فرووا حديثا يقوي بدعتهم، فلا يتقوى حديث مثل هؤلاء.
وما اختاره الشيخ من رد حديث المبتدع فيما يقوي بدعته هو المشهور، إلا أن الراجح خلافه:
قال الصنعاني في "ثمرات النظر" قال (ص/103: 105): (سبقت الإشارة إلى أنهم قد استثنوا من المبتدعة الداعية فقالوا ولا يقبل خبره قال في التنقيح فإن قلت ما الفرق بين الداعية وغيره عندهم قلت ما أعلم أنهم ذكروا فيه شيئا ولكن نظرت فلم أجد غير وجهين: أحدهما أن الداعية شديد الرغبة في استمالة قلوب الناس إلى ما يدعوهم إليه فربما حمله عظيم ذلك على تدليس أو تأويل. الوجه الثاني أن الرواية عن الداعية تشتمل على مفسدة وهي إظهار أهليته للرواية وأنه من أهل الصدق والأمانة وذلك تغرير لمخالطته وفي مخالطة من هو كذلك للعامة مفسدة كبيرة قلت وهذا الوجه الآخر قد أشار إليه أبو الفتح القشيري نقله عنه الحافظ ابن حجر ثم قال في التنقيح والجواب عن الأول أنها تهمة ضعيفة لا تساوي الورع أي المانع الشرعي الذي يمنع ذلك المبتدع المتدين من الفسوق في الدين وارتكاب دناءة الكذب الذي يتنزه عنه كثير من الفسقة المتمردين كيف والكاذب لا يخفى تزويره وعما قليل ينكشف تدليسه وتغريره ويفهمه النقاد وتتناوله ألسنة أهل الأحقاد وأهل المناصب الرفيعة يأنفون من ذلك فكيف إذا كانوا من أهل الجمع بين الصيانة والديانة. وقد احتجوا بقتادة لما قويت عندهم عدالة أمانته وهو داعية على أصولهم إلى بدعة الاعتزال. قال الذهبي في التذكرة كان يرى القدر ولم يكن يقنع حتى كان يصيح به صياحا. ثم قال صاحب التنقيح والجواب عن الثاني أنا نقول إما أن يقوم الدليل الشرعي على قبولهم أو لا إن لم يدل على وجوب قبولهم لم نقبلهم دعاة كانوا أو غير دعاة وإن دل على وجوب القبول لم يصلح ما أورده مانعا من امتثال الأمر ولا مسقطا انتهى.
فعلمت من هذا كله قبول من لم يتهم بالكذب وعدم شرطية العدالة بالمعنى الذي أرادوه وهو أنه لا يرد من المبتدعة إلا من أجاز الكذب لنصرة مذهبه كالخطابية).
ومما يؤيد ما قاله أيضاً إخراج الأئمة في دواوين السنة لبعض المبتدعة فيما يتعلق ببدعتهم، فقد روى الإمام أحمد ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه: عن عدي بن
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 439)
ثابت عن زر قال: قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: والذي فلق الحبة وبرأ النسمة إنّه لعهد النبي الأمّي صلى الله عليه وسلم إليّ أنّ لا يحبني إلا مؤمن ولا يبغضني إلا منافق.
وعدي بن ثابت: قال عنه الذهبي في الكاشف: ثقة، لكنه قاص الشيعة وإمام مسجدهم بالكوفة.
- والأولى أن نعرف الحسن لغيره بقولنا: (هو الضعيف إذا تعددت طرقه، ولم يكن سبب ضعفه فسق الراوي أو كذبه).
حجية هذه الأقسام:
قال الشيخ: (وكل هذه الأقسام حجة سوى الضعيف فليس بحجة لكن لا بأس بذكره في الشواهد ونحوها).
القسم المقبول من الحديث على أربع درجات:
أعلاها: الصحيح لذاته، يتلوه: الصحيح لغيره، ثم الحسن لذاته، وأخيرا: الحسن لغيره، وهذه الأقسام يحتج بها، ويرجح أعلاها على من دونه في الرتبة عند التعارض وعدم إمكان الجمع.
وأما الحديث الضعيف فليس بحجة.
وقد أجاز البعض العمل بالضعيف بشروط وهي:
1 - أن لا يكون موضوعاً.
2 - أن يعرف العامل به كونه ضعيفاً.
3 - أن لا يُشهر العمل به.
4 - أن يكون في فضائل الأعمال.
5 - أن يندرج تحت أصل من أصول الشريعة.
وذهب الشيخ العثيمين في "الشرح" (ص/481) إلى عدم جواز العمل بالضعيف مطلقا، وهو مذهب: يحيى بن معين، وأبو بكر بن العربي، وابن حزم، وهو ظاهر صنيع البخاري ومسلم، والشوكاني، ومن المعاصرين: أحمد شاكر، والألباني، وغيرهم إلى عدم جواز العمل بالضعيف مطلقاً، وهذه المسألة نحناج إلى بسط سوف نعرض له - بإذن الله - في دروس المصطلح.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 440)
- لا بأس بذكر الضعيف في "الشواهد والمتابعات" (الاعتبار):
قال الشيخ في "الشرح" (ص/483): (وقوله: لكن لا بأس بذكره في الشواهد ونحوها)؛ لأن ذكره في الشواهد قد يكون منه فائدة: وهو أنه إذا تعددت طرقه صار الحديث حسنًا لغيره، فلا بأس أن يذكر في الشواهد ونحوها ليكون معتبرًا به).
صيغ الأداء:
قال الشيخ: (للحديث تحمل وأداء
فالتحمل: أخذ الحديث عن الغير.
والأداء: إبلاغ الحديث إلى الغير.
وللأداء صيغ منها:
1 - حدثني: لمن قرأ عليه الشيخ.
2 - أخبرني: لمن قرأ عليه الشيخ أو قرأ هو على الشيخ.
3 - أخبرني إجازة أو أجاز لي: لمن روى بالإجازة دون القراءة.
والإجازة: إذنه للتلميذ أن يروي عنه ما رواه وإن لم يكن بطريق القراءة.
4 - العنعنة وهي: رواية الحديث بلفظ عن.
وحكمها الاتصال إلا من معروف بالتدليس فلا يحكم فيها بالاتصال إلا أن يصرح بالتحديث).
قال الذهبي في "الموقظة" (فـ (حدَّثَنا) و (سَمِعتُ) لِمَا سُمِع من لفظ الشيخ. واصطُلِح على أنَّ (حدَّثَني) لِمَا سَمِعتَ منه وحدَك، و (حدَّثَنا) لِمَا سَمِعتَه معَ
غيرك. وبعضُهم سَوَّغ (حدَّثَنا) فيما قراه هو على الشيخ.
وأما (أخبَرَنا) فصادِقةٌ على ما سَمِع من لفظ الشيخ، أو قرأه هو، أو قرأه آخَرُ على الشيخِ وهو يَسمع. فلفظُ (الإخبار) أعمُّ من (التحديث).
و (أخبرني) للمنفرِد. وسَوَّى المحققون كمالكٍ والبخاريِّ بين (حدَّثنا)
و (أخبِرنا) و (سَمِعتُ)، والأمرُ في ذلك واسع.
فأمَّا (أنبأنا) و (أنا) فكذلك، لكنها غلَبتْ في عُرف المتأخرين على الإجازة).
وباقي الكلام واضح وقد اختصرت الكلام هنا، وسوف يأتي له مزيد بيان في دروس المصطلح - بإذن الله -.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 441)
الإجماع
تعريف الإجماع لغة:
قال الشيخ: (الإجماع لغة: العزم والاتفاق).
الإجماع في اللغة يطلق على معنيين وهما:
أولا: العزم والتصميم على الشيء، يقال: أجمع فلان على كذا إذا عزم وصمم عليه، وأجمع الأمر إذا عزم عليه، والأمر مُجْمَع وأجمعتُ المسير والأمر، وأجمعت عليه إذا عزمت عليه، يتعدى بنفسه وبالحرف. ومن ذلك قوله تعالى: (فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ) [يونس: 71] أي: اعزموا أمركم وادعوا شركائكم.
ومنه أيضا قوله تعالى: (فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ) [يوسف: 15] أي: عزموا أن يجعلوه.
ومنه حديث: (من لم يجمع الصوم من الليل فلا صيام له) أي من لم يعزم على الصيام فينويه.
ثانيا: الاتفاق، يقال أجمعت الجماعة على كذا إذا اتفقوا عليه.
ومن خلال هذين المعنيين يظهر الفرق بينهما من وجهين:
الأول: أن الإجماع بمعنى العزم يتصور من واحد، وكذلك يتصور أيضا من أكثر من واحد، وهذا بخلاف الإجماع بمعنى الاتفاق، فلا يتصور إلا من اثنين فأكثر.
الثاني: أن الإجماع بمعنى العزم يتعدى بنفسه وبالحرف، وأما الإجماع بمعنى الاتفاق فلا يتعدى بنفسه (1).
وإذا رجعنا إلى آراء علماء الأصول في معنى الإجماع لغة، فنجد أن عبارات معظم الأصوليين تدور حول معنى إطلاق الإجماع في اللغة على العزم والاتفاق من غير تفصيل في ذلك، من هؤلاء: أبو إسحاق الشيرازي، والجويني، والآمدي، وابن الحاجب، والطوفي، والسبكي، والإسنوي، والتفتازاني، والزركشي، وابن الهمام، وابن النجار.
وأما بعضهم فقد فصل في معنى الإجماع.--------------------------------------------
(1) انظر رسالة "الإجماع عند الأصوليين" للشيخ أحمد عزب (ص/29).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 442)
فمنهم من قال: إن الإجماع لفظي مشترك بين العزم والاتفاق، كالغزالي وفخر الدين الرازي.
ومنهم من ذهب إلى أن المعنى الأصلي له الاتفاق، وأما العزم يرجع إليه؛ لأن من اتفق على شيء فقد عزم عليه كالقاضي الباقلاني وأبي يعلى.
ومنهم من قال إن المعنى الأصلي له العزم وأما الاتفاق فزم ضروري للعزم إذا وقع من جماعة.
قال علاء الدين السمرقندي في الإجماع: هو العزم التام.
وقال السمعاني: إن الإجماع بمعنى الاتفاق أشبه باللغة، وبمعنى العزم أشبه بالشرع، وكذا قال ابن برهان.
فائدة الخلاف: أنه إن كان الإجماع بمعنى العزم يصح الإجماع من واحد، وإن كان بمعنى الاتفاق لا يصح إلا من جماعة.
وأما الأنسب بالمعنى الاصطلاحي - من المعنيين - هو الاتفاق، ولكن لكلا المعنيين علاقة واضحة بالمعنى الاصطلاحي، وإن كان الاتفاق أوضح علاقة، لأن في الاتفاق جمع الآراء وفي العزم جمع الخواطر، ولا يمكن اتفاق الآراء إلا بعد جمع كل صاحب رأي خواطره عند الحكم على مسألة ما، أو إذا وقع العزم من جماعة على حكم كان الاتفاق من لوازمه ضرورة (1).
تعريف الإجماع اصطلاحا:
قال الشيخ: (واصطلاحاً: اتفاق مجتهدي هذه الأمة بعد النبي صلى الله عليه وسلم على حكم شرعي).
قال في "الأصل" (ص/64): (فخرج بقولنا: " اتفاق " وجود خلاف ولو من واحد فلا ينعقد معه الإجماع.
وخرج بقولنا " مجتهدي " العوام والمقلدون فلا يعتبر وفاقهم ولا خلافهم.
وخرج بقولنا: " هذه الأمة " إجماع غيرها فلا يعتبر.
وخرج بقولنا: " بعد النبي صلى الله عليه وسلم "، اتفاقهم في عهد النبي صلى الله--------------------------------------------
(1) انظر رسالة "الإجماع عند الأصوليين" للشيخ سيد أشرف (ص/18).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 443)
عليه وسلم، فلا يعتبر إجماعاً من حيث كونه دليلاً لأن الدليل حصل بسنة النبي صلى الله عليه وسلم، من قول أو فعل أو تقرير ولذلك إذا قال الصحابي كنا نفعل أو كانوا يفعلون كذا على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، كان مرفوعاً حكماً لا نقلاً للإجماع.
وخرج بقولنا: "على حكم شرعي" اتفاقهم على حكم عقلي أو عادي فلا مدخل له هنا إذ البحث في الإجماع كدليل من أدلة الشرع).
تتمة:
قال الطوفي في "مختصر الروضة" (ص/129): (المعتبر في الإجماع قول أهل الاجتهاد، لا الصبيان والمجانين قطعا، وكذا العامي المكلف على الأكثر … ويعتبر في إجماع كل فن قول أهله، إذ غيرهم بالإضافة إليه عامة. أما الأصولي غير الفروعي وعكسه، والنحوي في مسألة مبناها على النحو فقط، ففي اعتبار قولهم الخلاف في تجزيء الاجتهاد، والأشبه اعتبار قول الأصولي والنحوي فقط لتمكنهما من درك الحكم بالدليل).
وقال في "الشرح" (3/ 33): (حجة الجمهور على عدم اعتبار قول العامي، وهي من وجهين:
أحدهما: أن قول العامي غير مستند إلى دليل، وإلا لم يكن عاميا، وما ليس مستندا إلى دليل، يكون جهلا وخطأ؛ لأن الشرع حرم القول بغير علم، والجهل والخطأ غير معتبر.
الوجه الثاني: أن العامي إذا خالف أهل الاجتهاد، فقال بالنفي، وقالوا بالإثبات أو بالعكس، فإما أن يعتبر قولاهما، فيجتمع النقيضان، أو يلغى قولاهما فيرتفع النقيضان، وتخلو الواقعة عن حكم، أو يقدم قول العامي، فيفضي إلى تقديم ما لا مستند له على ما له مستند، والكل «باطل فتعين الرابع» وهو تقديم قول المجتهد عليه، وهو المطلوب …
قوله: و «يعتبر في إجماع كل فن قول أهله» كالفقيه في الفقه، والأصولي في الأصول، والنحوي في النحو، والطبيب في الطب «إذ غيرهم» أي: غير أهل ذلك الفن «بالإضافة» إلى ذلك الفن «عامة» …
قوله: «أما الأصولي غير الفروعي» أي: العالم بأصول الفقه دون فروعه،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 444)
ككثير من الأعاجم تتوفر دواعيهم على المنطق والفلسفة والكلام، فيتسلطون به على أصول الفقه، إما عن قصد، أو استتباع لتلك العلوم العقلية، ولهذا جاء كلامهم فيه عريا عن الشواهد الفقهية المقربة للفهم على المشتغلين، ممزوجا بالفلسفة، «وعكسه» يعني: الفروعي غير الأصولي «والنحوي في مسألة مبناها على النحو» أي: تنبني عليه، كمسألة استيعاب الرأس بالمسح، المبنية على أن الباء للإلصاق، أو التبعيض، ومسائل الشروط في الطلاق، ومسائل الإقرار، نحو: له علي كذا وكذا درهما، أو درهم بالرفع، أو الجر غير درهم، على الوصف أو الاستثناء وأشباه ذلك. «ففي اعتبار» قول هؤلاء «الخلاف في تجزيء الاجتهاد».
ومعنى ذلك: أن الاجتهاد هل يجوز تجزئته؟ بمعنى أن يكون الشخص مجتهدا في مسألة من المسائل دون غيرها، فإن أجزنا ذلك، اعتبر قول هؤلاء، لأن كلا منهم وإن لم يكن أهلا للاجتهاد في جميع المسائل، لكنه أهل للاجتهاد في بعضها، مثل أن يبني الأصولي وجوب الزكاة على الفور على أن الأمر على الفور، ونحو ذلك، والنحوي مسائل الشروط في الطلاق على باب الشرط والجزاء في العربية، وإن لم يجز تجزيء الاجتهاد، لم يجز ذلك، والأشبه القول بتجزيء الاجتهاد، إذ لا يمتنع وجود أهلية الاجتهاد كاملة بالنسبة إلى بعض المسائل دون بعض … وله: «والأشبه» يعني بالصواب وما دل عليه الدليل «اعتبار قول الأصولي والنحوي فقط» دون الفقيه الصرف «لتمكنهما» يعني الأصولي والنحوي «من درك الحكم» أي: من إدراكه، واستخراجه «بالدليل» هذا بقواعد الأصول، وهذا بقواعد العربية، لأن علمهما من مواد الفقه وأصوله، فيتسلطان به عليه؛ ولأن مباحث الأصول والعربية عقلية، وفيهما من القواطع كثير، فيتنقح بها الذهن، ويقوى بها استعداد النفس لإدراك التصورات والتصديقات، حتى يصير لها ذلك ملكة، فإذا توجهت إلى الأحكام الفقهية، أدركتها، إذ هي في الغالب لا تخالف قواعد الأصول العقلية إلا بعارض بعيد، أو تخصيص علة، ومع ذلك فهو لا يخفى على من مارس المباحث الأصولية … ).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 445)
قيود أخرى:
لابد من إضافة بعض القيود لهذا التعريف ليكون جامعا مانعا، هي:
1 - قيد: في عصر، أي من العصور:
أما قول الشيخ (اتفاق مجتهدي هذه الأمة) يشعر بعدم انعقاد إجماع إلى يوم القيامة؛ لأن أمة محمد صلى الله عليه وسلم تشمل جميع من اتبعه إلى يوم القيامة ومن كان منهم موجودا في عصر من العصور فهو يعم بعض الأمة لا كلها. وعليه فلابد من إضافة قيد: في عصر؛ ليصح كون اتفاق أهل الاجتهاد في أي عصر من العصور إجماعا صحيحا.
وقد زاد هذا القيد جماعة من الحنابلة:
قال أبو يعلى في "العدة" (1/ 170): (اتفاق علماء العصر على حكم النازلة).
قال ابن عقيل في "الواضح" (1/ 42): (اتفاق فقهاء العصر على حكم الحادثة).
قال ابن قدامة في "روضة الناظر" (ص/130): (اتفاق علماء العصر من أمة محمد صلى الله عليه وسلم على أمر من أمور الدين).
قال الطوفي في "البلبل" (ص/128): (اتفاق مجتهدي العصر من هذه الأمة على أمر ديني).
قال المرداوي في "التحبير" (4/ 1522): (اتفاق مجتهدي الأمة في عصر على أمر، ولو فعلاً، بعد النبي).
قال ابن النجار في "مختصر التحرير": (اتفاق مجتهدي الأمة في عصر على أمر ولو فعلا بعد النبي صلى الله عليه وسلم.
وكل هذه التعاريف غير جامعة ولا مانعة، إلا أن الغرض بيان ذكرهم لقيد العصر.
2 - قيد: ألا يسبق الإجماع خلاف مستقر:
قال الشيخ في "الأصل" (ص/66): (أن لا يسبقه خلاف مستقر، فإن سبقه ذلك فلا إجماع؛ لأن الأقوال لا تبطل بموت قائليها. فالإجماع لا يرفع الخلاف السابق، وإنما يمنع من حدوث خلاف، هذا هو القول الراجح لقوة مأخذه … ).
قال ابن بدران في "المدخل" (ص/278): (واصطلاحا اتفاق المجتهدين من هذه الأمة في عصر من العصور على أمر ومن يرى انقراض العصر يزيد إلى انقراض
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 446)
العصر ومن يرى أن الإجماع لا ينعقد مع سبق خلاف مستقر من حي أو ميت جوز وقوعه يزيد لم يسبقه خلاف مجتهد مستقر).
وسوف يأتي - بإذن الله - الكلام على المسألتين وإنما الغرض التنبيه على ترجيح الشيخ ووجه إضافة هذا القيد.
3 - قيد عدالة المجتهدين:
اختلف العلماء في اشتراط قيد العدالة للمجتهدين على أقوال خمسة (1).
قال القاضي أبو يعلى في "العدة" (4/ 1139): (ولا يعتبر في صحة انعقاد الإجماع بأهل الضلال والفسق، وإنما الإجماع إجماع أهل الحق، الذين لم يثبت
فسقهم وضلالهم.
وقد قال أحمد رحمه الله، في رواية بكر بن محمد عن أبيه: "لا يشهد عندي رجلٌ، ليس هو عندي بعدل، وكيف أجوز حكمه؟! يعنى: الجَهْمي".
وبهذا قال الرازي والجرجاني. وذهب قوم من المتكلمين إلى أنه يعتد في الإجماع بمن يخالف الحق، كما يعتد بأهل الحق، سواء عظمت معصية المخالف للحق أو لم تعظم.
وهو اختيار أبي سفيان الحنفي.
وذكر الإسفراييني: إن ارتكب بدعة كفر بها لم يعتد بقوله، وإن فسق بها، أو أتى كبيرة يعتد به " (2).--------------------------------------------
(1) وقد ذكرها، وذكر أدلة كل قول، وناقش بينها: الشيخ سيد أشرف، في رسالته "الإجماع عند الأصوليين" (ص/136) وما بعدها وأيضا الشيخ أحمد عزب في رسالته "الإجماع عند الأصوليين" (ص/116) وما بعدها.
(2) ثم أخذ يسوق الأدلة على اشتراط عدالة المجتهدين لينعقد بهم الإجماع، وقد تعقب استدلالاته تلميذه الكلوذاني في التمهيد (3/ 253) وما بعدها ورجح عدم اشتراط عدالتهم، ولم أشأ أن استطرد في ذكر هذه الأدلة لأنها غالبها أعم من محل النزاع، ولا يخلو الاستدلال بها على أحد القولين من نظر، حتى أن الشيخ أحمد عزب قال (ص/122): (أن العدالة تشترط للمجمعين؛ لأن الأدلة التي أثبتت حجية الإجماع وإن لم تتضمن نصا اشتراط العدالة لكن يفهم منها ذلك؛ لأن الفاسق غير العدل يحتمل أن يكون كاذبا فيما ادعاه، متبعا في ذلك هواه، فهو ليس أهلا لأن يؤخذ لمخالفته). والتعليل الذي ذكره يقوي وجه الترجيح الذي اخترته وسيأتي قريبا - بإذن الله -. وانظر أيضا: التحبير (4/ 1560)، وشرح الكوكب المنير (2/ 228)، ونزهة الخاطر العاطر (1/ 239).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 447)
وقال المجد في "المسودة" (ص/ 297): (ولا يعتد بخلاف الفاسق وبه قال الجرجاني والرازي وأكثر الشافعية وقال أبو سفيان الحنفى وبعض المتكلمين يعتد به واختاره الجوينى وأبو الخطاب كالجوينى وكذلك الاسفرائينى وقال بعض الشافعية يسأل فان ذكر مستندا صالحا اعتد به وإلا فلا بخلاف العدل فانه يعتد بخلافه من غير أن يسأل).
وبيان الراجح عندي يتضح من خلال بيان هذين الأصلين:
الأول - سبق في شرحي للموقظة أن حققت أن مبنى العدالة يدور على ظن
الصدق دون غيره من الشروط كاجتناب الأعمال السيئة من شرك أو فسق أو
بدعة.
الثاني - أن العدالة ليست شرطا في الاجتهاد، وإنما هي شرط في الفتيا، أو الحكم؛ وذلك لأن الفتيا، أو الحكم إنما هي خبر عن حكم الله الذي وصل إليه المجتهد باجتهاده، ويدخل في ذلك إخبارنا عن اجتهاده.
قال الطوفي في " شرح مختصر الروضة" (3/ 43): (ويجاب عما قاله القاضي: بأن العدالة تعتبر للرواية والشهادة، لا للنظر والاجتهاد، وهو المراد في باب الإجماع، وللقاضي أن يقول: هو مخبر عن نفسه بما أدى إليه نظره واجتهاده، وخبره غير مقبول لفسقه).
قال الشنقيطي في "المذكرة": (ص/288): (والعدالة ليست شرطاً في أصل الاجتهاد، وإنما هي شرط في قبول فتوى المجتهد).
وقال السمعاني في " قواطع الأدلة" (2/ 306): (وليس يعتبر في صحة الاجتهاد أن يكون رجلا ولا أن يكون حرا ولا أن يكون عدلا وهو يصح من الرجل والمرأة والحر والعبد والفاسق وإنما تعتبر العدالة في الحكم والفتوى فلا يجوز استفتاء الفاسق وإن صح استفتاء المرأة والعبد ولا يصح الحكم إلا من رجل حر عدل فصارت شروط الفتيا أغلظ من شروط الاجتهاد بالعدالة لما تضمنه من القبول وشروط الحكم أغلظ من شروط الفتيا بالحرية والذكورية لما تضمنه من الإلزام).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 448)
قال الشيخ عياض السلمي في " أصوله" (ص/454): (العدالةُ: وهي شرطٌ لقَبول الاجتهاد والاعتدادِ به، فمن ليس عدلاً مقبولَ الرواية لا يُقبلُ قولُه في الشرع، كما لا يُقبلُ خبرُ مَن ليس عدلاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فإن الفُتيا خبرٌ عن حكم الله تعالى).
وعليه فمن غلب على الظن صدقه فهو عدل يقبل اجتهاده وخبره عن اجتهاده، ومن غلب على الظن كذبه، وعدم صدقه فاجتهاده وإن كان صحيحا لتوفر شروط الاجتهاد فيه إلا أن خبره عن اجتهاده يكون غير مقبولا فلا يعتد به في الإجماع.
وعليه فلابد من إضافة قيد العدالة للمجتهدين، وهذا جار على أصول المذهب.
ومما سبق يكون تعريف الإجماع: (اتفاق العدول من مجتهدي هذه الأمة في عصر بعد النبي صلى الله عليه وسلم على حكم شرعي غير مسبوق بخلاف مستقر).
تتمة - هل يعتد بخلاف الظاهرية في الإجماع؟
قال الشيخ في شرح الأصول (ص/489): (بعض العلماء يحصل منهم بعض الخطأ في بعض الطوائف حيث لا يعتبرون إجماعهم، فيرى بعض الفقهاء وأصحاب الرأي أن خلاف الظاهرية لا يعتبر، ويقول: إن الأمة تُجمع ويحكم بإجماعها ولو خالفها أهل الظاهر في هذا الحكم.
فمثلاً: عندهم ابن حزم، وداود الظاهري وغيرهما من أهل الظاهر لا يعتد بخلافهم إذا أجمع الفقهاء على قولٍ، وهؤلاء المخالفون لهم، فإجماع الفقهاء حجة ملزمة، ولكن هذا القولُ ضعيفٌ؟ والصواب أن قول الظاهرية يخرم الإجماع إن كان مخالفًا له؛ لأن الظاهرية لا شك أن مذهبهم صحيح، وإن كان عندهم خطأ كثير لكن خطؤهم لا يوجب رد قولهم مطلقًا، فلهم أقوال صحيحة موافقة لظاهر النصوص والصواب فيها معهم. فالصواب أن قول أهل الظاهر معتبر، وأنه إذا خالف قولَ غيرهم لم يكن ثم إجماع).
وهذا القول الذي اختاره الشيخ هو أحد الأقوال الثلاثة المشهورة في المسألة وهو الأرجح وهو رأي كثير من الحنابلة واختاره غير واحد من المحققين كابن القيم، وذهب الطوفي في "التعيين في شرح الأربعين" (ص/244) أن خلافهم غير معتبر مطلقا.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 449)
ومما يرجح اعتبار قولهم (1):
أن إنكارهم للقياس لا يعني خروجهم من دائرة العلماء؛ لأنهم مجتهدون توفرت فيهم جميع أدوات الاجتهاد، كما أنه يلزم من عدم الاعتداد بخلافهم عدم الاعتداد بخلاف منكري حديث الآحاد - مطلقا أو في وقائع معينة - ومنكري العمل بالحديث المرسل، ومن يرى نسخ القرآن بالسنة، ومنكري العموم، وغير ذلك من صور عدم العمل ببعض آحاد الأدلة المتفق عليها من الكتاب والسنة.
حجية الإجماع:
قال الشيخ في "الأصل" (ص/64): (الإجماع حجة لأدلة منها:
1 - قوله تعالى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ) [البقرة: 143]، فقوله: (شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ) يشمل الشهادة على أعمالهم وعلى أحكام أعمالهم والشهيد قوله مقبول.
2 - قوله تعالى: (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ) [النساء:59] دل على أن ما اتفقوا عليه حق.
3 - قوله صلى الله عليه وسلم: (لا تجتمع أمتي على ضلالة).
4 - أن نقول: إجماع الأمة على شيء إما أن يكون حقّاً وإما أن يكون باطلاً، فإن كان حقّاً فهو حجة، وإن كان باطلاً فكيف يجوز أن تجمع هذه الأمة التي هي أكرم الأمم على الله منذ عهد نبيها إلى قيام الساعة على أمر باطل لا يرضى به الله؟! هذا من أكبر المحال).
الخلاف في حجية الإجماع خلاف ضعيف، وجماهير أهل العلم من لدن الصحابة رضي الله عنهم والتابعين والأئمة الأربعة ومن بعدهم من أهل العلم على الاحتجاج به ولزوم حجيته.
وخالف في ذلك النظّام والقاشاني من المعتزلة، وأكثر الخوارج.
- وجه الاستدلال بالآية الأولى:
قال الطوفي في "شرح مختصر الروضة" (3/ 15): (قوله تعالى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ--------------------------------------------
(1) انظر: الاعتداد بخلاف الظاهرية في الفروع الفقهية "دراسة تأصيلية" للدكتور/عبد السلام بن محمد الشويعر.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 450)
أُمَّةً) وَسَطًا «أي: عدولا» خيارا، كذلك قال أئمة أهل اللغة والتفسير … قوله تعالى: (لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ) [البقرة: 143] أي: لتشهدوا يوم القيامة على الأمم أن أنبياءهم بلغوهم أمر الله تعالى بالتوحيد وأحكامه، فدل على أن المراد بالوسط من تقبل شهادته، خصوصا في ذلك اليوم، على ذلك الخلق العظيم: وهو العدل وإذا ثبت أن الوسط في الآية الكريمة هو العدل، فالاستدلال بها من وجهين:
أحدهما: أن وصفهم بالعدالة في سياق المدح، وإنما يحسن المدح إذا كانوا على الصواب في أقوالهم وأفعالهم، وذلك يوجب أن ما اتفقوا عليه يكون صوابا.
الوجه الثاني: أن الوصف بالعدالة، إما لكل واحد منهم أو لمجموعهم، والأول باطل قطعا، لوجود آحاد الفساق فيهم كثيرا، فتعين الثاني، وهو أن الوصف بالعدالة لمجموعهم، وذلك يقتضي أن ما يقولونه مجتمعين عليه حق وصواب، لأن قائل غير الحق والصواب يكون كاذبا، والكاذب لا يكون عدلا … ).
- وجه الاستدلال بالآية الثانية:
وهي قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ) [النساء: 59]:أنه تعالى أمر في الآية بالرد إلى الله ورسوله، أي الكتاب والسنة، بشرط وجود التنازع في الحكم بين المؤمنين؛ ليرتفع التنازع ويحصل الاتفاق بينهم، وذلك يدل على أنه إذا لم يوجد التنازع بل كان الحكم مجمعا عليه فلا يجب الرجوع إلى الكتاب والسنة؛ لانعدام المشروط بشرطه، بل يكتفى بالإجماع عنهما، فكان الإجماع حجة، يجب العمل به كالكتاب والسنة.
ومن أقوى الأدلة على حجية الإجماع قوله تعالى: (وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا) [النساء: 115]، وجه الاستدلال بها أنه سبحانه توعد بالنار من اتبع غير سبيل المؤمنين، وذلك «يوجب إتباع سبيلهم» وإذا أجمعوا على أمر، كان سبيلا لهم
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 451)
، فيكون إتباعه واجبا على كل واحد، منهم ومن غيرهم، وهو المراد بكون الإجماع حجة (1).
وقد أورد البعض على الاستدلال بهذه الآيات بعض الاعتراضات الضعيفة، فلا حاجة لذكرها (2).
- وجه الاستدلال بقوله صلى الله عليه وسلم: (لا تجتمع أمتى على ضلالة).
وفي معنى هذا الحديث أحاديث أخرى كثيرة تشهد لمعناه.
وكلمة: (ضلالة) نكرة في سياق النفي فتعم جميع الضلال من كفر وكل معصية، فإن ثبت انتفاء اجتماع الأمة على خطأ، صار ما اجتمعت عليه حقا واجب الإتباع.
قال الشيخ في "الأصل" (ص/65): (إجماع الأمة على شيء إما أن يكون حقّاً وإما أن يكون باطلاً، فإن كان حقّاً فهو حجة، وإن كان باطلاً فكيف يجوز أن تجمع هذه الأمة التي هي أكرم الأمم على الله منذ عهد نبيها إلى قيام الساعة على أمر باطل لا يرضى به الله؟! هذا من أكبر المحال).
وفي الباب أدلة أخرى من المنقول والمعقول دالة على حجية الإجماع، وفيما تقدم كفاية.
ولنتوقف قليلا مع بعض الشبه التي عرضت للمخالف، ومنها:
قال عرض الشيخ على الراشدي في رسالته: (الإجماع عند الإمام النووي) (1/ 123) لبعض هذه الشبه فقال:
(الشبهة الأولى - قوله تعالى: (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ) [النساء: 59] ولم يذكر الإجماع ولو كان حجة لذكره.
الشبهة الثانية - قوله صلى الله عليه وسلم لمعاذ رضي الله عنه حين بعثه إلى اليمن قاضيا: (كيف تقضي إذا عرض لك قضاء؟ قال أقضي بكتاب الله، قال: فإن لم تجد في كتاب الله، قال: فبسنة رسول الله، قال: فإن لم تجد … ؟ قال: أجتهد رأي ولا آلو؛ فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم صدره وقال:--------------------------------------------
(1) شرح مختصر الروضة (3/ 15).
(2) انظرها في الأحكام للآمدي (1/ 170)، والمحصول (4/ 46) ورسالة "الإجماع عند الأصوليين" للشيخ سيد أشرف (ص/53).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 452)
الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضي رسول الله)، ولم يذكر الإجماع؛ فدل على أنه ليس بحجة.
الشبهة الثالثة - قوله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع: (لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم بعضكم رقاب بعض) ومن أجاز رجوعهم إلى الكفر لا يكون إجماعهم حجة.
الشبهة الرابعة - يستحيل أن يجوز الخطأ على الواحد من الأمة، ولا يجوز على جماعتهم، كما يستحيل أن يكون كل واحد منهم مصيبا وجماعتهم غير مصيبين.
والجواب عن الشبهة الأولى: أن الرد إلى الله والرسول إنما يكون عند الاختلاف، وأما عند الإجماع فلا رد.
وعن الثانية: أنه لم يذكر الإجماع؛ لأنه لا إجماع في زمن النبي صلى الله عليه وسلم.
وعن الثالثة: لعله أراد بعض الأمة، او المراد كفر دون كفر، كما هو قول السلف.
وعن الرابعة: أن جواز الخطأ في حال الانفراد، وأما في حال الاجتماع فإنهم معصومون).
ويقال أيضا في الجواب عن الشبهة الثانية أن الحديث ضعيف لا يثبت (1).--------------------------------------------
(1) إسناده ضعيف - أخرجه أبو داود في "سننه" (3/ 303) حديث رقم (3592)، والترمذي في "سننه"، (3/ 616) حديث رقم (1327، 1328)، أحمد في "مسنده" (5/ 236، 242)، والدارمي في "سننه" (1/ 72) حديث رقم (168)، والطبراني في "الكبير" (20/ 170) حديث رقم (362)، والبيهقي في "الكبرى" (10/ 114) - كلهم - من طريق شعبة عن أبي عون عن الحارث بن عمرو عن رجال من أصحاب معاذ عن معاذ رضي الله عنه به. قال الترمذي: "هذا حديث لا نعرفه إلا من هذا الوجه وليس إسناده عندي بمتصل"، والحديث قال عنه الشيخ الألباني في " الضعيفة " (2/ 273) حديث رقم (881): منكر.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 453)
أنواع الإجماع:
قال الشيخ: (الإجماع نوعان: قطعي، وظني. فالقطعي: ما يعلم وقوعه من الأمة بالضرورة).
قال في "شرح الأصول" (ص/496): (فالذي يعلم بالضرورة وقوعه من الأمة هو إجماع قطعي، ومعنى بالضرورة أي: بدون نظر وتأمل- يعني لا يحتاج أن ننظر: هل أجمعوا أم لم يجمعوا؛ لأنه معروف.
ثم قال: (فإن قيل: لعل فيه خلافًا.
قلنا: لا يمكن أن يخالف أحد في هذا، إلا من كان حديث عهد بإسلام، لا يدري عن الإِسلام شيئًا، أما من عاش بين المسلمين فإنا نعلم أنه يعتقد وجوب الصلوات الخمس، وكذلك تحريم الزنا، فإن العلماء مجمعون عليه إجماعًا قطعيًا، وكذلك حِلّ الخبز فهو مجمع عليه).
ثم قال الشيخ: (والظني: ما لا يعلم إلا بالتتبع والاستقراء) (1).
وقال في "شرح الأصول" (ص/498): (الثاني هو الظني، والظني: ما لا يعلم إلا بالتتبع والاستقراء، يعني ليس معلومًا بالضرورة، بل مُتَتبَّع، فَيُتتبَّع من الكتب التي تنقل الآَثار عن المتقدمين، وتتبع الكتاب التي ألفها المتأخرون، وينظر فإذا أجمعت الكتب والآثار على حكم من الأحكام قلنا: هذا إجماع، لكنه ليس قطعيًا، ليس إجماعًا قطعيًا لأنه يجوز أن يكون هناك خلاف لم نعلمه).
هذا محصل كلام الشيخ في بيان نوعي الإجماع.
وأما تفسير الشيخ للظني بما ثبت بالتتبع والاستقراء فقد تبع فيه تقي الدين ابن تيمية حيث قال في "مجموع الفتاوى" (19/ 267): (والإجماع نوعان قطعي فهذا لا سبيل إلى أن يعلم إجماع قطعي على خلاف النص، وأما الظني فهو الإجماع الإقراري والاستقرائي بأن يستقرىء أقوال العلماء فلا يجد في ذلك خلافا أو يشتهر القول في القرآن ولا يعلم أحدا أنكره).--------------------------------------------
(1) قال تقي الدين في "مجموع الفتاوى" - (19/ 267): (وأما الظني فهو الإجماع الإقراري والاستقرائي بأن يستقرئ أقوال العلماء فلا يجد في ذلك خلافا أو يشتهر القول في القرآن ولا يعلم أحدا أنكره).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 454)
وزاد تقي الدين: الإقراري وسوف يأتي - بإذن الله - الخلاف في اعتباره في آخر باب الإجماع.
تنبيه:
في حصر ما ثبت بالتتبع والاستقراء في الظني دون القطعي نظر؛ إذ أن الاستقراء منه ما هو تام ومنه ما ناقص.
قال ابن النجار في "شرح الكوكب المنير" (4/ 418): ((والاستقراء بالجزئي على الكلي) الذي هو أحد أصناف الاستدلال نوعان:
أحدهما: استقراء تام، وهو ما أشير إليه بقوله (إن كان) أي الاستقراء (تاما) أي بالكلي (إلا صورة النزاع، ف) هو (قطعي) عند الأكثر، وحد هذا: بأنه إثبات حكم في جزئي لثبوته في الكلي نحو: كل جسم متحيز.
فإنا استقرأنا جميع جزئيات الجسم فوجدناها منحصرة في الجماد والنبات والحيوان، وكل من ذلك متحيز فقد أفاد هذا الاستقراء الحكم يقينا في كلي، وهو الجسم الذي هو مشترك بين الجزئيات.
فكل جزئي من ذلك الكلي يحكم عليه بما حكم به على الكلي، إلا صورة النزاع فيستدل بذلك على صورة النزاع، وهو مفيد للقطع …
النوع الثاني: استقراء ناقص، وهو ما أشير إليه بقوله (أو) إن كان (ناقصا) أي بأن يكون الاستقراء (بأكثر الجزئيات) لإثبات الحكم الكلي المشترك بين جميع الجزئيات … (ويسمى) هذا عند الفقهاء (إلحاق الفرد بالأعم الأغلب، ف) هو (ظني) ويختلف فيه الظن باختلاف الجزئيات.
فكلما كان الاستقراء في أكثر كان أقوى ظنا (وكل) من النوعين (حجة) أما الأول: فبالاتفاق، وأما الثاني: فعند صاحب الحاصل والبيضاوي والهندي، وبعض أصحابنا وغيرهم … ).
فإن كان الاستقراء تاما فهو حجة قطعية، وثبت عن طريق جمع كبير من العلماء يبلغون حد التواتر فهو حجة قطعية، وذلك على مقتضى كلام ابن قدامة وسيأتي.
ولنتوقف الآن مع طريقة ابن قدامة في التقسيم وطريقته في تعيين القطعي والظني.
قال في "الروضة" (ص/154): (الإجماع ينقسم إلى: مقطوع، ومظنون.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 455)
فالمقطوع ما وجد فيه الاتفاق مع الشروط (1) التي لا يختلف فيه مع وجودها ونقله أهل التواتر.
والمظنون ما تخلف فيه أحد القيدين بأن يوجد مع الاختلاف فيه كالاتفاق في بعض العصر وإجماع التابعين على أحد قولي الصحابة أو يوجد القول من البعض والسكوت من الباقين أو توجد شروطه لكن ينقله آحاد).
قال الطوفي (3/ 127) شارحا كلام ابن قدامة: (أما الشيخ أبو محمد، فقال: الإجماع إما مقطوع أو مظنون، فالمقطوع ما وجد فيه جميع الشروط التي لا يختلف فيه مع وجودها، ونقل تواترا، والمظنون ما اختل فيه أحد القيدين، بأن يوجد على وجه مختلف فيه متواترا، ومتفقا عليه آحادا.
مثال المختلف فيه: أن يتفق أهل العصر الثاني على أحد قولي أهل العصر الأول، أو يؤخذ بقول البعض وسكوت البعض، أو يوجد الاتفاق في بعض
العصر ولم ينقرض حتى خولف، أو يجمع الصحابة بدون التابعي المعاصر …
ومثال المتفق عليه آحادا: أن ينقل إجماع الصحابة بشروطه المتفق عليها بطريق الآحاد).
وقال أيضا (3/ 126): («الإجماع إما نطقي، أو سكوتي» وكل واحد منهما: إما «تواتر أو آحاد».
فالنطقي: ما كان اتفاق مجتهدي الأمة جميعهم عليه نطقا، بمعنى أن كل واحد منهم نطق بصريح الحكم في الواقعة، نفيا أو إثباتا. وهذا معنى قوله: «إما نطقي من الكل».
والسكوتي: ما نطق به البعض، وسكت البعض، وكل واحد من هذين إما أن ينقل تواترا أو آحادا، أي: ينقل بالتواتر أو الآحاد أن جميع المجتهدين نطقوا بصريح الحكم، أو ينقل بالتواتر أو الآحاد أن بعض المجتهدين أفتى، وبعضهم سكت …
قوله: «ومراتبها» أي: مراتب أقسام الإجماع «متفاوتة» في القوة والضعف، وأقواها النطقي المتواتر، ثم النطقي المنقول آحادا، لضعف الآحاد عن التواتر، ثم--------------------------------------------
(1) وسوف يأتي قريبا الكلام على شروط الإجماع.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 456)
السكوتي المتواتر، ثم السكوتي المنقول آحادا … فهذه أربع مراتب، طرفان وواسطتان، لأنها إما نطقي متواتر، أو سكوتي آحاد، هذان طرفان، في كل واحد منهما جهتا قوة أو ضعف، أو نطقي آحاد، أو سكوتي متواتر، هذان واسطتان، في كل واحدة منهما جهة قوة وجهة ضعف، وذلك ظاهر، فإن أردنا الترجيح بين الواسطتين، فالنطقي الآحاد أولى بالرجحان، لأن الاحتمالات القادحة في السكوتي أكثر وأقوى منها في الآحاد).
وزاد الشنقيطي نوعا آخر للقطعي، وهو القولي المشاهد قال في "المذكرة" (ص/153): (واعلم أن الإجماع الذي هو حجة قاطعة عند الأصوليين هو القطعي لا الظني. والقطعي هو القولي المشاهد أو المنقول بعدد التواتر والظني كالسكوتي والمنقول بالآحاد) فالقولي المشاهد يكون حجة قاطعة في حق المشاهد، كما أن قول النبي صلى الله عليه وسلم دليل قاطع في حق من شافهه به، فأما إن نقل لنا بطريق الآحاد كان حجة ظنية.
الخلاصة:
وبعد هذه النقول يتبين أنهم قعدوا ومثلوا للإجماع القطعي والظني:
فالإجماع القطعي هو: ما وجد فيه الاتفاق مع الشروط التي لا يختلف فيه مع وجودها ونقله أهل التواتر، كالذي يعلم بالضرورة وقوعه من الأمة، ومنه النطقي المتواتر، والقولي المشاهد في حق من شاهده.
والإجماع الظني هو: ما تخلف فيه أحد القيدين (الاتفاق أو تحقق بعض الشروط) بأن يوجد مع الاختلاف فيه كالاتفاق في بعض العصر وإجماع التابعين على أحد قولي الصحابة أو توجد شروطه لكن ينقله آحاد (النطقي المنقول آحادا)، وكالإجماع الإقراري والإجماع الاستقرائي (وهو ما لا يعلم إلا بالتتبع والاستقراء الناقص) وكالإجماع السكوتي المتواتر، أو السكوتي المنقول آحادا.
فروع:
الأول - حكم مخالف الإجماع القطعي والظني:
قال الشيخ: (ويكفر مخالفه - أي القطعي - إذا كان ممن لا يجهله).
وقال الطوفي قي "مختصر الروضة" (ص/137): (ومنكر حكم الإجماع الظني لا
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 457)
يكفر، وفي القطعي النفي والإثبات، والثالث: يكفر بإنكار مثل الصلوات الخمس دون غيرها).
وقال تقي الدين في "مجموع الفتاوي" (7/ 39): (كل ما أجمعوا عليه فلابد أن يكون فيه نص عن الرسول فكل مسألة يقطع فيها بالإجماع وبانتفاء المنازع من المؤمنين فإنها مما بين الله فيه الهدى ومخالف مثل هذا الإجماع يكفر كما يكفر مخالف النص البيِّن. وأما إذا كان يُظن الإجماع ولا يُقطع به فهنا قد لا يقطع أيضا بأنها مما تبين فيه الهدى من جهة الرسول ومخالف مثل هذا الإجماع قد لا يكفر بل قد يكون ظن الإجماع خطأ والصواب في خلاف هذا القول، وهذا هو فصل الخطاب فيما يكفر به من مخالفة الإجماع وما لا يكفر. والإجماع هل هو قطعي الدلالة أو ظني الدلالة فان من الناس من يطلق الإثبات بهذا أو هذا ومنهم من يطلق النفي لهذا ولهذا والصواب التفصيل بين ما يقطع به من الإجماع ويعلم يقينا أنه ليس فيه منازع من المؤمنين أصلا فهذا يجب القطع بأنه حق وهذا لابد أن يكون مما بين فيه الرسول الهدى).
وقال رحمه الله في "مجموع الفتاوى" (19/ 269): (وقد تنازع الناس في مخالف الإجماع هل يكفر على قولين والتحقيق أن الإجماع المعلوم يكفر مخالفه كما يكفر مخالف النص بتركه لكن هذا لا يكون إلا فيما علم ثبوت النص به وأما العلم بثبوت الإجماع في مسألة لا نص فيها فهذا لا يقع وأما غير المعلوم فيمتنع تكفيره).
وهذا محصل ما وقفت عليه من أقوال في حكم مخالف الإجماع، وأرجح الأقوال عندي ما ذكره الشيخ رحمه الله حيث قال وهو يتكلم عن الإجماع القطعي: (ويكفر مخالفه إذا كان ممن لا يجهله).
الثاني - يكفر منكر الإجماع الضروري، والمشهور سواء أكان منصوصا عليه أم لا:
قال المرداوي في "التحبير" (4/ 1679): ({ابن حامد، وجمع، يكفر منكر حكم إجماع قطعي}، والقاضي وأبو الخطاب، وجمع لا، ويفسق والطوفي، والآمدي، ومن تبعه يكفر بنحو العبادات الخمس، وهو معنى كلام أصحابنا في الفقه: يكفر بنحو العبادات الخمس. قال ابن مفلح: واختاره بعض أصحابنا - مع أنه حكى الأول
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 458)