فهو كالذي إذا تمضمض ابتلع شيئاً من الماء فحكمه حكمه.
وكذلك ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في أحاديث ثابتة متعددة في الصحيحين أنه سأله رجل مرة وامرأة مرة أنهما سألاه عن دين يقضيانه عن ميت لهما، مرة تقول مات أبي ومرة تقول أمي وكذلك الرجل فقال النبي صلى الله عليه وسلم (أرأيت لو كان على أمك دين فقضيته أكان ينفعه؟ قالت: نعم. قال: فدين الله أحق أن يقضى) فهو تنبيه منه صلى الله عليه وسلم على قياس دين الله على دين الآدمي بجامع أن الكل حق مطالب به الإنسان وأنه يقضي عنه بدفعه لمستحقه. وأمثال ذلك كثيرة.
ومن أصرحها ما ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم جاءه رجل، كان الرجل أبيض وامرأة بيضاء فولدت له غلاماً أسود فأصاب الرجل فزعاً من سواد الغلام وظن أنها زنت برجل أسود وجاءت بهذا الغلام فجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم منزعجاً وأخبره بأنها جاءت بولد أسود وكان يريد أن يلاعنها وينفي عنه الولد باللعان زعماً أن هذا الولد من زان أسود وأنه ليس ولده لأنه هو أبيض وزوجته بيضاء فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (هل لك من إبل؟) قال: نعم. قال: (ما ألوانها؟) قال حمر. قال: (هل فيها من أورق) والأورق المتصف بلون الورقة والورقة يكون لوناً كحمام الحرم يعني سواد مع بياض يكون في الإبل. قال الرجل إن فيها لورق. قال: (ومن أين جاءتها تلك الورقة؟) آباؤها حمر وأمهاتها حمر فمن أين جاءتها تلك الورقة؟ قال: لعل عرقاً نزعها. قال له: (وهذا الولد لعل عرقاً نزعه). فاقتنع الأعرابي وهذا إلحاق نظير بنظير.
وفي الجملة فنظير الحق حق ونظير الباطل باطل، وهذا مما لا شك فيه، وأن القياس منه قياس صحيح لا شك فيه كالأقيسة التي ذكرنا ومنه قياس فاسد، والقرآن ذكر بعض الأقيسة الفاسدة وبعض الأقيسة الصحيحة.
ومن الأقيسة الصحيحة في القرآن قوله تعالى: (إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) [آل عمران: 59] … الله جل وعلا قاس لهم هذا الولد على آدم بجامع أن آدم وجد ولم يكن له أم ولا أب خلق ولم يكن له أم ولا أب، فالذي خلق آدم ولم يكن أب ولا أم فهو قادر على أن يخلق عيسى من أم ولم
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 499)
يكن له أب، كما خلق حواء من ضلع رجل.
وكذلك قاس الموجودين زمن النبي صلى الله عليه وسلم على الأمم الماضية وقال لهم: (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ) [محمد: 10] ثم بين إلحاق النظير بالنظير فقال: وللكافرين أمثالها، كأن الموجودين زمن النبي فرع والكفار المتقدمون أصل، والحكم الذي يهددون به العذاب والهلاك والعلة الجامعة تكذيب الرسل والتمرد على رب العالمين.
وأمثال ذلك في القرآن كثير.
القياس الفاسد:
أما القياس الفاسد الذي يكون مخالفاً للنصوص كقياس إبليس لعنه الله وكالأقيسة المخالفة للنصوص.
وكأقيسة الشبه المبنية على الفساد فان الكفار جاؤوا بقياس الشبه كثيراً باطلاً ومثله باطل كما قالوا في يوسف عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام: (إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ) [يوسف: 77] فأثبتوا السرقة على أخ يوسف لأن يوسف قد سرق قبله والأخ شبيه بالأخ فيلزم من مشابهتهما أن يكونا متشابهين في الأفعال وأن هذا سرق كما سرق ذلك. وهذا قياس شَبَه باطل.
خاتمة والجمع بين الأقوال والأدلة:
وعلى كل حال فالقياس هو قسمان صحيح وقياس فاسد فما جاء به الظاهرية من ذم القياس والسلف فهو ينطبق على القياس الفاسد، والقياس الصحيح هو إلحاق النظير بالنظير على وجه صحيح لا شك في صحته. والصحابة كذلك يلحقون المسكوت بالمنطوق به وهذا كثير وقد مثلنا له بأمثلة كثيرة.
شروط القياس:
قال الشيخ: (شروط القياس:
1 - أن لا يصادم دليلاً أقوى منه ويسمى القياس المصادم لما ذكر (فاسد الاعتبار).
2 - أن يكون حكم الأصل ثابتاً بنص أو إجماع فإن كان ثابتاً بقياس لم يصح القياس عليه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 500)
3 - أن يكون لحكم الأصل عله معلومة.
4 - أن تكون العلة مشتملة على معنى مناسب للحكم.
5 - أن تكون العلة موجودة في الفرع كوجودها في الأصل).
أجمل الشيخ هنا الكلام على شروط القياس، فدمج ما يتعلق منها بالأصل، وبالفرع، وبالحكم، وبالعلة، وذكر بعض ذلك …
الشرط الأول - ألا يكون فاسد الاعتبار:
قال الشيخ في "الشرح" (ص/520): (قلنا أن لا يصادم دليلاً أقوى منه، ولم نقل أن لا يصادم نصًا، لأن الدليل قد يكون بالنص وبالإجماع وبأقوال الصحابة - على القول بأنها من الأدلة- فلهذا نقول: "أن لا يصادم دليلاً أقوى منه ".
ووجه هذا الشرط: أن الأخذ بالأدنى وطَرْحَ الأقوى خلافُ الحكمةِ وخلافُ المعقول، بل وخلافُ المنقول أيضًا، لأنا نرى أن القياس المصادم لما هو أقوى منه قد أبطله الله- عز وجل قال الله تعالى للملائكة: (إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ) (البقرة: 30) قاسوا ما سيجعله الله على ما قد جعله الله فيما مضى، حيث كان في الأرض من يفسد فيها ويسفك الدماء، فقال الله تعالى: (إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ) لهذا يُشترط أن لا يصادم القياسُ دليلاً أقوى منه، فلا اعتبار بقياس يصادم النص، والمراد بالنص: الكتابُ والسُّنةُ أو الإِجماع- وسبق تعريفه- أو أقوال الصحابة إذا قلنا أن قول الصحابي حجة (1) … وعلى كل حالٍ ففي الحال التي نقول فيها: إن قول الصحابي حجة لو أن أحدًا من الناس قاس قياسا يقتضي مخالفة قول الصحابي، فهذا القياس لا عبرة به وبهذا قال: ويُسمَّى القياس المصادم لما ذكر- من النص والإجماع وقول الصحابة- يسمى "فاسد الاعتبار "، وهذا من باب إضافة الصفة إلى موصوفها- يعنى كأنه اعتبار فاسد، والاعتبار: هو القياس.
إذًا فكلُّ قياس خالف دليلَا أقوى منه فسمه "فاسد الاعتبار" ولا يؤخذ به …--------------------------------------------
(1) وسبق بيان ترجيح الشيخ من أن قول أبو بكر وعمر، علماء الصحابة المشهورين بالفقه المعروفين بالإمامة حجة دون من سواهم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 501)
(مثاله أن يقال: يصح أن تزوج الرشيدة نفسها بغير ولى قياسًا على صحة بيعها مالها بغير ولي)
لو قال قائل: المرأة الرشيدة تبيع مالها بدون ولي، إذًا فهي تزوج نفسها بغير ولي قياسًا علي بيع مالها بغير ولي؛ لأن هذا تصرف في نفسها، وذاك تصرف في مالها، فهذا مثل هذا.
نقول له: هذا قياس فاسد الاعتبار؛ لأنه مخالف للكتاب والسنة، فإن الكتاب والسنة قد دلا على أنه لا يصح تزويج المرأة إلا بولي، قال الله تعالى: (إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ) (البقرة: 237) فإن الذي بيده عقدة النكاحِ- على أحد القولين- هو الَوَليَ (1)، وقالَ تعالى: (فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ) (البقرة: 232)، ولولا اشتراط الولي لكان عضله وعدمه سواءً، لأنه إذاَ عضلها زوجت نفسها. ومن أدلة القرآن أيضًا قوله تعالى: (وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ) (البقرة: 221)، فقوله: (تُنْكِحُوا) الخطاب فيه موجه إلى الأولياء. وأما السنة فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أن قال: "لا نِكَاحَ إلا بوليِّ ".
إذا نقول: هذا القياس فاسد الاعتبار- أعني: قياس تزويج المرأة نفسها بغير ولي علي جواز بيعها مالها بغير ولي؛ لمصادمته النص- وهو قوله صلى الله عليه وسلم: "لا نكاح إلا بولي " وقد بينا أن القراَن يدل على ذلك أيضًا).
أولا - معنى فساد الاعتبار لغة (2):
هو مركب من فساد واعتبار، والفساد خروج الشيء عن الاعتدال، وهو ضد الصلاح.
وأما (الاعتبار) فهو مصدر على وزن (افتعال) من لفظ: عبر يعبر عبورا، أي: انتقل، يقال: عبرت النهر أعبره عبرا وعبورا، إذا قطعته من هذا الجانب إلى الجانب الآخر.
قال أبو البقاء: الاعتبار مأخوذ من العبور وهو المجاوزة من شيء إلى شيء.--------------------------------------------
(1) والقول الثاني أنه الزوج.
(2) انظر: الاعتراضات الواردة على القياس (ص/ 309).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 502)
ويستعمل الاعتبار بمعنى التدبر والنظر في الشيء بحيث ينتقل ويعبر به من الشيء إلى غيره، ويتوصل به من معرفة المشاهد إلى ما ليس بمشاهد ولهذا سمى القياس اعتبارا وقد أشير هذا المعنى في قوله تعالى: (فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ) [الحشر: 2].
وقد بين الشيخ معناه بأنه من باب إضافة الصفة إلى موصوفها ومعناه أن القياس فاسد.
قال المرداوي في "التحبير" (7/ 3555): (وإنما سمي هذا النوع بذلك؛ لأن اعتبار القياس مع النص والإجماع اعتبار له مع دليل أقوى منه، وهو اعتبار فاسد لحديث معاذ، فإنه أخر الاجتهاد عن النص. قال العسقلاني: ' سمي بذلك؛ لأن الفساد ليس في وضع القياس وتركيبه، بل لأمر من خارج وهو عدم صحة الاحتجاج به مع وجود النص المخالف له، لحديث معاذ حيث أخر العمل بالقياس (1). وصوبه، فدل على أن رتبة القياس بعد النص. ولأن الظن المستفاد من النص أقوى من الظن المستفاد من القياس، وكذا الصحابة لم يقيسوا إلا مع عدم النص).
ثانيا - تعريفه اصطلاحا:
أشار الشيخ إلى تعريفه اصطلاحا بأنه ما صادم دليلا أقوى منه. وبين أن الدليل إما أن يكون كتابا أو سنة أو إجماعا أو أقوال الصحابة (2).
وجعل الشيخ معارضة القياس لقول الصحابي قادحا في القياس هو ظاهر المذهب، ولم أر من أضافه هنا، وسيأتي قريبا - بإذن الله - عرض الخلاف في ذلك.
واقتصر ابن قدامة في تعريفه لفساد الاعتبار على أنه ما خالف نصا، وزاد المرداوي وابن النجار: أو إجماعا.--------------------------------------------
(1) حديث منكر، وانظر "السلسلة الضعيفة" (881).
(2) وقد سبق مناقشة مسألة حجية قول الصحابي، واختيار أنه حجة، ولذلك سأبقي التنصيص على أقوال الصحابة ضمن الأدلة التي تصادم القياس. وانظر رسالة: " تعارض القياس مع الأدلة المختلف فيها - دراسة نظرية تطبيقية" فقد عرض فيها لتعارض القياس مع شرع من قبلنا، وإجماع أهل المدينة، والاستصحاب، والعرف والاستحسان، وغيرها من الأدلة المختلف فيها.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 503)
الأمثلة:
قال الطوفي في " شرح مختصر الروضة" (3/ 467): (مثال ما خالف نص الكتاب: قولنا: يشترط تبييت النية لرمضان، لأنه صوم مفروض، فلا يصح تبييته من النهار كالقضاء، فيقال: هذا فاسد الاعتبار، لمخالفته نص الكتاب، وهو قوله تعالى: {وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا} [الأحزاب: 35]، فإنه يدل على أن كل من صام يحصل له الأجر العظيم، وذلك مستلزم للصحة، وهذا قد صام، فيكون صومه صحيحا.
ومثال ما خالف السنة قولنا: لا يصح السلم في الحيوان، لأنه عقد يشتمل على الغرر، فلا يصح، كالسلم في المختلطات، فيقال: هذا فاسد الاعتبار، لمخالفة ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه رخص في السلم (1).
ومثال ما خالف الإجماع أن يقول الحنفي: لا يجوز أن يغسل الرجل زوجته؛ لأنه يحرم النظر إليها، فحرم غسلها كالأجنبية فيقال له: هذا فاسد الاعتبار، لمخالفته الإجماع السكوتي، وهو أن عليا غسل فاطمة، ولم ينكر عليه، والقضية في مظنة الشهرة، فكان ذلك إجماعا كما سبق في بابه).
حكمه، ووجوه الجواب عنه:
اعلم أن الأصوليين اتفقوا من ناحية الجملة على القياس إذا خالف أو عارض دليلا أقوى منه فيعد فاسد الاعتبار، ويحكم ببطلانه.
ولكنهم اختلفوا في بيان مراتب القياس من حيث القوة والضعف والجلاء والخفاء، واختلفوا أيضا في مراتب من أخبار الآحاد، وفي تخصيص عموم الكتاب به.--------------------------------------------
(1) ظاهر عبارته أنه يستدل بالأدلة العامة للترخيص في السلم، والأولى الاعتراض على القياس بما رواه مسلم من حديث أبي رافع رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استسلف من رجل بكرا فقدمت عليه إبل من إبل الصدقة فأمر أبا رافع أن يقضي الرجل بكره فرجع إليه أبو رافع فقال لم أجد فيها إلا خيارا رباعيا فقال (أعطه إياه إن خيار الناس أحسنهم قضاء).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 504)
وقد سبق بيان أن القياس له مراتب من حيث القوة والضعف والجلاء والخفاء، فالقياس الذي في معنى الأصل أقوى من القياس الجلي، الجلي أقوى من الخفي، وقياس العلة أقوى من قياس الدلالة.
ثم عند معارضة القياس مع دليل آخر فلابد من النظر إلى قوة النص الذي هو أصل القياس.
ومما سبق يتبين أن الأصوليين متفقون على أن القياس إذا خالف دليلا أقوى منه أنه يصح الاعتراض عليه بفساد الاعتبار، وأنه على المستدل بالقياس أن يجيب عنه بأحد الأجوبة الآتي ذكرها، وإلا فقياسه باطل (1).
قال ابن النجار في " شرح الكوكب" (4/ 239): ("وجوابه" أي وجواب القدح بفساد الاعتبار:
إما "بضعفه" بأن يمنع صحة النص بالطعن في سنده، بأن يقول: لا نسلم صحة تغسيل علي لفاطمة. وإن سلم فلا نسلم أن ذلك اشتهر، وإن سلم فلا نسلم أن الإجماع السكوتي حجة، وإن سلم. فالفرق بين علي وغيره: أن فاطمة زوجته في الدنيا والآخرة بإخبار النبي صلى الله عليه وسلم، فالموت لا يقطع النكاح بينهما، بخلاف غيرهما.
أو يقول في مسألة السلم: لا نسلم صحة الترخيص في السلم، وإن سلمنا فلا نسلم أن اللام فيه للاستغراق. فلا يتناول الحيوان، وإن صح السلم في غيره.
"أو" ب "منع ظهوره" أي ظهور النص، بأن يقول في مسألة الصوم: لا نسلم أن الآية تدل على صحة الصوم بدون تبييت النية؛ لأنها مطلقة، وقيدناها بحديث (لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل).
"أو" بـ "تأويله" أي تأويل النص، بأن يقول في مسألة الصوم: إن الآية دلت على ثواب الصائم، وإنا لا نسلم أن الممسك بدون تبييت النية صائم، أو يقول: إن النص المعارض للقياس مؤول بدليل يرجحه على الظاهر.
"أو" بـ "القول بموجبه" بأن يقول: أنا أقول بموجب النص، إلا أن مدلوله لا ينافي--------------------------------------------
(1) انظر: الاعتراضات الواردة على القياس (ص/316).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 505)
قياسي، كأن يقول في مسألة الصوم: إن الآية دلت على أن الصائم يثاب وأنا أقول
بموجبه. لكنها لا تدل على أنه لا يلزمه القضاء والنزاع فيه!
"أو" بـ "معارضته" أي معارضة النص "بمثله" أي بنص مثله. فيسلم القياس حينئذ لاعتضاده بالنص الموافق له) أهـ.
ومثال للمعارضة للنص بمثله (1):
قول الحنفي: لا يجوز للإمام أن يحكم في الأسرى بالفداء؛ لأن فيه إعانة لأهل الحرب بالمقاتلين، كإعانتهم بالمال والسلاح.
فيقول المعترض: هذا قياس فاسد الاعتبار؛ لأنه يخالف قوله تعالى: (فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا) [محمد: 4]
فيجيب المستدل بأن هذه الآية معارضة بآية أخرى، وهي قوله تعالى: (مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ) [الأنفال: 67].
مخالفة القياس لقول الصحابي:
وأما إن عارض قول الصحابي الذي لم يشتهر، ولم يعلم له مخالف القياس فالمسألة خلافية والظاهر عند أحمد حمل قول الصحابي على التوقيف وتقديمه على القياس، وخالف أبو الخطاب (2).
قال القاضي أبو يعلى في "العدة" (4/ 1178): (إذا قال بعض الصحابة قولاً ولم يظهر في الباقين، ولم يعرف له مخالف، فإن كان القياس يدل عليه: وجب المصير إليه والعمل به.
وإن كان القياس يخالفه، فإن كان مع قول الصحابي قياس أضعف منه كان قول الصحابي مع أضعف القياسين أولى؛ لأنه لا يمتنع أن يكون كل واحد منهما حجة حال الانفراد، ثم يصير حجة بالاجتماع …
وإن لم يكن مع قول الصحابي قياس: ففيه روايتان:--------------------------------------------
(1) المرجع السابق (ص/323).
(2) التمهيد (4/ 1180)، وانظر: المسودة (ص/418)، وشرح مختصر الروضة (3/ 186)، وشرح الكوكب (4/ 424)، إجمال الإصابة للعلائي (ص/73).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 506)
-إحداهما: أنه حجة، مقدم على، القياس؛ ويجب تقليده. وقد أومأ أحمد رحمه الله إلى هذا في مواضع من مسائله:
فقال في رواية أبي طالب "في أموال المسلمين إذا أخذها الكفار، ثم ظهر عليه المسلمون، فأدركه صاحبه فهو أحق به، وإن أدركه وقد قُسِم فلا حق له، كذا قال عمر، ولو كان القياس كان له. ولكن كذا قال عمر".
وكذلك نقل أبو طالب عنه في رجل يصوم شهرين من كفارة، فتسحر بعد طلوع الفجر وهو لا يعلم، ثم علم: "يقضي يوماً مكانه، وإن أكل ناسياً بالنهار، فليس عليه شيء.
فقيل: فإذا لم يعلم، فهو كالناسي؟. فقال: كذا في القياس، ولكن عمر أكل في آخر النهار يظن أنه ليل، قال: اقض يوماً مكانه".
وفي رواية أخرى: القياس مقدم عليه.
أومأ إليه رحمه الله في مواضع من مسائله … نقل المروذي عنه: "ابن عمر يقول: على قاذف أم الولد (1) الحد. وأنا لا أجترئ على ذلك، إنما هي أمة، أحكامها أحكام الإماء".
وهذا صريح من كلامه في أن أقواله ليست بحجة …
واختلف أصحاب أبي حنيفة، فذهب البَرْدَعى والرازي والجرجاني: إلى أنه حجة، يترك له القياس.
وحكى الرازي عن الكرخى أنه قال: "أما أنا فلا يعجبني هذا المذهب"، وكان لا يرى قول الصحابي فيما يسوغ فيه الاجتهاد حجة.
واختلف أصحاب الشافعي، فقال في القديم: هو حجة. وقال في الجديد: ليس بحجة.
وبه قال عامة المتكلمين من المعتزلة والأشعرية.
فالدلالة على أنه حجة، يُترك له القياس: قوله عليه السلام: (أصحابي كالنجوم، بأيهم اقتديتم اهتديتم)، … ) اهـ
ثم أخذ يسوق الأدلة على حجية قول الصحابي، وقد سبق بيان أنه حجة، وهذه--------------------------------------------
(1) هي الأمة التي يجامعها سيدها فتلد منه، فإن هذه تبقى أم ولد، فإن مات سيدها عتقت، وهناك خلاف بين العلماء فيها هل تلحلق بالحرة أم بالأمة؟؛ لأنها شبيهة بالحرة وفيها شبه بالأمة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 507)
المسألة تعود إليها فمن يرى أن قول الصحابي حجة فإنه يعارض به القياس ويقدمه عليه، ومن لا فلا كالكلوذاني.
الشرط الثاني:
قال الشيخ: (أن يكون حكم الأصل ثابتاً بنص أو إجماع فإن كان ثابتاً بقياس لم يصح القياس عليه).
قال الشيخ في "شرح الأصول" (ص/523): (إن كان حكم الأصل- ثابتا بقياس لم يصح القياس عليه … فهذه ثلاثة علل لاشتراط أن يكون الأصل المقيس عليه ثابتًا بنصٍّ أو إجماع - وهي:
أولَا: يجب القياس على الأصل الأول، فهو أولى.
ثانيًا: قد يكون الفرع المقيس عليه غير صحيح أصلاً.
ثالثًا: أن القياس على الفرع تطويل بلا فائدة.
مثال ذلك: أن يقال يجري الربا في الذرة قياسًا على الرز ويجري في الرز قياسًا علي البُر، فالقياس هكذا غير صحيح، ولكن يقال يجري الربا في الذرة قياسًا على البُر، ليقاس على أصل ثابت بنص …
ثم قال: على كلِّ حالٍ نقول: إن قياس الفرع على الفرع ثم الفرع على أصل: غير صحيح شكلاً وحكمًا؛ لأنا ذكرنا في إحدى العلل أن قياس الفرع الذي جعل أصلاً في القياس الثاني قد يكون غير صحيح، وحينئذٍ لا يصح الحكم؟
فالقياس إذًا غير صحيح شكلاً وحكمًا، فنحن نبطله ونقول: لا تقس هذا القياس، بل ارجع إلى الأصل الأول وقس عليه وينتهي الإِشكال.
ثم قال: ثم لاحظ أنه في باب المناظرة قد نقول: يجري الربا في الذرة قياسًا على الرز، وفي الرز قياسًا على البر، فيمنَعُ الخصمُ قياسَ الرز على البر وحينئذٍ يبطل قياسك. فهذه المسألة نافعة حتى في باب المناظرة وهي أن ترجع إلى الأصل الأول).
وهذا الذي اختاره الشيخ هو ظاهر كلام أحمد، وأحد قولي المذهب، والقول الأخر بالجواز (1).--------------------------------------------
(1) انظر: العدة (4/ 1361)، التمهيد (3/ 443)، شرح الكوكب المنير (4/ 26)، المدخل (ص/308)، نزهة الخاطر العاطر (2/ 200).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 508)
قال ابن قدامة في الروضة (ص/315): (أركان القياس وهي أربعة أصل وفرع وعلة وحكم فالركن الأول له شرطان: أحدهما أن يكون ثابتا بنص أو اتفاق من الخصمين فإن كان مختلفا فيه أو لا نص فيه لم يصح التمسك به … وقال بعض أصحابنا يجوز القياس على ما ثبت بالقياس لأنه لما ثبت صار أصلا في نفسه فجاز القياس عليه كالمنصوص ولعله أراد ما ثبت بالقياس واتفق عليه الخصمان … ).
قال المرداوي في " التحبير" (7/ 3156): (قوله: {وكونه غير فرع في ظاهر كلام أحمد، وقاله الحنفية، وأكثر الشافعية. واختاره القاضي، وقال يجوز أن تستنبط من الفرع المتوسط علة ليست في الأصل ويقاس عليه. وقال - أيضاً -: ' يجوز كون الشيء أصلا لغيره في حكم وفرعاً لغيره في حكم آخر '.وجوزه الفخر، وأبو الخطاب، ومنعه أيضاً. وقال - أيضًا - هو، وابن عقيل، والبصري، وبعض الشافعية: يقاس عليه بغير العلة التي يثبت بها، وحكي عن أصحابنا. ومنعه الموفق، والمجد، والطوفي، وغيرهم مطلقاً إلا باتفاق الخصمين، والشيخ (1) في قياس العلة فقط}).
قال الطوفي في "البلبل" (ص/151): (فشرط الأصل ثبوته بنص، وإن اختلفا فيه ; أو اتفاق منهما ولو ثبت بقياس، إذ ما ليس منصوصا ولا متفقا عليه لا يصح التمسك به لعدم أولويته، ولا يصح إثباته بالقياس على أصل آخر؛ لأنه إن كان بينه وبين محل النزاع جامع، فقياسه عليه أولى، إذ توسيط الأصل الأول تطويل بلا فائدة، وإلا لم يصح القياس لانتفاء الجامع بين محل النزاع وأصل أصله).
وقال في "شرحه" (3/ 292): (قوله: «ولو ثبت بقياس»، أي: إذا كان الأصل متفقا عليه، حصل المقصود، ولو كان ثبوته بالقياس، وهو قول بعض أصحابنا؛ لأنه لما ثبت صار أصلا بنفسه، فجاز القياس عليه كالمنصوص والمجمع.
مثاله: أن يقول: قد اتفقنا على تحريم الربا في الأرز قياسا على البر بجامع الكيل، فيحرم في الذرة قياسا على الأرز، لكن هذا يفضي إلى العبث المذكور، وينافي--------------------------------------------
(1) أي تقي الدين ابن تيمية، وقال في "المسودة" (ص/354): (والصواب أن العلة إذا كانت واحدة فقد يكون فيه إيضاح وان كانت في مضمونها بأن كان أحدهما قياس أو كلاهما قياس دلالة جاز لان الدليل لا ينعكس وان كانا قياس علة لم يجز … ).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 509)
قولنا بعد: إن الأصل لا يصح إثباته بالقياس …
قوله: «ولا يصح إثباته بالقياس على أصل آخر» إلى آخره، أي: لا يصح إثبات الأصل المقيس عليه بقياسه على أصل آخر، وإن شئت، قلت: لا يصح أن يكون فرعا لأصل آخر.
مثاله: أن يقيس الذرة على الأرز المقيس على البر، فلا يصح؛ لأنه إن كان بين ذلك الأصل الآخر الذي قاس عليه وهو البر هاهنا وبين محل النزاع - وهو الذرة - جامع، فقياس محل النزاع على ذلك الأصل الآخر البعيد وهو البر أولى؛ لأن توسيط الأول الذي قاس عليه محل النزاع، وهو الأرز «تطويل بلا فائدة»، إذ عوض ما نقول: يحرم التفاضل في الذرة قياسا على الأرز، وفي الأرز قياسا على البر، فلنقل: يحرم التفاضل في الذرة قياسا على البر، إذ توسيط الأرز في البين عبث، «وإلا»، أي: وإن لم يكن بين الأصل الآخر الثاني، وبين محل النزاع جامع، «لم يصح القياس»، كما لو قاس الذرة على الأرز، والأرز على الحديد، «لانتفاء الجامع بين محل النزاع» وهو الذرة، «وأصل أصله» وهو الحديد، الذي جعله أصلا للأرز، الذي هو أصل الذرة.
وكذلك لو قال المستدل في اشتراط النية للوضوء: عبادة، فيفتقر إلى النية كالتيمم، فلو منع الحكم في التيمم، فأثبت الحكم فيه قياسا على الصلاة، فإن جمع بين التيمم والصلاة بكونهما عبادة، قلنا: فقس الوضوء على الصلاة بجامع العبادة، ولا حاجة إلى توسيط التيمم، وإن جمع بينهما بكون التيمم طهارة، لم يصح القياس؛ لأن الصلاة ليست طهارة، والجامع بينهما منتف.
واعلم أنا قد ذكرنا قبل هذا بيسير أن الأصل يجوز أن يثبت بالقياس، وهاهنا ذكرنا أنه لا يجوز، وهما قولان لأصحابنا، والقول بعدم الجواز هو المشهور لإفضاء القول بالجواز إلى العبث المذكور، ولا يمكن أن يخرج للقول بالجواز فائدة إلا أن يكون الأصل ثابتا بقياس شبهي، ومحل النزاع يلحق به بقياس جلي بحيث يكون محل النزاع بأصله أشبه منه بالأصل البعيد، كما لو جعلنا علة الفضة الوزن والثمنية جميعا، وقسنا عليه الحديد قياسا شبهيا لاشتراكهما في الوزن، ثم قسنا الصفر أو الرصاص ونحوه على الحديد، لكن هذا أيضا لا جدوى له، إذ القياس
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 510)
الجلي بين محل النزاع وأصله وهما الصفر والحديد مستند إلى قياس ضعيف شبهي، وهو قياس الحديد على الفضة، فلنسترح من هذا التكليف، ولنجزم ببطلان كون الأصل ثابتا بالقياس).
الشرط الثالث - أن يكون لحكم الأصل علة معلومة:
قال في "الشرح" (ص/529): (إن القياسَ إلحاقُ فرع بأصل في حكم لعلة جامعة بينهما، فلا بد أن تكون علة الأصل- وهو المقيس عليه- معلومة من أجل أن نجمع بينه وبين الفرع فيها، إذ لو لم تتحقق العلة في الفرع لم يصح القياس، فإن كان حكم الأصل تعبديًا محضًا لم يصح القياس عليه).
قال ابن قدامة في الروضة: (ص/317): (أن يكون الحكم - أي حكم الأصل - معقول المعنى إذ القياس إنما هو تعدية الحكم من محل إلى محل بواسطة تعدي المقتضى وما لا يعقل معناه كأوقات الصلوات وعدد الركعات لا يوقف فيه على المعنى المقتضى ولا يعلم تعديه فلا يمكن تعدية الحكم فيه).
وعبارة المرداوي في "التحبير" أشمل فقال (7/ 3146): (من شرط حكم الأصل المقيس عليه أن لا يكون معدولاً به عن سنن القياس، أي عن طريقه المعتبر فيه لتعذر التعدية حينئذ وذلك على ضربين: أحدهما: لكونه لم يعقل معناه، إما لكونه استثني من قاعدة عامة كالعمل بشهادة خزيمة وحده فيما لا يقبل شهادة الواحد فيه، أو لم يستثن كتقدير نصب الزكوات، وأعداد الركعات، ومقادير الحدود والكفارات. والضرب الثاني: ما عقل معناه ولكن لا نظير له … ).
الأصل في أحكام الله التعليل:
قال الطوفي في " شرح مختصر الروضة" (3/ 411): (الأصل في الأحكام التعليل، فمهما أمكن جعل الحكم معللا، لا يجعل تعبدا).
قال الشيخ في "الشرح" (ص/526): (كل أحكام الله لها علل، لكن عقولنا تقصر أحيانًا عن إدراك هذه العلة وإذا قصرت عقولنا عن إدراك هذه العلة، نسمي الحكم تعبديًا- يعني: ليس لنا فيه إلا التعبد فقط، وأحيانا يلجأ الإنسان إلى القول بالتعبد سدًا للباب، وهذا حسن؛ - يعني اللجوء إلي القول بالتعبد في المسائل التي تخفي حكمتها
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 511)
فهو أحسن بكثير من محاولة إثبات علة قد تكون عليلة. وهذا له فوائد:
أولا - لنعوِّد الناس على تمام الاستسلام لله عز وجل، وأنَّنا نتعبد لله بهذا سواء علمنا الحكمة أم لم نعلم.
وثانيا - أننا إذا اعتمدنا على النص انقطع النزاعِ بين المؤمنين، وإلا فإن الكافر يجادل، لكن المؤمن يعرف قول الله: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ) (الأحزاب: 36).
فكثير من الناس يحاول التماس علة للأحكام الشرعية- وهذا حسن، ولا ننكره بل نؤيده- لكن كوننا نجعله أصلا فيكون الأصلُ هو معرفة العلة، فهذا فيه نظر، بل ينبغي أن نعوِّد الناسَ اللجوء إلى حكم الله ورسوله … ).
القياس في العبادات:
قال الشيخ في "شرح الأصول" (ص/529): (إذا كان حكم الأصل تعبديًا محضًا لم يصح القياس عليه؛ ولهذا قلنا: لا قياس في العبادات- ليس في شروطها وأركانها- لكن في أصل مشروعيتها … ).
اعلم أنه لا خلاف بين العلماء في عدم جواز إثبات عبادة جديدة زائدة على العبادات المعلومة بالنصوص الشرعية من الكتاب والسنة بالقياس مثل إثبات صلاة سادسة أو إيجاب صوم شهر آخر غير رمضان بالقياس، وذلك لأمور كثيرة منها:
1 - أن العبادات توقيفية.
2 - أن إثبات عبادات جديدة بطريق غير النقل يعد ابتداعا في الدين.
3 - أن كل عبادة في نفسها أصل من حيث أنها عادة مبتدأة مستقلة ولا يمكن إثبات أصل بالقياس.
وقد سبق ذكر أنه لا يجري القياس فيما لا يعقل معناه من العبادات، وهذا لا خلاف فيه بين العلماء، وذلك لأن القياس فرع تعقل المعنى فما لا يهتدي العقل إلى تعقل معناه لا يمكن أن يجري القياس فيه كأعداد الصلوات وعدد الركعات، ونصب الزكوات، ونحو ذلك.
ومما سبق نستطيع تحرير محل الخلاف بين العلماء:
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 512)
إذا نظرت إلى كلام الأصوليين وأمثلة الفقهاء وجدت أنهم اختلفوا في إظهار أحكام العبادات الغير منصوصه بالقياس، ولم يختلفوا في إثبات عبادة مبتدأة بالقياس، ومن أمثلة ذلك:
- هل يقاس وجوب النية في الوضوء على وجوبها في التيمم؟
- هل يصلي العاجز عن الصلاة قاعدا أو مومئا برأسه - وهما المنصوص عليهما - بالإيماء بالحاجب قياسا على المنصوص من صلاة العاجز عن القيام جاسا أم مومئا برأسه.
- هل يقاس الجمع بين الصلاتين في الثلج والبرد على عذر المطر بجامع أن الكل عذر يصعب الخروج معه إلى الصلاة في وقتها المحدد؟،إلى غير ذلك من الأمثلة (1).
قال عيسى منون في نبراس العقول (ص/140) بعد أن ذكر الخلاف في المسألة: (من مجموع ما سبق ومن الدليل الذي أقامه المانع أن الممنوع إما إثبات عبادة زائدة عن العبادات الواردة في تلك الأصول، أو إثبات كيفية خاصة لتلك العبادات دون ما يعرض لتلك العبادات من الصحة والفساد والفرضية والنفلية وغير ذلك من الشروط والموانع والأسباب … ).
وجمهور الأصوليين على إثبات القياس في العبادات وخالف في ذلك الأحناف.
وتوسع الحنابلة في إثبات القياس في العبادات، وفيما يتضمن معنى العبادة وغيره من الكفارات والحدود.
فالكفارت دائرة بين العبادة والعقوبة، فهي متضمنة للعبادة من حيث أنها تؤدى بالصوم أو الصدقة، أو العتق، ويشترط النية في أدائها، وأما تضمنها معنى العقوبة فلأنها لم تجب ابتداء تعظيما لله تعالى كسائر العبادات بل وجبت جزاء للعبد على ارتكاب المحظور.
وأيضا الحدود فإنها شرعت زواجر، وهي أيضا تتضمن معنى التعبد لما فيها من تقدير من قبل الشارع.--------------------------------------------
(1) انظر رسالة القياس في العبادات حكمه وأثره لمحمد منظور (ص/429).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 513)
وقال الشيخ محمد منظور في "القياس في العبادات" (ص/541): (إن العلماء اتفقوا على أن الحدود والكفارات مقدرة شرعا فهي توقيفية، فليس لأحد أن يثبت حدا أو كفارة في الشرع ابتداء بالقياس؛ لأن ذلك نصب الشريعة بالرأي.
وفي الحقيقة أن معنى إثبات حد أو كفارة ابتداء بالقياس إنشاؤهما من غير أصل وليس ذلك من القياس الشرعي في شيء.
فمعنى إجراء القياس في الكفارات إلحاق مخالفة شرعية غير منصوص على كفارتها بمخالفة شرعية معينة منصوص على كفارتها لجامع بينهما، مثل إلحاق القتل عمدا بالقتل خطأ في وجوب الكفارة بجامع القتل بغير حق.
ومعنى أجراء القياس في الحدود إلحاق جناية غير منصوص على حدها بجناية منصوص على حدها لجامع بينهما، مثل النباش بالسارق في قطع اليد بجامع الأخذ خفية من الحرز).
قال القاضي في " العدة " (4/ 1409 (: (يجوز إثبات الحدود والكفارات والمقدرات والأبدال بالقياس، ويجوز قياسها على المواضع التي أجمع على ثبوت ذلك فيها … وهو قول أصحاب الشافعي، وقال أصحاب أبي حنيفة: لا يثبت ذلك بالقياس … ) (1).
والقول بجريان القياس في العبادات وما تضمن معناها هو الراجح لعموم الأدلة المثبتة للقياس ولم يثبت ما يخرج العبادات منها.
بالإضافة إلى أن من ذهب لنفي القياس في العبادات خالفوا هذا الأصل وقاسوا فيها، ومن أمثلة ذلك:
قال السرخسي في "المبسوط" (1/ 35): (ويجوز افتتاح الصلاة بالتسبيح والتهليل والتحميد في قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله).
فقاسوا ألفاظ التسبيح والتهليل والتحميد على لفظ التكبير بجامع التعظيم لله باللسان في جواز افتتاح الصلاة به.--------------------------------------------
(1) انظر: التمهيد (3/ 449)، الروضة (ص/338)، شرح مختصر الروضة (3/ 451)، نزهة الخاطر العاطر (2/ 225)، شرح مختصر أصول الفقه (ص/202).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 514)
وهذا المثال أقوى الأمثلة عندي في الاعتراض عليهم وهناك أمثلة أخرى خارجة عن محل النزاع عندي كتطهير الثوب النجس بالمائعات إلحاقا لها بالماء، بجامع كون كل منها مزيلا للعين والأثر، وأيضا قاسوا غير الحجر على الحجر في جواز الإستجمار به بجامع إزالة النجاسة في الكل.
وعندي أن هذا من باب العادات لا العبادات فلا يشترط لها النية.
قال تقي الدين في مجموع الفتاوي (21/ 59): (القصد في إزالة النجاسة ليس بشرط عند أحد من الأئمة الأربعة ولكن بعض المتأخرين من أصحاب الشافعي وأحمد ذكروا وجها ضعيفا في ذلك ليطردوا قياسهم في مناظرة أبى حنيفة في اشتراط النية في طهارة الحدث كما أن زفر نفى وجوب النية في التيمم طردا لقياسه وكلا القولين مُطْرَح).
الشرط الرابع - أن تكون العلة مشتملة على معنى مناسب للحكم:
قال في "الشرح" (ص/531): (الأصل أن تكون - أي علة الحكم - مشتملة على معنى مناسب للحكم مثل: أكرم اليتيم ليتمه، أطعِم المسكين لمسكنته، أعِنِ المجاهد لجهاده؛ يعني لا بد أن تكون علةُ الحكم مشتملة على معنى مناسب للحكم.
ثم ضرب المؤلف مثلاً بالإسكار بالخمر- والخمر حرام لأنها مسكرة … والإِسكار هو تغطية العقل على وجه اللذة والطرب).
وكلام الشيخ واضح لا يحتاج إلى بيان ولم يتوسع الشيخ في الكلام على مسلك المناسبة ولا بيان أقسامها عند الحنابلة فلا داعي للتشعب بذكر ذلك حتى لا نخرج عن المقصود.
قال في "الأصل" (ص/71): (فإن كان المعنى وصفاً طرديًّا لا مناسبة فيه لم يصح التعليل به، كالسواد والبياض مثلا. مثال ذلك: حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن بريرة خيرت على زوجها حين عتقت قال: وكان زوجها عبداً أسود، فقوله: "أسود"؛ وصف طردي لا مناسبة فيه للحكم، ولذلك يثبت الخيار للأمة إذا عتقت تحت عبد وإن كان أبيض، ولا يثبت لها إذا عتقت تحت حر، وإن كان أسود).
وقال في "الشرح" (ص/ 532): (الوصف الطردي هو الوصف الذي لا مناسبة فيه للحكم، وإذا لم يصح التعليل به لم يصح القياس عليه؛ لأن العلة حينئذٍ ساقطة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 515)
قوله: (كالسواد والبياض مثلاً) فمثلاً لو جاء في الحديث أن رجلاً كثير الشعر ضخم البدن مفتول العضلات جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقول: يا رسول الله، إني جامعت امرأتي في رمضان، فماذا عليَّ؟ يقول: عليك كذا وكذا، فهذه الأوصاف هل هي أوصاف طردية؛ أي لو استفتانا رجل نحيف أصلع رخي العضلات هل يكون حكمه كحكم الأول أم يختلف؟
الجواب: أن حكمه كحكم الأول تمامًا مع أن الأول كان كثير الشعر مفتول العضلات كبير الجسم، وهذا- الثاني- نحيف أصلع رخي العضلات، مع ذلك كله نقول: أن حكمه كحكمه، لأن الأوصاف المذكورة أوصاف طردية لا مناسبة لها).
يشير الشيخ بعدم صحة القياس في الوصف الطردي لقادح عدم التأثير …
قال الطوفي في "شرح مختصر الروضة" (3/ 547): (اعلم أن التأثير هو إفادة الوصف أثره، فإذا لم يفده، فهو عدم التأثير.
قوله: «وهو ذكر ما يستغني عنه الدليل في ثبوت حكم الأصل، إما لطرديته»، «أو لثبوت الحكم بدونه».
يعني أن عدم التأثير: هو ذكر وصف، أو أكثر تستغني عنه العلة في ثبوت حكم أصل القياس، إما لكون ذلك الوصف طرديا لا يناسب ترتب الحكم عليه، أو لكون الحكم ثبت بدونه.
مثال الأول؛ وهو ما عدم تأثيره لكونه طرديا: قول القائل في أن الفجر لا يقدم أذانها على الوقت: «صلاة لا تقصر، فلا يقدم أذانها على الوقت، كالمغرب»، وذلك، لأن «باقي الصلوات تقصر»، ولا يقدم أذانها على وقتها، فبقي قوله: لا تقصر؛ وصفا طرديا، لأنه غير مناسب لتقديم الأذان على الوقت، ولا عدمه.
وتحقيق الكلام في هذا: أن القياس المذكور اقتضى تعليل عدم تقديم الأذان بعدم القصر، فكأنه قال: لا يقدم الأذان على الفجر، لأنها لا تقصر، واطرد ذلك في المغرب، لكنه لم ينعكس في بقية الصلوات، إذ مقتضى القياس المذكور أن ما يقصر من الصلوات يجوز تقديم أذانه على وقته من حيث انعكاس العلة، لكن الأمر ليس كذلك … وإذا ألغي قوله: لا تقصر؛ لم يبق لاختصاص الأصل المذكور - وهو المغرب - وجه، إذ كل الصلوات لا يقدم أذانها.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 516)
ومثال الثاني، وهو ما يستغني عنه الدليل لثبوت الحكم بدونه: قوله في بيع الغائب: «مبيع لم يره» العاقد، «فلم يصح بيعه، كالطير في الهواء»، وذلك لأن عدم الرؤية ههنا عديم التأثير في الأصل، وهو بيع الطير، لأن «بيع الطير في الهواء ممنوع»، أي: لا يصح وإن كان مرئيا. وعدم التأثير ههنا من جهة العكس كما تقدم، لأن تعليل عدم صحة بيع الغائب بكونه غير مرئي يقتضي أن كل مرئي يجوز بيعه، وقد بطل بيع الطير في الهواء.
وذكر النيلي هذا المثال على غير هذه الصفة، فقال: مبيع لم يره فلا يصح، كما إذا باع ميتة لم يرها، وهو في معنى النظم الأول، لأن عدم الرؤية في بيع الميتة عديم التأثير، إذ نجاستها تستقل بالبطلان كما أن الغرر في بيع الطير في الهواء بعدم القدرة عليه يستقل بالبطلان.
ومن أمثلة ذلك: قول المستدل: مس ذكره، فوجب عليه الوضوء، كما لو مس وبال، فإن مس الذكر مع البول عديم التأثير لاستقلاله بنقض الوضوء إجماعا.
واعلم أن الأول يسمى عدم التأثير في الوصف، لأن الوصف طردي غير مؤثر، كقوله: صلاة لا تقصر، والثاني يسمى عدم التأثير [في الأصل]، كعدم الرؤية في بيع الميتة والطير في الهواء لاستغناء حكم الأصل في ثبوته عنه).
ثم هناك أقساما أخرى مختلف فيها وهي: عدم التأثير في الحكم، وفي الفرع فلا داعي لذكرهما، فإنما الغرض التنبيه على القادح.
الشرط الخامس- أن تكون العلة موجودة في الفرع كوجودها في الأصل):
قال في "الأصل" (ص/71): (أن تكون العلة موجودة في الفرع كوجودها في الأصل؛ كالإيذاء في ضرب الوالدين المقيس على التأفيف).
قال المرداوي في "التحبير" (7/ 3298): (من شروطه - أي الفرع - أن يشتمل على علة حكم الأصل بتمامها حتى لو كانت ذات أجزاء، فلا بد من اجتماع الكل في الفرع، وهذه العبارة أحسن من عبارة ابن الحاجب ومن تبعه: ' أن يساوي الفرع في العلة علة الأصل '، لأن لفظ المساواة قد يفهم منع الزيادة، فيخرج قياس الأولى، بخلاف هذه العبارة فإن الزيادة لا تنافيه، وهي شاملة لقياس الأولى، والمساوي، والأدون. إذا علم ذلك فإن كان وجودها بتمامها فيه قطعيا كقياس الضرب للوالدين
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 517)
على قول 'أف' بجامع أنه إيذاء، وكالنبيذ يقاس على الخمر بجامع الإسكار، ويسمى الأول قياس الأولى، والثاني قياس المساواة، وكل منهما قطعي. وإن كان وجود العلة بتمامها ظنيا فالقياس ظني، ويسمى قياس الأدون كقياس التفاح على البر في أنه لا يباع إلا يدا بيد ونحو ذلك بجامع الطعم، فالمعنى المعتبر وهو الطعم موجود في الفرع بتمامه، وإنما سمي قياس أدون؛ لأنه ليس ملحقا بالأصل إلا على تقدير أن العلة فيه الطعم، فإن كانت فيه تركب من الطعم مع التقدير بالكيل، أو كانت العلة القوت أو غير ذلك لم يلحق بالتفاح. وظهر بذلك أنه ليس المراد بالأدون أن لا يوجد فيه المعنى بتمامه، بل أن تكون العلة في الأصل ظنية. قال ابن مفلح تبعا لابن الحاجب: ' من شروط الفرع مساواة علة الأصل فيما يقصد من عين العلة أو جنسها، كالشدة المطربة في النبيذ، وكالجناية في قياس قصاص طرف على النفس '. أما العين: فكقياس النبيذ على الخمر بجامع الشدة المطربة، وهي بعينها موجودة في النبيذ. وأما الجنس: فكقياس الأطراف على القتل في القصاص بجامع الجناية المشتركة بينهما، فإن جنس الجناية هو جنس لإتلاف النفس والأطراف، وهو الذي قصد الاتحاد فيه … ) (1).
ثم تكلم الشيخ عن قادح المنع، وهو إذا ما لم تتحق علة الأصل في الفرع.
فقال في "الأصل" (ص/71): (فإن لم تكن العلة موجودة في الفرع لم يصح القياس.
مثال ذلك: أن يقال العلة في تحريم الربا في البر كونه مكيلاً، ثم يقال: يجري الربا في التفاح قياساً على البر، فهذا القياس غير صحيح، لأن العلة غير موجودة في الفرع، إذ التفاح غير مكيل).
قال الطوفي في "شرح مختصر الروضة" (3/ 481): (السؤال «الرابع: المنع». قوله: «وهو منع حكم الأصل» ليس المراد حصر جنس المنع في منع حكم الأصل، بل هو على أربعة أضرب. وشرع في ذكرها واحدا بعد واحد:
أولها: «منع حكم الأصل».--------------------------------------------
(1) انظر: شرح مختصر الروضة (3/ 308)، شرح الكوكب المنير (4/ 106).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 518)