرحمة، مع قيام العذر في حقهن، فما حال من يكرههن في استحقاق العقاب. اهـ. "أبو السعود".
وفي "الكواشي" المغفرة هاهنا عدم الإثم؛ لأنها لا إثم عليها إذا أكرهت على الزنا بقتل أو ضرب مفضٍ إلى تلف النفس، أو تلف العضو. وأما الرجل فلا يحل له الزنا، وإن أكره عليه؛ لأن الفعل من جهته ولا يتأتى إلا بعزيمة منه فيه، فكان كالقتل بغير حق، لا يبيحه الإكراه بحال. انتهى. وقيل: إن المعنى: فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم لهم، إما مطلقًا أو بشرط التوبة.

‌‌34 - ولما فرغ سبحانه من بيان تلك الأحكام .. شرع (2) في وصف القرآن--------------------------------------------
(1) روح البيان.
(2) الشوكاني.

(খণ্ড: 19) (পৃষ্ঠা: 324)

بصفات ثلاث:
الأول: كونه آيات مبينات. والثانية: كونه مثلًا. والثالثة: كونه موعظة. فقال: {وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ}؛ أي: وعزتي وجلالي، لقد أنزلنا إليكم أيها المؤمنون في هذه السورة الكريمة آيات مبينات، لكل ما بكم حاجة إلى بيانه من الحدود وسائر الأحكام والآداب والتبيين في الحقيقة لله تعالى. وإسناده إلى الآيات مجاز عقلي.
وقرأ (1) {مبينات} بفتح الياء الحرميان نافع وابن كثير وأبو عمرو وأبو بكر؛ أي: بين الله في هذه إلسورة وأوضح آياتٍ تضمنت أحكامًا وحدودًا وفرائض. فتلك الآيات هي المبينة ويجوز أن يكون المراد مبينًا فيها ثم اتبع، فيكون المبين في الحقيقة غيرها. وهي ظرف للمبين. وقرأ باقي السبعة والحسن وطلحة والأعمش بكسر الياء. فإما أن تكون متعدية؛ أي: مبينات غيرها من الأحكام والحدود. فأسند ذلك إليها مجازًا. وإما أن تكون لا تتعدى؛ أي: بينات في نفسها، لا تحتاج إلى موضح، بل هي واضحة. لقولهم في المثل:
قد بين الصبح لذي عينين؛ أي: قد ظهر ووضح.
{وَمَثَلًا} معطوف على آيات؛ أي: وأنزلنا (2) إليكم مثلًا كائنًا {مِنَ} قبيل أمثال {الَّذِينَ خَلَوْا}؛ أي: مضوا {مِنْ قَبْلِكُمْ} من القصص العجيبة، والأمثال المضروبة لهم في الكتب السابقة، والكلمات الجارية على ألسنة الأنبياء. فتنتظم قصة عائشة الحاكية لقصة يوسف وقصة مريم في القرابة وسائر الأمثال الواردة انتظامًا واضحًا، فإن في قصتهما ذكر تهمة من هو بريء مما اتهم به. فيوسف اتهمته زليخا، ومريم اتهمتها اليهود مع براءتهما.
أي: وأنزلنا إليكم قصة غريبة من جنس قصص الذين خلوا من قبلكم في الغرابة. وهي (3) قصة عائشة رضي الله عنها فإنها كقصة يوسف ومريم، ولقد--------------------------------------------
(1) البحر المحيط.
(2) روح البيان بتصرف.
(3) البيضاوي.

(খণ্ড: 19) (পৃষ্ঠা: 325)

برأ الله سبحانه أربعة بأربعة. برأ يوسف بلسان الشاهد، وبرأ موسى من قول اليهود فيه بالحجر الذي ذهب بثوبه، وبرأ مريم بانطاق ولدها، وبرأ عائشة بتلك الآيات. وفي هذا تخويف لهم، أن يلحقهم ما لحق من قبلهم من المكذبين. {و} أنزلنا إليكم {مَوْعِظَةً} وتذكرةً {لِلْمُتَّقِينَ}؛ أي: للذين يتقون الشرك والكبائر، يتعظون بها وينزجرون عما لا ينبغي لهم من المحرمات والمكروهات، وسائر ما يخل بمحاسن الآداب، ومدار (1) العطف هو التغاير العنواني المنزل منزلة التغاير الذاتي، فالموعظة ما وعظ به في الآيات. من (2) قوله تعالى: {وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ} وقوله: {يعظكم أن تعودوا لمثله أبدا} وخص المتقين بالذكر مع شمول الموعظة للكل حسب شمول الإنزال؛ لأنهم المنتفعون بها، المغتنمون لآثارها، المقتبسون من أنوارها. وأما غير المتقين، فإن الله سبحانه قد ختم على قلوبهم، وجعل على بصرهم غشاوةً عن سماع المواعظ، والاعتبار بقصص الذين خلوا، وفهم ما تشتمل عليه الآيات.
والمعنى: أي ولقد أنزلنا إليكم آيات القرآن مبينات لما أنتم في حاجة إليه من الأحكام والآداب .. كما أنزلنا قصصًا من أخبار الأمم السالفة، كقصة يوسف وقصة مريم، وفيهما شبه بقصة عائشة. وفيهما عظة لمن اتقى الله وخاف عقابه، وخشي عذابه.
وأثر عن علي - كرم الله وجهه - في وصف القرآن. فيه حكم ما بينكم، وخبر ما قبلكم، ونبأ ما بعدكم، وهو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى من غيره أضلّه الله اهـ.
فإن قلت: لم قال (3) هنا: {وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا} بذكر واو العطف. وقال فيما سيأتي: {لقد أنزلنا} بدون الواو، وزاد هنا {إِلَيْكُمْ} بخلاف ما سيأتي؟
قلت: لأن اتصال ما هنا بما قبله أشد. إذ قوله هنا: {وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ}--------------------------------------------
(1) روح البيان.
(2) البحر المحيط.
(3) فتح الرحمن.

(খণ্ড: 19) (পৃষ্ঠা: 326)

مصروف إلى الجمل السابقة من قوله: {وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا} إلى آخره، وفيه معطوفان بالواو، فناسب ذكرها بالعطف، وذكر {إِلَيْكُمْ} ليفيد أن الآيات المبينات نزلت في المخاطبين في الجمل السابقة. وما ذكر بعدُ خالٍ عن ذلك، فناسبه الاستئناف والحذف.

‌‌35 - ثم ذكر الله سبحانه وتعالى مثلين:
أحدهما: في بيان أن دلائل الإيمان في غاية الظهور.
والثاني: في بيان أن أديان الكفرة في غاية الظلمة.
أما المثل الأول: فقوله تعالى: {اللَّهُ} سبحانه وتعالى {نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ}؛ أي: مظهرهما (1) ومبديهما وموجدهما من العدم بكمال القدرة الأزلية.
وقال ابن عباس: أي الله هادي أهل السماوات والأرض، فهم بنوره يهتدون، وبهداه من حيرة الضلالة ينجون. فمعنى النور هو الهداية؛ أي: ذو نور؛ أي: ذو هداية لأهلهما. وقيل: معناه (2) الله منور السماوات والأرض. نور السماء بالملائكة. ونور الأرض بالأنبياء والعلماء والمؤمنين. وقيل: زين الأرض بالنبات والأشجار.
واعلم: أن النور على أربعة أوجه (3):
أولها: نور يظهر الأشياء للأبصار وهو لا يراها، كنور الشمس وأمثالها، فهو يظهر الأشياء المخفية في الظلمة ولا يراها.
وثانيها: نور البصر، وهو يظهر الأشياء للإبصار ولكنه يراها. وهذا النور أشرف من الأول.
وثالثها: نور العقل، وهو يظهر الأشياء المعقولة المخفية في ظلمة الجهل--------------------------------------------
(1) روح البيان.
(2) الخازن.
(3) روح البيان.

(খণ্ড: 19) (পৃষ্ঠা: 327)

للبصائر، وهو يدركها ويراها.
ورابعها: نور الحق تعالى، وهو يظهر الأشياء المعدومة المخفية في العدم للأبصار والبصائر من الملك والملكوت، وهو يراها في الوجود. كما كان يراها في العدم؛ لأنها كانت موجودة في علم الله، وإن كانت معدومة في ذاتها، فما تغير علم الله، ورؤيته بإظهارها في الوجود، بل كان التغير راجعًا إلى ذوات الأشياء وصفاتها عند الإيجاد والتكوين. {مَثَلُ نُورِهِ}؛ أي: صفة نوره الفائض منه تعالى على الأشياء المستنيرة، وهو القرآن المبين، كما في "الإرشاد". فهو تمثيل له في جلاء مدلوله، وظهور ما تضمنه من الهدى بالمشكاة المنعوتة.
والمراد بالمثل الصفة العجيبة؛ أي: صفة نوره العجيب، وإضافته إلى ضميره تعالى، دليل على أن إطلاقه عليه لم يكن على ظاهره. كما في "البيضاوي".
{كَمِشْكَاةٍ}؛ أي: كصفة كوة، غير نافذة في الجدار في الإنارة. قال بعض أهل المعاني: معنى الآية، كمثل مصباح في مشكاة. فهو من المقلوب ذكره ابن الجوزي.
{فِيهَا}؛ أي: في تلك المشكاة {مِصْبَاحٌ}؛ أي: سراج ضخم ثاقب {الْمِصْبَاحُ}؛ أي: ذلك المصباح كائن {فِي زُجَاجَةٍ}؛ أي: في قنديل من الزجاج الصافي الأزهر. وفائدة جعل المصباح في زجاجة. والزجاجة في كوة، غير نافذة شدة الإضاءة؛ لأن المكان، كلما تضايق، كان أجمع للضوء. بخلاف الواسع، فالضوء ينتشر فيه. وخص الزجاج؛ لأنه أحكى الجواهر لما فيه.
{الزُّجَاجَةُ}؛ أي: تلك الزجاجة والقنديل {كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ}؛ أي: نجم متلألىء وقَّاد شبيه بالدر في صفائه وزهرته، كالمشتري والزهرة والمريخ ودرازى الكواكب عظامها المشهورة ومحل الجملة الأولى الرفع على أنها صفة لزجاجة، واللام مغنية عن الرابط كأنه قيل فيها مصباح هو في زجاجة هي كأنها كوكب دري. وفي إعادة المصباح والزجاجة معرفين عقب ذكرهما منكرين. والإخبار بما بعدهما مع انتظام الكلام، بأن يقال: كمشكاة فيها مصباح في زجاجة كأنها

(খণ্ড: 19) (পৃষ্ঠা: 328)

كوكب دري من تفخيم شأنها بالتفسير بعد الإبهام ما لا يخفى.
{يُوقَدُ} ذلك المصباح؛ أي: يبتدأ إيقاد ذلك المصباح {مِنْ} زيت {شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ}؛ أي: كثيرة المنافع؛ لأن الزيت يسرج به، وهو إدام، ودهان ودباغ ويوقد بحطب الزيتون وبثفله، ورماده يغسل به الأبريسم. ولا يحتاج في استخراج دهنه إلى عصار. وفيه زيادة الإشراق، وقلة الدخان. وهو مصحة من الباسور. {زَيْتُونَةٍ} بدل من شجرة خصها من بين سائر الأشجار؛ لأن دهنها أضوأ وأصفى. قال في إنسان العيون: شجرة الزيتون تعمِّر ثلاثة آلاف سنة. وهو أول شجرة نبت في الدنيا، وأول شجرة نبتت بعد الطوفان، ونبتت في منازل الأنبياء والأرض المقدسة. ودعا لها سبعون نبيًا بالبركة. منهم إبراهيم، ومنهم محمد صلى الله عليه وسلم فإنه قال مرتين: "اللهم بارك في الزيت والزيتون" اهـ. "مراح".
{لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ}؛ أي: لا شرقية تطلع عليها الشمس في وقت شروقها فقط. ولا غربية تقع عليها حين الغروب فقط، بل بحيث تقع عليها طول النهار، فلا يسترها عن الشمس في وقت من النهار شيء، كالتي على قمة جبل، أو صحراء. فتكون ثمرتها أنضج، وزيتها أصفى. أولا في مضحى، تشرق الشمس عليها دائمًا فتحرقها، ولا في مغيباة تغيب عنها دائمًا فتتركها نيئًا، أو لا نابتة في شرق المعمورة نحو كنكدزٍ وديار الصين. ولا في غربها، نحو طنجة وطرابلس وديار قيروان. بل في وسطها، وهو الشام. فإن زيتونته أجود الزيتون أو في خط الاستواء بين المشرق والمغرب. وهي قبة الأرض، فلا توصف بأحد منهما، فلا يصل إليها حر ولا برد مضران. وقبة الأرض وسط الأرض عامرها خرابها. وهو في مكان تعتدل فيه الأزمان في الحر والبرد، ويستوي الليل والنهار فيها أبدًا، لا يزيد أحدهما على الآخر؛ أي: يكون كل منهما اثنتي عشرة ساعة.
وعبارة "المراغي" هنا: {اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ}؛ أي: الله هادي أهل السماوات والأرض، بما نصب من الأدلة في الأكوان. وبما أنزل على رسله من الآيات البينات فهم بنوره إلى الحق يهتدون، وبهداه من حيرة الضلال ينجون.
{مَثَلُ نُورِهِ}، سبحانه؛ أي: صفة نور الله عز وجل في قلب المؤمن. وهو

(খণ্ড: 19) (পৃষ্ঠা: 329)

النور الذي يهتدى به {كَمِشْكَاةٍ}؛ أي: كصفة نور مشكاة؛ أي: كوة غير نافذة في شدة الإشراف والإضاءة، أو مثل أدلته التى بثها في الآفاق. وهدى بها من شاء من عباده، كمثل نور مشكاة فيها {مِصْبَاحٌ}؛ أي: سراج ضخم ثاقب، له الصفات الآتية. {الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ}؛ أي: ذلك المصباح في قنديل من الزجاج الصافي الأزهر {الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ}؛ أي: تلك الزجاجة، كأنها كوكب ضخم مضيء من دراري النجوم.
النجوم وعظامها: كالزهرة والمشتري.
{يُوقَدُ} ذلك المصباح والسراج {مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ}؛ أي: رويت وشربت فتيلته وخيطه من زيت شجرة زيتونة، كثيرة المنافع زرعت على جبل عال، أو صحراء واسعة، فهي ضاحية للشمس لا يظللها جبل ولا شجر، ولا يحجبها عنها حاجب من حين طلوعها إلى حين غروبها. فزيتها أشد ما يكون صفاء. {لَا شَرْقِيَّةٍ} فحسب {وَلَا غَرْبِيَّةٍ} فحسب بل هي شرقية غربية، تصيبها الشمس من حين طلوعها إلى حين غروبها. كما يقال: فلان لا مسافر ولا مقيم، إذا كان يسافر أحيانًا ويقيم أخرى.
وقوله: {يَكَادُ زَيْتُهَا}؛ أي: يقرب زيتها. صفة لشجرة أيضًا؛ أي: من شجرة مباركة موصوفة بأنه يكاد زيتها لشدة صفائه {يُضِيءُ} المكان بنفسه {وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ} أصلًا. وهذه (1) الجملة معطوفة على جملة محذوفة وقعت حالًا، والتقدير: يكاد زيتها يضيء، لو مسته نار ولو لم تمسسه نار؛ أي: تضيء كائنًا على كل حال، من وجود الشرط وعدمه. فالجملة حالية جيء بها لاستقصاء الأحوال، حتى في هذه الحال.
والمعنى: أن هذا الزيت في صفائه وإنارته، يكاد يضيء بنفسه على كل حال؛ أي: سواء مسته النار أو لم تمسسه، وفي "السمين" قوله: {وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ} جواب لو محذوف؛ أي: لأضاء لدلالة ما تقدم عليه.--------------------------------------------
(1) روح البيان.

(খণ্ড: 19) (পৃষ্ঠা: 330)

والمعنى: أي (1) زيتها لصفائه وبريقه ولمعانه، كأنه يضيء بنفسه دون أن تمسه النار؛ لأن الزيت إذا كان خالصًا صافيًا ثم ربي من بعد يرى كأن له شعاعًا، فإذا مسته النار ازداد ضوءًا على ضوء. كذلك قلب المؤمن يعمل بالهدى قبل أن يأتيه العلم، فإذا جاءه ازداد نورًا على نور وهدى على هدى.
قال يحيى بن سلام: قلب المؤمن يعرف الحق قبل أن يبين له، لموافقته إياه، وهو المراد من قوله صلى الله عليه وسلم: "اتقوا فراسة المؤمن، فإنه ينظر بنور الله".
وارتفاع {نُورٌ} على أنه خبر لمبتدأ محذوف و {عَلَى نُورٍ} متعلق بمحذوف، هو صفة لـ {نور} مؤكدة له؛ أي: ذلك النور الذي عبر به عن القرآن، ومثلت صفته العجيبة الشأن، بما فصل من صفة المشكاة؛ أي: نور المصباح نور كائن على نور؛ أي: نور متضاعف. فإن نور المصباح زاد في إنارته صفاء الزيت، وزهرة القنديل، وضبط المشكاة لأشعته، فليس عبارةً عن مجموع نورين اثنين فقط. بل المراد به التكثير. كما يقال: فلان يضع درهمًا على درهم. ولا يراد به درهمان.
أي: نور المصباح نوره مترادف متضاعف، قد تناصرت فيه المشكاة والزجاجة. والمصباح والزيت حتى لم يبق بقية مما يقوي النور، ويزيده إشراقًا، ويمده بإضاءة. ذلك أن المصباح إذا كان في مكان ضيق كالمشكاة .. كان أضوأ له، وأجمع لنوره بخلاف المكان الواسع، فإن الضوء ينبعث فيه وينتشر. والقنديل أعون شيء على زيادة الإنارة وكذلك الزيت وصفاؤه.
فإن قلت: ولم مثل الله نوره؛ أي: معرفته في قلب المؤمن بنور المصباح، دون نور الشمس، مع أن نورها أتم؟
قلت: لأن المقصود، تمثيل النور في القلب. والقلب في الصدر، والصدر في البدن كالمصباح، والمصباح في الزجاجة والزجاجة في القنديل. وهذا التمثيل لا يتقيم إلا فيما ذكر؛ ولأن نور المعرفة له آلات يتوقف هو على اجتماعها--------------------------------------------
(1) المراغي.

(খণ্ড: 19) (পৃষ্ঠা: 331)

كالذهن والفهم والعقل واليقظة وغيرها من الصفات الحميدة. كما أن نور القنديل يتوقف على اجتماع القنديل والزيت والفتيلة وغيرها، أو لأن نور الشمس يشرق متوجهًا إلى العالم السفلي، ونور المعرفة يشرق متوجهًا إلى العالم العلوي كنور المصباح. ولكثرة نفع الزيت، وخلوصه عما يخالطه غالبا، وقع التشبيه في ثوره دون نور الشمس مع أنه أتم من نور المصباح. اهـ. "فتح الرحمن".
{يَهْدِي اللَّهُ} سبحانه هداية (1) خاصةً موصلة إلى المطلوب حتمًا، وليس المراد بالداية هنا مجرد الدلالة. {لِنُورِهِ}؛ أي: لذلك النور المتضاعف العظيم الشأن. {مَنْ يَشَاءُ} هدايته من عباده، بأن يوقفهم لفهم ما فيه من دلائل حقيته، وكونه من عند الله من الإعجاز، والإخبار عن الغيب، وغير ذلك من موجبات الإيمان. وهذا من قبيل الهداية الخاصة. ولذا قال: من يشاء من عباده. وفيه إيذان بأن مناط هذه الهداية، وملاكها ليس إلا مشيئته. وأن تظاهر الأسباب بدونها بمعزل عن الإفضاء إلى المطلوب.
والمعنى: أي (2) يوفق الله من يشاء من عباده لإصابة الحق، بالنظر والتدبر، وتوجيه الفكر لسلوك الطريق العبادة الموصلة إليه. ومن لم يتدبر، فهو كالأعمى. سواء لديه جنح الليل الدامس، وضحوة النهار الشامس. وعن علي رضي الله عنه {اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ}، ونشر فيهما الحق وبثه فأضاء له بنوره.
{وَيَضْرِبُ اللَّهُ} سبحانه {الْأَمْثَالَ}؛ أي: الأشباه ويبينها {لِلنَّاسِ} تقريبًا إلى الأفهام، وتسهيلًا لسبل الإدراك؛ أي: يبين الأشياء بأشباهها ونظائرها، تقريبًا لها إلى الأفهام والأذهان، وتسهيلًا لإدراكها؛ لأن إبراز المعقول في هيئة المحسوس، وتصويره بصورته يزيده وضوحًا وبيانًا. وهذا من قبيل الهداية العامة. ولذا قال: للناس.
والمعنى: أي ويسوق الله الأمثال للناس في تضاعيف هدايتهم، بحسب ما تدعو إليه حالهم، لما فيها من الفوائد في النصح والإرشاد. إذ بها تتفتق الأذهان--------------------------------------------
(1) روح البيان.
(2) المراغي.

(খণ্ড: 19) (পৃষ্ঠা: 332)

للوصول إلى الحق، وبها تأنس النفس بتصويرها المعاني بصور المحسوسات التي تألفها، وتدين بها. ولأمر ما كثرت في القرآن الكريم فقلما ساق حجاجًا، أو أقام دليلًا إلا أردفه بالمثل ليكون أدعى إلى الإقناع، وأرجىء للاقتناع.
{وَاللَّهُ} سبحانه وتعالى {بِكُلِّ شَيْءٍ} من الأشياء من ضرب الأمثال وغيره من دقائق المعقولات، والمحسوسات، وحقائق الجليات، والخفيات {عَلِيمٌ} لا يغيب عن علمه شيء من الأشياء معقولًا كان أو محسوسًا، ظاهرًا أو باطنًا، فيعطي هدايته من يستحقها ممن صفت نفوسهم، واستعدوا لتلقي أحكام الدين وآدابه. وكذلك يجعل وسائلها على ضروب شتى، بحسب اختلاف أحوال عباده، لتقوم له الحجة عليهم.
وفي هذا وعد وبشارة لمن تدبر الأمثال ووعاها، ووعيد وإنذار لن يتفكر فيها ولم يكترث بها. فإنه لا يصل إلى الحق ولا يهتدي لطريقه.
وخلاصة ذلك: ما قاله ابن عباس رضي الله عنه: هذا مثل نور الله، وهداه في قلب المؤمن. فكما يكاد الزيت الصافي يضيء قبل أن تمسه النار، فإذا مسته ازداد ضوءًا على ضوء، يكاد قلب المؤمن يعمل بالهدى، قبل أن يأتيه العلم، فإذا جاءه ازداد هدًى على هدًى، ونورًا على نور.
فصل في بيان القراءة الجارية في الآية
وقرأ علي (1) بن أبي طالب وأبو جعفر وعبد العزيز المكي وزيد بن علي وثابت بن أبي حفصة ومسلمة بن عبد الملك وأبو عبد الرحمن السلمي والقورصي وعبد الله بن عياش بن أبي ريعة: {اللَّهُ نَوَّرَ} فعلًا ماضيًا. {السَّمَاوَاتَ وَالْأَرْضَ} بالنصب.
وقرأ أبو (2) رجاء العطاردي ونصر بن عاصم في رواية ابن مجاهد وابن أبي عبلة: {في زَجاجة الزَّجاجة} بفتح الزاي فيهما. وقرأ معاذ القاري وعاصم--------------------------------------------
(1) البحر المحيط.
(2) زاد المسير والبحر المحيط.

(খণ্ড: 19) (পৃষ্ঠা: 333)

الجحدري وابن يعمر بكسر الزاي فيهما. وقرأ الجمهور: بضم الزاي فيهما. وقرأ الجمهور من السبعة نافع وابن عامر وحفص عن عاصم وابن كثير: {درى} بضم الدال وتشديد الراء والياء من غير مد ولا همز، والظاهر نسبة الكوكب إلى الدر لبياضه وصفائه. ويحتمل أن يكون أصله الهمز، فأبدل وأدغم.
وقرأ أبو عمرو والكسائي وأبان عن عاصم بكسر {دريىء} بكسر الدال وتخفيف الياء ممدودًا مهموزًا. وهو بناء كثير في الأسماء، نحو سكين. وفي الأوصاف نحو: سكِّير قال ابن قتيبة: المعنى على هذا إنه من الكواكب الدرارىء، وهي اللاتي يدرأن عليك؛ أي: يطلعن. وقال الزجاج: هو مأخوذ من درأ يدرأ إذا اندفع منقضًا فتضاعف نوره. يقال: تدارأ الرجلان إذا تدافعا. وقرأ عبد الله بن عمر والزهري والمفضل عن عاصم {درى} بكسر الدال وتشديد الياء من غير همز ولا مد. وقرأ عثمان بن عفان وابن عباس وعاصم الجحدري {دريىء} بفتح الدال وكسر الراء ممدودًا مهموزًا. وقرأ أبيّ بن كعب وسعيد بن المسيب وقتادة وزيد والضحاك {دريّ} بفتح الدال وتشديد الراء والياء من غير مد ولا همز. وقرأ ابن مسعود وسعيد بن جبير وعكرمة وقتادة وابن يعمر {درىء} بفتح الدال وكسر الراء مهموزًا مقصورًا. وقرأ حمزة وأبو بكر عن عاصم والوليد بن عتبة عن ابن عامر {دريىء} بضم الدال وتخفيف الياء مع إثبات الهمزة والمد.
وقرأ الأخوان - حمزة والكسائي - وأبو بكر عن عاصم والحسن وزيد بن علي وقتادة وابن وثاب وطلحة وعيسى والأعمش: {توقد} بضم التاء والدال؛ أي: الزجاجة؛ أي: مصباحها مضارع أوقدت مبنيًا للمفعول. وقرأ (1) نافع وابن عامر وحفص عن عاصم: {يوقد} بالياء مضمومة مع ضم الدال؛ أي: المصباح. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو {توقد} بفتح الحروف الأربعة وتشديد القاف فعلًا ماضيًا من باب تفعل؛ أي: المصباح أيضًا؛ لأنه هو الذي يوقد. وقرأ--------------------------------------------
(1) البحر المحيط.

(খণ্ড: 19) (পৃষ্ঠা: 334)

الحسن والسلمي وقتادة وابن محيصن وسلام ومجاهد وابن أبي إسحاق والمفضل عن عاصم: {توقد} بفتح الحروف الثلاثة الأولى، وضم الدال مضارع توقد، وأصله تتوقد؛ أي: الزجاجة يعني مصباحها. وقرأ عبد الله {وقد} بغير تاء وشدد القاف جعله فعلًا ماضيًا؛ أي: وقد المصباح. وقرأ السلمي وقتادة وسلام أيضًا كذلك. إلا أنه بالياء من تحت {يوقد} وجاء كذلك عن الحسن وابن محيصن. وأصله يتوقد؛ أي: المصابح إلا أن حذف التاء في تتوقد مقيس لدلالة ما أبقى على ما حذف. وفي يتوقد شاذ جدًّا؛ لأن الياء الباقية لا تدل على التاء المحذوفة. وله وجه من القياس. وهو حمله على يعد، إذ حمل يعد على تعد في حذف الواو. وكذلك هذا لما حذفوا من تتوقد بالتاءين حذفوا التاء مع الياء، وإن لم يكن اجتماع التاء والياء مستثقلًا.
وقرأ الجمهور: {لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ} بالخفض على أنه صفة لزيتونة. وقرأ الضحاك بالرفع؛ أي: لا هي شرقية ولا غربية. والجملة في موضع الصفة. وقرأ الجمهور: {تَمْسَسْهُ} بالتاء، وابن عباس والحسن بالباء من تحت وحسنه الفصل وإن تأنيث النار مجازي. وهو مؤنث بغير علامة.

‌‌36 - وقوله: {فِي بُيُوتٍ} تعلق بمحذوف، صفة لمشكاة، والتقدير: مثل نوره سبحانه كمثل نور مشكاة وكوة كائنة في بيوت ومساجد. {أَذِنَ اللَّهُ} سبحانه وأمر {أَنْ تُرْفَعَ}؛ أي: أن تبنى تلك البيوت والمساجد رفيعةً وتطهر وتنظف من الأنجاس والأقذار. وقيل: تعظم فلا يذكر فيها الفحش من القول.
وقد كره (1) بعض العلماء تعليم الصبيان في المساجد، ورأى أنه من باب البيع، وهذا إذا كان بأجرة. فلو كان بغير أجرة، لمنع أيضًا من وجه آخر، وهو أن الصبيان لا يتحرزون من الأقذار والأوساخ، فيؤدي ذلك إلى عدم تنظيف المساجد. وقد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بتنظيفها وتطييبها. فقال: "جنبوا مساجدكم صبيانكم ومجانينكم، وسل سيوفكم، وإقامة حدودكم، ورفع أصواتكم--------------------------------------------
(1) المراح والقرطبي.

(খণ্ড: 19) (পৃষ্ঠা: 335)