الربا، وبقي حكم الربا على هذا.
والقصدُ المثال لا مناقشة أدلة الأقوال.
والمعروف عند أهل الأصول أنَّ المطردة المنعكسة مقدَّمةٌ على المطردة، والمطردة مقدَّمةٌ على المنعكسة.
وإليه أشار في "المراقي" في ترجيح العلل بقوله:
وذات الانعكاسِ واطرادِ … فذات الآخر بلا عناد
ثم ذكر المؤلف عن أبي الخطاب أنَّه رجَّح ما كانت علته وصفًا على ما كانت علته اسمًا بأنَّه متفق على الوصف مختلف في الاسم، فالمتفق عليه أقوى.
مثال التعليل بالوصف: تعليل الربا في البرِّ بالطعم أو الكيل.
ومثال التعليل بالاسم: تعليله فيه بكونه برًّا.
وتعليلُه في الذهب بكونه موزونًا تعليلٌ بالوصف، وتعليلُه بكونه ذهبًا تعليلٌ بالاسم. والوصف مقدَّم على الاسم.
وهذا راجع في الحقيقة إلى مسألة تعدي العلة وقصورها. واللَّه تعالى أعلم.
ثم ذكر عن أبي الخطَّاب أنَّه رجح ما كانت علتُه إثباتًا على التعليل بالنفي لهذا المعنى أيضًا.
والظاهر أنَّ مراده بهذا المعنى أن التعليل بالإثباتِ متفقٌ عليه،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 523)
وبالنفي مختلفٌ فيه، وليس ذلك على إطلاقه؛ لأنَّ تعليل النفي بالنفي لا خلاف فيه، إنَّما الخلاف في تعليل الإثبات بالنفي -كما تقدَّم-، ولا يبعد ترجيح تعليل الإثبات على النفي مطلقًا من حيث إنَّ الموجود أولى من المعدوم في الجملة، واللَّه تعالى أعلم.
ثم ذكر عن أبي الخطاب أنَّه رجَّح العلة المردودة إلى أصل قاس الشارع عليه، كقياس الحجّ على الدَّين في أنَّه لا يسقطُ بالموت، فهو أولى من قياسهم له على الصلاة، لتشبيه النبيِّ صلى الله عليه وسلم له بالدَّين.
وإيضاحُه: أنَّ الإنسان إذا مات ولم يحجَّ حجة الإسلام، وقد ترك مالًا، فقد قال بعض أهل العلم: يجب أن يُحَجَّ عنه من ماله؛ لأنَّ الحجَّ دينٌ في ذمته، فيجب قضاؤه عنه بعد الموت كسائر ديونه.
فقاسوا الحجَّ على دين الآدمي بجامع أنَّه مطالب بالجميع، ويسقط عنه بالأداء في الجميع، وينتفعُ بالقضاء في الجميع.
وقال بعض أهل العلم: لا يلزم الحجُّ عنه من ماله إن لم يوص به؛ لأنَّ الحجَّ عبادٌ بدنيةٌ، فتسقطٌ المطالبة بها بالموت قياسًا على الصلاة.
فيرجَّح القياس الأول بأنَّه وردت أحاديث متعددة بأن النبيَّ صلى الله عليه وسلم سئل عن الحجِّ عن الميت؟ فشبَّهه بالدَّينِ، وقال: "أرأيت لو كان على أمِّكَ دينٌ فقضيته عنها، أكان ينفعُها؟ " قالت: نعم. قال: "فدينُ اللَّه أحقُّ بالقضاء".
والحاصلُ أنَّ القياس الأول يترجَّح بأنَّ علته جَمَعَ بها النبيُّ صلى الله عليه وسلم بين ذلك الأصل والفرع، فصارت مردودةً إلى أصلٍ قاس الشارع عليه كما
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 524)
مثَّلنا.
ثم قال المؤلف(1) رحمه الله:
(ومتى كان أصل إحدى العلتين متفقًا عليه والآخر مختلفًا فيه كانت المتفق على أصلها أولى، فإنَّ قوة الأصل تؤكد قوة العلة، وكذلك ترجَّحُ كل علةٍ قَوِيَ أصلُها.
مثل أن يكون أحدهما محتملًا للنسخ والآخر لا يحتمل، أو يثبت أحدهما بخبر متواتر والآخر بآحاد، أو أحدهما ثابت بروايات كثيرةٍ والآخر برواية واحدة، أو أحدهما بنصٍّ صريح والآخر بتقدير أو إضمار).
وحاصل كلامه: أنَّ العلة ترجح بقوة حكمها، فإذا تعارضت علتان وكان ما يثبت به حكم إحداهما أقوى ممَّا يثبت به حكم الأخرى، فإنَّ قوة حكمها مرجحة لها؛ لأنَّ قوة الأصل تؤكد قوة العلة.
هكذا قال.
والأسبابُ التي تقوي أحدَ الحكمينِ على الآخرِ كثيرةٌ:
منها: أن يكونَ أحد الحكمين منصوصًا، والآخر مستنبطًا، فعلة المنصوصِ تقدم على علة المستنبطِ، كما لو قال أحد المجتهدين: الأرز يمنعُ فيه الربا قياسًا على البرِّ بجامع الكيل، وقال الآخر: الأرز--------------------------------------------
(1) (3/ 1045).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 525)
يمنعُ فيه الربا قياسًا على الذرة بجامع الاقتيات والادخار.
فترجَّح العلة الأولى لأنَّ أصلها وهو البرُّ منصوص على تحريم الربا فيه، بخلاف الذُّرة التي هي الأصل في القياس الآخرِ فتحريم الرِّبا فيها مستنبطٌ لا منصوص.
ويمثل لهذا -أيضًا- بما إذا كان أحد الأصلين متفقًا على حكمه، والآخر مختلفًا فيه، فإنَّ تحريم الرِّبا في البرِّ مجمعٌ عليه، وتحريمه في الذُّرة خالف فيه الظاهرية.
ومنها: أن يشهد لحكمها أصلان، كما قدَّمنا في ضمان الغاصب والمستعير منه بمطلق وضع اليد، مع قول القائل: إنَّه لا بدَّ مع وضع اليد من قصد التملك.
ومرادُه بمحتمل النسخ: النصُّ، وبما لا يحتمله: الإجماعُ؛ لأنَّه لا ينسخ.
وقدَّم قومٌ العلة التي مستند حكمها النصُّ على التي مستند حكمها الإجماع؛ لأنَّ الإجماع فرع النصِّ؛ لأنَّه مستنده.
وقول المؤلف(1): (أو يكونَ أحدُهما أصلًا بنفسه، والآخرُ أصلًا لآخر).
فيه تعقيدٌ، والظاهرُ أنَّ مراده المثال الذي ذكرنا في قياس الأرز على البرِّ، وقياسه على الذُّرة، لأنَّ البرَّ أصل بنفسه، والذُّرة ليست--------------------------------------------
(1) (3/ 1045).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 526)
أصلًا مستقلًّا، وإنَّما هي أصلٌ بالنسبة إلى إلحاقها بالبرِّ، فتكون فرعًا بالنسبة إلى البرِّ، وأصلًا آخر بالنسبة إلى الأرز في المثال المذكور.
وقد قدَّمنا أنَّ مثل هذا لا يجوز عنده، وأنَّ الصحيح جوازه، فلعله مشى أولًا على منعه، وثانيًا على جوازه، كما صنع في العلة القاصرة، فإنَّه أولًا ذكر منع التعليل بها، وأخيرًا ذكر جوازه. واللَّه تعالى أعلم.
وقول المؤلف(1): (أو يكون أحدهما اتفق على تعليله، والآخر اختلف فيه).
يمكن أن يمثَّل له بما لو قال أحدهما: ينبغي إزالة النجاسة عن المكان، قياسًا على إزالتها عن بدن الإنسان.
وقال الآخر: ينبغي إزالة النجاسة عن المكان، قياسًا على غسل الإناء الذي ولغ فيه الكلبُ، فإنَّه لإزالةِ(2) ما أصابه من نجاسة لعاب الكلب.
فإنَّ الأصل الأول وهو إزالتها من البدن مجمعٌ على أنَّه معلَّل بأنَّه ينبغي إزالة الأقذار عن البدن والنظافة منها، بخلاف غسل الإناء من ولوغ الكلب فهو مختلف في كونه معللًا، فالشافعيُّ يقول: علة غسل الإناء نجاسة لعاب الكلبِ، ومالك -مثلًا- يقول: لعاب الكلب طاهرٌ وغسلُ الإناء من ولوغه تعبديٌّ، وليس معللًا أصلًا، إذ لو كان معللًا لما احتاج إلى سبعٍ، كغسل سائر النجاسات، ولأنَّ لعاب الكلب--------------------------------------------
(1) (3/ 1045).
(2) في الأصل المطبوع: فإن إزالة. ولعل المثبت هو الأشبه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 527)
عنده طاهرٌ بدليل قوله تعالى: {فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ} [المائدة/ 4] ولم يرد أمرٌ بغسلِ ما مسَّه لعابُ الكلب، وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز.
وقول المؤلف(1): (أو يكون أحدهما مفيدًا للنفي الأصلي. . .) الخ = تقدم إيضاحُه.
وقولُه(2): (وترجح العلة المؤثرة على الملائمة، والملائمة على الغريبة).
قد قدَّمنا إيضاح المؤثر والملائم والغريب -عند المؤلف-.
أمَّا عند غير المؤلف فالغريب لا يصحُّ التعليل به -أصلًا-، فلا مدخل له في الترجيح كما تقدم.
وقولُه(3): (وترجح المناسبة على الشبهية؛ لأنَّها أقوى في تغليب الظنِّ).
قد قدَّمنا إيضاح المناسب وأنواعه، والشبه وأنواعه، فراجعه إن شئت، واللَّه أعلم.
وهنا انتهى كتاب روضة الناظر.--------------------------------------------
(1) (3/ 1045).
(2) (3/ 1046).
(3) (3/ 1046).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 528)
تنبيهات:
الأول: لم يتعرض المؤلف للترجيح بين الإجماعات والأقيسة والحدود، أعني التعاريف، مع أنَّ كلَّ ذلك مذكور في كتب الأصول.
الثاني: اعلم أنَّه قد يكون الترجيح بين المرجحات، وهو بابٌ واسعٌ لا تمكن الإحاطة به.
ومن أمثلته: ترجيح حديثِ ميمونة في أنَّه صلى الله عليه وسلم تزوجها وهما حلالٌ بأنَّها صاحبة القصة، وحديثِ أبي رافع بأنَّه مباشر، على حديث ابن عباس بأنَّه تزوجها وهو محرم.
مع ترجيح حديث ابن عباس بأنَّه اتفق عليه الشيخان، وحديث ميمونة عند مسلم فقط، وحديث أبي رافع عند الترمذيِّ.
فيلزم الترجيح بين هذين المرجحين -مثلًا-.
فنقول: سلَّمنا ترجيح حديث الشيخين من جهة السند، فلنفرضْ أنَّا جازمون بأنَّ ابن عباس قال ذلك، وجزمُنا بأنَّه قاله هو غاية الترجيح بكونه في الصحيحين، فيكون الطرف الآخر راجحًا بأنَّ ميمونة وأبا رافع أعلم بنفس الواقعة من ابن عباس؛ لأنَّ لهما من الملابسة للواقعة ما ليس له، لأنَّها صاحبتها وهو مباشرها، مع أنَّهما بالغان وقت التحمل، وهو ليس كذلك.
الثالث: اعلم أنَّ المرجحات يستحيل حصرها؛ لكثرتها وانتشارها.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 529)
وضابطُ الترجيح هو: ما تحصل به غلبة ظنِّ رجحان أحد الطرفين.
وإليه أشار في "مراقي السعود" بقوله:
وقد خلتْ مرجِّحاتٌ فاعتبر … واعلمْ بأنَّ كلَّها لا ينحصر
قُطْبُ رحاها قوةُ المَظِنَّة … فهي لدى تعارضٍ مَئِنَّة
وقال صاحب "الضياء اللامع" في المرجحات: ومن رام هذه الأجناس بضابط فقد رام شططًا لا تتسع له قوة البشر.
الرابع: اعلم أنَّه جرت عادة الأصوليين بعقد باب يسمُّونه (كتاب الاستدلال)، ومرادهم بالاستدلال هو ما لم يدل عليه دليل من كتاب، ولا سنة، ولا إجماع، ولا قياسٍ أصوليٍّ.
ومسائل كتاب الاستدلال كثيرة، ذكر المؤلف منها مسائل متفرقة، كالاستحسان، والاستصحاب، والمصالح المرسلة، وقول الصحابيِّ، وشرعِ من قبلنا.
وترَكَ منها أمورًا كثيرة لم يذكرها، كإجماع أهل المدينة عند من يحتجُّ به، وإجماع العشرة، وإجماع الخلفاء الأربعة عند من يحتجُّ بذلك، وإجماع أهل الكوفة عند من يحتجُّ به، وكالقياس المنطقيِّ بنوعيه -أعني: القياس الاقترانيَّ والاستثنائيَّ الذي هو الشرطيُّ المتصلُ والمنفصل-، والاستقراء، وقياس العكس، وسدِّ الذرائع إلى المحرمات، وفتحها إلى الواجبات، والعوائد، والأخذ بأخفِّ الضررين، وفقد الشرط، ووجود المانع، ووجود المقتضي، وانتفاء
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 530)
مدرك الحكم -أي دليله الذي يدرك به-، خلافًا للأكثر في الأخير، ونحو ذلك من مسائل الاستدلال، وبعضها فيه الخلاف.
والعلم عند اللَّه، وصلى اللَّه على نبينا محمدٍ وآله وصحبه وسلم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 531)