موضوعات ومواقف قرآنية
حاولنا في القياس الأول وفي بداية هذا القياس أن نبرز الخصائص المادية والنفسية التي تفصل القرآن عن الذات الإنسانية. وسنبحث في هذا الفصل، في بعض الآيات، ما يميز هذا الكتاب بصفة خاصة عن عبقرية الإنسان.
إرهاص القرآن
لقد أثبتنا هنالك أن الوحي تلقائي وغير شخصي، ونضيف مع ذلك هنا أن هذا الذي أثبتناه هو بلا شك الخصائص الظاهرية المؤثرة في نظر النبي، والتي دفعته إلى أن يدعم اقتناعه الخاص بالسر الإلهي في القرآن، وبدون هذا الشرط الذي نضعه مقدماً ربما يصبح اقتناع النبي في ذاته ظاهرة غير مفهومة.
ولقد رأينا- فيما مضى- أن هذا الاقتناع لم يتم في لحظة، ولم يكن من باب التسليم الأعمى، بل كان تدريجيا وعقليا، يشبع حاجات عقل وضعي كعقل محمد، ويجيب عن رغبته الملحة في اليقين القاطع، وفي ظروف كهذه تعد آية أمارة على التفكير والإرادة، وسبق العلم الشخصي بما سيأتي به الوحي وبتنظيم مداه المحتمل، لغزاً جديراً بإثارة انتباهنا.
وحقاً. ماذا نقول في رجل لم يفكر، ولا يريد أن يفكر.؟!
لم يُرِد، ولا يريد أن يستخدم إرادته.؟!.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 269)
لم يكن له أن يتأمل في تيار الظاهرة المقبل.؟!.
ولا يريد أن يضمر هذا التأمل.؟!.
وهو مع ذلك يرى (كلمة) صادرة عنه، مطبوعة بكل دقة بطابع تفكير وإرادة ونظام، وأحياناً تبدو هذه (الكلمة) وهي تعلن عن نسق الوحي التالي لها، فكأنما احتوت على علم سابق خارق للعادة بما سيليها من الآيات!! ذلك فيما يبدو لنا هو الطابع العام للقرآن، باعتباره مجموعاً صادراً عن إرادة وتفكير وتنسيق، بل عن علم يبدو أنه ثمرة إعداد سابق. وإنما تتجلى هذه الصفة في حالات تصدير موجه الوحي بآية تشبه إلى- حد ما- طليعة الجيش، تحمل سره وتعرف وجهته، وهي متقدمة عليه. وذلك هو المقصود من استعمال المصدر Anticiper، إذ أن معناه: العلم بالشيء مسبقاً ( Prévoir) ، ومثل هذا الفعل النفسي لا يمكن أن يُتَصور دون الاشتراك الشعوري للذات الفاعلة، وعليه فمنذ ذلك الانطلاق الروائي للظاهرة القرآنية، حينما كانت الأزمة الأدبية والشك يتبددان من نفس النبي وحده نزل عليه ذلك الوحي المذهل:
{وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا} [المزمل 4/ 73 و 5]
ولكن ما وزن هذا القول الثقيل .. ؟ .. إنه القرآن كله عندما يكتمل في مدى ثلاث وعشرين سنة، أي عندما نزل أمين الوحي للمرة الأخيرة، كيما يختم الوحي على لسان النبي صلى الله عليه وسلم.
وذلك الثقل؟!! إنه ثقل الفكرة الدينية والتجربة الخلقية، ثقل الإيمان المضطرم لدى ربع الإنسانية الآن، وهو أيضاً- في ميزان التاريخ- ثقل تلك الحضارة الإسلامية التي كانت خاتمة لدورة الحضارات.
نعم … إنه لقول ثقيل! .. فأي إرهاص … ليس للفكرة وللتاريخ اللذين
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 270)
ما زال امتدادهما مستمراً حتى الآن فحسب، بل لتيار الوحي ذاته، ذلك الذي سينتهي بعد ثلاثة وعشرين عاماً.
هل هو لا شعور.؟. أو استشعار.؟. أو علم صادر عن تفكير وإرادة؟ هذه كلها كلمات خالية من المعنى عندما توضع أمام النتائج الموضوعية التي عرفناها عن الذات المحمدية من ناحية، وأمام (القول الثقيل) الذي هو القرآن من ناحية أخرى.
لا شك أننا يمكننا أن نرى في تصدير عام كهذا مجرد الرغبة اللاشعورية لذات تقذف بنفسها في غمار المستقبل، ويمكننا أيضاً أن نتصور أن فيلسوفاً ما يستطيع- كما فعل (نيتشه) - أن يصدر مذهبه الفلسفي بطريقة مدوية، ولكن هناك تصديرات لا يمكن بسبب موضوعها المحدد أن تفسر، دون أن نعدها ذات معرفة سابقة شاملة بهذا الموضوع، وإلى القارئ مثالان من هذه التصديرات الخاصة التي ترمز لموضوع محدد تماماً.
المثل الأول: قوله تعالى:
{نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ} [يوسف 3/ 12]
ليست هذه الآية تصديرا لقصة يوسف؟ ..
إننا نجد فيها ما يشبه التأكيد الاستهلالي، مؤيداً بالنقد التاريخي، على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجهل تماماً القصة المذكورة قبل نزول القرآن، بل إن (جهله) هذا عنصر جوهري لاقتناعه الشخصي، فأمامنا بلا مراء طليعة لتيار الوحي، الوحي الذي نزل بموضوع خاص محدد تماماً: هو قصة يوسف، وهي ما زالت حتى تلك اللحظة غريبة عن الفكرة المحمدية، ولدينا على ذلك واقعان لا بد من الفصل فيهما فيما يتعلق (بجهل) النبي في هذه النقطة:
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 271)
أ- فمن الوجهة التاريخية، لم تكن الفكرة المحمدية قد ضمت بعد تفاصيل قصة يوسف قبل أن ينزل بها الوحي.
ب- ومن الوجهة النفسية ليس (لشعور) النبي أي دور في عملية الوحي، وهو- بداهة- لا يحتوي تيار الوحي الذي لم يأت بعد. أما (لا شعوره) فلم يكن له أن يلد تلقائياً فكرة مركبة أثبتها التاريخ بصورة وضعية إيجابية.
فهذا التسبيق أمام مجرى ظاهرة لا يسيطر عليها الشعور، وما كان لها أن تصدر فقط عن اللاشعور، للأسباب المشار إليها في الفصول السابقة، هذا التسبيق يظل عصياً على الفهم بصورة مزدوجة لو أننا قصرنا تفسيره على الذات المحمدية.
وأما المثال الثاني فتقدمه لنا هذه الآية التي استهلت بها سورة النور:
{سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنْزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} [النور24/ 1).
ويبرز أمامنا في هذه الآية الافتتاحية ما يشبه التخطيط المبسط للسورة المنزلة، التي تشكل على (الآيات البينات) وهي ما زالت في حيز القوة، ولم تخرج إلى نطاق الفعل، ومع ذلك فإنها منذ الآن قد سبقت إلى علم الإنسان كأنها الهدف المقصود من تيار الوحي النازل بعد، ولعل في هذا أمارة تفكير سبقت في علمه هذه الآيات البينات، وطابع إرادة تضعها نصب تأملنا، الأمر الذي لا يتفق مطلقاً مع استعداد الذات المحمدية، وخاصة في حالة تلقيها الوحي.
***
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 272)
ما لا مجال للعقل فيه
فواتح السور
في القرآن سور كثيرة تبلغ تسعاً وعشرين، لا تستهل بكلمة مفهومة، بل برموز أبجدية بسيطة، أسبغ عليها علم التفسير تأويلات مختلفة، وقد بحثت فيها عقلية العصور المتأخرة عن إشارات ملغزة لأقاصيص، بعيدة المدى في التاريخ الإنساني.
أياً ما كان الأمر فإن معنى هذه الفواتح المبهمة- إن كان فيها إبهام- يقف أمام عقولنا سداً محكماً.
على أننا لا يهمنا هنا هذا الوجه من المسألة، وإنما الذي يهمنا هو طابعها الظاهري فقط، فهذه الحروف الافتتاحية لا يمكن أن تتراءى لنواظرنا اليوم هياكل متحجرة أو متحللة، فإن النبي نفسه كان يرتلها هكذا، كل حرف متميز منفصل في تجويده الصوتي.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 273)
جدول إحصائي لفواتح السور--------------------------------------------
الحروف ............................. أسماء السور التي وردت فيها
_________
الم .................................. البقرة - آل عمران - العنكبوت - الروم - لقمان - السجدة
المص .............................. الأعراف
الر ................................. يونس - هود - يوسف - إبراهيم - الحجر
المر ................................ الرعد
كهيعص ............................ مريم
طه ................................. طه
طسم ............................... الشعراء - القصص
طس ............................... النمل
يس ................................ يس
ص ................................ صاد
حم ................................. غافر - فصلت - الزخرف - الدخان - الجاثية - الأحقاف
حم عسق ........................... الشورى
ق .................................. ق
ن .................................. القلم
هذه بصفة عامة هي الفواتح التي لا مجال فيها للفكر، ولسنا نعتقد بإمكان تأويلها، إلا إذا ذهبنا إلى أنها مجرد إشارات متفق عليها، أو رموز سرية لموضوع محدد تام التحديد، أدركته سراً ذات واعية.
ترى هل تكون هي ذات محمد؟ … إن من الواجب أن نقرر في هذه الحالة أن محمداً لا يقف موقفاً سلبياً، بل يتدخل- على العكس- بطريقة شعورية صادرة عن تفكير في اختيار هذه الحروف، وفي توجيهها الرمزي، لكي يعين
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 274)
باتفاق ما موضوعاً مدركاً بطريقة سلبية. وهنا نلمس تعارضاً بيناً بين هذا الوضع والدور السلبي المعين لهذه الذات في القياس الأول، ومن ناحية أخرى، لا بد أن نعد الحروف الأبجدية في ذاتها كائنات رمزية غريبة عن مفهوم الأمي وفكره، فلا تعني هذه الآيات لديه معنى عملياً، وبالتالي فالمفهوم متكتم باتفاق، فنحن نخطئ الفهم حين نقول إن رموزاً كهذه يمكن أن تدخل في مفهوم أمي، في تلك الحالة الخاصة التي تسمى (حالة التلقي)، فهل الأمر مجرد اختلال في شعور اضطرب مؤقتاً؟ … أو أنه من الجائز أن يكون مرضاً عضوياً أصاب الجهاز الصوتي، وهو ما يسمى لدى علماء الطب La Glossolalie (1) … ولكن النبي كما رأينا في القياس الأول يمثل أكمل المعادلات الشخصية في نواحيها الثلاث: الخلقية، والعقلية، والبدنية، ولم يدع التاريخ أدنى ريب في هذه النقطة. فلا مجال إذن لأن نتخيل أي افتراض عن الذات المحمدية، حتى نشرح هذا الابهام، أو ذلك المرض العضوي. ومن وجهة أخرى لسنا نجد في أدب هذه الذات الشخصي الغني وهو (الحديث)، أي أثر لتلك المغلقات، ولا توجد أية رواية مشافهة عن النبي، مشتملة على مثل هذا التصدير الرمزي.
والآن لو أننا جردنا المسألة من اعتبارات الذات المحمدية، فلا ننظر إليها إلا بالنسبة للقيمة الذاتية للقرآن- دون أن نتسرع بالحكم على أصله أو طبيعته- فسنبقى أمام اللغز نفسه. والحق أن القرآن منذ ثلاثة عشر قرناً يعد أكمل نموذج أدبي استطاعت اللغة أن تفصح عنه، فليس به أدنى اختلال، بل إن الاتساق البديع شامل لجميع نواحيه، في روحه الجليل الغامر، وفي نذره الرائعة المؤثرة، وفي مشاهداته الباهرة، وفي حلاوة وعوده الفائقة، وفي فكرته المتسامية المتشامخة، وأخيراً في أسلوبه البهي المعجز.--------------------------------------------
(1) يقصر النقد الحديث هذه الظاهرة- وخاصة في حالة أرمياء- على الاضطراب العضوي الذي يحدث عند النبي في حالة الكشف. (المؤلف)
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 275)
ولنا أن نضيف ملاحظة عن تخصيص وضع هذه الرموز في فاتحة بعض السور دون بعضها الآخر، إذ في ذلك ما يدل على وجود تنظيم ضمني مقصود، هذه الملاحظة تنفي افتراض الصدفة، أو مجرد شرود ذات سلبية، غير واعية. واختصاراً، ليس لنا أن نحمل الظاهرة على طارئ نفسي أو عضوي مفاجئ لدى النبي، ولا أن نؤولها باعتبارها نقصاً أدبياً، في نص يُعد بحق كاملاً.
لقد حاول معظم المفسرين أن يصلوا من موضوع هذه الآيات المغلقة إلى تفاسير مختلفة مبهمة، أقل أو أكثر استلهاما للقيمة السحرية التي تخص بها الشعوب البدائية الكواكب، والأرقام، والحروف. ولكن أكثر المفسرين تعقلاً واعتدالاً هم أولئك الذين يقولون في حال كهذه بكل تواضع: "الله أعلم".
***
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 276)
المناقضات
بعد أن حاولنا بيان استقلال الظاهرة القرآنية، وموضوعيتها بالنسبة للذات المحمدية، يصبح هدفنا من هذا الفصل أن نؤكد محاولتنا تلك بتفصيل القول فيما حدث أحياناً من مناقضة صريحة بين الميول والاتجاهات الطبيعية لدى النبي، وبين ما يعتريه خلال تلقيه الوحي. هذه المناقضة تجلو لأعيننا الخصائص الظاهرية التي بيناها وأكدناها حتى الآن في القرآن، أعني: موضوعيته واستقلاله بالنسبة للذات المحمدية. وأول مثال على هذه المناقضة قوله تعالى:
{وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ} [طه 114/ 20]
فلقد كان النبي في مستهل دعوته يجهد ذاكرته وهو يعاني حالة التلقي، لكي يثبت الآيات كما نزلت، وتلك حالة غريزية تلقائية تحدث لأي إنسان ينصت لآخر، وهو يريد أن يحفظ كلامه، فهو يكرره في نفسه.
فالتكرار في الحقيقة عمل تدريبي للذاكرة، غريزي أساسي، فهو لهذا يصدر طبيعياً عن الذات نفسها، أياً كانت درجة وعيها، بل قد يحدث أن نكرر كلمات شخصية محضة، في أحلامنا مثلاً، ولكن حالة التلقي ليست حالة بين اليقظة والنوم Hypnagogique، ولا سيما بالنسبة للذات المحمدية، التي ربما كانت تقوم بتدريب ذاكرتها تلقائياً، ولكن بطريقة آلية مقصودة، تحتفظ معها في هذه الحالة ببعض حريتها ووعيها، ويتجلى هذا في هيئتها البدنية، إذ يظل النبي جالساً، كما يتجلى في سلوكها العقلي، حين يكرر ما يوحى إليه.
فالآية المذكورة تأتي بما يضاد هذا السلوك الطبيعي، إذ يطلق النبي لإرادته
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 277)
العنان إلى مدى معين، حتى يحفظ بالتكرار ما تفجر في مجال عقله، فأثاره جرسه وأيقظه.
والآية تهدف إذن إلى مصادرة حريته في استخدام ذاكرته، حيث تنحصر حركتها في هذا التكرار المنهي عنه، وبذلك لا تتجاهل الآية حرية اختيار النبي، وإرادته أن يدرب ذاكرته فحسب، بل تتجاهل أيضا القانون النفسي لوظيفة التذكر نفسها. وهكذا نلاحظ مناقضة مزدوجة بين الظاهرة القرآنية وبين الذات المحمدية. هذه المناقضة المزدوجة لإرادة النبي، ولقانون وظيفة التذكر، تثبت بوجه خاص تفرد ظاهرة ذات مجال مطلق، مستقل عن العوامل النفسية والزمنية، وبهذا تؤكد خاصتي السمو والإطلاق للظاهرة القرآنية.
والمناقضة الثانية نقتبسها من حياة النبي الخاصة، فلقد سجلت أحداث هذه الحياة- كما نعلم- المراحل الرئيسية للتشريع القرآني، ولا عجب، بعد أن رأينا ما لهذا الارتباط بين أحداث حياة (الرجل) وبين قانون السماء من قيمة تربوية، أما الذين يعجبون فإن عليهم أن يذكروا أن قانوناً تمليه السماء لغير أهل الأرض يمكن أن يكون مراعياً لعوائد الملائكة سكان السماء، أما إذا أنزل من أجل البشر، فربما لم يكن له معنى بالنسبة لهم لو لم يكن أساس تقنينه الحالات المادية المنتزعة من حياتهم اليومية. وهذه حالة من تلك الحالات مأخوذة من حياة النبي نفسه، وقد كانت مناسبة لنزول الوحي ببعض المبادئ القانونية فيما يتعلق بالشهادة بوصفها دليلاً قانونياً.
والحادثة التي نبحثها رواها مؤرخو السيرة تحت عنوان (حادثة الإفك) (1)--------------------------------------------
(1) أورد المؤلف في الهامش تلخيصاً لحديث هذه القصة، وقد رأينا الاستغناء عن ترجمة هذا الموجز، إذ أن القصة بكاملها مروية في جميع كتب الحديث. وقد رواها البخاري تحت عنوان (باب حديث الإفك) عن طريق عروة بن الزبير وسعيد بن المسيب وعلقمة بن وقاص وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن عائشة رضي الله عنها. (المترجم)
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 278)
فإن المنافقين بالمدينة لم يكفوا عن تدبير صنوف المؤامرات والمكائد ليشلوا دعوة رسول الله عن الحركة، فكانوا يهتبلون (*) الفرص ليبهتوه وينالوا من هيبته، ويعوقوا كفاحه، فلقد كان (لمكيافيلي) من بينهم تلاميذ نجباء، قبل أن يخرج (ميكيافيلي) إلى الوجود. ونعود إلى حديثنا، فقد وجدت الزوجة الشابة (عائشة) رضي الله عنها نفسها فجأة منقطعة عن القافلة، حبستها عنها ضرورة، فاستمرت القافلة في سيرها، مستاقة معها رحلها، وأقبل الليل فأخذت تنادي مستيئسة، حتى ظنت نفسها فقيدة في الصحراء، فنامت في الطريق أشبه بطفلة، وإذا بصحابي كان يسير في مؤخرة القافلة يجدها هناك فيتعرف عليها، وينزل عن ناقته ليركب أم المؤمنين، ثم يلحق بالقافلة.
ولكن المنافقين كانوا هناك، فأشاعوا أن عائشة قد لعبت دور الفتاة العابثة .. فضيحة ..
ويهم المسلمون بقتل زعيم المنافقين … أزمة.
هذا هو الإطار التاريخي الذي تعرض فيه حالتنا، وسنرى أنها قد حُلت حلاً رائعاً في نطاق الظاهرة القرآنية. فالواقع أن النبي قد دهمه الشك، فلقد كان إنساناً على الرغم من كل شيء، ولكن هذا الإنسان كان ذا ضمير يستمد سموه من سمو دعوته، فهو يعلم أن أعماله ستكون أحكاماً ومقاييس، فما هو القرار الذي يمكن أن يتخذه شريطة أن يكون متفقاً مع طبيعته الإنسانية، ومع أساس دعوته العلوي.؟ .. إن المسألة بهذه الصورة تعد اختباراً حاسماً للدعوة، فبحكم فطرته الإنسانية، وربما تأثراً بإيحاء المحيطين به أرسل النبي صلى الله عليه وسلم عائشة إلى منزل أبيها، واحتجت عائشة دون جدوى ضد هذه الإهانة والتهاون، أما النبي فلم يطلقها كيلا ينشئ سابقة قانونية، ولم يعف أيضا كيلا يعرض عظمة دعوته العلوية للخطر. ولقد اقتضى هذان الاعتباران لديه حالة معينة كان يعاني--------------------------------------------
(*) قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة: وعندي في نسخة أخرى للكتاب"ينتهضون " بدل "يهتبلون
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 279)
خلالها الشك في سلوك زوجه من ناحية، والتردد في اتخاذ قرار ظالم من ناحية أخرى، وفي هذه الحالة لا يجدي سوى الحياد الذي يهدئ انفعالات الإنسان، ويناسب ظروف النبي، فالغفران قد يكون أعمى، والأدلة قد تكون ظالمة؛ وعليه فلقد كان لمصلحة النبي الشخصية والعليا من كل وجه أن يلتزم حياداً دقيقاً، بأن يترك عائشة لدى أبيها. وموقف كهذا لا يدع مأخذاً لألسنة المنافقين الحداد، ولنقدهم المغرض، بلة العقل المجرد. ولم يكن على النبي من الوجهة الإنسانية أن يتخذ موقفاً آخر، أعني لم يكن عليه أن يعمل شيئاً مطلقاً، وقد كانت هذه خطته فعلاً .. حتى نزول الوحي، فإذا به يعتق الرجل من شكه ومن تردده، معرضاً في الوقت نفسه القيمة العلوية للرسالة لاختبار هائل. وسنجد أن سورة (النور) تسن أولاً (حد الزنى):
{الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ {[النور 2/ 24]
وهذا هو المبدأ القانوني الأول.
ثم إنها تبرئ عائشة رضي الله عنها بطريقة رائعة باهرة، وهي تنمي هذا المبدأ القانوني، وتؤكد اشتراط الشهادة في مثل هذه الحالات:
{الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ، وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [النور 3/ 24 و 4]
ولكي يضفي النبي على هاتين الآيتين تفسيرهما التاريخي وجدناه يعيد إلى بيته (الزوجة) الفاضلة، التي رفضت أن تعترف بالجميل لإنسان، فهي تجيب
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 280)
أباها (1) الذي يدفعها إلى شكر النبي قائلة: "والله لا أقوم فإني لا أحمد إلا الله عز وجل". على أن نصوص هذه التبرئة تعد خطيرة بالنسبة لدعوة النبي، إذ تعطينا فوق قيمتها الذاتية لمحة مباشرة، وغير متوقعة عن شخصيتين جعلت منهما الصدفة حكمين فاهمين لتلك القيمة، هما: عائشة، والصحابي الذي أوصلها.
أي مغزى تدركه هاتان الشخصيتان في حكم يعلن صراحة أن (الزانية) لا يمكن أن تكون سوى زوجة (زانٍ)؟. وهو حكم مطلق، كيلا يصادم اعتبارات ذات إنسانية دهمها الشك، وألزمتها المصلحة العليا أن تقف موقف الحيطة والتحفظ الدقيق، فإن عقلاً ينشد الحقيقة والدقة في الحكم لا يمكن أن يستسلم للطيش، فيدين بريئاً، أو يغفر لمجرم.
وهكذا تظهر لنا بجلاء مناقضة صريحة بين (ذات) مشدودة إلى الحيطة والتحفظ، وبين ما ينزل به الوحي عليها من أحكام قاطعة.
…--------------------------------------------
(1) ما ورد في البخاري هو: "فقالت لي أمي: قومي إليه، فقلت .. " الخ .. (المترجم)
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 281)
الموافقات
إن ارتيادنا القرآن وتأملنا له مع اختلاف مقاصدنا ومع تعلقنا مقدماً بمزاعم المثقفين المحدثين، يبهرنا بنظام أفكاره الغريب، ومادتها العجيبة؛ على أن اهتمامنا قد تزايد منذ بعيد بازدياد سياحتنا في هذا العالم الذي يمتاز بنظامه وهندسته وطبيعته الخاصة، وهو في هذه المعاني جميعاً يشبه دوائر المعارف العلمية أو الكتب التعليمية المعدة لتطبيق خاص. لقد سقطت مزاعمنا تلقائياً، كما تسقط دائماً المزاعم أمام ثورات العلم، أو انقلابات التاريخ، وأمام الانتصارات الساحقة للحق وللخير، ونحن هنا نجد أنفسنا ملزمين (باعتراف) هو اعتراف مثقف أقبل على القرآن بطوية فطرية، كيما يكتشف فيه (كومة) من المعلومات المحددة، كأنه يطلع على أحد المجلدات الفنية. على أن هذا الاعتراف- علاوة على أنه يثقل بتفاصيل شخصية عديمة الجدوى موضوعاً محدوداً- فإنه ربما يكون استطراداً مملاً بالنسبة للخطة المتبعة.
ونحن لن نقول هنا سوى كلمة واحدة هي أن المثقف قد تخلى الآن عن مزاعمه الساذجة، من أجل أن يدخل باهتمام جديد إلى العالم القرآني، تماماً كأنه شخصية من الشخصيات التي نسمع عنها في حكايات الجن، لتجد نفسها معراة عن ملابسها، وليتسنى لها أن تتوغل في عالم السحر والغموض. وإذا كان لا يليق بنا أن نعد القرآن كتاب علم فإننا نلاحظ فيه مع ذلك آيات تحتوي الاهتمامين كليهما: لمسها حقيقة علمية، وإلقاؤها بهذا اللمس مزيداً من الوضوح على علاقة الذات المحمدية بالظاهرة القرآنية. فدراسة بعض هذه الآيات مفيدة إذن من الوجهتين
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 282)
التاريخية والنفسية. وضروري أن نلاحظ من الوجهة النفسية أن موضوع التفكير تحدده في جوهره طبيعة الفكر الذي يصوغه، وهو يحتل مكانه في سياق الاطراد الطبيعي لهذا الفكر، ويحب على الأخص أن يكون جزءاً من الأفكار الخاصة بالذات التي تفكر فيه، وأن يدخل في نطاق تجربتها، وفي مجال رؤيتها، وبعبارة أخرى: لكي تصح نسبة هذه الملاحظات إلى النبي يجب أن نثبت أن:
الأفكار المحمدية = الأفكار القرآنية
وربما تصح هذه المعادلة لو أننا تحققنا من أن موضوع آية ما يمكن أن يصدر عن مجال ذات محمد، وأن يندمج في نسق فكره، وأن ينبعث عن تجربته، وأن ينتزع من محيط بصره. وفي هذه الحالة قد تفصح هذه المعادلة- بترتيبها المشار إليه آنفاً- عن علاقة سببية، لتكون الأفكار المحمدية سبباً في حصول الأفكار القرآنية، وإذا ثبت العكس تصبح المعادلة مستحيلة، إذ تنتفي العلاقة السببية، وهو ما نسعى إلى إثباته هنا. وعليه، فنحن نتصور تصوراً كاملاً طبيعة الفكر لدى إنسان فني في المشكلة الدينية والمشكلة الغيبية والمشكلة الروحية خاصة، وربما تصورنا أيضاً اطراد هذا الفكر في وصفه الطبيعي، وهو الاطراد الذي يجب أن يضم في مجال إدراكه البصري الوقائع وسبب حدوثها، والكون وعلة كونه. وينبغي أيضاً أن يربط بين الخالق والمخلوق برباط الإيمان، وأن ينصب للكائنات والأشياء سلماً من الدرجات الخلقية.
لقد شغلت أفلاطون فكرة كهذه، فانبجست منها فلسفته الخلقية. أما حين يحدث تحول جوهري في تيار الفكر لدى إنسان ما، فينتقل اهتمامه فجأة من أفق إلى آخر، فإن ذلك يدفعنا- دون شك- إلى أن ندقق النظر من قريب في هذه الحالة الغريبة، فلو اتضح لنا أنها غريبة عن الفكر الديني الذي نريد أن ندرس امتداده فمن الواجب أن نعدها (ظاهرة فريدة)، والقرآن يقدم لنا دائماً كثيراً
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 283)
من هذه الغرائب التي تعلق الاهتمام، وتلجم فجأة اطراد الفكر وانسيابه، فنشر بأن المستوى قد تغير، كأنما وضعت هذه الغرائب هنالك قصداً لتكون مرقاة يصعد فيها المتأمل طفرة إلى ما هو أسمى من مستوى الذات الإنسانية، فإذا بالعقل- وهو الذي تعود أن يفكر فيما هو معلوم، وفيما هو قابل للعلم مما يتصل بالمستوى الإنساني- يجد نفسه وقد حمل بعيداً ليلحظ من هنالك، في وميض آية من آيات القرآن، أفقاً من آفاق المعرفة المطلقة.
لماذا نرى في اطراد فكرة غيبية صورة بصرية؟ ومن خلال عرض تشريعي تتدفق حقيقة أرضية أو سماوية.؟. لا شك أن هذا عجيب! .. ولا شك أننا لو تأملنا من قريب هذه الغرائب فسنكتشف في اطراد الفكرة القرآنية روحاً مذهلاً، ونسقاً رفيعاً، لا يصدر إلا عن معرفة مطلقة محضة تتدفق منها الآية، فنحن مضطرون إلى أن نعد أمثال هذه الغرائب إشارات بينات، وشهباً ثواقب، تكشف للفكر الإنساني المبهور عن المصدر الغيبي الذي تدفقت منه تلك الفكرة، التي سبقت عصور التقدم الإنساني، واتفقت مع الحقائق التي كشف عنها العلم بعد ذلك بقرون، وكأنما سبقت هذه الغرائب العقل الإنساني الذي يتطور، لتكون طلائع شاهدة على السر الأسمى للمعرفة القرآنية.
إن القرآن يتجه بالخطاب إلى البشر سكان الأرض، أولئك الذين يهمهم ولا ريب أن يعرفوا كل شيء عن الأرض التي تحملهم، فما هو شكل هذا الكوكب المظلم؟ … وللإجابة عن هذا السؤال لا يسلك القرآن مسلكاً علمياً، فهو ليس كتاباً في وصف الكون، ولو أنه كان كذلك لحوى تلك الأفكار التخمينية، التي كانت تقول بها النظرية البطلمية (1) La Théorie Ptelemienne الشائعة آنذاك،--------------------------------------------
(1) بطليموس هو الذي افترض أن الأرض مركز الكون الذي تدور حوله الشمس والكواكب الأخرى، وقد حلت محل النظرية نظرية كوبرنيك السائدة الآن.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 284)
ومعلومات ذلك العصر عن الأرض تذهب إلى كرويتها التامة، وتذهب أيضاً إلى أنها ساكنة في مركز الفضاء (1). أما الأفكار الأفلاطونية المشار إليها فقد كانت أكثر زخرفة، إذ أن أفلاطون حين تغنى بظواهر الكون أراد أن يجعل الأرض مركز قبة الفلك المترنم.
هذه إذن هي المصادر العلمية التي يمكن أن تستقى منها الإجابة الإنسانية عن السؤال الموضوع، ولكن إجابة القرآن- على الرغم من أنها لا تحمل طابعاً تعليمياً شأن كتب وصف الكون- تبدو كأنما تضع معالم بسيطة أمام العقل الإنساني على جوانب طريق التقدم العلمي. ولننظر في الآية الآتية، قوله تعالى:
{أَفَلَا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا} [الأنبياء21/ 44]
ففي هذه الآية فكرتان متميزتان ينبغي أن نؤكد كلاً منهما على حدة:
إحداهما: ذات طابع هندسي، فتشكل الأرض قد عين ضمناً في قوله: "أطراف".
والأخرى: ذات طابع آلي عبّرت عنه صراحة (ننقصها). والواقع أن لفظة (أطراف) تقتضي فكرة عن شكل الأرض، فأي شكل هو؟ … إن الأرض لا توحي بداهة بشكل خيطي في الفضاء، أو بشكل مسطح أو مسدس أو مربع أو مثلث .. الخ .. إذ أن أقل نتوء في مساحتها يوحي بداهة بفكرة الأبعاد الثلاثة، وبالتالي بشكل هندسي ممتد في الاتجاهات الثلاثة، ولكن جميع الأشكال الهندسية في الفضاء لا تتفق مع فكرة (الأطراف) فأقرب الأشكال إلى التصور - حين نأخذ في اعتبارنا اللفظ المكمل (انتقاص الأطراف)، وحين نساير--------------------------------------------
(1) بوكيه Boquet ( تاريخ الفلك Histoire de l'Astronomie)
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 285)
معارف الهندسة الأرضية عن (دحو القطبين (1) Applatissement aux Pôles) هو الشكل البيضاوي.
هذا التوافق الذي يخص شكل الأرض ودحو قطبيها، تلك الخاصة المساحية التي أثبتها العلم الحديث عموماً، أقول: هذا التوافق قد ازداد وضوحاً حين أيدته الأفكار القرآنية الأخرى التي تتحدث عن كوكبنا، وتتفق مع الحقيقة العلمية، فإذا اقتصر العلم في أوربا حتى عهد (كو برنيك Copernic) و (فابيوناتشي Fabionacci) على الأفكار البطلمية، فها هو ذا القرآن يصف صراحة قبل ذلك بثمانية قرون حركة الأرض فيقول: {وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ} [النمل 27/ 88]
هذه الفكرة عن حركة الأرض جوهرية في ذاتها، وهي زيادة على ذلك توحي بفكرة ملازمة لها، هي فكرة (محور الحركة)، وبالتالي بفكرة (القطبين) والقطبان قد عينهما لفظ (أطراف)، وأشار إليهما في فكرة (دحو القطبين).
ولكن من أين يأتي هذا الكوكب الذي تحدث القرآن عن شكله ودحوه، وحركته في إشارتين شفافتين؟ .. يبدو لنا أن النظريات قبل (لابلاس Laplace) - بصرف النظر عن الأساطير- لم تواجه هذا السؤال. ولكن منذ (لابلاس) عدت الأرض شرارة مظلمة منفصلة عن الشمس، أما القرآن فمن غير--------------------------------------------
(1) تخيرنا أن نستعمل عبارة "دحو القطبين" في ترجمة عبارة Applatissement aux Pôles لأن الدحو البسط والترقيق، وهو المعنى الوضعي لكلمة Applatissement، وهو أيضاً تعبير يتصل بشكل الأرض البيضاوي، فقد قال في القاموس عند كلامه على مادة (دحا) والأدحيّة والأدحُوّة مبيض النعام في الرمل" ويطلق على البيضة في بعض البلاد العربية الآن (الدحة) أو (الدحية)، ولعل سر هذا الشكل البيضاوي للأرض يكمن في قوله تعالى: {وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا}. (المترجم)
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 286)
أن يلجأ إلى التفسير العلمي نراه يضع بعض المعالم على هذه الطريق:
{لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} [يس 36/ 40]
ومن الممكن أن يقال: إن الأمر هنا يتعلق بفكرة معتسفة تحدد اتفاقاً نقطة بدء في تقسيم الزمن، ومع ذلك فليس ما يمنع من تفسير الآية طبيعياً، مع اعتبارنا المعنى العام للنص، ولعلها في هذه الحالة تتفق مع الفكرة العلمية عن (الليل) من حيث كونه ظاهرة طبيعية أعقبت البرودة التدريجية للأرض؛ إذ الواقع أنه طالما كانت الأرض كتلة ملتهبة فإنها لم تكن تعرف الليل، فكانت في نهار طبيعي دائم.
وأخيراً فإن هذا الوصف الكوني مكمل بأفكار قرآنية أخرى، ليست بأقل أهمية في إثبات التوافق مع الحقيقة العلمية، ولنا أن نذكر خاصة خط مسير الشعاع الضوئي في الجو، فنحن نعلم أن الجوَّ هو: "تراكب طبقات متتابعة تقل فيما بينها كثافة الهواء ابتداء من الأرض"، وفي وسط كهذا يجب أن يكون مسلك الشعاع الضوئي طبقاً للقانون الثاني للعالمين (الهيثم (1) - ديكارت)، وهو (قانون الانكسار)، ولكن القرآن الذي يلفت أنظارنا دائما إلى ظواهر الطبيعة--------------------------------------------
(1) هو أبو علي الحسن بن الهيثم- ولد بالبصرة عام 355 هـ "965م"، ومات بالقاهرة عام 430 هـ "1028 م" وكان من علماء الرياضة المبرزين، وقد استطاع أن ينقل رسائل المتقدمين في الرياضة والطبيعة، وأن يضع الكثير من الرسائل في هاتين المادتين وفي الطب الذي كان مهنته الأصلية، ومن أهم مؤلفاته كتابه (المناظر) عن البصريات والضوء، وأصله العربي مفقود ولم تبق إلا ترجمته اللاتينية التي قام بها (وتلو Wltele) عام 1270م، وهو صاحب نظريات: انتشار الضوء، والألوان، وخداع البصر، والانعكاس، كما تناول موضوع انكسار الأشعة الضوئية التي تمر في أوساط شفافة كالهواء والماء، وذلك قبل أن يثبت (سمل Smell) و (ديكارت Descarte) قانون الجيوب في الضوء بستة قرون تقريباً. وللحسن رسالة في الضوء، وأخرى عن ظواهر الشفق وألوان الطيف والهالة والظل والكسوف والخسوف … لخ .. (المترجم)
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 287)
يدعونا إلى أن نرى يد الخالق- التي لا تُرى- في أقل خطوط الظل: {أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا} [الفرقان 45/ 25، 46]
كيف نفسر هذا القبض اليسير (1)؟ .. إن قانون (الهيثم- ديكارت) يقول إن الشعاع الضوئي الذي ينتشر في مجال ذي كثافة متغيرة باستمرار يخط في مسيره خطاً منحنياً ذا تجويف متجه نحو النقط الأكثر كثافة، وفي هذا المجال يقبض الظل (قبضاً يسيراً) بالنسبة لما قد يكون عليه الفراغ الذي لا يوجد فيه انكسار، وفي هذا توافق ملحوظ بين الفكرة القرآنية والخاصة البصرية المحضة التي يجهلها العلم الإنساني في العصر القرآني.
وبما أننا في حديث الجو، فلنذكر اتفاقاً آخر مما قرره القرآن: فمنذ اكتشاف الطبقات العليا بفضل الطيران والبالونات استطعنا أن ندرك ظاهرة عضوية تنتج عن تمدد الهواء، إذ يشعر الصاعد في العلو ببعض الصعوبة في التنفس، ويحس بالضيق والانقباض. لقد اقتبست الفكرة القرآنية من هذه الظاهرة استعارة بارعة، فيقول القرآن:
{فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ} [الأنعام 125/ 6]
وربما أمكننا أن نجزم بأن تسلق الجبال قد لفت نظر هواة التسلق إلى هذه الظاهرة، حتى قبل ارتياد الطبقات الجوية، فضلاً عن أن الآية لا تستخدم في الموازنة تعبير الصعود (في الجبال)، بل تستخدم صراحة تعبير الصعود (في--------------------------------------------
(1) ذهب المفسرون الذين فاتتهم فكرة القرآن في هذا الباب إلى تفسير هذه الآية متحاشين تحديد معنى الفعل (قبض) مع أنه جد واضح، ومؤولين (يسيراً) تأويلاً غريباً فأصبح معنى الجملة عندهم (ثم قبضناه إلينا وكان ذلك يسيراً علينا). (المؤلف)
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 288)