فصلة (1) أقارب الميت وأصدقائه بعد موته هو من تمام بره.
362 - والذي قاله أبو حنيفة وأصحابه وغيرهم من العلماء - من أنه لا يجوز أن يسأل الله تعالى بمخلوق، لا بحق الأنبياء ولا غير ذلك - يتضمن شيئين كما تقدم (2) :
363 - أحدهما: الإقسام على الله سبحانه وتعالى به، وهذا منهيٌّ عنه عند جماهير العلماء كما تقدم، كما ينهى أن يقسم على الله بالكعبة والمشاعر باتفاق العلماء.
364 - والثاني: السؤال به، فهذا يجوّزه طائفة من الناس، ونقل في ذلك آثار عن بعض السلف، وهو موجود في دعاء كثير من الناس، لكنَّ ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك كله ضعيفٌ بل موضوع، وليس عنه حديث ثابت قد يظن أن لهم فيه حجة، إلا حديث الأعمى الذي علَّمه أن يقول: "أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة" (3) .
365 - وحديث الأعمى لا حجة لهم فيه، فإنه صريح في أنه إنما توسل بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم وشفاعته، وهو طلب من النبي صلى الله عليه وسلم الدعاء، وقد أمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يقول: "اللهم شَفِّعْه فيَّ" ولهذا رد الله عليه بصره لما--------------------------------------------
= 5 - باب ما جاء في إكرام صديق الوالد، حديث (1903) ، وقال: "هذا إسناد صحيح". وقد روي هذا الحديث عن ابن عمر من غير وجه كلهم من طريق عبد الله بن دينار عن ابن عمر رضي الله عنهما.
(1) في: النسخ المطبوعة "فصله" وهو تصحيف يوهم أنه من تمام الحديث. وفي نسخة الفتاوى جاء على الصواب فصلة ج1/222.
(2) تقدم في ص (90) .
(3) سيأتي تخريجه إن شاء الله.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 122)
دعا له النبي صلى الله عليه وسلم، وكان ذلك مما يعد من آيات النبي صلى الله عليه وسلم. ولو توسل غيره من العميان الذين لم يدْعُ لهم النبي صلى الله عليه وسلم بالسؤال به لم تكن حالهم كحاله (1) .
366 - ودعا أمير المؤمنين عمر بن الخطاب في الاستسقاء المشهور بين المهاجرين والأنصار وقوله: "اللهم إنا كنا إذا أجدبنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا" (2) يدل على أن التوسل المشروع عندهم هو التوسل بدعائه وشفاعته لا السؤال بذاته، إذ لو كان هذا مشروعاً لم يعدل عمر والمهاجرون (3) والأنصار عن السؤال بالرسول إلى السؤال بالعباس.
367 - وساغ النزاع في السؤال بالأنبياء والصالحين دون الإقسام بهم لأن بين السؤال والإقسام فرقا، فإن السائل متضرع ذليل يسأل بسبب يناسب الإجابة (4) ، والمقسم أعلى من هذا فإنه طالب مؤكد طلبه بالقسم، والمقسم لا يقسم إلا على من يرى أنه يبرُّ قسمه، فإبرار--------------------------------------------
(1) وقد عمي بعض الصحابة بعد النبي صلى الله عليه وسلم منهم ابن عباس وجابر وكان ابن عباس راغباً في الشفاء، فلو كان التوسل بذات النبي صلى الله عليه وسلم مشروعاً لتوسل بذاته صلى الله عليه وسلم ولشفي وهو أولى بأن يجاب من هذا الصحابي المجهول بل عمي عتبان بن مالك في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وكذلك ابن أم مكتوم.
(2) تقدم تخريجه في ص (86) .
(3) في خ: "المهاجرين" والصواب ما أثبته عربية. المهاجرون هكذا على الصواب في نسخة الفتاوى 1/223.
(4) هذا التعليل مستغرب من شيخ الإسلام، فإن النزاع إنما هو في السؤال المبتدع بمعنى التوسل بذوات الأنبياء والصالحين وبجاههم وحقهم. وشيخ الإسلام يقرر في غير موضع أن التوسل من هذا النوع توسل بأسباب أجنبية غير مناسبة للإجابة. فيستبعد صدور هذا الكلام منه. والله أعلم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 123)
القسم خاص ببعض العباد، وأما إجابة السائلين فعام، فإن الله يجيب دعوة المضطر ودعوة المظلوم وإن كان كافراً.
368 - وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "ما من داع يدعو الله بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم إلا أعطاه الله بها إحدى خصال ثلاث: إما أن يعجّل له دعوته، وإما أن يدَّخر له من الخير مثلها، وإما أن يصرف عنه من الشرّ مثلها" قالوا: يا رسول الله إذن نكثر. قال: "الله أكثر" (1) .--------------------------------------------
(1) أخرجه أحمد (3/18) حدثنا أبو عامر ثنا علي عن أبي المتوكل عن أبي سعيد الخدري مرفوعا. وعليٌّ هذا هو علي بن علي الرفاعي كما في المستدرك (1/493) وكشف الأستار (4/41) .
لكن يشهد له حديث جابر رضي الله عنه.
"سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "ما من أحد يدعو بدعاء إلا آتاه الله ما سأل أو كف عنه من السوء مثله ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم". رواه الترمذي (5/462) ، 49 - كتاب الدعوات، باب ما جاء أن دعوة المسلم مستجابة، حديث (3381) من طريق ابن لهيعة عن أبي الزبير، عن جابر رضي الله عنه وفي إسناده ابن لهيعة صدوق اختلط بعد احتراق كتبه. كما يشهد له حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه نحو حديث جابر رضي الله عنه رواه أحمد (5/329) من طريق محمد بن يوسف الفريابي عن عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان عن أبيه عن مكحول عن جبير بن نفير عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه نحو حديث جابر. وفي إسناده عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان، صدوق يخطئ، ورمي بالقدر وتغير بأخره.
قال الترمذي عقب حديث عبادة: هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه. وفي نظري أن الحديث حسن لغيره بمجموع طرقه.
ويشهد لهذه الأحاديث ما رواه مالك في الموطأ (1/217) ، 15 - كتاب القرآن، 8 - باب ما جاء في الدعاء، حديث 36. عن زيد بن أسلم أنه كان يقول: ما من داع يدعو إلا كان بين إحدى ثلاث: إما أن يستجاب له، وإما أن يدخر له، وإما أن يكفر عنه.
قال ابن عبد البر مثل هذا يستحيل أن يكون رأياً واجتهاداً، وإنما هو توقيف وهو خبر محفوظ عن النبي صلى الله عليه وسلم. الموطأ (1/217) .
وقوله "وهو خبر محفوظ" يشير به - والله أعلم - إلى الأحاديث الآنفة الذكر.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 124)
369 - وهذا التوسل بالأنبياء - بمعنى السؤال بهم - وهو الذي قال أبو حنيفة وأصحابه وغيرهم: إنه لا يجوز، ليس في المعروف من مذهب مالك ما يناقض ذلك، فضلاً أن يجعل هذا من مسائل السبب (1) فمن نقل عن مذهب مالك: أنه جوَّز التوسل به بمعنى الإقسام به أو السؤال به فليس معه في ذلك نقل عن مالك وأصحابه فضلاً عن أن يقول مالك: إن هذا سبب (2) للرسول أو تنقص به. بل المعروف عن مالك أنه كره للداعي أن يقول: يا سيدي سيدي، وقال: قل كما قالت الأنبياء يا رب يا رب يا كريم. وكره أيضاً أن يقول: ياحنان يامنان (3) . فإنه ليس بمأثور عنه.
370 - فإذا كان مالك يكره مثل هذا الدعاء إذ لم يكن مشروعاً عنده، فكيف يجوز عنده أن يسأل الله بمخلوق نبيًّا كان أو غيره، وهو يعلم أن الصحابة لما أجدبوا عام الرمادة لم يسألوا الله--------------------------------------------
(1) في ز: "سب" وهو المناسب للسياق. وهكذا أيضاً في الفتاوى جاء كلمة سب (1/224) .
(3) أَمَّا المنان فقد ورد ضمن حديث لفظه "اللهم إني أسألك بأن لك الحمد لا إله إلا أنت المنان بديع السماوات والأرض يا ذا الجلال والإكرام يا حي يا قيوم … الحديث أخرجه أبو داود في الصلاة حديث (1495) والترمذي الدعوات حديث (3544) ، والنسائي حديث (1300) وابن ماجه: الدعاء حديث (3858) كلهم من طرق إلى أنس يصح بمجموعها الحديث. وصححه الألباني انظر: صحيح أبي داود رقم (1325) وأما الحنان فرواه الطبراني في الأوسط بإسناد ضعيف. انظر: مجمع البحرين حديث (4639) وقول: ليس بمأثور أي على هذا الوجه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 125)
بمخلوق، لا نبي ولا غيره، بل قال عمر: اللهم إنا كنا إذا أجدبنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا. فيسقون (1) .
371 - وكذلك ثبت في الصحيح (2) عن ابن عمر (3) وأنس (4) .
وغيرهما (5) أنهم كانوا إذا أجدبوا إنما يتوسلون بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم واستسقائه، / لم ينقل عن أحد منهم أنه كان في حياته صلى الله عليه وسلم سأل الله--------------------------------------------
(1) تقدم تخريجه ص 86.
(2) في خ "في صحيح مسلم الصحيح" وكان قد ضرب الناسخ على كلمة "صحيح" ولعله سها عن الضرب عن كلمة "مسلم" وسقطت من: ز.
(3) البخاري، 15 - كتاب الاستسقاء، 3 - باب سؤال الناس الإمام الاستسقاء إذا قحطوا، حديث (1009) . وأحمد (2/93) . وابن ماجه (2/405) ، 5 - كتاب إقامة الصلاة، حديث (1272) كلهم عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما مرفوعاً.
(4) البخاري، 15 - كتاب الاستسقاء، حديث (1013 - 1077) ومن ألفاظه عن أنس قال: بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب يوم الجمعة إذ جاء رجل، فقال: يا رسول الله قحط المطر، فادع الله أن يسقينا فدعا فمطرنا، فما كدنا أن نصل إلى منازلنا، فما زلنا نمطر إلى الجمعة المقبلة قال: فقام ذلك الرجل - أو غيره - فقال: يا رسول الله ادع الله أن يصرفه عنا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اللهم حوالينا ولا علينا"، قال: فلقد رأيت السحاب يتقطع يميناً وشمالاً يمطرون ولا يمطر أهل المدينة".
ومسلم (2/614) ، 9 - كتاب الاستسقاء، 2 - باب الدعاء في الاستسقاء حديث (8 - 11) .
وأبو داود (2/692، 694) ، 2 - كتاب الصلاة، 258 جماع أبواب الاستسقاء، حديث (1170، 1171، 1174، 1175) . والنسائي (3/125، 128، 129، 130، 131) كتاب الاستسقاء. وأحمد (3/104، 181، 187) . ومالك في الموطأ (1/191) ، 13 - كتاب الاستسقاء، حديث (3) كلهم من طرق إلى أنس بن مالك مرفوعاً.
(5) ممن روى أحاديث الاستسقاء غير من سبق، عبد الله بن زيد وابن عباس وجابر وعائشة رضي الله عنهم أجمعين -، وبعض أحاديثهم في الصحيحين، وبعضها في السنن وغيرها، ويضيق المقام عن تخريجها.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 126)
تعالى بمخلوق، لا به ولا بغيره، لا في الاستسقاء ولا غيره. وحديث الأعمى سنتكلم عليه (1) إن شاء الله تعالى.
372 - فلو كان السؤال به معروفاً عند الصحابة لقالوا لعمر: إن السؤال والتوسل به أولى من السؤال والتوسل بالعباس، فلم نعدل عن الأمر المشروع الذي كنا نفعله في حياته وهو التوسل بأفضل الخلق إلى أن نتوسل ببعض أقاربه، وفي ذلك ترك السنة المشروعة وعدول عن الأفضل وسؤال الله تعالى بأضعف السببين مع القدرة على أعلاهما؟ ونحن مضطرون غاية الاضطرار في عام الرمادة الذي يضرب به المثل في الجدب.
373 - والذي فعله عمر فعل مثله معاوية بحضرة من معه من الصحابة والتابعين، فتوسلوا بيزيد بن الأسود الجُرشيِّ (2) كما توسل عمر بالعباس.--------------------------------------------
(1) سيأتي ص (203 - 215) .
(2) روى أبو زرعة الدمشقي استسقاء معاوية رضي الله عنه والضحاك بن قيس بيزيد ابن الأسود في تاريخه (1/602) برقم (1703، 1704) بإسنادين صحيحين.
وذكره ابن حبان في الثقات (5/532) في التابعين وقال: سكن الشام وكان من العباد الخشن استسقى به الضحاك بن قيس الفهري، فسقى، روى عنه أهل الشام. وذكره ابن سعد في الطبقات (7/444) في الطبقة الأولى بعد الصحابة وذكر قصة استسقاء معاوية به ومنها: اللهم إنا نستشفع إليك اليوم، بخيرنا وأفضلنا، اللهم إنا نستشفع إليك بيزيد بن الأسود الجرشي، يا يزيد: ارفع يديك إلى الله، فرفع يديه، ورفع الناس أيديهم، فما كان أوشك أن ثارت سحابة في المغرب وهبت لها ريح فسقينا حتى كاد الناس لا يصلون إلى منازلهم. وترجم له ابن عساكر في تاريخ دمشق (18/121 - 124) .
وذكر استسقاء كل من معاوية والضحاك بن قيس به. وترجم له الذهبي. في سير أعلام النبلاء (4/136، 137) . =
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 127)
374 - وكذلك ذكر الفقهاء من أصحاب الشافعي (1) وأحمد (2) وغيرهم أنه يتوسل في الاستسقاء بدعاء أهل الخير والصلاح، قالوا: وإن كان من أقارب رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو أفضل، اقتداء بعمر. ولم يقل أحد من أهل العلم إنه يسأل الله تعالى في ذلك لا بنبي ولا بغير نبي.
375 - وكذلك من نقل عن مالك أنه جوز سؤال الرسول أو غيره بعد موتهم أو نقل ذلك عن إمام من أئمة المسلمين - غير مالك - كالشافعي وأحمد وغيرهما فقد كذب عليهم، ولكن بعض الجهال ينقل هذا عن مالك ويستند إلى حكاية مكذوبة عن مالك، ولو كانت صحيحة لم يكن التوسل الذي فيها هو هذا بل هو التوسل بشفاعته يوم القيامة، ولكن من الناس من يحرف نقلها، وأصلها ضعيف كما سنبينه إن شاء الله تعالى.
376 - والقاضي عياض لم يذكرها في كتابه في باب زيارة قبره بل ذكر هناك ما هو المعروف عن مالك وأصحابه، وإنما ذكرها في سياق--------------------------------------------
= وذكر النصين، وترجم له الحافظ ابن حجر في الإصابة (6/358 - 359) في الصحابة المختلف فيهم وذكر النصين أيضاً.
(1) انظر "المجموع" للنووي (5/67) قال النووي رحمه الله:
"ويستسقى بالخيار من أقرباء رسول الله؛ لأن عمر رضي الله عنه استسقى بالعباس وقال: اللهم إنا كنا إذا قحطنا توسلنا إليك بنبينا فتسقينا وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا فيسقون".
ثم قال: "ويستسقى بأهل الصلاح لما روي أن معاوية استسقى بيزيد بن الأسود".
(2) راجع "المغني" لابن قدامة رحمه الله (2/326) ، وكلامه قريب من كلام النووي، وذكر استسقاء عمر بالعباس واستسقاء معاوية والضحاك بيزيد بن الأسود الجُرَشيِّ.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 128)
أن حرمة النبي صلى الله عليه وسلم بعد موته، وتوقيره وتعظيمه لازم كما كان حال حياته، وذلك عند ذكره وذكر حديثه وسنته وسماع اسمه.
377 - وذكر عن مالك أنه سئل عن أيوب السختياني فقال: ما حدثتكم عن أحد إلا وأيوب أفضل منه. قال: وحج حجتين فكنت أرمقه فلا أسمع منه غير أنه كان إذا ذكر النبي صلى الله عليه وسلم بكى حتى أرحمه، فلما رأيت منه ما رأيت وإجلاله للنبي صلى الله عليه وسلم كتبت عنه.
378 - وقال مصعب بن عبد الله: كان مالك إذا ذكر النبي صلى الله عليه وسلم يتغير لونه وينحني حتى يصعب ذلك على جلسائه. فقيل له يوماً في ذلك فقال: لو رأيتم ما رأيت لما أنكرتم عليّ ما ترون، لقد كنت أرى محمد بن المنكدر - وكان سيد القراء - لا نكاد نسأله عن حديث أبداً إلا يبكي حتى نرحمه.
379 - ولقد كنت أرى جعفر بن محمد - وكان كثير الدعابة والتبسم - فإذا ذكر عنده النبي صلى الله عليه وسلم اصفر لونه، وما رأيته يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا على طهارة.
ولقد اختلفت إليه زمانا فما كنت أراه إلا على ثلاث خصال: إما مصلياً، وإما صامتاً، وإما يقرأ القرآن. ولا يتكلم فيما لا يعنيه، وكان من العلماء والعباد الذين يخشون الله.
380 - ولقد كان عبد الرحمن بن القاسم يذكر النبي صلى الله عليه وسلم فينظر إلى لونه كأنه نزف منه الدم وقد جف لسانه في فمه هيبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 129)
381 - ولقد كنت آتي عامر بن عبد الله بن الزبير فإذا ذكر عنده النبي صلى الله عليه وسلم بكى حتى لا يبقى في عينيه دموع.
382 - ولقد رأيت الزهري وكان لمِن أهنأ الناس وأقربهم، فإذا ذكر عنده النبي صلى الله عليه وسلم فكأنه ما عرفك ولا عرفته.
383 - ولقد كنت آتي صفوان بن سليم وكان من المتعبدين المجتهدين، فإذا ذكر النبي صلى الله عليه وسلم بكى فلا يزال يبكي حتى يقوم الناس عنه ويتركوه (1) .
فهذا كله نقله القاضي عياض من كتب أصحاب مالك المعروفة.
384 - ثم ذكر حكاية بإسناد غريب (2) منقطع رواها عن غير واحد إجازة، قالوا: حدثنا أبو العباس أحمد بن عمر بن دلهات قال: حدثنا أبو الحسن علي بن فهر، ثنا أبو بكر محمد بن أحمد بن الفرح، ثنا أبو الحسن عبد الله بن المنتاب، ثنا يعقوب (3) بن إسحاق بن أبي إسرائيل، ثنا ابن حميد (4) قال: ناظر أبو جعفر أمير المؤمنين مالكاً في مسجد رسول / الله--------------------------------------------
(1) هذا الكلام كله ذكره القاضي عياض في الشفاء (2/41 - 43) في الفصل الذي ذكره الشيخ في بداية الكلام، فلله دره ماأصدقه وأدقه في النقل.
(2) لقد بحثت عن رجال هذا الإسناد بدءًا من أبي العباس أحمد بن عمر بن دلهات إلى أبي الحسن ابن المنتاب في ترتيب المدارك للقاضي عياض، والصلة لابن بشكوال، فلم أقف لأحد منهم على ترجمة، فهو إسناد غريب حقاً كما وصفه شيخ الإسلام.
(3) هو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم بن كامجر، قال الدارقطني لا بأس به، تاريخ بغداد (14/291) .
(4) قال الذهبي في المغني (2/573) : ضعيف لا من قبل حفظه، قال يعقوب بن شيبة: كثير المناكير. وقال البخاري: فيه نظر. وقال النسائي: ليس بثقة. وقال أبو زرعة: يكذب. وقال صالح جزرة: ما رأيت أحذق بالكذب منه ومن ابن الشاذكوني.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 130)
صلى الله عليه وسلم، فقال له مالك: يا أمير المؤمنين، لا ترفع صوتك في هذا المسجد، فإن الله أدب قوماً فقال (49: 2) {لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ} الآية، ومدح قوماً فقال (49: 3) : {إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ} الآية، وذم قوماً فقال (49: 4) : {إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ} الآية، وإن حرمته ميتاً كحرمته حياً. فاستكان لها أبو جعفر، فقال: يا أبا عبد الله، أستقبل القبلة وأدعو؟ أم أستقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: ولم تصرف وجهك عنه وهو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم عليه السلام إلى الله يوم القيامة؟ بل استقبله واستشفع به فيشفعك الله، قال الله تعالى (4: 64) : {وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا} .
385 - قلت: وهذه الحكاية منقطعة؛ فإن محمد بن حميد الرازي لم يدرك مالكاً لا سيما في زمن أبي جعفر المنصور، فإن أبا جعفر توفي بمكة سنة ثمان وخمسين ومائة، وتوفي مالك سنة تسع وسبعين ومائة، وتوفي محمد بن حميد الرازي سنة ثمان وأربعين ومائتين (1) ولم يخرج من بلده حين رحل في طلب العلم إلا وهو كبير مع أبيه (2) .--------------------------------------------
(1) انظر: كتاب المجروحين لابن حبان (2/303) ، والكاشف (3/326) ، وتهذيب التهذيب (9/131) ، والميزان (3/531) .
(2) ولم يذكره أحد في تلاميذ مالك حتى المزي في تهذيب الكمال، انظر ترجمة مالك في تهذيب الكمال (3/1296 - 1297) ، وترجمة محمد بن حميد منه (3/1190 - 1191) وراجع ترتيب المدارك للقاضي عياض (1/282 - 545) وقد قسم فيه الرواة عن مالك إلى طبقتين: كبرى وصغرى، وعلى حسب البلدان، ولم يذكر فيهم ابن حميد.
وهذا يؤكد ما قاله شيخ الإسلام.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 131)
وهو مع هذا ضعيف عند أكثر أهل الحديث، كذّبه أبو زرعة (1) وابن وارة (2) .
وقال صالح بن محمد الأسدي (3) : ما رأيت أحدًا أجرأ على الله منه وأحذق بالكذب منه (4) .
وقال يعقوب بن شيبة: كثير المناكير (5) .
وقال النسائي: ليس بثقة (6) .
وقال ابن حبان: ينفرد عن الثقات بالمقلوبات (7) .--------------------------------------------
(1) قال ابن حبان في المجروحين (2/204) .
"قال أبو زرعة وابن وارة - أي للإمام أحمد -: صح عندنا أنه يكذب قال - يعني صالح بن أحمد -: فرأيت أبي بعد ذلك إذا ذكر ابن حميد نفض يده.
(2) الحافظ الكبير الثبت أبو عبد الله محمد بن مسلم بن عثمان بن وارة الرازي، مات سنة (270) ، تذكرة الحفاظ (2/575) .
قال الحافظ: ثقة حافظ.. من الحادية عشر/ س. تقريب (2/207) .
(3) الحافظ العلامة شيخ ما وراء النهر، أبو علي صالح بن محمد بن عمرو بن حبيب الأسدي مولاهم البغدادي، نزيل بخارى، كان ثبتاً صدوقاً مشهوراً. قال أبو سعد الإدريسي: ما أعلم بعصر صالح بالعراق ولا بخراسان في الحفظ مثله … "، تذكرة الحفاظ (2/541 - 543) .
(4) انظر: تاريخ بغداد (2/262) وقال: محمد بن حميد أحاديثه تزيد وما رأيت أجرأ على الله منه. في الموضع السابق من التأريخ.
(5) تاريخ بغداد (2/260) ص (16) .
(6) تاريخ بغداد (2/263) .
(7) كتاب المجروحين (2/203) .
وقال البخاري في التاريخ (ق1/ج1/69) : فيه نظر. وقال إسحاق بن منصور: أشهد على محمد بن حميد وعبيد بن إسحاق العطار أنهما كذابان. تاريخ بغداد (2/263) .
وجرت له قصتان مع أبي حاتم الرازي ومحمد بن عيسى الدامغاني اتضح منهما كذبه العريض. الجرح والتعديل لابن أبي حاتم (7/232 - 233) . راجع هذه الأقوال في =
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 132)
وآخر من روى الموطأ عن مالك هو أبو مصعب (1) وتوفي سنة اثنتين وأربعين ومائتين. وآخر من روى عن مالك على الإطلاق هو أبو حذيفة أحمد ابن إسماعيل السهمي (2) توفي سنة تسع وخمسين ومائتين.
وفي الإسناد أيضاً من لا يعرف حاله (3) .
وهذه الحكاية لم يذكرها أحد من أصحاب مالك المعروفين بالأخذ عنه، ومحمد بن حميد ضعيف عند أهل الحديث إذا أسند، فكيف إذا أرسل (4) حكاية لا تعرف إلا من جهته! (5) .--------------------------------------------
(1) الإمام الفقيه أحمد بن أبي بكر الزهري المدني، قاضي المدينة وعالمها، سمع مالكاً وطائفة. وفاته كما ذكر شيخ الإسلام. راجع الكاشف (1/53) ، والتقريب (1/12) ، والتذكرة (ص 482) .
(2) الأمر كما ذكر المؤلف. انظر الكاشف (1/52) ، والتقريب (1/11) .
(3) لعله يشير بهذا إلى معظم رجال الإسناد من ابن دلهات إلى يعقوب بن إسحاق، وقد أخبرت أني لم أقف لهم على خبر بعد بحث، فلعل واحداً من هؤلاء المجهولين اخترع هذه الحكاية إن سلم من اختراعها ابن حميد.
(4) يريد بهذا شيخ الإسلام أن ابن حميد على ما فيه من بلاء لم يصرح في رواية هذه الحكاية بصيغة من صيغ التحديث؛ كسمعت مالكاً، أو حدثني، أو أخبرني، أو عن مالك، أو قال مالك، وإنما قال: ناظر مالك فهي بهذا التعبير مرسلة، فإن سلم محمد بن حميد من تبعتها، فهناك احتمال آخر أن يكون رجل كذاب اخترع هذه الحكاية، ونسبها إلى مالك، أو يكون هناك عدد من الوسائط بين محمد بن حميد وبين مالك فيهم كذاب أو كذابون تداولوا هذه الحكاية حتى وصلت إلى محمد ابن حميد.
(5) يقصد شيخ الإسلام أن محمد بن حميد مع عدم إدراكه لمالك، فقد انفرد من بين أصحاب مالك على كثرتهم، وكثرة الأئمة الحفاظ فيهم، وعلى كثرة من لازمه منهم، ومع معرفتهم وحفظهم وإتقانهم لحديثه.
ومثل محمد بن حميد - وأصدق منه - إذا انفرد عن أصحاب مالك بحديث، أو مثل هذه الحكاية، لا تقبل منه، ولو أسندها فكيف إذا أرسلها.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 133)
386 - هذا إن ثبتت عنه، وأصحاب مالك متفقون على أنه بمثل هذا النقل لا يثبت عن مالك قول له في مسألة في الفقه، بل إذا روى عنه الشاميون كالوليد بن مسلم ومروان بن محمد الطاطري ضعفوا رواية هؤلاء، وإنما يعتمدون على رواية المدنيين والمصريين، فكيف بحكاية تناقض مذهبه المعروف عنه من وجوه رواها واحد من الخرسانيين لم يدركه وهو ضعيف عند أهل الحديث!.
387 - مع أن قوله: "وهو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم عليه السلام إلى الله يوم القيامة". إنما يدل على توسل آدم وذريته به يوم القيامة، وذلك هو التوسل شفاعته يوم القيامة، وهذا حق.
388 - كما جاءت به الأحاديث الصحيحة (1) حين يأتي الناس يوم القيامة آدم ليشفع لهم، فيردّهم آدم إلى نوح، ثم يردهم نوح إلى إبراهيم، وإبراهيم إلى موسى، وموسى إلى عيسى، ويردهم عيسى إلى محمد صلى الله عليه وسلم، فإنه كما قال: "أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر، آدم فمن دونه تحت لوائي يوم القيامة ولا فخر" (2) .--------------------------------------------
(1) بل عدها بعضهم من الأحاديث المتواترة. انظر نظم المتناثر من الحديث المتواتر (ص 149) . ومنها على سبيل المثال؛ حديث أنس في صحيح مسلم 1 - كتاب الإيمان حديث (322، 326) . ومثله حديث جابر حديث (320) .
وحديث أبي هريرة في البخاري، 60 - كتاب الأنبياء، حديث (3340) . وفي مسلم، 1 - كتاب الإيمان، حديث (327) . وأحمد (2/435) .
وحديث حذيفة وأبي هريرة في مسلم، 1 - كتاب الإيمان، حديث (329) .
(2) ورد في بعض أحاديث الشفاعة التي ذكرناها سابقاً، "أنا سيد الناس يوم القيامة" أَمَّا بهذا اللفظ؛ فرواه الترمذي (5/308) ، 48 - كتاب التفسير، حديث (3148) . وفي (5/587) 50 - كتاب المناقب، 1 - باب فضل النبي صلى الله عليه وسلم، حديث (3615) . وابن =
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 134)
389 - ولكنها مناقضة لمذهب مالك المعروف من وجوه:
أحدها، قوله: "أستقبل القبلة وأدعو، أم أستقبل رسول الله وأدعو! " فقال: "ولم تصرف وجهك عنه وهو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم"؛ فإن المعروف عن مالك وغيره من الأئمة وسائر السلف من الصحابة والتابعين أن الداعي إذا سلم على النبي صلى الله عليه وسلم ثم أراد أن يدعو لنفسه فإنه يستقبل القبلة ويدعو في مسجده، ولا يستقبل القبر ويدعو--------------------------------------------
= ماجه (2/1440) ، 37 - كتاب الزهد، 375 - باب ذكر الشفاعة، حديث (4308) . وأحمد (3/2) .
كلهم من طريق علي بن زيد بن جدعان عن أبي نضرة عن أبي سعيد مرفوعاً. وعلي ابن زيد ضعيف لكن له شواهد:
أولاً: من حديث أبي بكر الصديق رضي الله عنه رواه أحمد (1/4 - 5) بتحقيق أحمد شاكر (1/15) ، رقم (15) ، وصححه، وفي تصحيحه نظر؛ فإن في إسناده أبا هنيدة. قال الذهبي في الميزان (4/583) : لا يعرف. ونقل أحمد شاكر عن ابن سعد أنه قال: كان معروفاً، قليل الحديث.
ثانياً: من حديث أنس رضي الله عنه رواه أحمد (3/144) . والدارمي (1/31) . كلاهما من طريق الليث بن سعد عن يزيد بن الهاد عن عمرو بن أبي عمرو عن أنس مرفوعاً بلفظ: "إني لأول الناس تنشق الأرض عن جمجمتي يوم القيامة ولا فخر، وأعطى لواء الحمد ولا فخر، وأنا سيد الناس يوم القيامة ولا فخر، وأنا أول من يدخل الجنة يوم القيامة ولا فخر … " الحديث. وهو إسناد صحيح، فالحديث صحيح من هذا الوجه، يؤيده الطريقان السابقان.
ثالثاً: من حديث عبد الله بن سلام. رواه ابن حبان في صحيحه، كما في الموارد (ص 523) ، حديث (2127) ، من طريق عمرو بن عثمان الكلابي، حدثنا موسى بن أعين عن معمر بن راشد عن محمد بن عبد الله بن أبي يعقوب عن بشر بن شفاف عن عبد الله بن سلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر، وأول من تنشق عنه الأرض، وأول شافع، بيدي لواء الحمد تحته آدم فمن دونه".
وفي إسناده عمرو بن عثمان الرقي ضعيف، قاله الحافظ في التقريب (2/74) . وقال الذهبي في الكاشف (2/336) : "لين تركه النسائي". وعلى كل فهو صالح في الشواهد.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 135)
لنفسه، بل إنما يستقبل القبر عند السلام على النبي صلى الله عليه وسلم والدعاء له. هذا قول أكثر العلماء كمالك في إحدى الروايتين والشافعي وأحمد وغيرهم.
وعند أصحاب أبي حنيفة، لا يستقبل القبر وقت السلام (1) عليه أيضاً.
ثم منهم من قال: يجعل الحجرة عن (2) يساره - وقد رواه ابن وهب عن مالك - ويسلم عليه.
ومنهم من قال: بل يستدبر الحجرة ويسلم عليه وهذا هو المشهور عندهم. ومع هذا فكره مالك أن يطيل القيام عند القبر.
390 - لذلك قال القاضي عياض في المبسوط عن مالك: "لا أرى أن يقف عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم يدعو، ولكن يسلم ويمضي".
391 - قال: وقال نافع: كان ابن عمر يسلم على القبر/، رأيته مائة مرة أو أكثر يجيء إلى القبر فيقول: السلام على النبي صلى الله عليه وسلم، السلام على أبي بكر، السلام على أبي، ثم ينصرف (3) .--------------------------------------------
(1) قال الشيخ عبد الرحمن بن محمد بن سليمان الحنفي المعروف بداماد أفندي (المتوفى سنة 1078) في كتاب "مجمع الأنهر في شرح ملتقى الأبحر" (1/313) . في أدب زيارة قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن ذكر أن الزائر يصلي في الروضة: " … ثم ينهض فيتوجه إلى القبر الشريف، فيقف عند رأسه، مستقبل القبلة، ويدنو منه قدر ثلاثة أذرع أو أربعة، ولا يدنو منه أكثر من ذلك، ولا يضع يده على جدار التربة الشريفة".
وهذه إحدى الحالتين المرويتين عن أصحاب أبي حنيفة، وهي أن يجعل القبر عن يساره، ويستقبل القبلة، ويسلم على النبي صلى الله عليه وسلم.
(2) في ز، ب: "على".
(3) ذكر القاضي عياض كل هذا في كتابه الشفاء (2/85، 86) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 136)
392 - ورؤي واضعاً يده على مقعد النبي صلى الله عليه وسلم من المنبر ثم وضعها على وجهه (1) .
393 - قال: وعن ابن أبي قسيط والقعنبي، كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إذا خلا المسجد جسَّوا برمانة المنبر التي تلي (2) القبر بميامنهم، ثم استقبلوا القبلة يدعون (3) .
394 - قال: وفي الموطأ من رواية يحيى بن يحيى الليثي أنه كان - يعني ابن عمر - يقف على قبر النبي صلى الله عليه وسلم فيصلي على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى أبي بكر وعمر (4) .--------------------------------------------
(1) ذكر القاضي عياض كل هذا في كتابه الشفاء (2/85، 86) .
(2) في ز، ب: "تلقاء".
(3) الشفاء للقاضي عياض (2/86) .
وهذه الحكايات تحتاج إلى أسانيد، ولولا الإسناد لقال مَنْ شاء ما شاء، ثم على تسليم أنهم فعلوا ذلك فذلك بالنسبة لأشياء عرفوا حق اليقين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم باشرها بنفسه بجسده الشريف صلوات الله وسلامه عليه. فأين عمل الناس الآن، وهم يتبركون بكل شيء من المسجد وغيره من الأشياء التي حدثت بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم بقرون؟!.
وقد كره مالك وغيره طلب موضع شجرة بيعة الرضوان. شرح الزرقاني للموطأ (1/351) . وقد نهى عمر رضي الله عنه عن تتبع آثار النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن في ذلك تشبهاً باليهود والنصارى.
(4) الشفاء (2/86) . وهو في الموطأ (1/166) ، 9 - كتاب قصر الصلاة في السفر، برقم (68) ، مالك عن عبد الله بن دينار، "رأيت ابن عمر يقف على قبر النبي صلى الله عليه وسلم، فيصلي على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى أبي بكر وعمر رضي الله عنهما".
وفي المصنف لعبد الرزاق (3/576) ، باب السلام على قبر النبي صلى الله عليه وسلم حديث (6724) : "عبد الرزاق، عن معمر، عن أيوب، عن نافع، قال: كان ابن عمر إذا قدم من سفر أتى قبر النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: السلام عليك يا رسول الله! السلام عليك يا أبا بكر! السلام عليك يا أبتاه! ".
وأخبرناه عبد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر. قال معمر: فذكرت ذلك لعبيد الله بن عمر، فقال: "لا نعلم أحداً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فعل ذلك" إلا ابن عمر. =
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 137)
وعند ابن القاسم والقعنبي: ويدعو لأبي بكر وعمر.
قال مالك في رواية ابن وهب: يقول: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته.
395 - وقال في المبسوط: ويسلم على أبي بكر وعمر (1) .
قال أبو الوليد الباجي: وعندي أن (2) يدعو للنبي صلى الله عليه وسلم بلفظ--------------------------------------------
= أقول: يستفاد من قول عبيد الله بن عمر، الإمام المدني، الثقة الثبت، أن الصحابة الكرام - وفيهم الخلفاء الراشدون - ما كانوا يأتون قبر النبي صلى الله عليه وسلم إلا ما كان من عبد الله بن عمر رضي الله عنهما إذا قدم من سفر، مع حبهم الشديد لرسول الله وإكرامهم إياه وطاعتهم وانقيادهم له. فهل آن للأمة الإسلامية أن تثوب إلى رشدها، فتتبع هؤلاء العظماء والفقهاء النبلاء. وإننا على ثقة أنهم ما وقفوا جميعاً هذا الموقف إلا على أساس متين، وصراط مستقيم من العلم النبوي الصحيح، وعلى إدراك واع لمقاصد الشريعة وأهدافها، إنه ما كان ذلك منهم - مع حبهم الشديد الصادق لرسول الله صلى الله عليه وسلم إلا تنفيذاً لتوجيهاته الكريمة؛ مثل قوله صلى الله عليه وسلم: "لاتتخذوا قبري عيدًا". ومثل قوله صلى الله عليه وسلم: "اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد". ومثل قوله صلى الله عليه وسلم وبأبي وأمي هو -: "لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد".
تنفيذاً لهذه التوجيهات العظيمة الهادفة إلى حماية التوحيد، وصيانة العقيدة الإسلامية من شوائب الغلو والضلال الذي وقع فيه أهل الكتاب، كان ذلك الموقف الواعي الرشيد من الصحابة الكرام، وعلى رأسهم الخلفاء الراشدون والفقهاء المبرزون مثل زيد بن ثابت وابن مسعود وابن عباس وأبي بن كعب وغيرهم من علماء الصحابة وعظمائها وساداتها، فما هم إلا جند الله ثم جند محمد صلى الله عليه وسلم، جند له في حياته يفدونه ورسالته بمهجهم وأموالهم وأرواحهم، وجند له أوفياء بعد وفاته وانتقاله إلى الرفيق الأعلى، فلله درهم ما أفقههم وأنبلهم وأوفاهم!.
فهل للأمة الإسلامية أن تتأسى بهؤلاء العظماء الأوفياء في تنفيذ هذه التوجيهات وغيرها مما جاء به خاتم الأنبياء - صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين؟ ولله در إمام دار الهجرة رحمه الله إذ قال حين خالف بعض الناس بعض هذه التوجيهات وبدأوا يترددون على القبر: لا أعرف هذا عمن مضى، ولا يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها. وسيأتي كلامه فنشير إلى مصدره في موضعه.
(1) الشفاء (2/86) .
(2) كذا في الأصل وفي المنتقى (1/296) والشفاء والرد على الأخنائي (ص 105) أنه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 138)
الصلاة، ولأبي بكر وعمر (1) [بلفظ السلام] ؛ لما في حديث ابن عمر من الخلاف.
وهذا الدعاء يفسر الدعاء المذكور في رواية ابن وهب، قال مالك في رواية ابن وهب: إذا سلم على النبي صلى الله عليه وسلم ودعا، يقف ووجهه إلى القبر لا إلى القبلة، ويدنو ويسلم ولا يمس القبر.
396 - فهذا هو السلام عليه والدعاء له بالصلاة عليه كما تقدم تفسيره، وكذلك كل دعاء ذكره أصحابه كما ذكر ابن حبيب في الواضحة وغيره.
قال: وقال مالك في المبسوط: وليس يلزم من دخل المسجد وخرج من أهل المدينة الوقوف بالقبر، وإنما ذلك للغرباء (2) . وقال فيه أيضاً: ولا بأس لمن قدم من سفر أو خرج إلى سفر، أن يقف على قبر النبي صلى الله عليه وسلم فيصلي عليه، ويدعو له ولأبي بكر وعمر (3) . قيل له: فإن ناساً من أهل المدينة لا يقدمون من سفر ولا يريدونه، يفعلون ذلك في اليوم مرة أو أكثر، وربما وقفوا في الجمعة أو الأيام المرة والمرتين أو أكثر عند القبر، فيسلمون ويدعون ساعة. فقال مالك: لم يبلغني هذا عن أهل الفقه ببلدنا، وتركه واسع، ولا يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها، ولم يبلغني عن أول هذه الأمة وصدرها أنهم كانوا يفعلون ذلك، ويكره إلا--------------------------------------------
(1) الشفاء (2/86) .
(2) الشفاء (2/88) .
(3) الشفاء 2/88) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 139)
لمن جاء من سفر أو أراده (1) .
قال ابن القاسم: ورأيت أهل المدينة إذا خرجوا منها أو دخلوا أتوا القبر فسلموا (2) . قال: ولذلك (3) رأي.
397 - قال أبو الوليد الباجي: ففرق بين أهل المدينة والغرباء؛ لأن الغرباء قصدوا لذلك، وأهل المدينة مقيمون بها لم يقصدوها من أجل القبر والتسليم (4) .
398 - قال: وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد"، "اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" (5) .
399 - قال: وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا تجعلوا قبري عيداً" (6) .
400 - قال: ومن كتاب أحمد بن شعبة (7) فيمن وقف بالقبر: لا يلتصق به ولا يمسه ولا يقف عنده طويلاً.--------------------------------------------
(1) الشفاء 2/88) .
(2) المصدر السابق (2/88) .
(3) في المنتقى (1/296) . قال ابن القاسم: وهو رأيٌ وكذلك في الشفاء.
(4) الشفاء (2/88 - 89) منقول كله بالحرف.
ولله در الإمام مالك ما أفقهه! وما أشد تمسكه بالسنة! وما أحرصه على اقتفاء آثار الصحابة الكرام وتابعيهم بإحسان!.
(5) تقدم تخريجه في ص (35) رقم (1) .
(6) أحمد في المسند (2/367) . وأبو داود (3/534) حديث (2042) .
قال أحمد: ثنا عبد الله بن نافع عن ابن أبي ذئب عن سعيد المقبري عن أبي هريرة مرفوعاً.
وقال أبو داود: ثنا أحمد بن صالح قرأت على عبد الله بن نافع به. وهو إسناد حسن.
(7) أحمد بن سعيد الهندي في الشفا (2/88) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 140)
401 - وفي (العتبية) - يعني عن مالك -: يبدأ بالركوع قبل السلام في مسجد صلى الله عليه وسلم (1) ، وأحب مواضع التنفل فيه مصلى النبي صلى الله عليه وسلم حيث العمود المخلق، وأما في الفريضة فالتقدم إلى الصفوف. قال: والتنفل فيه للغرباء أحب إلي من التنفل في البيوت … .
402 - فهذا قول مالك وأصحابه، وما نقلوه عن الصحابة يبين أنهم لم [يكونوا] يقصدون القبر إلا للسلام على النبي صلى الله عليه وسلم والدعاء له. وقد كره مالك إطالة القيام لذلك، وكره أن يفعله أهل المدينة كلما دخلوا المسجد وخرجوا منه، وإنما يفعل ذلك الغرباء ومن قدم من سفر أو خرج له، فإنه تحية للنبي صلى الله عليه وسلم. فأما إذا قصد الرجل الدعاء لنفسه فإنما يدعو في مسجده مستقبل القبلة كما ذكروا ذلك عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، ولم ينقل عن أحد من الصحابة أنه فعل ذلك عند القبر، بل ولا أطال الوقوف عند القبر للدعاء للنبي صلى الله عليه وسلم، فكيف بدعائه لنفسه؟ (2) .
403 - وأما دعاء الرسول وطلب الحوائج منه وطلب شفاعته عند قبره أو بعد موته فهذا لم يفعله أحد من السلف، ومعلوم أنه لو كان قصدُ الدعاء عند القبر مشروعاً لفعله الصحابة والتابعون، وكذلك السؤال به، فكيف بدعائه وسؤاله بعد موته؟.
404 - فدل ذلك على أن ما في الحكاية المنقطعة من قوله: "استقبله واستشفع به" كذب على مالك، مخالف لأقواله وأقوال الصحابة--------------------------------------------
(1) أي يقدم صلاة تحية المسجد على الزيارة.
(2) هذا تلخيص جيد لما نقله سابقاً من كلام مالك وأصحابه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 141)