Arabic source text

📘 ইসলাহুল ফাকিহি ফুসুলুন ফিল ইসলাহিল ফিকহি (হায়সাম বিন ফাহাদ আল-রুমি)

📘 إصلاح الفقيه فصول في الإصلاح الفقهي (هيثم بن فهد الرومي)

📘 ইসলাহুল ফাকিহি ফুসুলুন ফিল ইসলাহিল ফিকহি (হায়সাম বিন ফাহাদ আল-রুমি)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
فإن فتنتهما فتنة لكل مفتون)(1)، وقال الأوزاعي (ت 157 هـ): (ويل للمتفقهين لغير العبادة، والمستحلين الحرمات بالشبهات)(2)، وقال الإمام الشافعي (ت 204 هـ): (تفقهوا مع فقهكم هذا بمذاهب أهل الإخلاص، ولا تفقهوا بما يودِّيكم إلى ركوب القلاص، فإن عيسى ابن مريم إذا نزل لكم يطلب يا معشر الفقهاء)(3).
ففقهاء الزور هؤلاء ممن يتصدرون بغير علم، أو ممن يتصدرون لغرض دنيوي، من أسباب فساد الدين والدنيا.
ومقاومتهم والتصدي لهم واجب على أهل الفقه والإيمان أولًا، ثم على الأمة التي لا يجوز لها أن تسمح لأحد أن يتلاعب بدينها، كما لا تسمح لأحد أن يتلاعب بصحتها أو أرزاقها(4).
ومن عظيم فساد هؤلاء بغضهم للإصلاح وأهله، وممانعتهم له ووقوفهم ضد رجاله؛ لأنهم أعداؤهم والكاشفون عن حقيقتهم.
يقول الراغب الأصفهاني (ت 502 هـ): (وصلاح العالم بمراعاة أمر هذه السياسات لتخدم العامة الخاصة وتسوس الخاصة العامة، وفساده في عكس ذلك. ولما تركت مراعاة المتصدي للحكمة والوعظ، وترشح قوم للزعامة في العلم من غير استحقاق منهم لها--------------------------------------------
(1) جامع بيان العلم وفضله، ابن عبد البر، باب ذم الفاجر من العلماء وذم طلب العلم للمباهاة والدنيا (1161).
(2) الفقيه والمتفقه، الخطيب البغدادي، باب إخلاص النية (812).
(3) الفقيه والمتفقه، الخطيب البغدادي، باب إخلاص النية (813).
(4) انظر: وظيفة الفقيه، محمد خليل الزروق، مقال في موقع (الرقيم) في الشبكة العالمية.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 109)

فأحدثوا بجهلهم بدعًا استغروا بها العامة واستجلبوا بها منفعة ورياسة، ووجدوا من العامة مساعدة لمشاكلتهم لهم وقرب جوهرهم منهم:
فكل قرين إلى شكله… كأنس الخنافس بالعقرب
وفتحوا بذلك طرقًا منسدة ورفعوا بها ستورًا مسبلة، وطلبوا منزلة الخاصة فوصلوا إليها بالوقاحة وبما فيهم من الشَّرَه، فبدعوا العلماء وكفروهم اغتصابًا لسلطانهم ومنازعة في مكانهم، فأغروا بهم أتباعهم حتى وطؤوهم بأخفافهم وأظلافهم، فتولد من ذلك البوار والجور العام)(1)
ومن جميل كلام الأستاذ أحمد حسن الزيات (ت 1388 هـ) قوله في هؤلاء: (إن من أول وسائل الإصلاح للدين والدنيا أن يكسح هؤلاء من معاهد العلم ومقاعد التعليم كما تكسح الأوحال من الطريق، فإن الباني لا يبني وفي يديه مسطرين وفي أيديهم معول، وإن الغارس لا يغرس وفي يده مشتل وفي أيديهم منجل.
ولولا أبو جهل وابن سلول وشيعتهما من عدو الله، لما قال الرسول الصادق الصابر الشجاع وهو يلوذ بأحد الجدر: اللَّهُمَّ إني أشكو إليك ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس)(2).--------------------------------------------
(1) الذريعة إلى مكارم الشريعة (251).
(2) وحي الرسالة (4/ 70).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 110)

‌‌الفصل الثالث
علاقات الفقيه
1 - الفقيه والسلطان.
2 - الفقيه والمثقف.
3 - الفقيه والمجتمع.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 111)

‌‌1 - الفقيه والسلطان
((أمثل منذر بن سعيد في خيره وفضله وعلمه لا أمَّ لك يُعزل لإرضاء نفس ناكبة عن الرشد سالكة غير القصد؟ هذا ما لا يكون)).
أمير الأندلس عبد الرحمن الناصر [أزهار الرياض، المقري: 2/ 279]
((وأما أنا في نفسي فلا يضرني التهديد ولا أكبر منه، ولا يمنعني ذلك من نصيحة السلطان، فإني أعتقد أن هذا واجب عليَّ وعلى غيري، وما ترتب على الواجب فهو خير وزيادة عند الله تعالى)).
الإمام النووي [تحفة الطالبين في ترجمة الإمام محيي الدين، ابن العطار: 104]
((وبالجملة: إنما فسدت الرعية بفساد الملوك، وفساد الملوك بفساد العلماء، فلولا القضاة السوء والعلماء السوء لقلَّ فساد الملوك خوفًا من إنكارهم)).
أبو حامد الغزالي [إحياء علوم الدين: 3/ 573]
((وعلى الإجمال إذا كانت هنالك أية ثقافة فقهية وسياسية تعود إلى العصور ما قبل الحديثة وحافظت على مبدأ سلطة الشرع وسيادته حفاظًا جيدًا فإنما هي ثقافة الإسلام)).
د. وائل حلاق [نشأة الفقه الإسلامي: 263]

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 113)

الكلام عن علاقة الفقيه بالسلطان من ضرورة الحديث عن إصلاح الفقيه، فإن كلًا منهما له سلطة تختص به، وهاتان السلطتان بينهما عموم وخصوص نسبي، والنزاع حاصل قديمًا وحديثًا في هذا القدر المشترك بينهما، وقد طرأ هذا الإشكال بعد أن انفكت السلطتان عن محلهما الواحد في عهد الخلافة الراشدة يوم كان الخليفة فقيهًا في الوقت نفسه، فلم تكن الحالة الفقهية والحالة العامة من ورائها تشهد تضاربًا واختلافًا كالذي نشأ بعد انفكاك السلطتين. فإن انفكاكهما إنما حصل بسبب ابتعاد صاحب السلطان عن مراسم الشريعة، وبعده عن معالم الخلافة الراشدة، وهذا ما يستلزم معارضة الفقهاء لهذا الابتعاد الذي لم يكن يلزم حالة مطردة بل كان يتفاوت زيادة ونقصًا بحسب الظرف والحال.
ولئن كانت السلطتان متحدتين في الخلفاء الراشدين-وقد رأينا فقهاء السياسة الشرعية ينصون على اشتراط الاجتهاد في

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 114)

الإمام الأعظم(1) -فإن الواقع التاريخي يشهد أن هذا الاتحاد بينهما لم يكن هو الغالب في التاريخ الممتد، بل ربما اقترب الحال كثيرًا من النموذج الراشد حتى وصف به، كما وصف به عهد عمر بن عبد العزيز (ت 101 هـ)(2)، وربما اختلفت درجة القرب حتى لربما كان الفقهاء يديرون أو يشاركون في جهاز الدولة(3)، بل ربما كان السلطان نفسه فقيهًا كما قد جرى في مرات كثيرة(4)، غير أنه ظل بعيدًا عن أن يوصف حكمه بشرط الرشد المذكور. وربما ابتعد السلطان في أحواله الخاصة أو الأحوال العامة عن نهج الشريعة، لكن الالتزام بمرجعيتها كان أساسًا ظاهرًا في تاريخ الدول والممالك الإسلامية إلى مشارف العصور الحديثة.--------------------------------------------
(1) يقول الإمام الشاطبي (ت 790 هـ): (إن العلماء نقلوا الاتفاق على أن الإمامة الكبرى لا تنعقد إلا لمن نال رتبة الاجتهاد والفتوى في علوم الشرع) الاعتصام (3/ 42)، وقال الإمام الجويني (ت 478 هـ): (ولم يؤثر في اشتراط ذلك خلاف) الغياثي (84).
وانظر: الأحكام السلطانية للماوردي (5)، الأحكام السلطانية لأبي يعلى (20).
(2) روي عن سفيان الثوري (ت 161 هـ) مثلًا أنه قال: ((الخلفاء خمسة أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وعمر بن عبد العزيز)) سنن أبي داود، كتاب السُّنِّة، باب في التفضيل (4607).
(3) انظر على سبيل المثال: دور فقهاء الأندلس في الحياة السياسية والاجتماعية بالأندلس في عصري الإمارة والخلافة، د. خليل الكبيسي (159)، فقهاء المالكية وآثارهم في مجتمع السودان الغربي، سحر مرجان (135).
(4) انظر على سبيل المثال: ما قيل في ترجمة أبي عنان (ت 759 هـ) من سلاطين بني مرين في: سلوة الأنفاس ومحادثة الأكياس بمن أقبر من العلماء والصلحاء بفاس، الكتاني (3/ 347)، ودور الفقيه عبد الله بن ياسين (ت 451 هـ) في قيام دولة المرابطين في: الأثر السياسي للعلماء في عصر المرابطين، محمد محمود بن بيه (57).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 115)

وكان للفقهاء في هذا التاريخ الطويل سلطة لم يزعموا قط أنها سلطة إلهية يستمدونها من السماء على النحو الذي يصف به النصارى رهبانهم، بل كانت هذه السلطة سلطة بيان الشريعة التي أمر الله الناس بالرجوع إلى أهل الذكر في السؤال عنها. ولم تكن هذه السلطة مكتسبة بتعيين السياسي أو بإرادته، بل كان لها شروطها العلمية والإيمانية والتربوية التي يكون بها الفقيه إمامًا للناس، ويشهد له بذلك أقرانه من الفقهاء الذين بلغوا درجة عالية كذلك في العلم والتزكية، بسلسلة وراثية يمتد بها العلماء ليكونوا ورثة للأنبياء.
وبعيدًا عن الخوض في مفهوم السلطة(1)، فإن سلطة الفقهاء تعني نفوذ أمرهم وكلمتهم في الناس، وذلك أن الشريعة مشتملة على الأمر والنهي والهداية العامة، والفقهاء هم المختصون ببيان أحكام الشريعة للناس، كما في قول الله جل جلاله: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ} [النحل: 43]. وبما أن أحكام الشريعة شاملة للحياة بشتى مناحيها ومجالاتها، فالنتيجة الطبيعية لهذا أن يكون لبيان الفقهاء واجتهادهم أثر ونفوذ في الحياة العامة.
ولما كان أخص صفات الحكم بعد الخلافة الراشدة أنه (مُلك)، فإن من صفات المُلك كـ (مُلك) أنه عقيم(2)، وصاحب السلطة السياسية لا يرضى منازعته في هذه السلطة، ولكنه مع ذلك محتاج إلى الفقهاء الذين لا بد له منهم في الوظائف الدينية--------------------------------------------
(1) انظر تلخيصَا لذلك في: ميشال فوكو المعرفة والسلطة، عبد العزيز العيادي (43).
(2) انظر: مجمع الأمثال، الميداني (3/ 329).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 116)

والخطط الشرعية، وهو محتاج إليهم كذلك لأنهم من يمنحه المشروعية التي هو بأمس الحاجة إليها في مجتمع مسلم. وبذا كانت العلاقة بين الفقيه والسلطان تتأرجح بين هذين المحددين، سواء من طرف الفقيه أو من طرف السلطان، وكانت طبيعة الموازنة بينهما تؤثر في طبيعة الدولة ذاتها.
وكانت سلطة الفقهاء وتأثيرهم في العامة أمرًا ظاهرًا وملحوظًا للسلطان نفسه، وكان يتفهمهما تارة ويضيق بها ذرعًا تاراتٍ أخرى، مما حدا بعض المعاصرين أن يصف الفقهاء بأنهم: (ممثلو الشعب أو سلطة الشعب)(1)، وبسبب وجاهة الفقيه ومكانته في الناس فإن الحصول على رضاه كان مقدمة للحصول على رضا الناس(2)، وربما (انتهى السلطان والعامة إلى رأيه)(3).
ويحكي لنا القاضي عياض (ت 544 هـ) في ترجمة الفقيه المالكي أبي إبراهيم إسحاق بن إبراهيم بن مسرة التجيبي (ت 352 هـ) أن خبر وفاته أتى الحكم المستنصر وقد فتح له حصن من الحصون في الأندلس فقال: (لا أدري بأي الفرحتين أُسرُّ، بأخذ الحصن أو بموت إسحاق)، ثم عقَّب القاضي عياض بقوله: (لخوفه منه وطوع العامة له)(4).--------------------------------------------
(1) انظر: مالك تجارب حياة، أمين الخولي (284).
(2) انظر: دور فقهاء الأندلس في الحياة السياسية والاجتماعية بالأندلس في عصري الإمارة والخلافة، د. خليل الكبيسي (91).
(3) قالها ابن عبد البر في يحيى بن يحيى الليثي. انظر: الانتقاء (106).
(4) ترتيب المدارك (6/ 134).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 117)

وكان الفقهاء يدركون هذه المكانة ويعرفون قدرهم ومكانتهم لدى العامة ولا يسمحون للسلاطين بالمزايدة عليهم فيها من خلال إغرائهم بالمناصب الرسمية أو تهديدهم بفقدها.
يذكر ابن حزم (ت 456 هـ) أن الحاجب المنصور (ت 392 هـ) أراد أن يتسمى بالخلافة فاعترض عليه القاضي ابن زرب (ت 381 هـ) فغضب المنصور، فلما قام القاضي للخروج وسلم عليه، قال: اخرجوا بين يدي الفقيه-يشير إلى عزله عن القضاء-فقال ابن زرب: (لا بأس هذا ما لا تقدرون على عزلنا عنه)(1).
وبسبب هذه السلطة والمكانة التي وجدت جذورها المستقلة في المجتمع من خلال الجوامع والمدارس والأوقاف وغيرها من مؤسسات المجتمع المستقلة، فقد كان السلاطين يحاولون التأثير على هذه المكانة بوسائل مختلفة، ومنها ما يأتي(2):
1 - استقطاب الفقهاء واستمالتهم بالمناصب الرسمية أو الهبات والأعطيات.
2 - محاولة تقييد وظائف الفقهاء وتحديد أدوارهم والإشراف عليها وردها إلى المساحة التي يتيحها السلطان لهم.
ومن المهم التنبه إلى أن الفقهاء وإن تكلموا عن تقنين القضاء والإشراف على الفتوى، إلا أن من الضروري عند تحقيق--------------------------------------------
(1) رسالة نقط العروس ضمن رسائل ابن حزم (2/ 87)، وانظر: فقهاء الأندلس والمشروع العامري، فوزي العتيبي (204).
(2) انظر: الفقهاء والخلفاء، د. سلطان بن حثلين (154).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 118)

المناطات ألا يتخذ ذلك وسيلة إلى التلاعب بالشريعة وردها إلى أهواء السلاطين وإخضاعها لرغباتهم(1).
3 - العمل على إحواج الفقهاء إلى السلطان والتضييق على موارد رزقهم من أوقاف أو غيرها، أو إيقاف وخفض حقوقهم المالية من بيت المال، ونحو ذلك. كما جرى من وقف العطاء عن طائفة من فقهاء المدينة التي كانت تُعدُّ من مراكز معارضة الأمويين(2)، وكتدخل محمد علي باشا (ت 1265 هـ) في شؤون الأوقاف وإلغائه لنظام الالتزامات مما أثر سلبًا على مركز العلماء(3).
4 - تفريق الفقهاء وبث الخلاف بينهم لإضعاف كلمتهم، وإشغالهم باليسير من الخلاف عن جليله، وتفريق الناس من حولهم وتمزيق أواصرهم؛ لئلا ينتهض كيان له قوة مهددة لكيان السلطان، ولذا فهو يحاول صرف الكافة عن الاشتغال بالأمور العامة التي من شأنها توليد رابطة جامعة(4). ومن ذلك أن هشام بن عبد الملك صلى بالبقيع على سالم بن عبد الله بن عمر (ت 106 هـ) وهو أحد فقهاء المدينة السبعة، فلما رأى هشام كثرتهم بالبقيع أمر بأن يضرب على الناس بعثٌ بأربعة آلاف إلى--------------------------------------------
(1) انظر: فوضى الإفتاء، د. أسامة الأشقر (74) و (124).
(2) انظر: تهذيب الكمال، الحافظ المزي (8/ 11).
(3) انظر: الفكر العربي في عصر النهضة، ألبرت حوراني (64)، مقدمة في التاريخ الاقتصادي العربي، د. عبد العزيز الدوري (95).
(4) انظر: إحياء الفروض الكفائية، د. عبد الباقي عبد الكبير (94).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 119)

السواحل(1). ومنه أن أمير الأندلس عبد الرحمن بن الحكم (ت 238 هـ) ضاق ذرعًا بيحيى بن يحيى الليثي (ت 234 هـ) والفقهاء الضالعين معه في كل ما يشير به ولا يخالفون عن أمره، فكان الأمير عبد الرحمن يكره تألبهم ويقلق منهم ويسميهم سلسلة السوء، فلما ولَّى يخامر بن عثمان القضاء حفظه منهم وسماهم له هذا الاسم، فتجنبهم يخامر وأخذ حذره منهم، فلما عزله عبد الرحمن لاحقًا قال يخامر لرسول الأمير على رؤوس الناس: قل للأمير-أصلحه الله-إذ وليتني أمرتني أن أتحفظ من السلسلة السوء، واليوم تعزلني ببغيها علي! فلما بلغ الرسول قوله إلى الأمير قال: قبحه الله، ذكر أسرارنا على رؤوس الناس(2).
وعلى أية حال فإن السلطان يظل بحاجة إلى الفقهاء ولا يمكنه الاستغناء عنهم في جهاز دولته، وهو مع ذلك يحاول وضعهم تحت سلطته وضبط نفوذهم بحيث يكون امتدادًا لنفوذه.
ولا بد من التنبه في هذا السياق إلى أمر بالغ الأهمية وله أثره الكبير عند محاولة تفسير مثل هذه العلاقة التاريخية، وهو أن التفسيرات التاريخية المعاصرة تكثر فيها بل تغلب عليها التحليلات المادية التي تقصي الغيب والإيمان عن التأثير في حركة التاريخ كما في كتابات الكثير من المثقفين العرب، ولا ريب أن استبعاد البعد الإيماني سيجعل هذه التحليلات بادية الضعف في أمة--------------------------------------------
(1) انظر: الطبقات، ابن سعد (7/ 199).
(2) انظر: المقتبس من أنباء أهل الأندلس، ابن حيان (202)، قضاة قرطبة، الخشني (55).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 120)

مسلمة ذات رسالة غيبية، وفي الوقت ذاته فإن استبعاد التفسيرات المادية الصحيحة قد يفرز في أحوال كثيرة تفسيرات تتسم بالبساطة والسذاجة، ومن المهم تقدير كل حالة بحسب زمانها ومكانها وأحوالها وأشخاصها، ومن الخلط الكبير ههنا أن تستنسخ الآليات التي أفرزتها العقلية الأوروبية المادية لتطبق على بيئات مغايرة تمامًا. ومن أمثلة ذلك التأثر بالنظرة الميكافيلية التي ترى أن القوى المحركة للتاريخ هي المصلحة المادية والصراع حول السلطة فحسب، ولئن نجح هذا النوع من التفسير في تحليل الكثير من أحداث التاريخ الأوروبي، فإن استصحابه لتحليل التاريخ الإسلامي سينطوي على فساد كبير وخطأ واضح.
والحكام والسلاطين في تاريخ المسلمين القديم مع ما قد يصدر عنهم من ظلم وبغي وعسف وقهر وأكل للأموال بالباطل، فيحفظ التاريخ لهم أيضًا-من حيث العموم-أنهم: (حضروا المساجد مع الرعية وفتحوا لهم الأبواب. يكرمون الزائر، ويحترمون العالم، ويجلون الفقيه. يسمعون منهما النصح والإرشاد، ويتقبلون المحاسبة والإنكار. أما الجهاد في سبيل الله فقد كان رائدهم، لم يتخلوا عنه في أحلك الظروف التي مرت بهم)(1)، فهم في هذا كآحاد المسلمين الذين يخلطون عملًا صالحًا وآخر سيئًا، غير أن آثار أعمالهم تعم وتعظم أثرها في الخير والشر(2).--------------------------------------------
(1) انظر: الإسلام بين العلماء والحكام، عبد العزيز البدري (15) وما بعدها، فقد ذكر أمورًا لا بد من مراعاتها عند النظر في هذا الموضوع.
(2) أفاض العز بن عبد السلام في هذا، انظر: قواعد الأحكام (1/ 198).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 121)

لابن خلدون (ت 808 هـ) كلام يحب العلمانيون العرب الاستشهاد والاحتجاج به، ومفاده أن العلماء من بين البشر أبعد عن السياسة ومذاهبها، فهم متعودون في سائر أنظارهم الأمور الذهنية والأنظار الفكرية لا يعرفون سواها، والسياسة يحتاج صاحبها إلى مراعاة ما في الخارج وما يلحقها من الأحوال ويتبعها(1). والاحتجاج بكلام ابن خلدون على المبدأ العلماني مسألة تجاوزتها الحالة العلمية الحديثة، وإن كانت شغلت الناس في وقت مضى لما طرح علي عبد الرازق (ت 1386 هـ) كتابه حول الإسلام وأصول الحكم. وابن خلدون نفسه كان فقيهًا قاضيًا ومارس السياسة طويلًا كما يعرف من سيرته، وقصده بهذا الكلام لا يمت بصلة إلى مرادات من يستشهد بكلامه من العلمانيين(2).--------------------------------------------
(1) انظر: المقدمة (5/ 290).
(2) حكم الطاهر ابن عاشور بخطأ ما سماه: (نظرية ابن خلدون) القاضية على طبع العالم بالبعد عن السياسة، وذكر لكلامه شواهد تاريخية واقعية، انظر: أليس الصبح بقريب (199)، وانظر كذلك: علماء الإسلام في الماضي قوة حاضرة في جل الأنظمة، إبراهيم حركات، ضمن مجموع ((التاريخ والفقه: أعمال مهداة إلى المرحوم محمد المنوني)) (93).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 122)

ومع ذلك فلا تزال كتابات كثيرٍ من المثقفين سواء من العلمانيين أو من غيرهم تتهم الفقهاء بأنهم لم يكن لهم حضور سياسي في مجتمعاتهم، وأن نشاطهم بات ينحصر في الوعظ والإرشاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على الصعيد الخاص، وعدم التعرض لواقع الحياة إلا بطريق التورية(1).
ومن أكبر الإشكاليات في هذا النوع من الطرح أنه يستورد مناهج وأدوات بحثية، بل أطرًا ومفاهيم أجنبية لقراءة تاريخ حضارة ذات دين وثقافة مختلفين تمامًا عن سياق تلك الأدوات والمفاهيم. فمفاهيم مثل: (الفقه) و (السياسة) و (الحياة العامة) و (المشاركة) و (المجتمع) و (العلماء) و (السلاطين) في سياقنا الحضاري والثقافي لها معانيها التي تختلف عنها في سياق الحضارة والفكر الغربي الذي تستورد منه هذه الأدوات التحليلية.
وإذا ما تفهمنا وقوع مستشرقين نشأوا في السياق الغربي في أخطاء كبيرة في فهم الحضارة الإسلامية ومكوناتها، فإن من الصعب أن نتفهم وقوع باحثين عرب في مثل هذه الأخطاء، إلا أن يكونوا واقعين تحت سطوة الاستلاب الحضاري الذي لا--------------------------------------------
(1) انظر: الفكر الأصولي وإشكالية السلطة العلمية، د. عبد المجيد الصغير (302)، القطيعة بين المثقف والفقيه، يحيى محمد (77).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 123)

يسمح للناقل بنقد الفكرة، بل تقتصر مهمته بالترويج لها والبحث في التراث العريض عن شواهد تؤيدها(1).
وعلى أية حال فإن منطق الشريعة يستلزم مشاركة الفقهاء في أعلى مستويات الدولة؛ لأن شرط إسلامية الدولة قيامها على أساس التزام أحكام الشريعة وسياساتها، والفقهاء هم المتخصصون من الناحية العلمية ببيان أحكام الشريعة، ومشاركتهم لا تحمل معنى الكهنوت عند النصارى، بل هي نتيجة ضرورية لرد الأمر إلى أهله الذين هم أهل التخصص(2)، فطبيعة (الاجتهاد) في تدبير الأمر في النص التشريعي، واستنباط ما يغطي حاجات المجتمع في وقائعه المتجددة حق مشترك بين من توفرت فيهم مؤهلات علمية معينة ترفعهم إلى مقام التخصص العلمي الدقيق(3).
والإسلام الذي هو آخر الأديان وأعظمها منهاج حياة ونظام إصلاح، يرقى بالحياة البشرية والمجتمعات الإنسانية إلى أعلى مستوى يمكن أن تصل إليه من الصلاح. وبيان الفقهاء لسبيل الإصلاح ومشاركتهم فيه ليس استغلالًا للدين ولا انتهازية ولا (إسلامًا سياسيًا) ولا (إسلاموية) ولا غير ذلك من المصطلحات--------------------------------------------
(1) من المهم الرجوع هنا إلى ما ذكرته د. مني أبو الفضل في اثني عشر تنبيهًا في: نحو إعادة بناء علوم الأمة الاجتماعية والشرعية (51 - 65).
(2) انظر: الإسلام بين العلماء والحكام، عبد العزيز البدري (28)، السلطة الثقافية والسلطة السياسية، د. علي أومليل (50).
(3) انظر: خصائص التشريع الإسلامي في السياسة والحكم، د. فتحي الدريني (90).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 124)

التي يخترعها بعض المستشرقين ثم يرددها بعض المفتونين، من الذين لا يدركون حقيقة الفرق بين الراهب النصراني والفقيه المسلم، ومن الذين تشبعت عقولهم بالتصورات الأوروبية الفاسدة لمفهوم الدين وعلاقته بالحياة.
والنظرة التي تفصل بين الفقه والسياسة ليست نظرة فاسدة في التحليل الشرعي فحسب، بل هي فاسدة في تصورها الحضاري والتاريخي والاجتماعي للدول والمجتمعات الإسلامية، فإن الفقه أكبر مكونات حضارة المسلمين وعليه تقوم، وقد علم من شواهد التاريخ الحديث أن تفكيك المؤسسات الدينية والفقهية خلال القرن التاسع عشر والعشرين أدى إلى القضاء على سلطة الشرع التي كانت تسود البلدان الإسلامية، مما أدى إلى الإخلال بالعلاقات والموازنات التاريخية التي تستند عليها حياة المسلمين ومعاشهم، ولم يعرف المسلمون في تاريخهم تسلطًا وجبروتًا سياسيًا كالذي عاينوه بعد انهيار الموازنات القديمة ونشأة الديكتاتوريات الحديثة(1).
أما عند التتبع التاريخي لمشاركة الفقهاء السياسية فإن قراءة أي مصدر من المصادر التي تختص بذكر طبقات الفقهاء وتراجمهم وأخبارهم سواء كانت من المصادر المتقدمة أو المتأخرة سوف تطلعنا على مشاركتهم في جميع المناصب السياسية بمستوياتها التنفيذية والتشريعية والقضائية حسب--------------------------------------------
(1) انظر: نشأة الفقه الإسلامي وتطوره، د. وائل حلاق (279).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 125)

الاصطلاح والتقسيم المتأخر. ويمكن الرجوع في هذا أيضًا إلى الدراسات المعاصرة التي تعني بدراسة أثر الفقهاء في الحياة السياسية والشؤون العامة، ومن ذلك ما يأتي:
1 - أثر العلماء في الحياة السياسية في الدولة الأموية، د. خالد إسماعيل نايف الحمداني.
2 - أثر الفقهاء في الحياة العامة في العصر العباسي، د. خالد إسماعيل نايف الحمداني.
3 - أثر العلماء في الحياة السياسية في العراق القرنين الثالث والرابع الهجريين، عبود الشمري.
4 - العلماء والسلطة: دراسة عن دور العلماء في الحياة السياسية والاقتصادية في العصر العباسي الأول، عبد الحكيم سيف الدين.
5 - دور الفقهاء في الحياة السياسية والاجتماعية بالأندلس في عصري الإمارة والخلافة، د. خليل الكبيسي.
6 - الأثر السياسي للعلماء في عصر المرابطين، محمد بن بيه.
7 - فقهاء الأندلس والمشروع العامري، فوزي العتيبي.
8 - دور العلماء في الحياة السياسية والإدارية والاجتماعية في سلطة غرناطة، حسين الدليمي.
9 - فقهاء المالكية وآثارهم في مجتمع السودان الغربي، سحر مرجان.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 126)

10 - الحركة الفقهية ورجالها في السودان الغربي من القرن الثامن إلى القرن الثالث عشر، د. عبد الرحمن ميغا.
11 - علماء الشام في القرن العشرين وجهودهم في إيقاظ الأمة، محمد الناصر.
12 - علماء الإسلام تاريخ وبنية المؤسسة الدينية في السعودية بين القرنين الثامن عشر والحادي والعشرين، د. محمد ملين.
كما يمكن الرجوع إلى نوع آخر من المصادر لمعرفة خطأ القول بأن الفقهاء كانوا يتحاشون التصريح بإنكار المظالم العامة، ومعرفة أنهم كانوا هم المتصدين لإنكارها بمراتب الإنكار الثلاث، ومنها ما يأتي:
1 - كتاب المحن، أبو العرب التميمي (ت 303 هـ).
2 - الإسلام بين العلماء والحكام، عبد العزيز البدري (ت 1389 هـ).
3 - الفقهاء والخلفاء، د. سلطان بن حثلين.
4 - زهر البساتين من مواقف العلماء والربانيين، د. سيد عفاني.
إن الباحث بعد رجوعه لهذه المصادر ونظائرها لن يخامره شك في مدى مشاركة الفقهاء وتأثيرهم في الحياة العامة، وسيدرك أن الفقهاء كانوا خط الدفاع الأول عن حقوق الأمة ومقدراتها، ولذا أحبهم الناس وعظموا مكانتهم واتخذوهم مفزعًا عندما ينزل بهم شيء من المظالم العامة والخاصة.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 127)

وهذا لا يعني بكل تأكيد أن الفقهاء كانوا على درجة مثالية من الصلاح والكمال، فهم من الناس ويعتريهم ما يعتري سائر الناس من فساد النفس والحال، لكنهم أقل فئات المجتمع فسادًا والخير فيهم أكثر والشر فيهم أقل، وعندما تذكر كتب التاريخ حالة منكرة لبعضهم فإنما تذكرها لشذوذها وغرابتها؛ فإن السائد والمشهور لا تتوافر الدواعي لنقله كتوافرها لنقل الشاذ الغريب.
والناس إذا رأوا فقيهًا فاسدًا استعظموا ذلك واستهولوه-وحُقَّ لهم ذلك-ولهجت ألسنتهم بذمه والنيل منه، لكنه لا يدل بحال على أن هذه الحالة فاشية، بل تذكر لغرابتها واستنكارها.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 128)

لم يتخذ الفقهاء من السلاطين موقفًا واحدًا بل تعددت مواقفهم وطرائق تعاملهم معهم، والواقع أن اختلاف طبائع الناس كفيلة بحصول مثل هذا التنوع، وربما كان وجود مثل هذا الاختلاف الذي يؤدي إليه الاجتهاد الصحيح المنضبط مقصدًا من مقاصد الشريعة من حيث النظر الكلي لما ينتج عنه من إحداث نوع من التوازن في المجتمع، لا سيما مع وجود الإنكار من بعض الأطراف على بعضها مما يقضي باستمرار التقويم والمراجعة لهذه العلاقة والتأكيد على ربطها بالاجتهاد العلمي من جهة وبالتقوى الإيمانية من جهة أخرى(1).
ويمكن القول إنهم انقسموا في ذلك إلى ثلاث اتجاهات ومواقف عريضة:--------------------------------------------
(1) انظر: العامة والسلطة في بغداد، د. موفق نوري (140)، مع الأئمة، د. سلمان العودة (23)، السلطة والمجتمع والعمل السياسي من تاريخ الولاية العثمانية في بلاد الشام، د. وجيه كوثراني (35).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 129)