Arabic source text

📘 ইসলাহুল ফাকিহি ফুসুলুন ফিল ইসলাহিল ফিকহি (হায়সাম বিন ফাহাদ আল-রুমি)

📘 إصلاح الفقيه فصول في الإصلاح الفقهي (هيثم بن فهد الرومي)

📘 ইসলাহুল ফাকিহি ফুসুলুন ফিল ইসলাহিল ফিকহি (হায়সাম বিন ফাহাদ আল-রুমি)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
سوق، وإنما يجلب إلى كل سوق ما ينفق فيها)(1)، ولا تسل عن ضيعة الأمر يومئذٍ، والأمر كما قال ابن المبارك (ت 181 هـ):
وهل بدَّل الدين إلا الملوك… وأحبار سوء ورهبانها
وباعوا النفوس فلم يربحوا… ولم تغل في البيع أثمانها(2)
وبالإضافة إلى ذلك فإنه لا يتصور في طبائع الأشياء أن يحصل تطور تشريعي في وضع اقتصادي واجتماعي ساكن وراكد، أما إذا دبت الحياة والحركة في المجتمع فإن القانون يبدأ حينئذٍ في التشريع لها، فالركود القانوني والتشريعي مردود في حقيقة الأمر إلى ركود المجتمع وسكون الحياة(3). وهذا أمر ملاحظ لمن سبر أحوال الدول، فإن الحركة العلمية تضعف بضعف الدولة، ومن أمثلة ذلك سكون حركة العلم في مصر بعد سقوط دولة المماليك وتحول مصر من دولة متبوعة إلى ولاية تابعة للدولة العثمانية في إسلامبول (إسطنبول)، فانحطت مكانتها بزوال دولتها ولم يظهر فيها من العلماء كالذين ظهروا في فترة المماليك، لا سيما بعد أن صارت اللغة التركية لغة الدواوين، فضعفت العربية ضعفًا شديدًا، وضعفت علومها وآدابها وطغت العامية عليها(4).--------------------------------------------
(1) رسائل الجاحظ (1/ 213)، وأصل العبارة لأبي حازم الأعرج عندما قال لسليمان بن عبد الملك: (إنما أنت سوق فما نفق عندك حمل إليك من خير أو شر فاختر أيهما شئت). انظر: العقد الفريد (3/ 108).
(2) شعب الإيمان، البيهقي (9/ 423).
(3) انظر: تحويل المرجعية التشريعية في مصر في القرنين التاسع عشر والعشرين، طارق البشري، مجلة الأزهر، الجزء 11، السنة 85، (ص 2393).
(4) انظر: تاريخ الإصلاح في الأزهر، عبد المتعال الصعيدي (7).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 29)

ولا ريب أن أزمنة الضعف هذه تورث فتورًا عامًا تتسرب أدواؤه إلى كافة مجالات الحياة، بما في ذلك حركة العلم والفقه ذاته. وقد بعث الشيخ محمود شكري الآلوسي (ت 1342 هـ) إلى صديقه الشيخ جمال الدين القاسمي (ت 1332 هـ) رسالة جاء فيها: (والعبد الفقير يعتذر إليكم من قلة المخابرة تلك المدة المديدة، لما هو فيه من الغوائل والمشاغل الظاهرة والباطنة، فإن القلب قد اعتل لما عرى المسلمين وبلادهم من البلاء، وما صحَّ جسمٌ إذا اعتل قلب، حتى لم يبق لي ميل لمطالعة كتاب ولا سماع مسألة علمية ولا مكالمة مع أحد، فالبلاء قد أحيط بالمسلمين وبلادهم، والخطر أحاط بنا، لا سيما العراق، ونرى الأوغاد هم الذين يسلطون عدوهم، وما ندري ما الله صانع)(1).
فإذا كانت الشريعة مستبعدة عن الحكم والقضاء، وكان التعليم الديني في أزمة، وكانت الفتوى تستعمل في أحيان كثيرة سلاحًا لإدارة الخصومات الفكرية والسياسية مما دفعنا إلى حالة من الفوضى الإفتائية(2)، وكانت الدعوة تعاني من نقص وخلل في فقه الأولويات والموازنات، فما الذي يدفعنا إلى الجزم بأننا نعيش عصر (التجديد الفقهي)؟
ولا بد من التنبيه هنا إلى أن هذه المقدمة لا تتضمن موقفًا جبريًا ولا تقريرًا لواقع فاسد، لكنها وصف لما عليه الحال، وكما--------------------------------------------
(1) انظر: الرسائل المتبادلة بين جمال الدين القاسمي ومحمود شكري الآلوسي (223).
(2) انظر: فوضى الإفتاء، د. أسامة الأشقر (8).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 30)

أن الواقع له تأثيره على الفقه فإن للفقه تأثيره الكبير على الواقع، والفقيه مأمور ببيان الحق والنصيحة للأمة على كل حال، لكن أول خطوة في طريق الإصلاح أن نعلم أننا بحاجة حقيقية إليه، وأن نملك العزيمة على القيام بأعبائه، وأن نفقه حقيقة الإصلاحٍ المنشود وأن يصدر عن وعي حقيقي بالذات، وأن يكون إصلاحًا شاملًا بمفهومه الأصلي لا بمفهومه المستعار، حتى إذا خطونا في الإصلاح خطوة عرفناها وحمدناها ودفعتنا للمضي في السبيل ذاته.
وقد مر آنفًا في التقسيم المذكور أن من مظاهر التجديد ما هو تجديد فعلي لنا أن نستبشر بمثله، وإن كان لنا أن نختصر الحال في عبارة موجزة فلتكن في قول الشيخ عمر الأشقر (ت 1433 هـ): (والمتأمل في هذا العصر يحزن أحيانًا للحال التي وصل إليها الفقه الإسلامي، ويسر أحيانًا لوجود أمور جيدة تبشر بنهضة الفقه، وعودة الحياة إليه)(1).
وتقرير مثل هذه المقدمة أمر له ضرورته بين يدي الحديث عن إصلاح الفقيه؛ لأن التشخيص أول خطوات العلاج، ووصفُ بعض الفساد الذي نعيشه باسم الإصلاح فيه غش وتضييع للأمانة، وهذا ما دفع الشيخ وهبة الزحيلي أن يصف هذه المرحلة بأنها: (مرحلة العبث بالفقه الإسلامي تحت مظلة التجديد والمعاصرة)(2). فإن من الناس من ظن أن الإصلاح إنما يتأتى--------------------------------------------
(1) تاريخ الفقه الإسلامي (185).
(2) تجديد الفقه الإسلامي، د. وهبة الزحيلي وزميله (209).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 31)

بهدم القديم والإعراض عنه، مع أن أولى خطوات التجديد هي قتل القديم بحثًا كما يقال. والمعهود في بابة التجديد أن يضيف إليه الفرد بعد الفرد بامتداد الزمان، غير أن هذا العصر الذي يشهد ضعفًا علميًا واضحًا شهد ظاهرة غريبة، تتمثل في تسلط أناس من غير المتخصصين في الشريعة على علوم الشريعة واعتدائهم عليها بالتبديل والتحريف وإسقاط مفاهيم ونظريات غريبة مستوردة من منظومة معرفية مختلفة في غير مجالها، ليخرجوا بعد ذلك بآراء شديدة الغرابة يستهجنها المتفقه المبتدئ فضلًا عن الفقيه المنتهي، ثم ليصفوا هذه الآراء بأنها تجديد وإصلاح(1). وهذا ما يدعو إلى الحذر في التعامل مع دعاوى الإصلاح، وألا تقبل دعوى إلا بشهادة الفقهاء العدول الأثبات الذين يشهدون لها بأنها خطوة مسددة في سبيل إصلاح فقهي شامل.--------------------------------------------
(1) انظر: آل حم الشورى الزخرف الدخان، د. محمد أبو موسى (5).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 32)

‌‌الفصل الأول
موقع الفقه في خطة الإصلاح
((وكيف يستقيم أن يكون الإسلام شريعة ثم لا يكون له حكومة تنفذ تلك الشريعة؟))
الطاهر بن عاشور
[نقد علمي لكتاب الإسلام وأصول الحكم: 25]
((قلما تغلغل الشرع في حياة أمة وفي فكرها هذا التغلغل العميق مثلما فعل في الأدوار الأولى من المدنية الإسلامية)).
هملتون جب [دراسات في حضارة الإسلام: 263]
((إننا نكاد نجزم بأن الجبر العربي يدين في وجوده للفقه والفقهاء)).
د. محمد عابد الجابري [تكوين العقل العربي: 99]
((ولا يمكن أن يكتب تاريخ الموسيقى بعيدًا عن تاريخ الكنيسة في الغرب)).
عصام الزفتاوي [رؤية للموسيقى من منطلق حضاري إسلامي، مجلة المسلم المعاصر: 95: 95]
((عناصر الحضارة مظهر خارجي لروح الأمة)).
غوستاف لوبون [السنن النفسية لتطور الأمم: 73]

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 33)

الإصلاح يعني: استقامة الأشياء وإقامتها وفق المصلحة ومقاومة الفساد والإفساد، ويدخل في ذلك إصلاح الأديان والأبدان والعقول والأعراض والأموال، فهذه أمور أصلحها الله جل جلاله ببعث الرسل وإنزال الكتب ونهى عن إفسادها {وَلا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا} [الأعراف: 56](1).
والنظرة إلى معنى الإصلاح لا بد أن تكون نظرة عامة شاملة لا تلتفت إلى جانب من الإصلاح فتقصر اسمه عليه، ولا تسمي الإفساد إصلاحًا، فإن اسم الإصلاح اسم حسن والجميع يدعونه لأنفسهم، حتى الذين يمارسون الفساد بأبشع صوره ينسبون أنفسه إلى الإصلاح.
يقول الله جل جلاله: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لا يَشْعُرُونَ} [البقرة: 11، 12]، وقال جل جلال: {وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى--------------------------------------------
(1) انظر: سنن الله في الأمم من خلال آيات القرآن الكريم، د. حسن الحميد (307).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 34)

وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الأَرْضِ الْفَسَادَ} [غافر: 26].
وهذه المنازعة في اسم الإصلاح تُحتِّم علينا أن نرجع إلى تحقيق اسم الصلاح والإصلاح في القرآن الكريم، وأن نعتمده أصلًا تبنى عليه خطة الإصلاح الشاملة والمتكاملة، وأن نرفض أي مفهوم آخر لاسم الإصلاح؛ لأنه لن يكون إصلاحًا شاملًا، بل إنه مهما اشتمل عليه من حقائق الإصلاح فإنه يبقى إصلاحًا ناقصًا غير تام. فإن الصلاح كل الصلاح لا يكون إلا في اتباع أمر الله تعالى وشرعه، وهذا الصلاح صلاح حقيقي في الأنفس والحياة والسياسة والاقتصاد والاجتماع والثقافة والأخلاق والبر والبحر، وهذا المعنى من المعاني القطعية في كتاب الله، كما في قول الله جل جلاله: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [الأعراف: 96]، وقوله جل جلاله: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ} [المائدة: 56، 66]، وقوله جل جلاله: {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [الروم: 41]. وأما الذي يتنكب سبيل القرآن في بيان حقيقة الإصلاح ويضع لاسم الإصلاح شروطًا مدنية دنيوية لا تضع أمر الدين والآخرة في حسبانها فلا يمكن أن يوصف بالاسم المطلق

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 35)

للإصلاح، وينبغي لفقهاء الشريعة أن يبينوا هذا الأمر ويوضحوه فإنه من محكمات الدين ولا يأخذهم عنه الحديث الملجلج.
إن من أعظم الفساد الذي دخل على حياة المسلمين في عصورهم الحديثة ما اجترحته يد المحتل الأوروبي من جريمة إقصاء الشريعة عن الحكم والإدارة في بلدان المسلمين وإحلال القوانين الوضعية مكانها، ومن حل المؤسسات القديمة وإبطال الأوقاف أو تجميدها، ومن فرض الأنظمة الأوروبية في السياسة والتعليم والقضاء والإدارة. لقد دمر المحتلون الغزاة البنية التحتية التي قامت عليها حضارة المسلمين ومعاشهم على نحو انتقلت فيه الحياة العامة من فوضى منظمة إلى تنظيم فوضوي لم يجن منه المسلمون إلا لمزيد من الفساد والظلم والأمية والتبعية، وأصبحت أرضهم الثرية منجمًا للمحتل ينهب خيراتها ثم يجعل منها سوقًا لمنتجاته، ويفرض عليها من قوانينه وأنظمته وعملائه ما يكبلها به عن الحركة ويعيقها عن النهوض، وإذا ما ارادت النهضة فإنه يلزمها بنموذجه في النهضة، وهو ذات النموذج الذي به تمكن من إعاقتها وأسرها، فليس من مصلحة المحتل ولا من أهدافه أن يدعم التنمية الاقتصادية والحياة الكريمة في البلاد التي احتلها، بل ذلك يتعارض تعارضًا مباشرًا مع أهدافه ومصالحه(1).--------------------------------------------
(1) انظر: الإسلام وأوضاعنا القانونية، د. عبد القادر عودة (134)، خرافة التقدم والتأخر، جلال أمين (27)، الفقه الإسلامي بين النظرية والتطبيق، د. محمد سراج (8)، الفقيه والأزمنة المعاصرة، معتز الخطيب، ضمن بحوث ندوة التقنين والتجديد في الفقه الإسلامي المعاصر (902)، مفهوم الفقه الإسلامي، نظام الدين عبد الحميد (9) ومضات فكر، الفاضل بن عاشور (1/ 150).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 36)

إن الشريعة لهي روح الأمة وحياتها وبها تكون نهضتها وحضارتها، والذين ينادون أمتهم للعودة إلى شريعتها هم المصلحون حقًا، وهم الذين يريدون لها أن تتصالح مع ذاتها لتنسجم أجزاؤها وتهتدي في ظلمات التيه الذي أوردها موارد الفرقة والشتات. وما لم يصدر نظام الأمة وقانونها من دينها وشريعتها فستظل محاولات الإصلاح فيها محاولات ترقيعية شكلية جزئية ليس لها روح جامعة(1).
ومن أمثلة الفساد الناتج عن فرض قانون لا يلائم مزاج الأمة وطبيعتها ما جرى من استبدال القانون الفرنسي بالشريعة الإسلامية في مصر وغيرها، ومما جاء فيه في قانون العقوبات على سبيل المثال تعريف جريمة الزنى بأنها خيانة العلاقة الزوجية، وما يجري من زنى خارج هذا الإطار فإنه لا يكون جريمة إلا إذا كان أحد الطرفين قاصرًا أو وقع الزنى بغير رضاه، وهذا التعريف للزنى في القانون الفرنسي يخالف تعريف الزنى لدى المسلمين وهو الوطء في غير حلال مطلقًا، ولا شك أن التعريف الفرنسي بالإضافة إلى مخالفته للتعريف الفقهي فإنه مصادم لمزاج المسلمين وقميهم وفطرتهم وطبيعتهم الراسخة، وما لم يوجد سبيل صحيح لتطبيق الحكم الشرعي الملائم لمزاجهم الراسخ فسيفضي ذلك إلى فساد عريض، ومن ذلك ما يسمى في--------------------------------------------
(1) انظر: حتى لا تظل الشريعة نصًا شكليًا، د. علي حسنين حماد (24).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 37)

بعض البلدان العربية بـ (جرائم الشرف)، وهي جريمة أخرى نتجت من العبث بهوية الأمة وأخلاقها الراسخة(1).
وما هذا المثال إلا صورة مصغرة لما يؤول إليه الوضع العام عندما تهجر الشريعة التي لا يستقيم نظام الأمة إلا بها، ويستورد قانون نشأ وترعرع في بيئة مخالفة في الدين واللغة التاريخ والقيم.
إن شرائع الإسلام روح وحياة وأحكام ذات شعب متفاوتة، امتزجت بتصورات المسلمين ووجدانهم وأنظمة دولتهم وأشكال حضارتهم، ولا يمكن في بدائه العقول وطبائع الأشياء أن تنجح فيهم دعوة إصلاح لا تكون صادرة عن هذه الشرائع، وحتى تكون محاولات الإصلاح هذه إسلامية فعليها أن تحافظ على ثوابت الشريعة وتنطلق من قواعدها الأساسية ونظامها الشامل(2).
ونحن في هذا الزمان بأشد الحاجة إلى حركة اجتهادية نشطة تواكب المد الحضاري الكبير الذي تنهال أشكاله على الأمة من كل اتجاه؛ لأن استعمال هذه الأشكال دون فحص عن روحها التي أنتجتها من أسباب طروء الخلل على روح الأمة المستورِدة.
وأما ظن بعض الناس أن الحضارة مادة مشتركة لا روح لها فهذا من الخلل الكبير، بل بين الحضارة وبين دين الأمة وثقافتها ارتباط وثيق، ويمكن التمثيل لهذا بفن العمارة في الحضارة--------------------------------------------
(1) انظر: الإسلامية نظام مجتمع ومنهج حياة، أنور الجندي (69).
(2) انظر: الاجتهاد الفقهي المعاصر بين جدلية المرجع والواقع، بشري الشقوري، مجلة الإحياء المغربية (20: 83).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 38)

الإسلامية وغيرها من الحضارات، فالعمارة سياق فكري لا يشذ عن مجمل السياقات الفكرية، وهي منبثقة من قيم الحضارة وتراثها وخصوصيتها وبيئتها، ونقلها إلى حضارة أخرى؛ يعني: نقل شيء من روحية تلك الحضارة(1). وإذا ما تأملنا في بناء المدن الإسلامية القديمة وجدنا الأثر الكبير للتصورات الشرعية والأحكام الفقهية في إنشائها وتصميمها، كمركزية المسجد الجامع وتنظيم عرض الطرقات واشتمالها على المرافق والمنشآت الضرورية كالمدارس والأسواق والحمامات، بالإضافة إلى دور الأوقاف في إدارة الحياة الاجتماعية فيها، بل ربما كان الوقف سببًا في إنشاء المدينة ذاتها، مثل ما حصل في إنشاء مدينة سراييفو وتيرانا وغيرهما(2). كما أن هناك الكثير من الأحكام الفقهية التي تنظم العمران وتلائم روح الدين وطبيعة المجتمع في الوقت نفسه، كإقرار حق الشفعة الذي يعطي الجار أولوية في شراء حصة شريكه من العقار بمثل ثمنها(3)، مما يضفي نوعًا من الانسجام الاجتماعي في الجوار(4)، وكطائفة من الأحكام الفقهية--------------------------------------------
(1) انظر: العمارة الإسلامية سجالات في الحداثة، علي ثويني (253).
(2) انظر: الأوقاف والمجتمع، د. عبد الله السدحان (30)، الوقف في العالم الإسلامي ما بين الماضي والحاضر، محمد الأرناؤوط (103)، ويروي الجزنائي في كتابه: جنى زهرة الآس في بناء مدينة فاس (22): أن الإمام إدريس عندما عزم على بناء مدينة فاس رفع يديه إلى السماء ودعا: ((اللَّهُمَّ اجعلها دار علم وفقه يتلى بها كتابك وتقام بها سُنَّتك وحدودك واجعل أهلها متمسكين بالسُّنَّة والجماعة ما أبقيتها)).
(3) انظر: الكافي، ابن قدامة (3/ 527).
(4) انظر: دراسة التحيز في التصميم المعماري، م. سهير حجازي، ضمن بحوث: إشكالية التحيز في الفن والعمارة (100).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 39)

التي تنظم عملية البناء ذاتها كضابط تعدد الطوابق وسعة الطرق وتدبير مجاري المياه وإصلاح المراحيض وتدبير الضوء والهواء واحترام الخصوصيات والحفاظ على الحرمات وغير ذلك من الأحكام(1).
والمقصد هنا بيان أثر الفقه في صناعة الحياة الاجتماعية واستقرارها، ودوره في صياغة الهوية الذاتية للأمة وتعزيزها، بل لقد كان الفقهاء حريصين على عدم الإخلال بالموازنات الاجتماعية حتى على مستوى المذاهب الفقهية المستقرة في البلدان، وقد اشتهر عن الإمام مالك (ت 179 هـ) قوله للمنصور (ت 158 هـ) لما هم بحمل الناس على كتاب واحد: (يا أمير المؤمنين لا تفعل، فإن الناس قد سبقت لهم أقاويل وسمعوا أحاديث ورووا روايات، وأخذ كل قوم بما سبق إليهم وعملوا به ودانوا له من اختلاف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وغيرهم، وإن ردهم عما اعتقدوه شديد، فدع الناس وما هم عليه وما اختار أهل كل--------------------------------------------
(1) يتناول الفقهاء أحكام البنيان في مؤلفات مستقلة، كما يتطرقون إليها في مناسباتها من الكتب والأبواب الفقهية المختلفة؛ كباب الصلح وغيره، وانظر: أثر الفقه الإسلامي في التهيئة العمرانية للمدن العريقة، عبد الرزاق وورقية، مقال منشور في موقع (الألوكة) في الشبكة العالمية. ومن طريف الموافقات أن هناك شبهًا بين تكون المدينة الإسلامية ونشأة الفقه الإسلامي، كما أن هناك شبهًا بين تكون المدينة الغربية ونشأة التقنينات الغربية الحديثة، حيث تعتمد المدينة العربية التقليدية في تصميمها على عادات الاستعمال لقاطنيها وتتكون شيئًا فشيئًا لتكون ملاقية لأعراف الناس وحاجاتهم، بخلاف المدينة الغربية المعاصرة التي يعتمد تصميمها على تكوين الفكرة مقدمًا وفرضها على التشكيل. انظر: دراسة التحيز في التصميم المعماري، م. سهير حجازي، ضمن بحوث: إشكالية التحيز في الفن والعمارة (84).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 40)

بلد لأنفسهم)(1). وقد ورث فقهاء المالكية هذا الفقه عن إمامهم وظهر أثره في فتاويهم وأقضيتهم والتزم به ملوكهم وأمراؤهم فمنعوا الناس في بلادهم من الخروج عن مذهب مالك لأجل الاستقرار الاجتماعي(2)، وقد ظهر مؤخرًا حرص وتأكيد سياسي على الهوية المالكية لبعض بلدان المغرب لأسباب لا تخفى على متابع(3).
كما كان لفقهاء المالكية دور في مكافحة المد الشيعي والإباضي الذي عصف ببلاد الغرب زمنًا واستطاعوا الحفاظ على المذهب السني بالرغم من الاضطهاد الشديد الذي عانوه من العبيديين وغيرهم(4)، وقد ظهر أثر ذلك في مدونات الفقه وكتب النوازل، كما ظهر في نوع من الصرامة في الجدل الفقهي عندما--------------------------------------------
(1) انظر: ترتيب المدارك، القاضي عياض (2/ 71).
(2) انظر على سبيل المثال: المعيار المعرب، الونشريسي (2/ 169) و (12/ 26)، تاريخ المغرب الإسلامي والأندلس في العصر المريني، د. محمد الحريري (340)، المدارس العتيقة بالمغرب، د. جميل حمداوي (بحث منشور على الشبكة العالمية بموقع دروب)، وللدكتور محمد الروكي في ذلك رسالة صغيرة سماها: (المغرب مالكي.. لماذا؟)، وقد فسر كولسون ما يسمى قفل باب الاجتهاد بأن الغرض منه كان استقرار النظام الاجتماعي والوقوف عند السوابق كما يوجد في باقي بلاد العالم، فالقانون ينبغي أن يستقر ما دام موافقًا لنظام المجتمع، انظر: نقاط التجاذب والخلاف في الفقه الإسلامي، كولسون، مجلة المسلم المعاصر (3: 150).
(3) انظر: إشكالية الوظيفة الدينية في الدولة المعاصرة، امحمد جبرون (12).
(4) انظر: الأثر السياسي للعلماء في عصر المرابطين، محمد محمود بن بية (295)، وهذه المقاومة العلمية والفقهية من قبل علماء السُّنِّة للمذهب الشيعي تكررت في أمكنة وأزمنة مختلفة، كالعراق زمن البويهيين، ومصر أيام العبيديين، وغير ذلك.
انظر مثلًا: الحياة العلمية في العراق خلال العصر البويهي، د. رشاد معتوق (395).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 41)

يتعلق الخلاف الفروعي بطائفة مخالفة في الأصول، وربما زالت هذه الصرامة وخفَّت حدتها بعد زوال الهيمنة السياسة للطائفة المخالفة(1).
ويشرح الشيخ عبد الله كنون (ت 1409 هـ) في كتابه ((النبوغ المغربي)) كيف أسهم الفقهاء قبل ذلك في تثبيت الإسلام ونشره في بلاد المغرب أول مرة، وأن المغاربة لم يعادوا الإسلام في أول الأمر ولم يقاوموه تلك المقاومة العنيفة، إلا لجهلهم بحقيقته وعدم إحاطة علمهم بمحاسنه ومزاياه. وقد فطن لذلك الولاة العرب بعد حين، فرتبوا لهم الفقهاء والقراء يلقنونهم العربية ويبصرونهم بالدين، فأنزل عمر بن عبد العزيز (ت 101 هـ) فإفريقية والمغرب عشرة من الفقهاء يعلمون الناس القرآن ويفقهونهم في الدين، وكذلك فعل موسى بن نصير (ت 97 هـ) فرتب عددًا من القراء والفقهاء للغرض نفسه، فلما اكتنهوا كنه الإسلام وعرفوا حقيقته وتمرسوا بتعاليمه السامية وآدابه العالية، أصبحوا من أكبر دعاته وأحمى أنصاره، فجاهدوا في سبيله الجهاد الأكبر وبذلوا النفس والنفيس لإبلاغ دعوته إلى أقاصي البلاد، فهم الذين فتحوا الأندلس وسهلوا طريقها للعرب، ومازالوا بعد ذلك حاميتها وذادتها إلى آخر العهد بها، وهم الذين اقتحموا مجاهل إفريقية وحملوا إليها الهداية الإسلامية والثقافة العربية(2).--------------------------------------------
(1) انظر: الفكر التشريعي وأسس استمرار الإسلام، د. المبروك المنصوري (167).
(2) انظر: النبوغ المغربي (1/ 41).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 42)

فالفقه له دوره الكبير في صناعة الحياة الاجتماعية وتنظيمها على هيئة تصبح بمرور الزمن من الأحوال الراسخة التي يصعب نقلها، ولما حاول العثمانيون تغليب المذهب الحنفي في تونس على المذهب المالكي السائد فيها، وإدخال اللغة التركية في الزيتونة نجم من ذلك فوضى واختلال(1).
وإذا كان هذا الرسوخ والاستقرار الاجتماعي يمكن أن يصيبه نوع من الخلل في حالة فرض مذهب فقهي على بلاد يغلب فيها مذهب آخر مع أنها مذاهب فقهية شرعية معتبرة، فكيف إذًا هي الحال عندما يفرض قانون أجنبي (غريب الوجه واليد واللسان) على بلاد وبيئة تختلف تمامًا عن بيئة القانون وبلاده؟
إن المجتمعات الإسلامية مجتمعات مؤمنة، وللدين والأخلاق وأصول الاعتقاد الأثر الأكبر في صياغة تصوراتها ووجدانها، وليست سلطة القانون الإلزامية وحدها هي من يحملها على الخير والصلاح، بل إن حالة التدين الجماعي وواعظ الله في قلب كل مؤمن والاحتساب والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتربية الوالدين وحقوق النصيحة، كل أولئك من المؤثرات الكبيرة في استقامة المجتمع وصلاحه، وإذا عزلت هذه المؤثرات عن دورها وجرى استيراد قانون أجنبي لا يتلاءم معها فهذا من أسباب الفساد المشرعة مهما وصفت تلك القوانين باسم الإصلاح.--------------------------------------------
(1) انظر: التفكير الإصلاحي في تونس في القرن التاسع عشر إلى صدور قانون عهد الأمان، رشاد الإمام (184).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 43)

إن الفقه لا يعمل وحده دون منظومة من التدين والأخلاق والوازع النفسي والجماعي، ولو أخذت فرنسا أو سويسرا بأحكام الشريعة فإنها لن تحقق ذات الآثار التي تحققها في مجتمع مسلم مؤمن(1)، وبهذا ندرك جيدًا أن تطبيق شرع الله جل جلاله ليس مجرد مسألة فقهية أو قانونية، بل هو حل نفسي واضح وعودة إلى الذات، وهو حجر الزاوية للخروج من حالة التيه والشتات واستعادة الهوية التي عبث بها المحتل ووكلاؤه(2).--------------------------------------------
(1) انظر: الفقه الإسلامي ومدارسه، مصطفى الزرقا (15)، هوامش على دفتر الفقه، د. عبد الحليم عويس، مجلة المسلم المعاصر (6: 119).
(2) انظر: نشأة الفقه الإسلامي وتطوره، د. وائل حلاق (21).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 44)

الإصلاح شعار الأنبياء به بعثوا وبه تنزلت الكتب ونصبت الشرائع، وشريعة الإسلام مشتملة على جلب المصالح كلها وعلى درء المفاسد بأسرها، وفيها الخير كله والصلاح كله، وهذه المصالح منها ما يعرفه الذكي والبليد ومنها ما يختص بمعرفته الأذكياء ومنها ما يختص أهل العلم والإيمان بمعرفته كما قال الله جل جلاله: ((والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا))، فإن العالم المؤمن يهتم بمعرفة حكم الله وشرعه فيكون بحثه أتم واجتهاده أكمل، كما أن العالم المؤمن يوازن بين المصالح والضروريات فلا يأخذه الالتفات إلى أحدها والانشغال به عن بقية المصالح، فإن من الناس من يلتفت إلى مصالح الدنيا ويهمل مقاصد الآخرة مع أنها مقدمة عليها، ولذا شرع الجهاد مع ما فيه من فوات مصالح الدنيا. وقد فصَّل الفقهاء في مراتب المصالح وأفاضوا في دقائق قواعد الموازنات والمفاضلات، والمصالح في جملتها ترجع إلى خمسة مصالح وهي الدين والنفس والعقل والعرض

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 45)

والمال، وقد جاءت الشريعة بحفظ هذه المصالح من جهة إقامتها وإنشائها ومن جهة حراستها والحفاظ عليها، وتفاصيل الفقه وفروعه ترجع مآلاتها إلى هذا المعنى(1).
وهذه المصالح لا تنافي قضايا العقول ولا تأتي بما يخالفها، فإن هذه الشريعة الخاتمة شريعة كمال وجمال وما جاء فيها من الشرائع فهي شرائع موافقة لمصلحة البشر وفيها الرحمة والخير والنعمة التامة. قال القرطبي (ت 671 هـ) في قول الله تعالى: {وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي} [المائدة: 3]: (أي: بإكمال الشرائع والأحكام)(2) ولئن شرع الله جل جلاله على بعض الأمم شرائع فيها عنت ومشقة على سبيل العقوبة لهم، فإن هذه الأمة أمة مرحومة لم يكلفها الله تعالى فوق طاقتها ولم يحمل عليها إصرًا كما حمله على الذين من قبلها ولم يشرع لها إلا ما فيه مصلحتها ونفعها في الدنيا والآخرة(3)، وأما ما قد يعرض لبعض العقول من الاعتراض على بعض الشرائع فإن وقوع هذا لا بد منه، فإن الفساد يتطرق إلى العقول كما يتطرق إلى الأبصار والأسماع فيرى الشيء بخلاف ما هو عليه.
قال مسكويه (ت 421 هـ): (ليس يجوز أن ترد الشريعة من قبل الله تعالى بما يأباه العقل ويخالفه، ولكن الشاك في هذه--------------------------------------------
(1) انظر: قواعد الأحكام، العز بن عبد السلام (1/ 38)، الموافقات، الشاطبي (2/ 18)، الجواب الصحيح، ابن تيمية (5/ 441).
(2) الجامع لأحكام القرآن (7/ 293).
(3) انظر: مجموع فتاوى ابن تيمية (19/ 25) و (20/ 199).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 46)

المواضع لا يعرف شرائط العقل وما يأباه، فهو أبدًا يخلطه بالعادات ويظن أن تأبِّي الطباع من شيء هو مخالفة العقل. وقد سمعت كثيرًا من الناس يتشككون بهذه الشكوك وحضرت خصوماتهم وجدالهم فلم يتعدوا ما ذكرته)(1).
والفقهاء في ممارساتهم الفقهية المختلفة يتدربون ويتفقهون على إدراك المصالح واعتبارها، وهذه المصالح التي يتطلبونها مصالح بينت الشريعة أصولها وسبل الاهتداء إليها، ولئن اختلفت القوانين الحديثة في المرجعية المعيارية التي تبني عليها القوانين فإن مبنى هذه الشريعة على محكمات الدين وأصوله، وهذا ما يعصم مسار الإصلاح بعمومه من المتاهات التي ضلت فيها عقول الذين لا يؤمنون بالدين ولا يحتكمون إلى شرع الله وأمره، فإن صحة التصورات ومتانة البناء الأخلاقي ورسوخه قاعدة تبتني عليها الأحكام والشرائع، وأهدى العقول هي العقول التي تتصالح مكوناتها الاعتقادية والأخلاقية والقانونية، وشريعة الإسلام أقوم الشرائع في هذا وأعدلها؛ لأنها شريعة الله الذي له الخلق والأمر، والذي فرض أمره ونهيه على مقتضى ما أجرى به خلقه من السنن، وجبل عليه الناس من الطبائع(2).
إن طبيعة الفقه طبيعة إصلاحية، وهو لا يكتفي بالفعل--------------------------------------------
(1) الهوامل والشوامل (354)، وانظر: الموافقات، الشاطبي (3/ 208).
(2) انظر: استثمار النص الشرعي على مدى التاريخ الإسلامي، أبو الطيب مولود السريري (235)، الخطاب الديني بين تحديث الدخلاء وتجديد العلماء، د. محمد نعيم ساعي (165).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 47)

السلبي كحال القوانين التي تفصل بين الناس عندما يتنازعون ويتخاصمون، بل يمارس دوره الإيجابي الفعال في الإصلاح، وكذلك الدولة التي تقوم بالشريعة فإنها ليست ذات غاية سلبية بحيث تقتصر مهمتها على حماية الناس من العدوان وحفظ حرياتهم أو الدفاع عن الدولة نفسها، بل غاية الدولة في الإسلام إيجابية تدعو إلى الخير وتنهى عن الشر وتتمثل قول الله جل جلاله: {الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ} [الحج: 41](1). وإطلاقات الفقهاء في أن من أغراض الخلافة أو الإمامة أو الدولة حراسة الدين(2)، ليس مقصودهم منها الجانب السلبي للحراسة والمفهوم السلبي للدولة بقصر وظيفتها على الرعاية والتمكين، بمعنى حماية الحريات الفردية بمفهومها التقليدي وتمكين الأفراد من ممارستها وفق ما تمليه عليهم رغباتهم، فإن مفهوم الدولة ووظائفها في الإسلام يؤخذ من الشريعة ذاتها، ومن ذلك حراسة الدين بحفظه ونشره والدعوة إليه وإنفاذ شرائعه، واستخدام القوة في تحقيق هذه المقاصد العليا، وهذه جوانب إيجابية توضح رسالة الدولة وغايتها الإصلاحية في الإسلام، حيث تقيم المجتمع كله على أسس إسلامية في الحكم والإدارة والسياسة، وفي العلوم والفنون والآداب، وفي الاجتماع والاقتصاد(3).--------------------------------------------
(1) انظر: نظرية الإسلام السياسية، المودودي (41).
(2) انظر على سبيل المثال: الأحكام السلطانية، الماوردي (3).
(3) انظر: الإسلام وأوضاعنا القانونية، د. عبد القادر عودة (105)، خصائص التشريع الإسلامي في السياسة والحكم، د. فتحي الدريني (179)، نظرية الإسلام السياسية، المودودي (41).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 48)