Arabic source text

📘 আয-যাহিরাতুল কুরআনিয়্যাহ (মালিক বিন নবী - মৃত্যু 1393 হিজরী)

📘 الظاهرة القرآنية (مالك بن نبي - ت 1393 هـ)

📘 আয-যাহিরাতুল কুরআনিয়্যাহ (মালিক বিন নবী - মৃত্যু 1393 হিজরী)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
وبعبارة أخرى، يجب أن يكون الضمير (هم) في الآية المذكورة النتيجة النفسية المباشرة للضمير (كم)، أو هو يصدر عنه بواسطة نتيجة وسيطة (1).
بينما نلاحظ من الوجهة النفسية أن الانتقال من (كم) إلى (هم) الفاعل المتتابع في الآية، لا يحدث انتقالاً ما في طبيعة الصورة، فنحن نلحظ فيها أن الأفعال ترسم المشهد نفسه الذي يتتابع على اللوحة نفسها، على حين يتغير الفاعل، كما هو واضح.
فالانتقال إذن جزئي، ولكن هل يمكن من أجل هذا أن يحمل ذلك الانتقال الجزئي على مجرد تداعي المعاني الذي يجري في ذات محمد اللاشعورية؟
الواقع أنه عندما يتدخل تداعي المعاني في عمليات اللاشعور- ولا سيما في الرؤى- فإنه لا يعدل الوضع النسبي للفاعل بانتقاله من شخص لآخر فحسب، ولكن الفاعل نفسه يتغير فعله.
فهنا على وجه التحديد فاعل ضمني هو الذات المحمدية التي يتغير وضعها بالنسبة للفاعل الحقيقي، ولكن الفعل يستمر كما هو في الآية المذكورة.
ولهذا فإن تداعي المعاني لا يمكن أن يُتَصور هنا على أنه السبب النفسي الذي حتم تعديلاً معيناً لا يظهر إلا في الشكل النحوي للآية، دون أن يتغير أي تفصيل في المشهد.
لقد سبق للمفسرين القدماء (التقليديين) أن بحثوا هذه المشكلة التي أطلقوا عليها اسم (الالتفات).--------------------------------------------
(1) المقصود بالنتيجة النفسية هنا هو حل الموقف النفسي، والمفروض أن كل عقدة تستلزم حلاً مناسباً يعد نتيجة نفسية لها، ولنضرب على ذلك مثلاً بالكلمة التي تذكر مبتدأ في أول الجملة فإن عقدة حلها هو الخبر. وكذلك يمكن تطبيق هذه الفكرة على الآية إذ أن الموقف الثاني لا بد أن يكون ناتجاً عن الأول بوصفه نتيجة نفسية. (المترجم)

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 165)

والالتفات مجرد تفسير سطحي للمشكلة التي نبحث عن مفتاحها، فهو تفسير أدبي محض لا يدل من الوجهة النفسية إلا على حدوث مقصود أساساً، صادر عن ذات مختارة هي (الملتفت).
فهو لهذا لا يقدم البيان النفسي التحليلي الذي نريده، إذا عدلنا جميع الصفات التي أثبتناها للذات المحمدية (1).
وبعد، فمهما كان فيما سنقرره مخالفة للتقليد الديكارتي الذي يحصر العقل في قواعد منهج وضعي ضيق، فنحن مضطرون إلى أن نبحث عن مفتاح المشكلة خارج نفسية الذات المحمدية.
ولا بد لنا من أن نحدد حينئذٍ مستوى آخر تتم فيه أولاً الظاهرة القرآنية وتكتمل قبل أن تؤثر على الذات التي تحملها وتبلغها.
وبما أنه لا يمكننا أن نتصور هذا المستوى في ذات إنسانية أخرى، فمن الواجب أن نراه ضرورة في ذات غيبية (ميتافيزيقية) لا يربطها بالذات المحمدية رباط سوى رباط (الوحي).
…--------------------------------------------
(1) يقصد بالصفات ما أثبته بحثنا من أن النبي صلى الله عليه وسلم مخلص ذو فكر موضوعي .. الخ …

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 166)

‌‌الفكرة المحمدية
مر رسول الله ذات يوم أمام بستان أنصاري في طرف المدينة، فأشار عليه الرسول بأن يستخدم طريقة معينة في تأبير النخل، ولكنه بعد ذلك وجد أن الأنصاري قد ترك الطريقة التي نصحه بها لأنها لم تحقق له أقصى ما يمكن من المصلحة، فأقره النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك، معلناً على الفور أن التجربة الشخصية مقدمة على رأي الفرد، حتى ولو كان النبي (1).
فمن الناحية التاريخية تعد تلك النصيحة التي أبداها الرسول حديثاً، وهي--------------------------------------------
(1) الصحيح في هذا الموقف هو أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقترح طريقة معينة في تأبير النخل، فقد ورد في صحيح مسلم ج 4 تحت عنوان (باب وجوب امتثال ما قاله شرعا دون ما ذكره صلى الله عليه وسلم من معايش الدنيا على سبيل الرأي): عن موسى بن طلحة عن أبيه قال مررت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوم على رؤوس النخل فقال: " ما يصنع هؤلاء؟ " فقالوا: يلقحونه يجعلون الذكر في الأنثى فتلقح، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ما أظن يغني شيئاً". قال فأخبروا بذلك فتركوه، فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك فقال: " إن كان ينفعهم ذلك فليصنعوه فإني إنما ظننت ظناً فلا تؤاخذوني بالظن، ولكن إذا حدثتكم عن الله شيئاً فخذوا به فإني لن أكذب على الله عز وجل". وعن عائشة وعن ثابت وعن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بقوم يلقحون فقال: " لو لم يفعلوا لصلح" قال فخرج شيصاً [وهو رديء الثمر]، فمر بهم فقال: "ما لنخلكم" قالوا: قلت كذا وكذا. قال: " أنتم أعلم بأمر دنياكم".
فمن هذا يظهر أن النبي لم يقترح طريقة معينة في هذا الصدد، بل إنه صلى الله عليه وسلم قد شك في صلاح نتيجة عملهم، وقد كان في عرضه لرأيه يسوقه على سبيل الاحتمال دون إلزام. ولذلك عقب على النتيجة قائلاً في الأول (إني إنما ظننت ظناً) وفي الثاني (أنتم أعلم بأمر دنياكم) وقد ذكر المؤلف في الهامش تعليقاً أورد فيه أن (قصة البستاني مروية بطريقتين مختلفتين إحداهما عن سفيان بن العاص والأخرى عن أنس) ولم أجد فيما وصلت إليه يدي من المراجع ذكر لصحابي يدعى سفيان بن العاص.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 167)

بذلك ذات قيمة مطلقة تقريباً في نظر المفسرين والفقهاء، ومع ذلك فها نحن أولاء نرى أن النبي قد ألغى بنفسه هذا الحديث أمام تجربة بستاني بسيط، مقرراً بذلك أسبقية العقل والتجربة في سير النشاط الدنيوي.
على أننا لا نجد حالة واحدة نسخ فيها النبي آية قرآنية بتجربة فردية حتى ولو كانت تجربته هو نفسه (1).
بل على العكس، ترينا بعض الأحداث في تاريخه تمسكه الشديد المطلق في هذا الباب، فهو لم يتخل مطلقاً عن آية قرآنية مهما كان الثمن، بل نراه يعدل فجأة عن الحج الذي كان قد اتخذ له أهبته في السنة السابقة، وكان السبب الوحيد لهذا العدول هو أن الوحي قد أمره به، فنزل على أمره، مهما أوشك هذا أن يثير فوض في المعسكر الإسلامي (2).
فنحن إذن أمام فكرتين تتمثلان في نظر النبي بقيمتين مختلفتين: الفكرة الشخصية التي تنبعث من معرفته البشرية، والوحي القرآني المنزل عليه.--------------------------------------------
(1) ذهب بعض العلماء إلى جواز نسخ الكتاب بالسنة، واستشهدوا لذلك بقوله تعالى: {وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا} [النساء4/ 14].
فقالوا: إن الحكم في هذه الآية منسوخ بقوله صلى الله عليه وسلم " خذوا عني خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلاً، الثيب ترجم والبكر تجلد" وفي الباب أقوال أخرى لا تجيز نسخ الكتاب بالسنة. أما نسخ السنة بالكتاب أو نسخ الكتاب بالكتاب فهو مما اتفق بصدده العلماء. ويرى المؤلف أن قوله صلى الله عليه وسلم "خذوا عني". إنما كان لشرح الآية لا لنسخها. (المترجم)
(2) لم يكن أمر الوحي هنا في صورة آية قرآنية، وإنما يبدو أنه كان مجرد أمر بالصلح والرجوع، فمن الثابت أن النبي صلى الله عليه وسلم قد واجه ثورة بعض أصحابه كعمر بن الخطاب حين قال له، "علام نعطي الدنية في ديننا؟ " بقوله "أنا عبد الله ورسوله: ولن أخالف أمره ولن يضيعني" هذا هو ما ذكره المقريزي في (إمتاع الأسماع) [ص:292]، وليس في كلام المؤلف ما يشير صراحة إلى أن الوحي كان هنا آية، وإن أوهم السياق خلاف ذلك. (المترجم)

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 168)

ومن الطبيعي أن نبحث هنا في وضع فاصل دقيق واضح بين هذين الأساسين في ضميره صلى الله عليه وسلم، كيما نزيد في إيضاح الظاهرة القرآنية.
ويظهر هذا التمييز أيضاً لدى الأنبياء الآخرين كما استطعنا أن ندرك هذا في بحث حالة (أرمياء).
فعندما رأى هذا النبي ذات يوم (حنانيا المتنبئ) يتخذ موقف المعارض لدعوته، وهو يسوق الطمأنينة إلى قلوب بني إسرائيل فيما كتب الله عليهم، فوجئ به وهو يمسك بنيره الذي يطوق به عنقه، فيحطمه صارخاً: "هاك ما قال الله: سأحطم هكذا طوق ملك بابل".
لقد كانت هذه الكلمة- بصفة عامة- التكذيب الصريح القاطع لدعوة أرمياء كلها، ولكنه أجاب عن طواعية: "آمين، حقق الله ما تقول".
ويفسر الأستاذ (أندريه لودز M.A.Lods) - الذي يورد هذه الفقرة من كتاب أرمياء- هذا الموقف الغريب في قوله: لقد كان يظن أن الله قد رجع في قضائه (1).
لقد كان هذا بلا شك هو التفسير الوحيد المعقول لرفع التعارض الذي قد يبدو في موقف النبي، فإن (أرمياء) قد أبلغ نذره التشاؤمية باسم الرب، وهو أيضا باسم الرب قد آمن بضرورة التزام الصمت لحظة تنبؤ (حنانيا)، لكن هذا الصمت لم يكن بناء على آية موحاة إلى (أرمياء)، بل بناء على اجتهاده الشخصي، فلقد قدر أن من المحتمل أن يكون (حنانيا) قد تلقى وحياً من الله.
ومع ذلك فإن الوحي يأتيه على الفور ليصحح هذا التقدير، فإذا بالنبي يعاود في سرعة نهج دعوته المألوف.--------------------------------------------
(1) أندريه لودز (أنبياء بني إسرائيل) ( Les prophètes d'Israél) [ ص:188]

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 169)

هذا الحادث العارض يفصل بوضوح فكرة الإنسان عن وحي النبي في ضمير أرمياء، تماماً كما تفصل المشورة السابقة حديث النبي عن الوحي القرآني.
وفضلاً عن ذلك فإن القرآن يثبت تماماً في النطاق الزمني هذه النسبة بين المصدرين في قوله تعالى:
{وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ} [الشورى 42/ 52].
فقوله "ما كنت" أي قبل غار حراء، والنبي في تلك الفترة لم يكن لديه سوى معلوماته الشخصية، وهي معلومات تبدو لنا عديمة الصلة بالوحي القرآني، إذا ما أعطينا الآية المذكورة كل معناها التاريخي والآية تثبت عرضاً - ولكن بطريقة صريحة- مصدر الوحي القرآني بعد حراء، وهو على كل حال ليس قبل (إيحاء الروح) المأخوذ من قوله: {أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا}. هذه النقطة ثابتة تاريخياً، لأن الآية التي ندرسها قد مرت أولاً بشعور النبي، وتعرضت لنقده الذاتي الذي يجيد تماماً هذا الفصل الضروري لاقتناعه الخاص. وفضلاً عن ذلك فإن القرآن قد دأب على تذكيره، وتأكيد هذا الفصل في آيات كثيرة، وهاك آية تؤدي ما أدته الآية الأولى:
{وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ} [العنكبوت 48/ 29].
فتاريخ الوحي القرآني يبدأ إذن (بعد القرآن) وليس (قبله)، وذلك هو ما توحيه الآية على وجه التحديد.
أما من الوجهة النفسية المتصلة بشعور النبي صلى الله عليه وسلم، فإن هذه الآية تعزز ما قبلها في فصل السنة المحمدية عن الوحي القرآني.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 170)

وإن القرآن ليلح كثيراً في هذه النقطة، كما يمكن أن ندركه في الآية: {كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا} [طه 99/ 20].
وفي آيات أخرى يبدو القرآن وكأنما يشير إلى تحديد مقصود للوحي في نقطة معينة بالذات، كأنما ليعلق ضمير النبي واهتمامه بأشياء لم تكن بعد قد أوحيت، أو لم تنزل عليه قط، وهاك مثلاً على ذلك قوله تعالى:
{وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ} [القصص 78/ 28].
ففي هذه الآية يمضي الوحي القرآني ليس أبعد من الفكرة المحمدية فحسب، ولكن أبعد مما قد أوحي فعلاً.
ومن الممكن أن نذكر آيات كثيرة، ولا سيما الآية:
{وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ} [الزخرف 45/ 43].
وهي تؤدي المعنى نفسه.
وأحياناً يرد الفصل في القرآن بين الفكرة المحمدية والفكرة القرآنية بمناسبة حادث يجري في الحياة العادية:
{وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ} [محمد 47/ 30].
وأخيراً، قد نرى هذا الفصل في التعارض بين الفكرة المحمدية والفكرة القرآنية، كما في هذه الآية التي سوف نحللها فيما بعد (1)، وهي قوله تعالى:--------------------------------------------
(1) راجع الفصل الخاص بالمناقضات.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 171)

{وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ} [طه 20/ 114].
ويجب أن نأخذ في اعتبارنا- عندما نبحث هذا الفصل- عنصراً آخر خارجياً يؤكده بدوره، هو عنصر الصياغة الخاصة بالحديث، فلقد قيل- وهو القول الحق: "إن الأسلوب هو الرجل".
ومن المقطوع به أن الأحاديث المحمدية، والوحي القرآني يمثلان أسلوبين لكل منهما طابعه، وصياغته الخاصة.
فالعبارة القرآنية لها نسق وجرس تعرفه الأذن، ولها هيئة تركيبية وألفاظ خاصة، فليس من الخطأ أو الغلو في شيء أن يقال: إن الأسلوب القرآني معجز، لا يتسنى لأحد الإتيان بمثله.
ولئن كان قد روي أن الشاعر الكبير (المتني) قد حاول- دون جدوى- أن يقلده، فإن التاريخ يسجل محاولة معينة في هذا السبيل هي محاولة (البيان العربي) الذي كتبه (الباب).
لكنها لم تكن سوى محاولات يائسة (1).
وبعد، فليس لأحد أن يرتاب فيما تحتويه هذه الآيات من فصل قاطع تاريخي ونفسي بين الفكرة المحمدية والوحي القرآني، ذلك الفصل الذي- متى استقر في شعور النبي- أضاء جوانب الظاهرة القرآنية.
…--------------------------------------------
(1) راجع (البابية والإسلام Le Babisme et L'islam) للشيخ عبد الرحمن تاج.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 172)

‌‌الرسالة
إن من الواجب ألا نغفل أهمية التأثير السحري للكلمات على بعض العقول ذات التكوين الديكارتي، وخاصة في عصرنا هذا الذي يحتل فيه الأسلوب العلمي مجال الدين. فهناك كلمات ترتدي أقنعة، ولئن عرفت السياسة بعضاً منها، فلقد كان حظ العلم كبيراً، وليس لأحد أن يتصور الخطأ أو العدم الذي تستره هذه الأقنعة، عندما تسيل هذه الكلمات من لعاب قلم مهيب لكاتب كبير، فتطلق كتبه أشباحها لتخطر في عقول كثير من المتعالين، فتزيد من سخافاتها.
وهكذا صار من الشائع في أوساطنا العلمية أن يرجع الباحثون إلى الدراسات الإسلامية التي يقوم بها كتاب، أغرموا بالكتابة في كل شيء؛ فهم يضعون كلمة في مكان حقيقة غابت عنهم، أو لم يحاولوا إدراكها.
وبهذه الطريقة رأينا أن (ذاتاً ثانية) تتدخل في تفسيرهم للظاهرة النبوية، ولا سيما عند (أرمياء)، ذاتاً أكثر من مجردة، وغير حسية، وبعيدة عن الاحتمال، تعد في نظرهم مصدرا لمعلومات الذات الحسية الأصلية. هذه الفكرة الشاذة تذكرنا من قريب بفكرة عزيزة لدى المنجمين هي فكرة (المثل الفلكي) (1).
ولكن لهذه الكلمات الساحرة تأثيراً فعالاً على بعض العقول، أشبه بسحر الصور والرسوم في نظر الأطفال.--------------------------------------------
(1) المثل الفلكي مأخوذ من فكرة أفلاطون عن عالم المثل وعالم الصور، ولكن بصورة أخرى تناسب أفكار المنجمين الفلكيين. (المترجم)

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 173)

فمن المعلوم أن من يكون ممتلئاً بالثقة في قيمة بعض الكتاب، لا يبحث عن قيمة الكلمة المعبرة بالنسبة إلى الفكرة التي يعبرون عنها.
ومن هذا القبيل كلمة (لاشعور)، فقد لعبت على أقلام الكتاب دوراً نظرياً هاماً في تفسير الظاهرة القرآنية.
فإذا أردنا أن نفهم معنى هذا المصطلح في نظريات علم النفس، وجدناه في منتهى الغموض، فهو لا يعني شيئاً محدداً كما تعني مثلاً المصطلحات المعروفة كالتذكر والإرادة.
إن نظرية (اللاشعور) ما تزال في مرحلة نشوئها، ومع ذلك فقد استخدموها لكي يفسروا لنا- كما يدعون- الظاهرة القرآنية بطريقة موضوعية. ومن الصعب علينا أن نعتقد أن هؤلاء المؤلفين قد بذلوا أقل الجهد لكي يتفهموا الموضوع.
فمما لا شك فيه أن الذات الإنسانية تحتوي على مجال معين تتكون فيه الظواهر النفسية الغامضة، التي لا تخضع لسلطان الشعور، كالأحلام مثلاً.
فهذا المجال المظلم الذي تدوي فيه بعض طوارئ الحياة النفسية الشعورية في الفرد، ذو علاقة واضحة بالحالات الشعورية، فلو أردنا لأطلقنا لفظ (لاشعور) على هذا المجال المظلم، وجميع العمليات التي تتم فيه أشكال (محوَّرة) خاصة لفكرة أو واقع مرّ بالشعور، فيمتص اللاشعور هذه العناصر الشعورية، ويودعها مخيلته لكي يقلبها غالباً إلى رموز، إلى أحلام، إلى حديث نفسي، إلى إلهام؛ ولكن هذه الرموز تحتفظ بمعالم الفكرة أو الواقع الذي تولدت عنه.
لا شك أن هذه العلاقة تتفاوت في غموضها، ولكن التحليل قد يكشف عنها: إذ من الممكن أن نجد في حلم أو كابوس الطريقة التي اتبعها اللاشعور في

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 174)

صياغة رمزه بالرجوع إلى حادث سابق تسبب فيه، فهو حساسية خاطفة، أو تذكار قاس، أو هو راجع إلى يسر الهضم أو عسره … الخ ..
فاللاشعور يعمل هنا عمل المستقبل الكهربي بالنسبة للمولد الكهربي الذي هو الشعور، وعليه ففي هذا المجال الأخير يجب أن نلتمس دائماً مصدر العمليات النفسية التي يصفونها باللاشعورية.
وعندما يتضح أن فكرة ما لا تخضع مطلقاً للذات الشعورية، فمن الممكن أن نفهم من هذا أنها بالضرورة أجنبية عن هذه الذات، وأنه لا محل لها في اللاشعور.
هذا هو المبدأ النقدي الذي نريد أن نتخذه هنا أساساً لدراسة الوحي القرآني.
***

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 175)

‌‌الخصائص الظاهرية للوحي
الوحي بوصفه ظاهرة تمتد في حدود الزمن يتميز بخاصتين ظاهريتين هامتين، وذلك بصرف النظر عن طبيعته في ذاته، وعن حامله النفسي خلال الذات المحمدية، هاتان الخاصتان هما:
أ- تنجيم الوحي.
ب- وحدته الكمية.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 177)

‌‌التنجيم
يضم الوحي في مجموعه ثلاثة وعشرين عاماً، فهو لا يكوِّن ظاهرة مؤقتة أو خاطفة. ولقد نزلت الآيات منجمة، بين كل وحي وما يليه مدة انقطاع تتفاوت طولاً وقصراً.
ولقد ينقطع الوحي مدة أطول مما ينتظره النبي، وخاصة عندما يحتاج أن يتخذ قراراً يعتقد أن من الواجب ألا يصدره قبل تصديق السماء عليه.
وأوضح مثال على ذلك موقفه إزاء قرار الهجرة، فلقد غادر أصحابه مكة فارين بدينهم، بينما كان يعتقد أنه لا بد- فيما يتعلق بشخصه- أن ينتظر أمراً صريحاً من الوحي.
ومثال آخر عندما كان الأمر بالنسبة له يحتم اتخاذ قرار في موقف محير مريب، بينما ينتظر- على أحر من الجمر- وحي الله الحاسم.
ولقد تعرض النبي صلى الله عليه وسلم لمثل هذه الحيرة في حادثة الإفك، التي لم يفصل فيها الوحي إلا بعد شهر (1) من الانتظار على مضض.
كان هذا يبدو- في الظاهر- تورطاً وحرجاً لم يلبث المستهزئون أن وجهوا من أجلهما نقدهم الجارح إلى النبي، وكان هو يتألم لذلك أحياناً.
وعليه فمهما كان الافتراض الذي يوضع عن طبيعة القرآن، فإن هناك سؤالاً--------------------------------------------
(1) كذا ورد في حديث عائشة الذي رواه البخاري. (المترجم)

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 179)

كبيراً يتردد حول هذا الموضوع: ألم يكن من الممكن أن يتدفق جملة واحدة، من العبقرية الإنسانية التي ربما يكون قد صدر عنها (1)؟.
ولكنا برجوعنا خلال الزمن نستطيع أن نحكم بأهمية هذا التنجيم الفذ للوحي، أهمية قصوى لنجاح الدعوة.
إذ بماذا كنا نفسر من الوجهات التاريخية والاجتماعية والأدبية قرآناً يهبط كأنما هو برق خاطف في ظلمات الجاهلية؟
وماذا يعني هذا بالنسبة لتاريخ النبي، لو أنه كان قد تلقى وحياً كلياً فجائياً، لو أنه تلقاه بوصفه وثيقة، أي نوعاً من صحف التفويض لدى بني الإنسان؟ ..
أي أمل كان يمكن أن يلتمسه عنده قبيل بدر مثلاً، لو أنه بدلاً من أن يتوقع إمداد الملائكة ظل يكرر آية سبق أن حفظها عن ظهر قلب؟
إننا ببحثنا مسألة تجزئة الوحي في ضوء هذه النظرات نستطيع أن ندرك أولاً قيمته التربوية.
فتلك في الواقع هي الطريقة التربوية الوحيدة الممكنة في حقبة تشم بميلاد دين وبزوغ حضارة.
وسيهدي الوحي خلال ثلاثة وعشرين عاماً سير النبي وأصحابه خطوة خطوة نحو هذا الهدف البعيد، وهو يحوطهم في كل لحظة بالعناية الإلهية المناسبة. فهو يعزز جهودهم العظيمة، ويدفع أرواحهم وإرادتهم نحو هدف الملحمة الفريدة في التاريخ، فيكرم بآية صريحة قضاء شهيد أو استشهاد بطل.
كيف كان القرآن يؤدي دوره حيال طبيعة الإنسان التي جاء يصوغها في ذلك العصر، لو أنه سبق بنزوله أحداث حنين وأحد؟ .. وماذا كان يكون، لو--------------------------------------------
(1) هذا تساؤل افتراضي على لسان الجاحدين.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 180)

أنه لم يأت لكل ألم بعزائه العاجل، ولو أنه لم ينزل لكل تضحية جزاءها، ولكل هزيمة أملها، ولكل نصر درسه في الاحتشام، ولكل عقبة إشارة إلى ما تقتضيه من جهد، ولكل خطر أدبي أو مادي روح التشجيع اللازم لمواجهته؟
وكلما كان الإسلام ينتشر في ربا الحجاز ونجد، كان الوحي يتنزل بالدرس الضروري في المثابرة والصبر، والإقدام والإخلاص، يلقنه أولئك الأبطال الأسطوريين، أبطال الملحمة الخارقة.
فهل كان لدرسه أن يجد طريقه إلى قلوبهم وضمائرهم لو لم يكن نزوله تبعاً لأمثلة الحياة نفسها، والواقع المحيط بهم؟.
ولو أن القرآن كان قد نزل جملة واحدة لتحول سريعاً إلى كلمة مقدسة خامدة وإلى فكرة ميتة، وإلى مجرد وثيقة دينية، لا مصدر يبعث الحياة في حضارة وليدة.
فالحركة التاريخية والاجتماعية والروحية التي نهض بأعبائها الإسلام لا سر لها إلا في هذا التنجيم.
والقرآن يبرز هذه الخاصة الخفية وهو يخاطب النبي صلى الله عليه وسلم بقوله تعالى:
{وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا} [الفرقان 25/ 32].
فنزول القرآن على نجوم، وقد كان في اعتبار الجاهليين نقصاً شاذاً، يتجلى لنا بمراجعتنا الزمن والأحداث شرطاً أساسياً ضرورياً لانتصار الدعوة المحمدية. ولن يشق علينا أن نجد في هذا المنهج التربوي- الذي أثار سخرية القوم، وأزاغ النقد السطحي في عصرنا عن الجادة- طابع العلم العلوي الذي أملى (كلمة الله) بطريقة التنجيم.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 181)

‌‌الوحدة الكمية
الوحي ظاهرة منجمة، فهو في أساسه متفاصل، شأن مجموعة عددية، أي أنه متكون من وحدات متتالية هي الآيات، وهذه الخاصة توحي إلينا بفكرة الوحدة الكمية: فكل وحي مستقل يضم وحدة جديدة إلى المجموعة القرآنية. بيد أن هذه الوحدة القرآنية ليست ثابتة، فهي لا تماثل الوحدة التي تزيد في مجموعة الأعداد حين يضاف واحد إلى ثلاثة أو أربعة أو خمسة ليؤدي إلى الوحدة العددية التالية.
فإن للوحي مقياساً متغيراً هو: كميته أو سعته، تلك السعة التي تتراوح بين حد أدنى هو الآية، وحد أقصى هو السورة.
وتأمّل هذه الوحدة يتيح لنا بعض الملاحظات المفيدة عن العلاقة بين الذات المحمدية والظاهرة القرآنية، إذ هي تتناسب في الزمن مع الحالة الخاصة التي سميناها (حالة التلقي) عند النبي صلى الله عليه وسلم.
ولقد رأينا- بصفة خاصة- أن إرادته تنعدم مؤقتاً، إذ هو عاجز في تلك اللحظات عن أن يغطي وجهه المحتقن، التفصد عرقاً. فعن هذه الذات العاجزة فجأة- وللحظات- تصدر وحدة التنزيل، وعلى هذه الذات الخارقة في حالة لا شعورية تقريباً يطبع الوحي فجأة فقراته الوجيزة.
تلك هي وحدة (الظاهرة القرآنية) من ناحية الكم، وهي التي ندرسها بالنسبة لهذه الذات العاجزة مؤقتاً، والتي هي (حامل الوحي).
هذه الوحدة تؤدي بالضرورة فكرة واحدة، وأحياناً مجموعة من الفكر المنتظمة في أسلوب منطقي يمكننا ملاحظته في آيات القرآن، ودراسة هذه الفكر

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 182)

في ذاتها، وفي علاقتها ببقية حلقات السلسلة، تكشف عن قدرة خالقة ومنظمة، لا يمكن أن تنطوي عليها الذات المحمدية، في تلك الظروف النفسية الخاصة بحالة تلقيها الوحي، بل حتى في ظروفها الطبيعية، بشرط أن نقر نتائج القياس الأول.
وحقيقة، ماذا نقول في فكرة لدى إنسان لم يفكر فيها، ولا يمكنه أن يفكر فيها في الحالة الخاصة التي يعانيها؟. وماذا نقول في هذا النسق المتصل لتعاليم تؤديها هذه الفكرة، حين لا يتأسس هذا النسق على إرادة وتفكير منظم؟.
إن من الجلي أننا لا يمكن أن نتصور ذلك في النظرة الأولى، وفضلاً عن ذلك، فلو افترضنا أن التفكير يمكن أن يحدث لا شعورياً ولا إرادياً لدى فرد ما، فإن النبي على الرغم من هذا لم يكن لديه الزمن المادي كيما يتصور وينظم تعاليمه في البرهة الخاطفة للوحي.
ولسوف نرى أن هذه التعاليم تعبر أحياناً عن أفكار خارج حدود الفكر تماماً في العصر المحمدي، بل لا يمكن أن تخطر في فكر إنساني، وسنورد نحن لذلك أمثلة فيما بعد في فصل (موضوعات ومواقف قرآنية).
أما الآن، فنحن نكون مقياساً لنحكم على صلة وحدة الوحي بالذات المحمدية.
ولسنا للأسف مطمئنين إلى أن الأمثلة التي درسناها هنا تمثل تماماً هذه الوحدة أو شطراً منها.
ولكن من المستطاع أن نتخلص من هذه الصعوبة، حين نجعل وحدة التنزيل مجموع الآيات المتتابعة التي تسهم في اكتمال فكرة واحدة، وهذا العدد يمكن أن يهبط إلى الحد الأدنى، في آية واحدة، ويمكن أن يرتفع إلى الحد الأقصى في سورة كاملة.
***

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 183)

‌‌مثال على الوحدة التشريعية
إن سورة النساء تقدم لنا نموذجاً تشريعياً على قانون الأحوال الشخصية، فالفكرة التشريعية التي نبحثها تكتمل في الآيات (22 - 25)، ومن المحتمل أن تكون قد نزلت كلها مرة واحدة.
ولكنا مبالغة في الدقة لن ندرس هنا غير الآية (23) فقط، وهي قوله تعالى:
{حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا} [سورة النساء23/ 4].
فهذا نص أساسي يقرر في نفثة واحدة من الوحي تشريع الزواج بجميع تفاصيله، وشروطه القانونية الضرورية، وهو ينظم بصورة ما المحرمات من النساء، مستهلاً بذلك على حكمين جوهريين هما: الاستيعاب والحصر الكامل للحالات المشار إليها، وتصنيفها في نظام منطقي، وعليه فتعداد ثلاث عشرة حالة، وتصنيفها الواضح يستوجب ملابسات نفسية وزمنية متنافية مع خصائص الوحي.
والحق أن النبي لم يفكر في الحالات المذكورة ولم ينظمها أيضاً، بينما ترينا مناقشة النص تصنيفاً للحالات المحرمة بدرجة القرابة العصبية والترتيب النزولي:

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 184)

الأم والبنت، والأخت وبنت الأخ وبنت الأخت من القرابة المباشرة - والمرضعة- وأخت الرضاعة من القرابة الرضاعية، ولا يحل لمرء أن يتزوج أم امرأته، أو ابنتها أو أختها: فدرجة القرابة هنا مقيسة بالنسبة للمرأة.
ويمكن أن نلحظ أيضاً في هذا التصنيف أفضلية رباط الذكر على رباط الأنثى، فابنة الأخ تذكر قبل ابنة الأخت، والقرابة المتصلة بالزوج قبل القرابة المتصلة بالزوجة مع أسبقية رباط الذكورة ..
ولما كنا قد سلمنا بأن النبي صلوات الله عليه لم يجمع في نفسه هذه المحرمات قبل نزولها، وما كان له أن ينظمها خلال ومضة الوحي، إذ هو أمر يتنافى مع ظروف حالة تلقيه للوحي، ومع نتائج المقياس الأول، فإن المسألة تظل معلقة فيما إذا وجب تفسيرها طبقاً للأسلوب الديكارتي.
وإنا لمضطرون هنا- كما اضطررنا هنالك- إلى أن نبحث عن تفسير للظاهرة خارج هذا النطاق.
***

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 185)

‌‌مثال على الوحدة التاريخية
هذا المثال تقدمه لنا الآية الآتية:
(1) {إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ
(2) قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ
(3) وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ
(4) وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ} [المنافقون 1/ 63]
هاهو ذا النص الذي ندرسه. والذي قصدنا إلى ترقيمه وتجزئته أربعة أجزاء، ندرس فيها نظام الفقرات.
وتظهر المسحة التاريخية للآية في الفقرة الأولى التي تصور لنا حادثاً عادياً هو حضور المنافقين بين يدي النبي، ولقد جاءت هذه الفقرة في مكانها فعلاً، لأن الهدف العاجل من هذه الآية هو أن تصف لنا غدر المنافقين وكذبهم، فمن الواجب أولاً أن تعطينا وصفاً لإطار الحادثة، وهو كون المنافقين في حضرة النبي. أما الأفكار التالية لذلك فينبغي أن تجيء وفق نظام طبيعي يتبع درجة الأهمية، أي ينتقل من الفكرة الرئيسية إلى الفكرة التابعة، وخاصة في الأسلوب الخطابي كما هو شأن القرآن.
والفكرة الرئيسية هنا هي أن يعلن غدر المنافقين، وأن يكذبهم في مقالتهم.
فإذا ما طبقنا هذه الملاحظة على ترتيب أفكار الآية صارت هكذا:

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 186)