Arabic source text

📘 আল-ইস্তিগাসা ফির রাদ্দি আলাল বাকরি (ইবনু তাইমিইয়্যাহ - মৃত্যু 728 হিজরী)

📘 الاستغاثة في الرد على البكري (ابن تيمية - ت 728 هـ)

📘 আল-ইস্তিগাসা ফির রাদ্দি আলাল বাকরি (ইবনু তাইমিইয়্যাহ - মৃত্যু 728 হিজরী)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
مصلحة له"، واستناب ابن جماعة بعض القضاة أن يحكموا فيه بالحبس فامتنع أحدهم وتحير الآخر، فلما رأى الشيخ توقفهم في حبسه قال: "أنا أمضي إلى الحبس وأتبع ما تقتضيه المصلحة"، فأرسل إلى حبس القضاة وأذن له بأن يكون معه من يخدمه، وكان ذلك كله بإشارة نصر المنبجي لوجاهته في الدولة، فإنه كان قد استحوذ على عقل الجاشنكير (1) الذي تسلطن فيما بعد.
واستمر الشيخ في الحبس يستفتى؛ ويقصده الناس ويزورونه، وتأتيه الفتاوى المشكلة، ثم عقد له مجلس بالصالحية بعد ذلك كله، ونزل الشيخ بالقاهرة وأكب الناس على الاجتماع به (2).
فلما كثر اجتماع الناس بالشيخ وترددهم عليه ساء ذلك أعداءه وحصرت صدورهم؛ وصاحب ذلك تسلطن الجاشنكير تلميذ نصر المنبجي، وكان شيخ الإسلام ابن تيمية ينال من الجاشنكير؛ ومن شيخه نصر المنبجي، ويتكلم في ابن عربي وأتباعه.
فقرروا أن يسيِّروه إلى الإسكندرية كهيئة المنفي؛ -في نهاية شهر صفر سنة 709 هـ- ومنعوا أن يذهب معه أحد من أصحابه رجاء أن يقتل، وأقام بثغر الإسكندرية في برج مليح واسع؛ يتردد عليه الناس وقد لحق به أصحابه، وبقي ثمانية أشهر، فلما رجع السلطان الناصر إلى الحكم وقدم مصر في يوم عيد الفطر 709 هـ؛ لم يكن له دأب إلا طلب الشيخ ابن تيمية من الإسكندرية، فقدم إليه في الثامن من شهر شوال.
وبقي الشيخ في القاهرة إلى سنة 712 هـ، حيث خرج لجهاد التتر صحبة--------------------------------------------
(1) هو ركن الدين الملك المظفر بيبرس الجاشنكير المنصوري، من سلاطين المماليك، كان من مماليك المنصور قلاوون، وتسلطن في زمن الناصر محمد قلاوون، لما ذهب الناصر للكرك مكرهاً، في سنة 709 هـ، كان يعظم نصر المنبجي الإتحادي، وهذا سبب إيذاء شيخ الإسلام في عهده. انظر: البداية والنهاية 14/ 60 - 61 والأعلام 2/ 79.
(2) انظر: البداية والنهاية 14/ 49 - 50، والعقود الدرية من مناقب شيخ الإسلام أحمد بن تيمية، تأليف الإمام محمد بن أحمد بن عبد الهادي، تحقيق محمد حامد الفقي ص 270 - 272 الناشر دار الكتب العلمية بيروت - لبنان، والكواكب الدرية في مناقب المجتهد ابن تيمية، تأليف مرعي الكرمي الحنبلي، تحقيق نجم عبد الرحمن ص 133 الطبعة الأولى 1406 هـ، الناشر دار الغرب الإسلامي بيروت - لبنان.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 24)

الجيش المصري؛ وقدم دمشق أول ذي القعدة سنة 712 هـ (1)، ثم سجن الشيخ وامتحن بسبب فتواه في الطلاق باعتبار الثلاث بكلمة واحدة طلاقاً رجعياً، في الثاني والعشرين من شهر رجب سنة 719 هـ (2).
ثم كانت أعظم المحن التي مرت على الشيخ وأتباعه، وهي محنته بسبب فتواه في شد الرحال إلى القبور، وقد كُذِبَ عليه فيها وحرِّفت، حتى جاء مرسوم السلطان بإقامته في القلعة في السادس من شهر شعبان سنة 726 هـ، وسجن جماعة من أتباعه وضيِّق عليهم، وعزر جماعة منهم على دواب، ونودي عليهم، ثم أطلقوا؛ سوى ابن القيم الذي حبس في القلعة، ثم أخرج ما عند الشيخ من الكتب بأمر السلطان، وصار يكتب رسائله بالفحم، فكان ذلك من أعظم المصائب عليه (3) حتى مات -يرحمه الله- في الحبس.
ولا يخفى دور الصوفية والرافضة في هذه المحنة، وقد انتصر له كثير من العلماء: من علماء الشام وبغداد وغيرهم، وكتبوا بما يوافق قوله في المسألة (4)، وكان له رحمه الله دور إيجابي في هذه المحن، من الثبات على الحق وتحويل جو المحنة إلى خدمة المبدأ الذي يدعو إليه (5).

*‌‌ مؤلفاته ورسائله:
كتب ابن تيمية ورسائله كثيرة جداً يصعب حصرها والإحاطة بها، وقد ضاع بعضها، وفقدت أجزاء من بعضها الآخر -مثل كتاب الاستغاثة-، لأن هذه المحن التي مر بها هو وأتباعه لا بد أن تنال كتبه ورسائله، وقد وصل الأمر إلى أن يخاف أتباعه أن يظهروا كتبه (6).--------------------------------------------
(1) انظر: البداية والنهاية 14/ 73 والعقود ص 278 والكواكب ص 135.
(2) انظر: البداية والنهاية 14/ 72 والعقود ص 325 وما بعدها، والكواكب ص 146.
(3) انظر: البداية والنهاية 14/ 146.
(4) انظر: العقود الدرية 342 وما بعدها، والكواكب 159.
(5) انظر: موقف ابن تيمية من الأشاعرة تأليف د. عبد الرحمن المحمود 1/ 194 - 196.
(6) انظر: العقود الدرية ص 64.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 25)

ونقصر الكلام هنا على بعض مؤلفاته التي أفردها في الاستغاثة والتوسل وبدع القبور، منها:
1 - رسالة الاستغاثة:
وهي جواب مختصر في حكم الاستغاثة برسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد طبعت عدة طبعات (1)، وهذه الرسالة هي الأساس لكتابنا الذي نحن بصدد دراسته وتحقيقه، فقد رد البكرى على هذه الرسالة فرد عليه ابن تيمية بهذا الكتاب.
ونقل ابن تيمية غالب هذه الرسالة في كتابه قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة (2)، وفي هذا الكتاب أيضاً (3)، وقد كتبها سنة 711 هـ في مصر قال: "وكنت وأنا بالديار المصرية في سنة 711 هـ قد استُفتيتُ عن التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم … " (4).
2 - رسالة أخرى:
وهي جواب عن سؤال أطول من السؤال السابق، ويظهر أن السائل من تلاميذ ابن تيمية، ويشير إلى كلام البكري دون ذكر اسمه، ويذكر أقواله مثل: "تكفير من منع الاستغاثة بالنبي صلى الله عليه وسلم"، وفي السؤال أيضاً بعض أقوال ابن تيمية من كتاب الرد على البكري.
وقد أجاب الشيخ على السؤال أيضاً دون ذكر للبكري، ولكن يظهر من ألفاظ الجواب وكأنها مختصرة من هذا الكتاب، ولم يذكر لها عنواناً أو تاريخ تأليف، ولكن من المؤكد أنها بعد الرسالة السابقة وردِّ البكري عليها (5).--------------------------------------------
(1) طبعت ضمن مجموع فتاوى شيخ الإسلام أحمد بن تيمية، جمع وترتيب عبد الرحمن بن قاسم وابنه محمد 1/ 108 - 113 طبعة 1412 هـ الناشر دار عالم الكتب الرياض - السعودية، وطبعت مستقلة بعناية محمود إمام منصور (الناشر مكتبة الصحابة بطنطا).
(2) ص 244 بتحقيق ربيع هادي المدخلي، الطبعة الأولى 1412 هـ، الناشر لينة دمنهور.
(3) ص 196.
(4) قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة ص 244.
(5) انظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية 1/ 101 - 107.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 26)

3 - قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة:
وهذا الكتاب من أهم كتب شيخ الإسلام في هذه القضية، وغالبه عن التوسل: أنواعه، وحكم كل نوع وأدلته، ورد على أدلة المخالفين له، والفرق بين التوسل والاستغاثة والشفاعة والدعاء وما بين هذه الأنواع من الفروق، وغير ذلك، وكما سبق فقد ضمنه أجزاء من رسالة الاستغاثة.
وقد ألفه بالشام بعد سنة 712 هـ لقوله: "وكنت وأنا بالديار المصرية في سنة 711 هـ" (1).
ويلاحظ أن كثيراً من القضايا التي أوردها المؤلف في هذا الكتاب، أوردها في كتاب الاستغاثة في الرد على البكري مختصرة جداً (2)، وقد جائت في التلخيص أيضاً مخنصرة (3).
4 - كتاب "الاستغاثة في الرد على البكري" وهو كتابنا الذي نحن بصدده.
5 - "قاعدة في التوسل": وهي، غير الكتاب السابق، محفوظة في المكتبة الظاهرية ضمن مجاميع في 16 ورقة، وله نسخة في الجامعة الإسلامية برقم 1052 (4).
6 - وكتاب "الرد على الأخنائي": وهو في الرد على القاضي تقي الدين المالكي، في مسألة شد الرحال، وقد طبع عدة مرات، وهو آخر كتبه التي ألفها (5).--------------------------------------------
(1) قاعدة جليلة ص 244.
(2) مثل الحكاية المنسوية عن مالك، انظر: قاعدة جليلة ص 147 وما بعدها. وص 264 من هذا الكتاب، وحديث الأعمى. انظر: ص 189 من قاعدة جليلة وص 257 من هذا الكتاب.
(3) انظر: ص 5، 25، 28، 33، 69، 118 - 121.
(4) انظر مقدمة: مسألة في الكنائس لشيخ الإسلام ابن تيمية، تحقيق علي الشبل ص 73 الطبعة الأولى 1416 هـ، الناشر مكتبة العبيكان الرياض - السعودية.
(5) وقد طبع هذا الكتاب عدة طبعات، وقام الشيخ أحمد العنزي بتحقيق هذا الكتاب رسالة ماجستير في جامعة الملك سعود وطبع.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 27)

7 - وكتاب "الجواب الباهر في زوار المقابر": كتبه للسلطان في زيارة القبور وما كُذبَ عليه فيها، وهو مطبوع ضمن مجموع الفتاوى، وله طبعة مستقلة في مجلد.
8 - "ومختصر الأخنائية": وهو مختصر الرد على الأخنائي، وهو مطبوع ضمن مجموع الفتاوى.
وله رسائل وأجوبة صغيرة أخرى في هذا الموضوع.

*‌‌ وفاته:
توفي الشيخ -يرحمه الله- وهو مسجون بسجن القلعة بدمشق ليلة الاثنين 20 من شهر ذي القعدة سنة 728 هـ، أثر مرض ألم به أياماً يسيرة.
وقد اعتبر المؤرخون جنازة ابن تيمية من الجنائز المشهورة النادرة، فيشبهونها بجنازة الإمام أحمد بن حنبل. وقد هبَّ كل أهل دمشق ومن حولها للصلاة عليه وتشييع جنازته رحمه الله وجزاه عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء (1).--------------------------------------------
(1) مصادر الترجمة:
المراجع التي ترجمت لابن تيمية كثيرة جداً، ولتقصيها تححّاج إلى مؤلف مستقل، أذكر منها:
1 - الأعلام العلية في مناقب ابن تيمية، تأليف عمر بن علي البزار ص 16 وما بعدها، بتحقيق زهير الشاويش الطبعة الثالثة 1400 هـ الناشر المكتب الإسلامي بيروت - لبنان.
2 - ناحية من حياة شيخ الإسلام ابن تيمية بقلم خادمه أحمد الغياني، ص 7 وما بعدها.
3 - العقود الدرية في مناقب شيخ الإسلام أحمد بن تيمية، تأليف الحافظ محمد بن عبد الهادي.
4 - ذيول العبر في خبر من غبر للذهبي، تحقيق أبو ماهر محمد زغلول 4/ 84.
5 - البداية والنهاية لابن كثير، وقد ذكره في مواضع عديدة منها 14/ 40 - 43، 56، 126، 148 وغيرها.
6 - الوافي بالوفيات، تأليف صلاح الدين الصفدي الطبعة الثانية عناية س. ديدرنيغ 5/ 15 وما بعدها.
7 - كتاب الذيل على طبقات الحنابلة، تأليف زين الدين عبد الرحمن بن شهاب الدين أحمد الدمشقي المعروف بابن رجب، تصحيح محمد حامد الفقي 2/ 387 وما بعدها طبعة 1372 مطبعة السنة المحمدية القاهرة. =

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 28)

‌‌الفصل الثاني: ترجمة البكري وموقفه من شيخ الإسلام ابن تيمية
تضن المصادر علينا بترجمة البكري، وأغلب من ترجم له ذكره باختصار شديد، حتى ذكره الذهبي والسيوطي في ثلاثة أسطر فقط (1)، ويظهر أنه كان--------------------------------------------
= 8 - المقصد الأرشد في ذكر أصحاب الإمام أحمد، لبرهان الدين إبراهيم بن مفلح، تحقيق د. عبد الرحمن العثيمين 1/ 89 وما بعدها الطبعة الأولى 1410 هـ ـ الناشر مكتبة الرشد الرياض - السعودية.
9 - الكواكب الدرية في مناقب المجتهد ابن تيمية، تأليف الإمام مرعي الكرمي الحنبلي ص 51 وما بعدها.
10 - الشهادة الزكية في ثناء الأئمة على ابن تيمية، تأليف مرعي الكرمي الحنبلي، تحقيق نجم عبد الرحمن ص 23 وما بعدها الطبعة الأولى 1404 هـ، الناشر دار الفرقان عمان الأردن ومؤسسة الرسالة بيروت - لبنان.
11 - النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة، تأليف جمال الدين ابن تغري بردي 9/ 271 - 272 طبعة دار الكتب المصرية 1361 هـ.
12 - الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة، تأليف ابن حافظ ابن حجر العسقلاني 1/ 144 وما بعدها ترجمة رقم 409.
13 - البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع، للعلامة الشوكاني 1/ 63.
14 - شذرات المذهب في أخبار ما ذهب، تأليف عبد الحي بن العماد الحنبلي الطبعة الثانية 1402 هـ الناشر دار الغرب بيروت - لبنان 6/ 80.
15 - فهرس الفهارس والإثبات، تأليف عبد الحي الكتاني عناية د. إحسان عباس 1/ 274 وما بعدها طبعة دار الغرب الإسلامي بيروت.
16 - شيخ الإسلام ابن تيمية سيرته وأخباره عند المؤرخين، جمع صلاح الدين المنجد ص 64 الطبعة الأولى 1967 م، الناشر دار الكتاب الجديد بيروت - لبنان. وتراجمه رحمه الله كثيرة لو استرسلت في ذكرها لطال بنا المقام، وفيما ذكر كفاية -إن شاء الله-.
(1) ذيول العبر للذهبي 4/ 69 - 70، وحسن المحاضرة لجلال الدين السيوطي 1/ 423 تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم الطبعة الأولى 1387 هـ طبعة عيسى البابي الحلبي.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 29)

مغموراً لم يُعرف إلا بسبب رد شيخ الإسلام ابن تيمية عليه.
وهذا مصداق ما ذكره السلف عن أهل البدع، قال: أبو بكر بن عياش -لما قيل له أن بالمسجد أقواماً يجلسون ويجلس إليهم الناس-، فقال: "من جلس للناس جُلس إليه، ولكن أهل السنة يموتون ويبقى ذكرهم، لأنهم أحيوا بعض ما جاء به الرسول فكان لهم نصيب من قوله تعالى: {وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ (4)} [الشرح: 4]، وأهل البدعة يموتون ويموت ذكرهم، لأنهم شانوا بعض ما جاء به الرسول فبترهم الله فكان له نصيب من قوله تعالى: {إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ (3)} [الكوثر: 3] " (1) قلت: صدق والله، وترجمة البكري خير مثال على ذلك.

‌‌1 - اسمه ونسبه ومولده:
هو أبو الحسن نور الدين علي بن يعقوب بن جبريل بن عبد المحسن البكري الشافعي المصري، ينتهي نسبه إلى عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق رضي الله عنه، ولد سنة 673 هـ.

‌‌2 - شيوخه وآثاره العلمية:
قال مترجموه: "هو الإمام الفقيه الزاهد"، سمع مسند الشافعي على وزيرة بنت المنجا. ومن شيوخه ابن الجزري (2) الذي نهى تلميذه البكري وأنكر عليه رده على ابن تيمية، وقال له: "أنت لا تحسن الكلام"، وابن الرفعة (3) الذي أوصاه أن يكمل شرح الوسيط، والمسمى المطلب، ولم يتفق--------------------------------------------
(1) تلخيص كتاب الاستغاثة ص 76.
(2) هو أبو عبد الله شمس الدين محمد يوسف الجزري، ولد سنة 637 هـ بالجزيرة وسافر إلى مصر، ولّى خطابة جامع القلعة ثم جامع ابن طولون، من فقهاء الشافعية له شرح منهاج البيضاوي، توفي في ذي القعدة سنة 711 هـ وقيل 716 هـ والصواب 716 هـ، لأن الحادثة التي يشير إليها شيخ الإسلام حدثت بعد 712 هـ. انظر: شذرات المذهب 6/ 42 والدرر الكامنة 4/ 299 رقم الترجمة 830 وحسن المحاضرة 1/ 544 والأعلام 7/ 151.
(3) هو نجم الدين أحمد بن محمد بن علي الأنصاري يعرف بابن الرفعة، فقيه شافعي، كان محتسب القاهرة وناب في الحكم، له كفاية النبيه في شرح التنبيه، والمطلب وغيرهما، توفي سنة 710 هـ. انظر: البداية والنهاية 14/ 66 والأعلام للزركلي 1/ 222.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 30)

للبكري ذلك، لما كان يغلب عليه من التّجلي (1) والانقطاع، وله كتاب في "البيان" وآخر في "تفسير سورة الفاتحة" وكتاب "الأحكام"، لم أجد منها شيئاً سواء كان مخطوطاً أو مطبوعاً، وله فتوى في تكفير ابن عربي قبحه فيها ولعنه (2)، وابن عربي أهل للتقبيح والتكفير.
ولم أجد من ذكر له تلاميذ، فلعله لم يجلس للتدريس أصلاً، فهو ليس أهلاً لذلك، وبجمع أقواله إلى بعضها يصدق قول شيخه فيه: "إنه لا يحسن الكلام"، ففيها ركاكة العبارة، وضعف الأسلوب، ولذلك فهو ليس من العلماء، بل لديه نوع مشاركة في بعض العلوم.
ومن أثنى عليه فإنما نظر إلى جانب جميل في البكري وهو التديّن، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والشجاعة فيما يرى أنه الحق، ولكن يفسد عليه هذا كله، سوء الاعتقاد، ومصادمة أصول الإسلام العظام في الدعوة لعبادة القبور من دون الله -تعالى-.

‌‌3 - مذهبه الفقهي:
البكري شافعي المذهب أورده السبكي والإسنوي في طبقات الشافعية، والعبادي في ذيل طبقات الفقهاء الشافعيين، إلا أنه لا يوجد له أي أثر في المذهب.

‌‌4 - عقيدة البكري:
البكَري صوفي قبوري؛ كما هو واضح فيما نقل عنه شيخ الإسلام ابن تيمية، يدافع عن أقوال الصوفية ويعظمها، اتلدعو إلى تعظيم القبور--------------------------------------------
(1) التجلي عند الصوفية وهو: ما ينكشف للقلوب من أنوار الغيوب، وإنما جمع الغيوب باعتبار تعدد موارد التجلي، فإن لكل اسم إلهي بحسب حيطته ووجوهه تجليَّات متنوعة.
ثم ذكر الجرجاني أمهات الغيوب وجعلها سبعة. انظر التعريفات للجرجاني ص 51 باب التاء.
(2) انظر: جزء في عقيدة ابن عربي وحياته من كتاب العقد الثمين لتقي الدين الفاسي، عناية علي حسن عبد الحميد ص 34 الطبعة الثانية 1413 هـ الناشر دار ابن الجوزي الدمام - السعودية.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 31)

ودعاء المقبورين من دون الله -تعالى-، بل يكفر ويرمي بالزندقة كل من يرد عليه ضلاله؛ كما فعل مع شيخ الإسلام ابن تيمية، ويرى مثل سلفه الأقدمين أن إنكار بدع القبورية مؤذن بالهلاك، كما قال تعالى عن سلفه قولهم لإبراهيم عليه السلام لما نهاهم عن الشرك: {وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ (80) وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (81)} [الأنعام: 80 - 81].
فقد قال البكري: (لقد خشيت على كثير من أهل الإقليم بسبب تقاعدهم عن نصرة الرسول صلى الله عليه وسلم) (1)، وهذه عادة عباد القبور في كل عصر ومصر، وقد برأه شيخ الإسلام ابن تيمية من القول بالحلول والاتحاد (2)، وهذا من عدله رحمه الله وإنصافه.
ومع صوفيته وقبوريته فقد أغفله الشعراني في طبقاته، ولم أجد له ذكراً في المصادر الصوفية، ولعل تكفيره ابن عربي شيخ الصوفية الأكبر هو السبب في إغفاله.
وأما اعتقاده في الأسماء والصفات والقدر فليس له كلام واضح فيها، ولكنه يرى بعض آراء الأشاعرة، فهو يرى أن التوحيد هو توحيد الربوبية فقط (3)، وينكر السببية (4)، ويقول بالجبر (5)، وغير ذلك.

‌‌5 - طريقة البكري الصوفية:
ما وصلنا عن الرجل يظهر أنه لا ينتسب إلى طريقة معينة، وأما بعض الطرق الصوفية التي يطلق عليها اسم البكرية، فلم أجد من نسبه إلى أي منها، وهما:
الأولى: "البكرية" وتنسب إلى عماد الدين عبد الرحمن بن محمد البكري--------------------------------------------
(1) تلخيص الاستغاثة ص 142.
(2) انظر: ص 177.
(3) انظر: ص 164.
(4) انظر: ص 195 - 196.
(5) انظر: ص 168.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 32)

الصقلي (ت 380 هـ) (1) وقد رد عليه الإمام ابن أبي زيد القيرواني الأندلسي (2) (ت 386 هـ)، في كتابيه "كشف التلبيس في الرد على البكرية"، و"الاستظهار في الرد على البكرية"، ومما أنكر عليه ابن أبي زيد الغلو في كرامات الأولياء، مثل: قلب الأعيان، ورؤية الله في اليقظة. وقد ورد اسم هذه الطائفة في بعض المصادر "الفكرية" (3)؛ والصواب البكرية.
الثانية: الطريقة البكرية الصوفية المعاصرة الموجودة في مصر وغيرها، وإن كان رؤساء الطريقة ينتسبون إلى أبي بكر رضي الله عنه، وأبو بكر بريء من ضلالهم وإفكهم كما ينتسب البكري، وقد ذكر رؤساء الطائفة ممن ينسب للصديق رضي الله عنه محمد توفيق البكري في كتابه "بيت الصديق" ولم يذكر علي بن يعقوب البكري (4).

‌‌6 - منهج البكري في التكفير:
التكفير حق لله -تعالى- فلا يكفر إلا مَنْ كفره الله ورسوله، أما التكفير عند البكري فحاله كحال المبتدعة يبتدعون البدعة ويكفرون من خالفهم فيها،--------------------------------------------
(1) هو عماد الدين أبو القاسم عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله البكري الصقلي، متصوف مالكي المذهب، له "الأنوار في علم الأسرار" توفي سنة 380 هـ. انظر: الأعلام للزركلي 3/ 225.
(2) هو أبو محمد عبد الله بن أبي زيد (عبد الرحمن) القيرواني المالكي، عالم أهل المغرب، يقال له: مالك الصغير، كان رحمه الله على طريقة السلف في الأصول (الاعتقاد)، لا يدري الكلام ولا يتأول. ذا بر وإيثار وإنفاق على الطلبة، ولما ألف الاستظهار والكشف شنع عليه الصوفية وغيرهم، وأشاعوا أنه ينفي الكرامات، وهو لم يقل بذلك وله غيرهما "الرسالة" المشهورة، وكتاب "الإقتداء بأهل السنة" وغيرها، توفي رحمه الله سنة 386 هـ. انظر: ترتيب المدارك وتقريب المسالك للقاضي عياض 6/ 215 وما بعدها، والسير للذهبي 17/ 10 رقم 4.
(3) انظر: ترتيب المدارك وتقريب المسالك للقاضي عياض تحقيق سعيد أعراب 6/ 218 ط الأولى مطبعة فضالة المحمدية المغرب، ومعالم الإيمان في معرفة أهل القيروان تصنيف عبد الرحمن الأنصاري، وأكمله أبو القاسم التنوخي، تحقيق محمد ماضور 3/ 111، وتراجم المؤلفين التونسيين تأليف محمد محفوظ 2/ 444 طـ الأولى دار الغرب الإسلامي.
(4) انظر: بيت الصديق، تأليف محمد بن توفيق البكري طبعة 1323 هـ مكتبة المؤيد القاهرة، والكتاب كله ترجمة لرؤساء هذه الطائفة.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 33)

وأقوال البكري في هذه المسألة تبنى على ما سبق ذكره في آثاره العلمية، فهو ليس من الراسخين في العلم، ولذلك نجده يكيل الكفر والزندقة والسب لشيخ الإسلام ابن تيمية كيلاً لا لسبب شرعي، كما نجده أيضاً يكفر ابن عربي محيي الدين ويلعنه، وابن عربي أهل لذلك، فهل تكفير البكري مبني على أسس شرعية؟ أم حسب الهوى؟ ومن خلال دراسة أقواله يظهر أنه يكفر من خالفه مهما كانت هذه المخالفة صواباً أو خطأ.

‌‌7 - مواقفه مع شيخ الإسلام ابن تيمية:
آذى البكري شيخ الإسلام ابن تيمية بالقول والعمل، أما القول فقد رماه بالزندقة، قال: (إن المجيب -أي ابن تيمية- لا يثبت على تأويل، وإنما يذهب إليه عند الخوف زندقة منه على ما علمته)، وأحياناً يصل إلى حد التكفير (1).
واستعدى السلطان في عصره على شيخ الإسلام ابن تيمية فقال: (لقد خشيت على كثير من أهل الإقليم بسبب تقاعدهم عن نصرة الرسول صلى الله عليه وسلم بإهلاكة وإهلاك أمثاله خصوصاً أهل الدولة وأصحاب الحكم) (2).
ولكن جعل الله كيده في نحره وسلط الله السلطان عليه، وسلم الله أهل العلم والإيمان.
وأما بالعمل فقد كان من أشد الصوفية على شيخ الإسلام ابن تيمية، ففي محنته معهم عام 707 هـ عندما ادعوا عليه أنه يمنع الاستغاثة بالنبي صلى الله عليه وسلم، فقال بعض الحاضرين: [يعزر]، قال البكري: "لا معنى لهذا القول، فإنه إن كان تنقيصاً يقتل، وإن لم يكن تنقيصاً [لا يعزر] " (3).
وفي رجب، وقيل شعبان سنة 711 هـ تعصب على شيخ الإسلام ابن تيمية جماعة من الغوغاء معهم البكري نور الدين وتفردوا به وضربوه، وقد استفرد البكري بالشيخ ووثب عليه، ونتش أطواقه (4) وقال: "احضر معي إلى--------------------------------------------
(1) انظر: ص 388 من أصل الكتاب.
(2) تلخيص الاستغاثة ص 142.
(3) الدرر الكامنة 1/ 155، وفي الأصل يعذر، وبالهامش صوابه يعزر، وقد انفرد بذكر هذا الموقف للبكري ابن حجر في الدرر الكامنة.
(4) أطواق مفردها الطَّاق، وهو نوع من الملابس وهو الطيلسان، وقيل: الطيلسان =

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 34)

الشرع، فلي عليك دعوى"، فلما تكاثر الناس انملص، فطُلب -أي البكري- من جهة الدولة فهرب واختفى، وثار بسبب ذلك فتنة، وحضر جماعة كثيرة من الجند وغيرهم إلى الشيخ لأجل الانتصار له، فلم يجبهم، وقال: "أنا ما أنتصر لنفسي". وأكثروا عليه في القول حتى قال لهم: "إما أن يكون الحق لي، أو لكم أو لله، فإن كان الحق لي فهم في حل، وإن كان لكم فإن لم تسمعوا مني فلا تستفتوني؛ وافعلوا ما شئتم، وإن كان الحق لله فالله يأخذ حقه كما يشاء ومتى شاء"، ولما طلبت الدولة البكري هرب واختفى عند شيخ الإسلام ابن تيمية لما كان مقيماً في مصر حتى شفع فيه عند السلطان وعفى عنه (1).
فانظر نبل موقف ابن تيمية، وموقف البكري منه، قابل العفو والصفح بالظلم والعدوان، والشفاعة له باستعداء الدولة والسلطان.

‌‌8 - موقف البكري مع السلطان (الملك الناصر محمد بن قلاوون):
في النصف من المحرم سنة 714 هـ بلغ البكري أن النصارى قد استعاروا من قناديل جامع عمرو بن العاص بمصر شيئاً؛ وعلقوه في كنيسة، فأخذ معه طائفة كبيرة من الناس وهجم على الكنيسة والنصارى في المجمع ونكل بهم؛ وبلغ منهم مبلغاً عظيماً، وعاد إلى الجامع وأهان قوّمته وأكثر الوقيعة في خطيب الجامع، فبلغ السلطان فأمر بإحضار القضاة وفيهم ابن الوكيل (2)؛ وأحضر البكري فتكلم ووعظ وذكر آيات من القرآن وأحاديث، واتفق أنه أغلظ في العبارة للسلطان، ثم قال: "أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر" (3)--------------------------------------------
= الأخضر. انظر: لسان العرب لابن منظور 10/ 233 كلمة طوق، الطبعة الأولى 1410 هـ الناشر دار صادر بيروت - لبنان.
(1) انظر: البدابة والنهاية 14/ 76 والذيل على طبقات الحنابلة لابن رجب 2/ 400 والعقود الدرية ص 286 والكواكب الدرية ص 139.
(2) هو صدر الدين أبو عبد الله محمد بن عمر بن مكي بن عبد الصمد المعروف بابن المرحل، وبابن الوكيل، شيخ الشافعية في زمانه، كان ينصب العداوة لابن تيمية، توفي سنة 716 هـ، انظر: ذيول العبر في خبر من غبر للذهبي 4/ 45 والبداية والنهاية لابن كثير 14/ 87 - 88.
(3) أخرجه أبو داود في السنن في (كتاب الملاحم، باب الأمر والنهي) 4/ 514 رقم =

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 35)

فقال له السلطان -وقد اشتد غضبه-: أنا جائر؟ قال: "نعم، أنت سلطت الأقباط على المسلمين وقويت دينهم"، فلم يتمالك السلطان نفسه أن أخذ السيف وهمَّ بالقيام ليضربه، فبادر بعض الأمراء وأمسك يده، فالتفت إلى ابن مخلوف وقال: "يا قاضي يتجرأ علي هذا، ما الذى يجب عليه"، قال: "لم يقل شيئاً يوجب العقوبة"، فصاح السلطان بالبكري: اخرج عني، فقام وخرج، فقال ابن الوكيل: "ما كان ينبغي أن يغلظ ويتكلم برفق"، فأعجب السلطان، فقال ابن جماعة: "قد تجرأ وما بقي إلا أن يزاحم السلطان"، فانزعج السلطان وقال: "اقطعوا لسانه"، فبادر الأمراء ليفعلوا ذلك بالبكري، فارتعد وصاح واستغاث بالأمراء فرقّوا له؛ وألحوا على السلطان في السؤال في أمره؛ والشفاعة فيه حتى رق له، وأمر بنفيه ومنعه من الفتوى، ودخل ابن الوكيل على السلطان وهو يبكي وينتحب، فظن السلطان أنه أصابه شيء، فقال له: "خير خير"، فقال: "البكري عالم صالح (1) لكنه ناشف الدماغ"، قال: "صدقت" وسكن غضبه (2).
وقال الذهبي: "وأراد قطع يده لفتاويه" (3). قلت: لعل الذهبي يقصد حادثة غير هذه الحادثة، فقد انتقد شيخ الإسلام ابن تيمية فتوى للبكري في بيت المال (4)، ولم أجد من ذكر هذه الفتوى.--------------------------------------------
= 4344 عناية د. بدر الدين جنتن آر الطبعة الثانية 1413 هـ، الناشر دار سحنون - تونس، والترمذي في الجامع في (كتاب الفتن، باب ما جاء أفضل الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر) 4/ 471 رقم 2174 ولفظهما: " … كلمة عدل … "، قال أبو عيسى: وهذا حديث حسن غريب من هذا الوجه. أ. هـ. عناية د. بدر الدين جنتين آر الطبعة الثانية 1413 هـ، الناشر دار سحنون - تونس، وابن ماجه في السنن في (أبواب الفتن، باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (2/ 383 رقم 4060 ورقم 4061 تحقيق د. محمد الأعظمي، الطبعة الأولى 1403 هـ الناشر شركة الطباعة العربية السعودية الرياض - السعودية، والإمام أحمد في المسند 3/ 19، 4/ 314، 315 واللفظ له، عناية د. بدر الدين جنتن آر الطبعة الثانية 1413 هـ، الناشر دار سحنون - تونس وصححه الشيخ محمد ناصر الدين الألباني في صحيح الجامع الصغير وزيادته 1/ 248 رقم 1100 أشرف على طبعه زهير الشاويش الطبعة الثانية 1406 هـ الناشر المكتب الإسلامي بيروت - لبنان.
(1) هذا وصف ابن الوكيل للبكري.
(2) الدرر الكامنة 1/ 157.
(3) ذيول العبر 4/ 70.
(4) انظر: ص 394 من هذا الكتاب.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 36)

وقد كتب ابن تيمية في الرد على البكري ثم شغل عن إكمال الرد عليه؛ حتى حصل له هذا الموقف للبكري مع السلطان؛ يقول ابن تيمية: "كنت قد أجبت عن كلامه إلى هذا الموضع، واتفقت أمور شغلتني عن تمام ذلك حتى أنزل الله بأسه بهذا الجاهل الظالم وحزبه الجاهلين الظالمين، وكانوا في ذلك نظير المستفتحين من المشركين، وهذا الوعيد الذي ذكره في كلامه به وبأحزابه أليق؛ وهم به أحق، وهكذا فعل الله -تعالى- بهم حيث عاقبه وحزبه عقوبة المعتدين الظالمين، عقوبة لم يعاقب بها أحداً من أشكالهم" (1).
من هذه المواقف يظهر جلياً أن البكري اتصف بالحدة والغلظة مع كل من خالفه، وبسط لسانه في الإنكار دون حكمة ودون روية، وصفه ابن حجر: "بأنه أكثر القلاقل" (2). ومع هذا فالبكري ديّنٌ متعفف طارح للتجمل.

‌‌9 - وفاته وشعره:
تنقل بأعمال مصر حتى توفي يوم الاثنين سابع شهر ربيع الآخر سنة 724 هـ، ودفن بالقرافة (3) قال ابن كثير: وكانت جنازته مشهورة غير مشهودة.
* من شعره -عفا الله عنا وعنه-:
كن يا علي على الطريق الأقوم … واذعن لخلاق (الأنام) (4) وسلم
ودع الهوى والنفس عنك بمعزل … والوجه منك أقم لدين قيم (5)--------------------------------------------
(1) تلخيص الاستغاثة ص 142 - 143، وانظر: ص 391 من هذا الكتاب.
(2) الدرر الكامنة 1/ 141.
(3) القرافة: خطة بفسطاط من مصر كانت لبني غصن بن سيف بن وائل من المعافر، وقرافة بطن المعافر نزلوها فسميت بهم، وهي مقبرة أهل مصر، وبها أبنية ومحال واسعة ومشاهد على القبور.
انظر: معجم البلدان 4/ 359 - 360 رقم 9480، وهذه المشاهد حصلت في العصور المتأخرة.
(4) في هامش طبقات السبكي 10/ 371: (العباد).
(5) مصادر الترجمة:
1 - طبقات الشافعية الكبرى، تأليف تاج الدين عبد الوهاب السبكي 10/ 370 - 371، تحقيق عبد الفتاح الحلو ومحمود الطناحي، الطبعة الأولى طبعة عيسى البابي الحلبي وشركاه. =

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 37)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .--------------------------------------------
= 2 - طبقات الشافعية لجمال الدين عبد الرحيم الإسنوي 1/ 288، تحقيق عبد الله الجبوري، طبعة دار العلوم 1401 هـ.
3 - ذيول العبر للذهبي 4/ 69 - 70.
4 - والبداية والنهاية لابن كثير 14/ 76، 125.
5 - ذيل طبقات الفقهاء الشافعيين للعبادي 3/ 197 تحقيق د. أحمد عمر هاشم، ود. محمد زينهم طبعة المكتبة الثقافة الدينية بورسعيد - مصر.
6 - الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة لابن حجر 3/ 139 - 141 رقم الترجمة 321.
7 - شذرات المذهب في أخبار من ذهب، لابن العماد الحنبلي 6 - 64، حسن المحاضرة للسيوطي 1/ 423.
8 - البدر الطالع للشوكاني 1/ 502، الأعلام للزركلي 5/ 32 - 33، معجم المؤلفين تأليف عمر رضا كحالة 7/ 262 طبعة مطبعة الترفي 1387 هـ.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 38)

‌‌الباب الثاني: دراسة الكتاب
ويتكون من ستة فصول:
الفصل الأول: الاستغاثة وأقسامها.
الفصل الثاني: الكتب المؤلفة في موضوع الاستغاثة.
الفصل الثالث: عنوان الكتاب ونسبته للمؤلف.
الفصل الرابع: منهج المؤلف في الكتاب.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 39)

‌‌الفصل الأول:‌‌ الاستغاثة أقسامها وحكمها
الاستِغَاثةُ: مصدر، وعند النحاة من أنواع النداء، وتعريفها لغة: أن يطلب من المُنادى الإغاثة لغيره، وهي: طلب الغوث وهو كشف الشدة، كالاستنصار طلب النصر، وكالاستجارة والاستعاذة، فكلها من أنواع الطلب والدعاء لأن الفعل الثلاثي إذا تقدمه السين والتاء دل على طلب الشيء، والنداء والدعاء بمعنى واحد، وبين الاستغاثة والدعاء عموم وخصوص مطلق يجتمعان في مادة دعاء المستغيث، وينفرد الدعاء الذي هو مطلق الطلب أو السؤال من غير المستغيث، وينفرد الدعاء الذي هو مطلق الطلب أو السؤال من غير المستغيث.
والمستغاث به هو المطلوب منه الغوث، والمستغيث هو الذي يطلب الإغاثة من غيره، ولفظ الاستغاثة في الكتاب والسنة وكلام العرب إنما يستعمل بمعنى الطلب من المستغاث به.
والفرق بين الاستغاثة والتوسل، أنه في الاستغاثة لا يقال: استغثت إليك بفلان أن يفعل بي كذا، وإنما يقال: استغثت بفلان أن يفعل بي كذا، وفي التوسل يقال ذلك، كما أن من سأل بشيء أو توسل به لا يكون مخاطباً له ولا مستغيثاً به، لأن قول السائل المتوسل: أتوسل إليك يا إلهي بكذا، إنما هو خطاب لله، لا لذلك المتوسل به، بخلاف المستغاث به فإنه مخاطب مسؤول منه الغوث.

‌‌أقسام الاستغاثة:
وتنقسم الاستغاثة إلى: استغاثة مشروعة، واستغاثة ممنوعة، و‌‌الاستغاثة المشروعة أنواع:
أولها: الاستغاثة بالله -تعالى-، وهي الاستغاثة المأمور ما في الشرع، فلا غياث ولا مغيث على الإطلاق إلا الله -تعالى-، وكل غوث فهو من عنده.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 41)

قال تعالى إخباراً عن المؤمنين في استغاثتهم إياه ليلة بدر: {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ (9)} [الأنفال: 9]، وقد أمر تعالى عباده أن يدعوه ويستغيثوه، فهو تعالى غياث المستغيثين: ومعناه المدرك لعباده في الشدائد، قال تعالى: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (60)} [غافر: 60] عبادتي: أي دعائي.
الثاني: الاستغاثة بالنبي صلى الله عليه وسلم فيما يقدر عليه ويليق بمنصبه، وهذا لا يُنازع فيه مسلم، وهذا النوع جائز أيضاً في حق غير النبي صلى الله عليه وسلم من عامة المؤمنين وخاصتهم، بل والفجار والكفار أيضاً، ومن هذا النوع ما وردت به النصوص من الاستغاثة بالنبي صلى الله عليه وسلم يوم القيامة.
قال تعالى: {وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ (15)} [القصص: 15]، فهذه الاستغاثة في ما يقدر عليه موسى عليه السلام، وهذا لا ينافي كمال التوحيد.
وقد غلط بعض الغلاة فسوَّى بين حياة النبي صلى الله عليه وسلم وموته، وأثبتوا له بعد موته حياة حقيقية كحياته صلى الله عليه وسلم في الحياة الدنيا، وأن الشهداء أحياء في قبورهم وحياة الأنبياء أكمل، وبناء على هذا أجازوا الاستغاثة بالنبي صلى الله عليه وسلم حياً وميتاً.
ولم يعلموا أن حياته صلى الله عليه وسلم -بأبي هو وأمي- حياة برزخية، وهذه الحياة البرزخية من الغيب الذي أخبرنا الله به، ولم نعلم حقيقتها وكنهها، فوجب علينا الإيمان بحياة الأنبياء على هذا الأساس مع الجزم باختلافها عن الحياة الدنيا، ولو أريد أن حياتهم كحياتهم في الدنيا لاقتضت جميع لوازمها من أعمال، وتكليف، وعبادة، ونطق، وغير ذلك (1).--------------------------------------------
(1) انظر: حياة الأنبياء بعد وفاتهم، لأبي بكر البيهقي، تحقيق د. أحمد الغامدي ص 32 وما بعدها، الطبعة الأولى 1414 هـ الناشر مكتبة العلوم والحكم، المدينة النبوية.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 42)

* وأما‌‌ الاستغاثة الممنوعة فهي أقسام أيضاً:
الأول: الاستغاثة بالنبي أو الرجل الصالح الحيين الشاهدين الحاضرين فيما لا يقدر عليه إلا الله -تعالى-؛ مثل غفران الذنوب وهداية القلوب، وشفاء المرض، والرزق والنصر على الأعداء، وغير ذلك مما لا يقدر عليه إلا الله -تعالى-، وهذه الاستغاثة من الشرك الأكبر الذي يخرج من الملة، وهذا شرك العرب في الجاهلية.
إلا أن هؤلاء قد يزيدون على شرك العرب في الجاهلية، أنهم يشركون أيضاً في توحيد الربوبية الذي أقرّ به مشركو العرب، الذين أقروا بأن الله خالقهم ورازقهم ومحييهم ومميتهم، أما هؤلاء الغلاة فمنهم من لا يقبل الرزق إلا من شيوخهم.
وأيضاً فإن مشركي العرب يخلصون لله في الشدائد، وهؤلاء الغلاة يزدادون شركاً في الشدائد، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
الثاني: الاستغاثة بالميت سواء كان نبياً أو غير نبي، وحجتهم في ذلك تسويتهم بين حياة النبي صلى الله عليه وسلم ومماته، كما سبق بيانه، واعتقاد بعضهم في شيوخهم أن لهم تصرفاً في الكون بعد الممات، واعتمدوا على حكايات مكذوبة لسدنة القبور ليأكلوا ما أموال الناس بالباطل.
الثالث: الاستغاثة بالنبي صلى الله عليه وسلم والرجل الصالح في حال غيبته، وهذا أيضاً لا يجوز، فإنه لا يسمع الاستغاثة ولا يعلم الغيب، وعمدة القائلين بجوازها حكايات لا تصح، فضلاً عن أن تكون دليلاً في الدين، منها: أن أحدهم استغاث بالله فلم يغثه، فاستغاث بالنبي صلى الله عليه وسلم والشيخ الفلاني فأغاثه، وفرَّج كربته.
وقد تتمثل الشياطين بالمستغاث به إمعاناً في إضلال المستغيثين بهم، وتُحْضِر لهم بعض مطالبهم، وحصول مطالبهم يجعل هذه الأسباب مباحة، فإنه ليس كل ما كان سبباً كونياً يجوز تعاطيه ولو كان نافعاً.
فهذه أقسام الاستغاثة، عرف المسلمون الاستغاثة المشروعة، ولم يعرف القبورية إلا الاستغاثة الممنوعة، وجعلوها أصل دينهم.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 43)

‌‌الفصل الثاني: الكتب المؤلفة في موضوع الاستغاثة
كلام الأئمة المتقدمين في مسألة الاستغاثة بالمخلوقين قليل، فهي مسألة واضحةٌ ناصعة لا لبس فيها، ولا تحتاج إلى بيان، "فإن آيات القرآن الكريم ناطقة بحظر دعاء كل أحد، لا من الأحياء، ولا من الأموات سواء كانوا أنبياء أو صالحين، أو غيرهم، وسواء كان الدعاء بلفظ الاستغاثة أو بغيرها، فإن الأمور غير المقدورة للعباد لا تطلب إلا من الله خالق القدر ومنشئ البشر" (1).
"ومن المعلوم أيضاً أن الدعاء عبادة من أجلَّ العبادات، بل هو أكرمها على الله … فإن لم يكن الإشراك فيه شركاً؛ فليس في الأرض شرك، وإن كان في الأرض شرك؛ فالشرك في الدعاء أولى أن يكون شركاً من الإشراك في غيره من أنواع العبادة، بل الإشراك في الدعاء هو أكبر شرك المشركين الذين بُعث إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم" (2).
ولذلك كانت ترد هذه القضية عرضاً، في تفسير آية من الكتاب العزيز، أو نقل خبر عن المصطفى صلى الله عليه وسلم أو عن الصحابة رضي الله عنهم، أو قصص من أخبار التابعين والسلف الصالح.
ولذا قلما يفردونها في مصنف خاص، أو يتكلمون في حكمها وأنواعها وما لا يجوز صرفه لغير الله، وما يجوز الاستغاثة فيه بغير الله مما يقدر عليه البشر، لشدة وضوحها ومعرفة الناس ما.--------------------------------------------
(1) انظر: فتح البيان تتمة منهاج التأسيس ص 347، نقلاً عن دعاوى المناوئين ص 273.
(2) تيسير العزيز الحميد للشيخ سليمان بن عبد الله ص 217، عناية عبد الله حجاج الطبعة الأولى 1416 هـ، الناشر مكتبة التراث الإسلامي - القاهرة.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 44)