يمكنُ انضباطها، فلو علقنا حكم قصر الصلاةِ وإباحةِ الفطر في رمضان -مثلًا- بحصولِ المشقةِ لم تنضبطْ هذه الحكمة؛ لاختلافها باختلافِ الأشخاصِ والأحوال، فأنيطَ بسفر أربعةِ بردٍ -مثلًا- لأنَّه مظنَّةُ المشقة. ومِنْ هنا لم يُنْظَرْ إلَّا للمظنَّةِ عند مَنْ يقولُ بذلك.
ومن أنواع الكسرِ: إبطالُ المعترضِ جزءًا من المعنى المعلَّلِ به، ونقضُه ما بقيَ من أجزاء ذلك المعنى المعلَّل به.
فعلمَ أنَّه إنَّما يكونُ في العلةِ المركبةِ من وصفينِ فأكثر.
والقدحُ به مقيَّدٌ بأنْ يعجزَ المستدلُّ عن الإتيانِ ببدلٍ من الوصفِ الذي أبطله المعترض، فإنْ ذكر بدلًا يصلحُ أنْ يكونَ علةً للحكمِ ألغي الكسرَ واستقامَ الدليل.
وإبطالُ الجزء بأنْ يبينَ المعترضُ أنَّه ملغيٌّ بوجود الحكمِ عند انتفائه.
والمرادُ بنقضِ الباقي عدمُ تأثيرِه في الحكمِ، وله صورتان:
الصورةُ الأولى: أنْ يأتيَ المستدلُّ ببدل الوصفِ المسقطِ عن الاعتبار، كما يقالُ في وجوب أداء صلاةِ الخوفِ: هي صلاةٌ يجبُ قضاؤها لو لم تفعل، فيجبُ أداؤَها، قياسًا على صلاة الأمنِ، فإنَّها كما يجبُ قضاؤها لو لم تفعل يجبُ أداؤها.
فوجوبُ القضاء هو العلةُ، ووجوبُ الأداء هو الحكمُ المعلَّلُ بتلك العلة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 463)
فيعترضُ بأنَّ خصوص الصلاةِ ملغيٌّ، ويبينُ بأنَّ الحجَّ واجبُ الأداء كالقضاء.
فيبدلُ المستدلُّ خصوص الصلاةِ بوصفٍ عامٍّ هو العبادةُ، بأنْ يقول: عبادةٌ يجبُ قضاؤها لو لم تُفْعَلْ. . . الخ.
فينقضُ عليه المعترضُ -أيضًا- هذا البدلَ بصوم الحائضِ، فإنَّه عبادةٌ يجبُ قضاؤها، ولا يجبُ أداؤها، بل يحرم.
والصورةُ الثانية: أن لا يبدل المستدلُّ الوصف الذي أبطله المعترضُ، فلا يبقى للمستدلِّ علةٌ في المثالِ المذكورِ إلَّا قوله: "يجبُ قضاؤها"، فينقضُه المعترضُ بأنْ يقول: ليس كلُّ ما يجبُ قضاؤه يجبُ أداؤه، بدليلِ صومِ الحائضِ في رمضان، فإنَّها يجبُ عليها قضاؤه، ولا يجبُ عليها أداؤه، بل يحرم.
فعُلم ممَّا ذكرنا أنَّ الكسر يصدقُ بأنواعٍ، منها ما لا ينبغي أنْ يختلفَ في أنَّه قادحٌ، ومنها ما اختلفَ فيه، والأظهرُ في بعضِ صورِه عدمُ القدح.
وقد أشار صاحبُ "مراقي السعودِ" إلى أنَّه قادحٌ، مع ذكر بعضِ صوره بقوله في مبحثِ القوادح:
والكسرُ قادحٌ ومنه ذكرا … تخلفَ الحكمةِ عنه مَنْ درى
ومنه إبطالٌ لجزءٍ والحيل … ضاقتْ عليه في المجيءِ بالبدل
وضابطُ الكسرِ المنطبقِ على جميعِ جزئياتِه: أنَّه إظهارُ خللٍ في
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 464)
بعضِ العلَّة، فيصدقُ بوجودِ حكمتها بدونِها، وبوجودها دون حكمتها، وبإبطال بعضِ أجزائها مع العجزِ عن بدلٍ منه صالحٍ.
وقد تقدَّم إيضاحُ ذلك كلِّه بأمثلته.
وبما ذكرنا تعرفُ ما في كلام المؤلفِ رحمه الله كما أشرنا إليه.
التنبيه الثاني: أظهرُ قولَيْ أهل الأصولِ -عندي- وجوبُ الاحترازِ في الدليلِ عن صورة النقضِ، بأنْ يذكرَ في دليلهِ ما تخرجُ به الصورةُ التي يردُ عليها النقضُ، كأنْ يقول في علةِ القصاصِ: قتلٌ عمدٌ عدوانٌ واقعٌ مِنْ غيرِ والدٍ لولده، فيجبُ فيه القصاص.
فقوله: "واقعٌ مِنْ غيرِ والدٍ لولده" احترز به عن صورةِ النقضِ، فلو لم يحترزْ بذلك عنها لقالَ المعترضُ: هذه العلةُ منتقضةٌ بقتلِ الوالدِ ولدَه، فهو قتلٌ عمدٌ عدوانٌ ولا قصاصَ فيه.
وهكذا في الأمثلةِ السابقة، خلافًا لمن قال من الأصوليين: لا يجبُ الاحترازُ المذكورُ، بل يستحبُّ.
وقال المؤلفُ(1) رحمه الله في هذا المبحثِ:
(والأليقُ وجوبُ الاحترازِ؛ فإنَّه أقربُ إلى الضبطِ، وأجمعُ لنشرِ الكلامِ، وهو هينٌ).--------------------------------------------
(1) (3/ 938).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 465)
وإن اختارَ وجوبَه غيرُ واحدٍ، واختار ابنُ الحاجبِ في مختصره الأصوليِّ أنَّ الاحترازَ المذكورَ ليس بلازمٍ.
وفيه أقوالٌ وتفصيلٌ معروفٌ عند الأصوليين أشار إليه ابنُ الحاجب.
وقال صاحبُ "جمع الجوامع": "ويجبُ الاحترازُ منه على المناظرِ مطلقًا، وعلى الناظرِ إلَّا فيَما اشتهر من المستثنيات، فصار كالمذكور، وقيل: يجب مطلقًا. وقيل: إلَّا في المستثنياتِ (مطلقًا) ". انتهى محلُّ الغرضِ منه.
ومرادهُ بالمستثنياتِ العرايا ونحوها.
والذين لم يوجبوا الاحترازَ المذكورَ وجهوا ذلك بأنَّ النقضَ سؤالٌ خارجٌ عن القياسِ، فلا يجبُ إدخالُه في صلبِ القياسِ، بل إذا أورده المعترضُ لزمَ جوابُه بما يدفعُه، كسائرِ الأَسئلة، ولأنَّ فيه تنبيهًا للمعترضِ على موضع النقض، وقد يدَّعي أنَّ الوصفَ الذي به الاحترازُ طرديٌّ، وذلَك يؤدي إلى انتشار الكلام، وهو خلاف المطلوبِ من المناظرة.
وأمَّا الذين أوجبوا الاحترازَ المذكور فقد وجهوا ذلك بأنَّ فيه حسم مادةِ الشغبِ وانتشار الكلامِ وسدًّا لبابه، فكان واجبًا، لما فيه من صيانةِ الكلامِ عن الانتشار.
وهذا الأخيرُ أظهرُ عندنا، وقد أجاب القائلونَ به بأنَّ سؤال النقضِ وإنْ كان خارجًا عن القياس فهو مصححٌ له، ومانعٌ مِنْ إظهارِ خللِ
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 466)
النقضِ فيه.
وأجابوا عن كونه فيه تنبيهٌ للمعترضِ على موضعِ النقضِ بأنَّ ذلك لا يمنعُ وجوبَ الاحترازِ؛ لأنَّ المناظرةَ المشروعةَ مبنيةٌ على العدل والإنصافِ، وقصدِ ظهورِ الحقِّ، لا على المشاغبةِ وقصدِ غلبةِ الخصم.
التنبيه الثالث: قد قدَّمنا أنَّ من أجوبةِ المستدلِّ عن النقضِ منعَه وجود الوصف الذي هو العلةُ في صورةِ النقضِ، فلو أراد المعترضُ إثباتَ وجوده بالدليلِ فقد اختلف أهلُ الأصولِ هل يُمَكَّنُ مِنْ ذلك؟ إلى أربعةِ مذاهب:
الأول -وبه قال الأكثرُ-: إنَّه ليس له ذلك؛ لأنَّ فيه نقل الكلام إلى مسألةٍ أخرى، وبذلك يصيرُ المعترضُ مستدلًّا، والمستدلُّ معترضًا، وكلُّ ذلك على خلافِ ما تقتضيه طريقةُ الجدل.
الثاني: أنَّ له ذلك؛ لأنَّه متممٌ للنقض.
الثالث -وبه قال الآمديُّ-: إن تعينَ ذلك طريقًا للمعترضِ في دفع كلام المستدلِّ وجبَ قبولُه، وإنْ أمكنَ القدحُ بطريقٍ أخرى هي أقربُ للمقصودِ فلا يقبلُ منه ذلك.
الرابع -وحكاه ابن الحاجب، واختاره بعضهم-: هو أنَّ العلةَ إنْ كانت حكمًا شرعيًّا لم يقبلْ منه ذَلك؛ لما فيه من الانتشار، وإنْ كانت حكمًا عرفيًّا أو عقليًّا فله ذلك؛ لقربِ المأخذ في العقلياتِ والعرفياتِ دون الشرعيات.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 467)
ولم يذكر صاحبُ "جمع الجوامع" هذا القول الأخير؛ لأنَّه لم يره لغيرِ ابن الحاجبِ، كما ذكره عنه المحلي.
التنبيه الرابع: قد قدمنا أنَّ من أجوبة النقضِ منعَ المستدل تخلفَ الحكم، فإن منعه وقال: بل الحكمُ موجودٌ فلا نقض، فأراد المعترضُ إقامة الدليل على عدم الحكم؛ فقال بعضهم: له ذلك؛ إذ به يحصل مطلوبه، وهو النقضُ بتخلف الحكمِ عن الوصف.
وقال بعضهم: ليس له ذلك؛ لأنَّه انتقالٌ من الاعتراضِ إلى الاستدلال.
وقال بعضهم: له ذلك إن لم يكن طريقٌ آخر أولى بالقدح نظير ما تقدم.
والقولُ بمنعه من الاستدلال مطلقًا صححه صاحبُ "جمع الجوامع".
وقال صاحبُ "الضياء اللامع": وعزاه ولي الدين لأكثر النُّظار.
التنبيه الخامس: لو أقام المستدلُّ الدليل على وجود العلة في محل التعليلِ، وذلك الدليل موجود في محل النقض، فنَقَضَ المعترضُ العلَة، فقال المستدل: لا نسلِّم وجوده في محل النقض، فقال المعترض: ينتقضُ دليلُك؛ لوجوده في محل النقض دون مدلوله وهو وجود العلة = فاختلف: هل يسمع منه ذلك أو لا؟
فقال الجدليون: لا يسمع. واختاره صاحب "جمع الجوامع" وغير واحد؛ لأنَّه انتقال.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 468)
وقال بعضهم: يسمع منه ذلك.
ومثل له بعضهم بقول الحنفي: يصح صوم رمضان بنية قبل الزوال، للإمساك والنية.
فينقضه الشافعي بالنية بعد الزوال، فإنها لا تكفي.
فيمنع الحنفي وجود العلة في هذه الصورة.
فيقول الشافعي: ما أقمتَه دليلًا على وجود العلة في محل التعليل دالٌّ على وجودها في صورة النقض أيضًا.
أما لو قال المعترض: يلزمك أحد الأمرين، إما نقض العلة أو نقض دليلها، وأيًّا ما كان فلا تثبت العلِّية، كان مسموعًا يفتقر إلى الجواب، ولا نزاع في ذلك.
السؤال الثامن: القلب:
وضابطه: أن يثبت المعترضُ نقيضَ حكم المستدلِّ بعين دليل المستدل، فيقلب دليلَه حجةً عليه، لا له.
وهو قسمان:
أحدهما: ما صَحَّحَ فيه المعترضُ مذهبَه، وذلك التصحيح فيه إبطالُ مذهب خصمه، سواء كان مذهب الخصم المستدلِّ مصرحًا به في دليله أو لا.
ومثال ما كان مصرحًا به فيه: قول الشافعي في بيع الفضولي: عقدٌ في حقٍّ لغيرٍ بلا ولايةٍ عليه، فلا يصح؛ قياسًا على شراء الفضولي فإنه
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 469)
لا يصح لمن سمَّاه.
فيقول المعترض، كالمالكي والحنفي: عقدٌ، فيصحُّ، كشراء الفضولي، فإنه يصحُّ لمن سماه إذا رضي المسمَّى له، وإلا لزم الفضولي.
ومثال غير المصرح فيه: قول من يشترط الصوم في الاعتكاف كالمالكي: لبثٌ، فلا يكون بنفسه قربة، كوقوف عرفة. أي فإنه قربةٌ بضميمة الإحرام إليه، فكذلك الاعتكاف إنما يكون قربة بضميمة عبادةٍ إليه، وهي الصوم، في الاعتكاف المتنازع فيه، ومذهبه -وهو اشتراط الصوم في الاعتكاف- غير مصرح به في دليله.
فيقول المعترض، كالشافعي: الاعتكاف لبثٌ، فلا يشترط فيه الصوم، كوقوف عرفة، أي فإنه لا يشترط فيه الصوم.
القسم الثاني من قسمي القلب: هو ما كان لإبطال مذهب الخصم، من غير تعرض لتصحيح مذهب المعترض، سواء كان الإبطال المذكور مدلولًا عليه بالمطابقة أو الالتزام.
مثال الأول: قول الحنفي في مسح الرأس: عضوُ وضوءٍ، فلا يكفي في مسحه أقل ما يطلق عليه اسم المسح، قياسًا على الوجه، فإذن لا يكفي في غسله ذلك.
فيقول المعترض، كالشافعي: فلا يقدر بالربع، كالوجه، فإنه لا يتقدر بالربع.
ومثال الثاني، وهو ما أبطل فيه مذهب المستدل بالالتزام: قولُ
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 470)
الحنفي في جواز بيع الغائب: عقد معاوضةٍ يصح مع الجهل بالعوض، كالنكاح يصح مع الجهل بالزوجة، أي عدم رؤيتها.
فيقول المعترض، كالمالكي: فلا يثبت خيار الرؤية، كالنكاح.
فقد أبطلَ مذهب الحنفي بالالتزام؛ لأن ثبوت خيار الرؤية لازم عنده شرطًا للصحة، وإذا انتفى اللازم انتفى الملزوم.
وعرَّف في "المراقي" القلب بنوعيه بقوله:
والقلب إثبات الذي الحكم نقض … بالوصف والقدح به لا يعترض
فمنه ما صحح رأي المعترض … مع أن رأي الخصم فيه منتقض
ومنه ما يبطل بالتزام … أو الطباق رأي ذي الخصام
ولم يذكر المؤلف قلب المساواة، ولذا تركناه.
واعلم أن القلب نوعٌ من المعارضة، إلا أنه نوعٌ خاص؛ لأن المعترض فيه يعارض المستدل بنفس دليله -كما تقدمت أمثلته-، والجواب عنه كالجواب عن المعارضة، إلا أن يستثنى من ذلك منع وجود الوصف فلا يصح في القلب لاتفاق الخصمين عليه، كما يتضح من الأمثلة السابقة.
السؤال التاسع: المعارضة:
وهي قسمان:
1 - معارضة في الأصل.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 471)
2 - ومعارضة في الفرع.
وأحسنهما المعارضة في الأصل؛ لأنَّه لا يحتاج إلى ذكر غير صلاحية ما يذكره للعلة.
واعلم أن ضابط المعارضة هو إقامة الدليل على خلاف ما أقام الخصم عليه دليله، وترد على جميع الأدلة قياسًا أو غيره.
وهذا الذي ذكره المؤلف: المعارضة في القياس.
وضابط المعارضة في الأصل: أن يبدي المعترض وصفًا آخر صالحًا للتعليل، كأن يقول الشافعي: علةُ تحريم الربا في البرِّ الطعمُ. فيعارض الحنبلي بإبداء وصفٍ آخر صالح للتعليل وهو الكيل.
ولا يخفى أن هذا النوع من المعارضة مبنيٌّ على القول بمنع تعدد العلل المستنبطة؛ لأنه على القول بجواز تعددها، فلا مانع من أن تكون كلتا العلتين صحيحة.
أما العلل المنصوصة فلا خلاف في جواز تعددها، كالبول والنوم لنقض الوضوء، ولا يرد عليها هذا النوع من المعارضة.
وأشار إلى هذا في "المراقي" بقوله:
وعلة منصوصة تعدد … في ذات الاستنباط خُلْفٌ يعهد
وهذا النوع المذكور من المعارضة في الفرع: إبداء وصفٍ مانع من الحكم في الفرع منتف عن الأصل، كقياس الهبة على البيع في منع الغرر.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 472)
فيقول المعترض: البيع عقد معاوضة، والمعاوضة مكايسةٌ يخلُّ بها الغرر، والهبة محض إحسان لا يخلُّ بها الغرر، فإن لم يحصل شيء لم يتضرر الموهوب له، فكون الهبة محض إحسان معارضة في الفرع ليست موجودة في الأصل مانعة من إلحاقه به.
وكقول الحنفي: يقتل المسلم بالذمي كغير المسلم، بجامع القتل العمد العدوان.
فيقول المعترض: الإسلام في الفرع مانع من القَود.
وذكر المؤلفُ أن من المعارضة في الفرع فساد الاعتبار المتقدم، وهو واضح؛ لأنك لو قلت كالحنفي: يمنع السلف في الحيوانات؛ لعدم انضباطها، كسائر المختلطات، فللمعترض أن يقول: إن في هذا الفرع وصفًا مانعا من إلحاقه بالأصل، وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم استلف بكرًا ورد رباعيًّا، وهذا النص الموجود في الفرع منتفٍ عن الأصل الذي هو سائر المختلطات.
وذكر المؤلف(1) في جواب المعارضة في الأصل أربع طرق:
الأولى: أن يبين المستدل أن مثل الحكم المتنازع فيه ثبت بدون ما ذكره المعترض، فيستقلُّ به ما ذكره المستدل.
ومثاله: قول الشافعي: علة تحريم الربا في البرِّ الطعمُ.
فيعارضه الحنفيُّ -مثلًا- بوصف الكيل.--------------------------------------------
(1) (3/ 948 - 949).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 473)
فيقول الشافعي: إن ملء الكف من البر ينتفي عنه الكيل؛ لقلته، ومنع الربا موجود فيه، فيستقل الطعم بالعلية.
والقصدُ المثال لا مناقشة أدلة الأقوال.
الثانية: أن يبين المستدل إلغاء ما ذكره المعترض في جنس الحكم المختلف فيه، كالذكورة والأنوثة بالنسبة إلى العتق، فإن في الحديث: "من أعتق شِرْكًا له في عبدٍ. . . " الحديث، فيقول المستدل: الأمة كالعبد في سراية العتق الواردة في الحديث بجامع الرق.
فيقول المعترض: إن في الأصل وصفًا مانعًا من إلحاق الفرع به، وهو الذكورة؛ لأن عتق الذكر تلزمه مصالح، كالشهادة والجهاد، وجميع المناصب المختصة بالرجال لا توجد في الفرع الذي هو الأمة.
فيجيب المستدل عن هذا الاعتراض بأن الذكورة والأنوثة بالنسبة إلى العتق(1) وصفان طرديَّان لا يترتب عليهما شيءٌ من أحكام العتق، كما تقدم إيضاحه.
الثالثة: أن يبين أن العلة ثابتة بنصٍّ أو إيماءٍ وتنبيه.
ومثاله في الإيماء والتنبيه: قول الشافعي: العلة في تحريم الربا في البرِّ الطعمُ.
فيعارضه المالكي بالاقتيات والادخار.--------------------------------------------
(1) في الأصل المطبوع: بأن الذكورة لا توجد بالنسبة إلى العتق. ولعل المثبت هو الصواب.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 474)
فيقول الشافعي: إن كون الطعم هو العلة تثبت بمسلك الإيماء والتنبيه في حديث معمر بن عبد اللَّه في "صحيح مسلم": "كنت أسمع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يقول: الطعام بالطعام مثلًا بمثل" الحديث. فترتيب اشتراط المثلية على وصف الطعم يدل بمسلك الإيماء والتنبيه على أن العلةَ الطعمُ.
والقصدُ المثال لا مناقشة الأقوال.
ومثالُه في النصِّ: أنْ يقول الحنبليُّ: علة الربا في البرِّ الكيل.
فيعارضُه المالكيُّ بوصف الاقتيات والادخار.
فيقول الحنبليُّ: إنَّ كون العلة الكيل ثبت بالنصِّ، ففي حديث حيان بن عبيد اللَّه عند الحاكم عن أبي سعيد بعد أن ذكر الستة المنصوص على تحريم الربا فيها أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: "وكذلك كلُّ ما يكالُ أو يوزن".
وفي الصحيحين بعد ذكر الرِّبويَّات أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: "وكذلك ما يوزنُ" بعد ذكر الكيلِ في الحديث.
الرابعة: أن يبين رجحان ما ذكره على ما أبداه المعترض.
ومثالُه: قول المالكيّ والحنفيِّ: إن علة كفارة الجماع في نهار رمضان انتهاكُ حرمة رمضان، فتجب في الأكل والشرب، كالجماع.
فيعارضه الحنبليُّ والشافعيُّ بخصوص وصف الجماع الذي رتَّب النبيُّ صلى الله عليه وسلم عليه حكم الكفارة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 475)
فيجيبُ المالكيُّ والحنفيُّ بأن الوصف المتعدِّي إلى غيره أرجح من الوصف الذي لم يتعدَّ إلى غيره؛ لأنَّ التعدية من المرجحات، وكون العلة هي انتهاك حرمة رمضان يتعدى بها الحكم من الجماع إلى الأكل والشرب، فتجبُ الكفارة في الجميع، وكون العلة خصوص الجماع تكون به قاصرةً على محلِّها، فلا يتعدى حكمها إلى شيء.
والقصدُ المثال لا مناقشة أدلة الأقوال.
وردَّ قوم القدح بالمعارضة بدعوى أن القدح هدمٌ، والمعارضة بناءٌ، والتحقيقُ خلافُه، لأنَّها هدمٌ للدليل.
السؤال العاشر: عدمُ التأثير:
أي عدم تأثير الوصف في الحكم.
وضابطُه: أن يذكر في الدليل ما يستغنى عنه.
وهو عند الأصوليين ثلاثةُ أقسام:
الأول: وهو المسمى بعدم التأثيرِ في الوصف.
وضابطُه: أن يكون الوصف طرديًّا لا مناسبة فيه أصلًا.
كقول الحنفيِّ في صلاة الصبح -مثلًا-: صلاةٌ لا تقصر، فلا يقدم أذانها على الوقت، كالمغرب.
فعدم القصر طرديٌّ في تقديم الأذان.
وحاصل هذا القسم: إنكار علة الوصف بكونه طرديًّا.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 476)
الثاني: وهو المسمى بعدم التأثير في الأصل.
وضابطُه: إبداء المعترض علة لحكم الأصل غير علة المستدل، بشرط كون المعترض يرى منع تعدد العلة لحكمٍ واحد، أمَّا إذا كان يرى جواز التعدد فلا يقدح في هذا القسم.
مثالُه: أن يقال في بيع الغائب: بيعُ غير مرئيٍّ، فلا يصحُّ بيعُه، كالطير في الهواء.
فيقول المعترض: لا أثر لكونه غير مرئيٍّ في الأصل، فإن العجز عن التسليم كافٍ في عدم الصحة، وعدمها واقعٌ مع الرؤية.
وهذا النوع من هذا القادح الذي هو عدم التأثير يتداخل مع المعارضة في الأصل -كما تقدَّم-.
الثالث: وهو المسمى بعدم التأثير في الحكم.
وأضربه ثلاثة:
1 - أن لا يكون لذكره فائدة أصلًا، كقول الحنفيِّ في المرتدين: مشركون أتلفوا مالًا بدار الحرب، فلا ضمان عليهم، كالحربيِّ.
ودار الحرب عندهم لا أثر لذكرها في الأصل ولا في الفرع، لأنَّ مَنْ أوجب الضمان ومَنْ نفاه لم يفرق أحدٌ منهم بين دار الحرب وغيرها.
وهذا راجع إلى القسم الأول، وهو كون الوصف طرديًّا.
فالمعترضُ يطالب المستدلَّ بتأثير كون الإتلافِ في دار حربٍ.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 477)
والذي عليه المحققون فساد العلة بذلك.
وذهب بعضهم إلى صحة التمسك به. ولا يخفى ضعفه.
2 - أن يكون لذكرها فائدةٌ ضرورية، كقول معتبر العدد في الاستجمار بالأحجار: عبادةٌ متعلقة بالأحجار لم تتقدمْها معصيةٌ، فاعتبر فيها العدد قياسًا على رمي الجمار.
فقوله: "لم تتقدمها معصية" عديم التأثير في الأصل والفرع، لكنه مضطرٌّ إلى ذكره ليحترز به عن الرجم؛ لأنه عبادةٌ متعلقة بالأحجار ولم يُعتبر فيها العددُ.
3 - أن يكون لذكرها فائدةٌ غير ضرورية، كان يقول: الجمعةُ صلاةٌ مفروضة، فلا تفتقر في إقامتها إلى إذن الإمام الأعظم كالظهر.
فقوله: "مفروضة" لو حذف لما ضرَّ، لكنه ذكر لفائدة تقريب الفرع من الأصل، بتقوية الشبه بينهما، إذ الفرض بالفرض أشبه منه بغيره، ومنع قوم ردَّ ما ذكر لفائدة، وله اتجاه.
تنبيهان:
1 - اعلم أن التأثير في هذا المبحث يراد به معنًى أعم من معناه المقابل للملائم والغريب.
2 - اعلم أنه يُشترطُ في القدح بعدم التأثير أن يكون القياسُ قياسَ علة، فلا يقدح في قياس الشبه، ولا في الطرد، على القول باعتباره.
ويُشترطُ فيه -أيضًا- أن تكون العلة مستنبطةً مختلفًا فيها، فلا
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 478)
يقدحُ به في علة منصوصةٍ ولا مستنبطةٍ مجمعٍ عليها.
وأشار في "المراقي" إلى تعريف هذا القادح وشروطه وأقسامه بقوله:
والوصفُ إن يعدم له تأثير … فذاك لانتقاضه يصير
خصَّ بذي العلةِ بائتلافِ … وذاتِ الاستنباطِ والخلافِ
يجيءُ في الطرديِّ حيثُ عللا … به وقد يجيءُ فيما أصلا
وذا بإبدا علةٍ للحكمِ … ممن يرى تعددًا ذا سقم
وقد يجي في الحكمِ وهو أضربُ … فمنه ما ليس لفيدٍ يجلب
وما لفيدٍ عن ضرورةٍ ذكر … أو لا وفي العفو خلافٌ قد سُطِر
السؤال الحادي عشر: التركيب:
قال المؤلف(1) -رحمه اللَّه تعالى-:
(وهو القياسُ المركبُ. . .) الخ.
اعلمْ أنَّ القياسَ المركب هو مركبُ الأصلِ ومركبُ الوصف، وهما داخلان في المنع -كما قدمناه واضحًا-؛ لأنَّ مركب الأصل يمنعُ المعترض فيه كون الوصف علةً، ومركب الوصف يمنع فيه وجود الوصف -كما تقدَّم-.--------------------------------------------
(1) (3/ 953).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 479)
فذكرُ هذا القادح تكرارٌ مع ذكر قادح المنع.
السؤال الثاني عشر: القول بالموجب:
وضابطُه: تسليم المعترض دليل الخصم مع بقاء النزاع في الحكم. أي وذلك بجعل الدليل الذي سلَّمه ليس هو محلَّ النزاع.
كقوله تعالى: {يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ} الآية [المنافقون/ 8]، فابنُ أُبَيٍّ في هذه الآية استدلَّ على أنَّه يخرج الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه من المدينة بأنَّ الأعزَّ قادرٌ على إخراج الأذلِّ، والله سلَّم له هذا الدليل مبيِّنًا أنَّه لا يجديه؛ لأنَّه هو الأذلُّ، حيث قال تعالى: {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ} الآية [المنافقون/ 8].
واعلمْ أنَّ القولَ بالموجبِ عند الأصوليين يقعُ على أربعةِ أوجه:
الوجه الأول: أنْ يَرِدَ لخللٍ في طرف النفي.
وذلك أنْ يستنتج المستدلُّ من الدليل إبطال أمر يتوهم منه أنَّه مبنى مذهب الخصم في المسألة، والخصم يمنع كونه مبنى مذهبه، فلا يلزم من إبطاله إبطال مذهبه.
وأكثر القول بالموجب من هذا النوع.
كأن يقال في وجوب القصاص بالقتل بالمثقَّل: التفاوت في الوسيلة من آلات القتل وغيره لا يمنع القصاص، كالمتوسل إليه من قتلٍ أو قطعٍ أو غيرهما لا يمنع التفاوتُ فيه القصاص.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 480)
فتفاوت الآلات ككونه بسيفٍ أو برمحٍ أو غيرهما.
وتفاوت القتل ككونه بحزِّ عنق أو قطع عضو.
وتفاوت القطع ككونه بحزِّ المفصل من جهة واحدة، أو من جهتين، أو بغير ذلك.
فيقول المعترض، كالحنفيِّ: سلمنا أنَّ التفاوت في الوسيلة لا يمنع القصاص، ولكن لا يلزم من إبطال مانعٍ انتفاء جميع الموانع، ووجود جميع الشروط بعد قيام المقتضي. وثبوتُ القصاص متوقف على جميع ذلك.
فقول المستدل: "لا يمنع القصاص" نفيٌ، ولأجل ما وقع فيه من الخلل ورد القول بالموجب، فكأنَّ الحنفيَّ يقول للمستدلِّ: ما توهمتَ أنه مبنى مذهبي في عدم القصاص في المثقَّل ليس مبناه، فلا يلزم من إبطاله إبطال مذهبي، بل مبنى مذهبي شيء آخر لم تتعرض له في اعتراضك.
ومعلوم أنَّ موجب منع الحنفيِّ القصاص في القتل بالمثقَّل عدمُ تحقق العلة التي هي قصد القتل، فهو عنده من الخطإ شبه العمد، إذ لا يلزم من قصده ضربه بالمثقَّل قصده إزهاق روحه عنده.
الوجه الثاني: أن يقع على ثبوت.
وضابطه: أن يستنتج المستدلُّ من الدليل ما يتوهم منه أنَّه محلُّ النزاع أو ملازمه، ولا يكونُ كذلك.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 481)
كأن يقال في القصاص بالقتل بالمثقَّل: قتلٌ بما يقتل -غالبًا-، لا ينافي القصاص؛ فيجب فيه القصاص قياسًا على الإحراق بالنار.
فيقول المعترض، كالحنفي: سلَّمنا عدم المنافاة بين القتل بمثقَّل وبين ثبوت القصاص، ولكنْ لمَ قلتَ: إن القتل بمثقَّل يستلزم القصاص، وذلك هو محلُّ النزاع، ولم يستلزمه دليلك وهو العلة التي هي قوله: "قتل بما يقتل غالبًا لا ينافي القصاص".
فقوله: "يجب فيه القصاص" ثبوتٌ، ولأجل ما ورد فيه من الخلل عنده وقع عليه القول بالموجبِ المذكور.
الوجه الثالث: أن يقع لشمول لفظ المستدلِّ صورةً متفقًا عليها، فيحمله المعترض على تلك الصورة، ويبقى النزاع فيما عداها.
كقول الحنفي في وجوب زكاة الخيل: حيوانٌ يسابق عليه، فتجب فيه الزكاة، كالإبل.
فيقول المعترض: أقول به إذا كانت الخيل للتجارة.
وهذا أضعف أنواعه، لأنَّ المستدلَّ يقول: عنيت وجوب الزكاة في رقابها.
الوجه الرابع: أن يقع لأجل سكوت المستدلِّ عن مقدمة غير مشهورة مخافة منع الخصم لها لو صرَّح بها.
كقول مشترط النية في الوضوء والغسل: كلُّ ما هو قربة تشترطُ فيه النية، كالصلاة، وسكت عن الصغرى وهي: الوضوء والغسل قربة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 482)