أولهما: أنه لا يريد بوصفه صحابياً أن يقوم بمحاولة لم يقم بها النبي، أو يأمر بها.
وثانيهما: أنه بوصفه مؤمناً يتحاشى مثل هذا العمل، لأنه يخشى مقدماً أبسط الأخطاء المتوقعة في تنفيذ مهمته، وعلى الرغم من هذا فقد تمت هذه المهمة بفضل الجهود المتعاونة الواعية لأعضاء اللجنة. وكانت الطريقة التي اتبعت بسيطة، ولكنها مدققة، لأنهم كانوا يحفظون القرآن عن ظهر قلب، بالنظام نفسه الذي تعلموه في صحبتهم بإرشاد الرسول لهم، فإن حدث اختلاف رجعوا إلى القطع التي كتبت فيها الآيات عند نزولها؛ حتى يرفعوا الشك عن موضوعها. ولم يكتفوا بكل هذه الاحتياطات الملحوظة، فإن زيداً وعمر رضي الله عنهما قد ذهبا إلى باب مسجد المدينة، وهنالك أشهدا بقية الصحابة لتوثيق الرواية المكتوبة بواسطة اللجنة نفسها.
بيد أن هذه الجهود قد أجازت نص القرآن مع بعض الاختلاف في اللهجات الشائعة بين عرب الجاهلية.
لم يسترح عثمان- الخليفة الثالث- لهذا الاختلاف، وأمر بأن تكتب رواية موحدة فريدة بلغة قريش.
فاختيرت لجنة ثانية على رأسها زيد أيضاً، وكلفت أدء هذه المهمة الجديدة، وكان عليها هذه المرة أن تثبت النص القرآني نهائياً في لغة واحدة، حتى لا يتسبب تنوع اللهجات في إحداث الشقاق والتدابر في المجتمع الإسلامي، وأنهت اللجنة عملها عام 35 هـ.
ومنذ ذلك العصر والقرآن يتنقل من جيل إلى جيل، بصورة وحيدة فريدة متعارف عليها، من مراكش إلى حدود منشوريا.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 105)
فهو على هذا، الكتاب الديني الوحيد الذي يتمتع بامتياز الصحة التي لا جدال فيها، لأنه لم يثر النقد أية مشكلة حوله، سواء أكان ذلك شكلاً أم موضوعاً.
والصدر الثاني المدون عن الإسلام ينحصر في أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم، ومن المؤسف أنه لم يتوافر لهذا الصدر ما توافر للأول من الصحة التاريخية، فإن الأحاديث لم تحفظ بالعناية المنهجية نفسها التي ظفر بها القرآن، فلقد منع الرسول في حياته الصحابة بقوة وصراحة من أن يكتبوا أقواله، حتى لا يحدث أدنى خلط ممكن بين ما ينطق به، والآيات المنزلة أي بين السنة والقرآن.
ولم تظهر أهمية الحديث إلا بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، وخاصة من الناحية الشرعية بوصفها مصدراً ثانياً للتشريع الإسلامي.
وظهرت هذه الفكرة في تاريخ التشريع الإسلامي عند سفر معاذ بن جبل، الصحابي الذي اختاره الرسول ليقضي بالإسلام بين أهل اليمن، بعد غزوة حنين، وعندما أراد الرسول أن يوصيه سأله: كيف تقضي فيما يعرض لك؟ فقال معاذ: " أقضي بكتاب الله، فإن لم أجد فيه، أخذت بسنة رسول الله، فإن لم أجد فيها أجتهد رأيي ولا آلو" (1).
ولقد أيد الرسول عليه الصلاة والسلام طريقة معاذ في النظر، تلك التي تعرض ضمناً المصدر الثاني للتشريع الإسلامي، وتعرض أيضاً القياس مصدره الثالث.
ومع تكاثر الحاجات في المجتمع الإسلامي نما هذا التشريع، فاتجه الفقهاء إلى أن يثبتوا- ما وسعهم الجهد- الأحاديث التي يجب أن تصبح عنصراً جوهرياً في--------------------------------------------
رواه أبو داود في سننه، كتاب الأقضية (23) باب (11) (اجتهاد الرأي في القضاء) حديث رقم 3592 (ف).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 106)
الفقه القانوني، ومع ذلك فإن المسافة بين وفاة الرسول وعصر تدوين الحديث كانت ذات أهمية، إذ حدث خلالها خلط كثير، وشكوك مضاعفة بين الأحاديث الصحيحة وغيرها.
ومنذ ذلك الحين وضعت طريقة نقدية صالحة لتمييز ما هو صحيح عما ليس كذلك، فطبقت طريقة النقد التاريخي التي تشمل تحقيق اتصال الرواية، وقيمة الرجال الذين وصل عن طريقهم الحديث.
وقد أدى هذا الوضع بالمحدثين إلى أن يصنفوا الحديث ثلاث مجموعات تبعاً لدرجة التثبت التاريخي: الصحيح، والضعيف، والمكذوب.
فهذه هي مصادر الإسلام المدونة، في حالتها الراهنة: الآيات القرآنية الصالحة لأن تستخدم وثيقة تاريخية مطلقة الصحة؛ والحديث الذي يختلف في درجة الصحة، والذي لا يصح أن يستخدم- على كل حال- في أية دراسة نقدية إلا مع الاحتياطات المستخلصة من الطرق نفسها التي اتبعها العلماء المحدِّثون المنزهون عن الكذب أو الغش أو التدليس، كالبخاري ومسلم.
وبهذه الاحتياطات يصبح المصدران اللذان يستخدمهما الباحثون في الإسلام، صحيحين على سواء، وسيكون من النفج والادعاء أن نرفض منذ البداية باسم المنهج ما تقدمه لنا السنة من أسانيد.
***
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 107)
الرسول
ربما لا يمكننا الاستغناء في دراسة الظاهرة القرآنية عن معرفة الذات المحمدية، معرفة صحيحة بقدر الإمكان، وهذه المعرفة ضرورية هنا ضرورة تحديد الأبعاد الثلاثة في دراسة الخصائص التحليلية لمنحنى هندسي.
فالظاهرة التي ندرسها مرتبطة في الواقع بذات محمد صلى الله عليه وسلم، ولكي نخرج بنتيجة عن طبيعة هذا الارتباط لابد أن نخطو خطوة أولى لنضع مقياساً أول مدعماً بكل العناصر الخاصة بتجلية (الذات)، التي هي موضوع القضية وشاهدها وقاضيها.
وبالتالب يجب أن نحوط أنفسنا فيما يتصل بهذا الشاهد القاضي بضمانات تكفل لنا الثقة الضرورية لشهادته ولحكمه. ولن يمنعنا هذا من أن نقوم من ناحية أخرى بخطوة ثانية، هي أن نضع مقياسا ثابتا يتيح لنا أن نحكم مباشرة بأنفسنا على الظاهرة.
ومن الطبيعي الآن أن توضع أسئلة فيما يتصل بموضوع هذا الشاهد، وهي الأسئلة التي توضع عادة من أجل الاستيثاق الخلقي والعقلي ممن يحتاج لأمر إلى تسجيل شهادته. فإن ذكاء عقله، وإخلاص قلبه يجب ألا يثيرا أو يحتملا أدنى شك، كيما يمكن استخدامهما كعنصر تاريخي جوهري في المشكلة.
وفي سبيل هذا ربما كان من الواجب أن نعرض التفاصيل كلها في حياة رسول الله، فكل تفصيل يقدم لنا حقيقة تهم هذا القياس.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 108)
ولكننا لا نرى من الضروري أن نعلق في متحف جد غني صورة جديدة للنبي، فإن لدى القارئ مندوحة ليطلع على المؤلفات العديدة في سيرته، إذا هو أراد أن يشبع رغبته في معرفة الصورة الباهرة لهذا الإنسان، سواء في تلك المؤلفات التقليدية كابن إسحاق وابن مسعود، أم في دراسات تراجم الرجال التي أخرجتها المطابع الحديثة لـ (دينيه Dinet) و (درمنجهام Dormengham) … ! لخ.
أما نحن فلا نهتم إلا بتخطيط صورة نفسية لا تهمنا فيها التفاصيل التاريخية، إلا بقدر ما تعيننا على ما نريد تخطيطه. وهكذا تنقسم حياة النبي صلى الله عليه وسلم في نظرنا إلى مرحلتين متتابعتين:
الأولى: عصر ما قبل البعثة وهو يمتد إلى أربعين سنة.
والثانية: العصر القرآني وهو يضم كل زمن الوحي، وهو عبارة عن ثلاثة وعشرين عاماً، ومع ذلك فكل من هاتين المرحلتين مطبوعة بحدث رئيسي يعد فاصلاً يقسمها إلى مرحلتين ثانويتين:
فزواج خديجة رضي الله عنها يعد في الواقع فاصلاً خطيراً فيما يتعلق برحلة ما قبل البعثة، فنحن نجد نبي المستقبل ينزوي في خلوة روحية، حتى تلك الليلة الخالدة … ليلة الوحي (1).
والهجرة هي الفجوة التي تفصل زمن تبليغ الدعوة فحسب، عن زمن الانتصارات الحربية والسياسية التي فتحت للإمبراطورية الإسلامية الفتية باب التاريخ.--------------------------------------------
(1) نحن- حقيقة- تنقصنا الوثائق عن الطريقة التي كان النبي في تلك الحقبة يقسم وقته بمقتضاها بين واجبات الروح وحاجات الدنيا. "المؤلف"
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 109)
وسنبحث الآن بإيجاز هاتين الحقيقتين المتتاليتين، موردين في كل منهما الأحداث التي تطبع شخصية النبي، والتي انطبعت بشخصيته، كيما نكشف بقدر الإمكان عن طبيعة الارتباط بين الذات المحمدية، والظاهرة القرآنية.
…
عصر ما قبل البعثة
طفولة النبي- مراهقته
إن هناك تقاليد طيبة مشتركة بين جميع الشعوب، تحوط مهود عظماء الرجال وقبورهم بالأساطهير؛ ولقد أحاطت الروايات الإسلامية الوسط العائلي للنبي وميلادَه وطفولته بالخوارق المنبئة بما ينتظره من مستقبل فريد رائع، ولكن ليس من الضروري أن نهتم بدرجة صحتها التاريخية لأنها لا تهم موضوعنا مباشرة، بل إننا سنصرف كثيراً من اهتمامنا إلى التفاصيل التي ستكشف شيئاً فشيئاً عن الصفات الخاصة بذلك (الطفل)، الذي ظل بالنسبة لمرضعته (حليمة) مصدر سرور وقلق معاً.
لقد شب الطفل عندها كأنه نبتة قوية من نبات الصحراء، ولكنه حين كان في دور الرضاعة كان يبكي كلما كشف من أجل النظافة (1)، فإذا أرادت مرضعته أن تهدئ من بكائه خرجت به في الليل أمام الخيمة، فيغرم الطفل بمنظر الفلك الداجي، الذي يبدو أنه كان يسلط جاذبية مؤثرة على مقلته، لا زالت تتلألأ فيها العبرة الأخيرة.
كببر الطفل الآن، وصار يلعب في نواحي الخيمة مع إخوته في الرضاعة.--------------------------------------------
(1) لم أجد لهذا الخبر أثراً في كتب السيرة المعتمدة. ((المترجم))
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 110)
ومع ذلك فإن عارضاً قد حدث بالتأكيد فغير مجرى حياته. فما هو هذا الذي حدث؟ لقد جاء أحد إخوته في الرضاعة ذات يوم مبهور الأنفاس، ليقص متلعثماً على حليمة المذعورة حادثاً غريباً فاجأ محمداً، فهبت حليمة من فورها تبحث عن رضيعها، فلما لقيته أكد لها ما حدث قائلاً: (جاءني رجلان يلبسان البياض فأمسكاني وفتحا صدري وقلبي وأخرجا منه علقة سوداء) (1).
وترى السيرة في هذه القصة اقتلاعاً رمزياً للإثم من جذوره، وربما أورد لها بعض المفسرين قوله تعالى:
{أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ} [الانشراح 94/ 1 و3 و3].
ولكن من الثابت أن حليمة قد أعادت الطفل إلى مكة عندما كان في الرابعة أو الخامسة من عمره.
فماذا يمكن أن ينطبع في عقله من هذه الحقبة من الحياة الوثنية والبدوية؟.
لا شيء- بكل تأكيد- يمكن أن يكون قد علق بذاته فيما يتعلق بالدعوة المقبلة.
وبعد قليل ماتت أمه (آمنة)، ولم يعد للغلام منزل أبوة، فضمه جده (عبد المطلب) إليه.--------------------------------------------
(1) قال القريزي في "إمتاع الأسماع" عند حديثه عن رضاعة الرسول في بني سعد: ((وشق فؤاده المقدس هناك، وملئ حكمة وإيماناً بعد أن أخرج حظ الشيطان منه)). وروى البخاري في صحيحه ((شق صدر رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج " وقد استشكله أبو محمد بن حزم. كما روى مسلم في صحيحه ((ج2 ص 215 بشرح النووي- طبع الطبعة المصرية) من طريق حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاه جبريل وهو يلعب مع الغلمان فأخذه فصرعه فشق عن قلبه. قال أنس: ((وقد كنت أرى أثر ذلك المخيط في صدره)). (على أن الشق في فترة الحضانة روي أيضاً في مسند الدارمي المقدمة باب 3) ((ف)). ((المترجم))
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 111)
ثم مات الجد العجوز، فكفله عمه (أبو طالب)، أبو (علي)، وكانت سنه آنذاك سبعاً أو ثمانياً.
وفي منزل الوصي حيث لا ثروة تغني أهل البيت عن العمل، كان عمه يعمل قائداً ورائداً للقوافل المكية، فكان يذهب في مواسم معينة إلى مراكز التجارة الشامية، لمقايضة منتجات الهند واليمن بمنتجات بلاد البحر الأبيض المتوسط، وفي أحد هذه الأسفار، حين بلغت سن النبي إحدى عشرة أو اثنتا عشرة سنة، توسل إلى عمه أن يصطحبه، ولكنه رفض لأنه لم يكن يريد أن يصطحب رفيقاً حدثاً مثله، في سفر طويل قاس.
ومع ذلك فقد ألح الغلام وذاب في دموعه، وألقى بنفسه بين ذراعي عمه الذي استجاب أخيراً لطلبه المؤثر.
تلك إذن هي المرة الأولى التي اتصل فيها النبي صلى الله عليه وسلم بالعالم الخارجي، أي إنه عاش حتى الثانية عشرة، في بيئة عربية وثنية، يرعى إبل عمه في ضواحي مكة؛ ومعنى ذلك أن حياته لم تنطبع بأي ظرف خاص من نوع ثقافي، بل لقد عاش تلك الفترة يتيماً راعياً. هذا السفر غير المتوقع سيضع في طريق الغلام الحادث العارض الأول الذي يتصل مباشرة بالدعوة المستقبلة.
فعندما بلغت القوافل مدينة (بصرى) بالشام، استقبلهم راهب الدير استقبالاً حاراً، وقدم لهم الضيافة المسيحية ثم انتحى ذلك الراهب المسمى (بحيرا) بأبي طالب جانباً وقال له: ((ارجع إلى مكة بابن أخيك، واحذر عليه اليهود فإنه كائن له شأن عظيم)) (1).
فهل أولى أبو طالب هذه الحادثة العادية في السفر ما تستحق من الاهتمام،--------------------------------------------
(1) ابن الأثير ج 2 ص 24.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 112)
ليشترك مع ابن أخيه في رسالته المقبلة، وهو الذي مات دون أن يعترف مطلقاً بالإسلام؟ …
وعلى كل، فإن رئيس القافلة المكية كان يجب عليه أولاً أن يكمل مهمته التجارية، قبل أن يأخذ طريق العودة.
أما فيما يخص الغلام- حتى على فرض أن القصة طرقت سمعه، فإن الحادث- فيما يبدو- لم يغير شيئاً من سلوكه كسائر شباب قريش.
والسيرة اليقظة لوقائع حياته لم تذكر شيئاً خاصاً- منذ هذا الحادث التاريخي- يدل على أن نبي المستقبل قد تجلى له مستقبله.
لقد بلغ (محمد) مرحلة المراهقة في مدينة مولده، فقد كان يختلط بالفتيان، ماراً بشهواتهم وأهوائهم دون أن ينزلق فيها، مع أن أحيان الفساد لم تكن قليلة هناك، فقد كانت المصابيح الحمراء المعلقة على أبواب الجواري المنحرفات يجتذبن شباب مكة، المولعين بحمل السلاح، وعشق النساء، ومطارحة الأشعار، وهم يحملون بشجاعة عنترة وغرام امرئ القيس، وكل منهم يمني نفسه بتخليد اسمه، ويود لو يعلق ذات يوم معلقته (على أستار الكعبة)، والرسول صلى الله عليه وسلم نفسه قد حدثنا عما كان يراوده من نزعات الشباب، فقد ورد في الخبر: أنه كان يرعى غنماً لأهله مع فتى من قريش بأعلى مكة، فاستأذنه في أن يبصر له غنمه حتى يسمر بمكة كما يسمر الفتيان، فخرج فما جاء أدنى دار من دور مكة سمع غناء وصوت دفوف ومزامير في عرس بالمدينة، فلها بذلك حتى غلبته عيناه فنام، ثم عراه مرة أخرى مثل ذلك. ومن هذا يظهر أن حادثاً عارضاً غير متوقع يحدث دائماً ليحوله عن قصده، وليست الخرافة هي التي تتكلم في هذا الشأن، ولكنه الشاهد نفسه، أعني التاريخ القائم على الأحاديث الصحيحة، ولدينا في هذه النقطة مرجع مهم: فإن نبي المستقبل كان ولا شك يلقى في غمار
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 113)
هذا الشباب كثيرين من أصحابه الذين أصبحوا فيما بعد- مثل عمر- أبطالاً وشهداء في سبيل دعوته.
وفي هذا المرجع التاريخي شهادة ضمنية من ألمع الأسماء في التاريخ الإسلامي، مثل خالد بن الوليد وعثمان بن عفان وغيرهما.
أولئك الذين أصدروا على نبي المستقبل حكماً موجزاً، ولكن كم هو بليغ حين أسموه (الأمين). لقد كان في أعينهم في ذلك العصر الصادق الأمين، وهذه الشهادة التاريخية تعطينا تفصيلاً ثميناً للصورة النفسية التي نحاول رسمها، ومع ذلك فإن حياته العادية البسيطة تستمر دون شيء خاص في قطار أيامه؛ حتى سن الخامسة والعشرين. فلم يزل (محمد) عزباً، لأنه لم يستطع الزواج، إذ لكي يطلب يد إحدى شريفات مكة ربما وجب عليه أن يدفع صداقاً كبيراً لا تسمح له به ثروته المتواضعة.
الزواج والعزلة
ومع ذلك ففي سن الخامسة والعشرين، جاءه غلام يسمى (ميسرة) ليفاتحه في أمر الزواج؛ ودار الحديث حول أرملة غنية شريفة من نساء مكة، تسمى (خديجة). ولقد رفض النبي مقدراً حالته المتواضعة بالنسبة لوضع الزوجة المقترحة، ولكن الغلام الذي عرف كيف يبدد وساوسه، وتدخلت خديجة بنفسها لتأييده.
ونحن ندين لهذا التدخل ذاته بتفصيل قيم بالنسبة لتاريخ (الظاهرة القرآنية)، فقد كانت توجد في مكة إبان تلك الحقبة حالة نفسية خاصة، كما يوجد دائماً في كل مكان قبيل الأحداث الهامة كالحرب مثلاً.
كان أهل مكة ينتظرون النبي الموعود في سلالة إسماعيل، وكانت خديجة
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 114)
تغذي سر طموحها إلى أن تتزوج النبي المنتظر، وتراه في (محمد)، الذي صارحته تماماً بمشاعرها نحوه، ولكن (محمداً) لم يكن أقل صراحة حين دافع عن نفسه أن يكون ذلك النبي المنتظر.
في هذه الظروف النفسية تم الزواج، وقد ترك لنا ضمناً- من حيث المبدأ- شهادة هامة عن الذات المحمدية التي تتجلى لنا في ضوء هذه المناقشة الأولى عن مجيء النبي الموعود.
ونحن نجد فيه شهادة أخرى ليست بأقل أهمية، فقد ترك لنا وثيقة قيمة في سيرة النبي، وردت في الخطبة التي قالها أبو طالب عم النبي في خطبة ابن أخيه حسب عادة قريش، قال:
((أما بعد: فإن محمداً ممن لا يوازَن به فتى من قريش إلا رجح به شرفاً ونبلاً وفضلاً وعقلا، وإن كان في المال قُلاً، فإنما المال ظل زائل وعارية مسترجعة، وله في خديجة بنت خويلد رغبة، ولها فيه مثل ذلك (1))).
هذه السطور تصلنا جيداً بصورة الأمين؛ وتتفق من كل وجه مع الصورة التاريخية لبطل أعظم ملحمة في التاريخ الديني.
ولكن ها هي ذي حياته العادية تتغير فجأة، فإن (محمداً) سينسحب من مجتمع مكة، وينعزل عن بيئته ويجمع نفسه متأملاً، وهي عزلة ستكون لها نتيجتها في غار حراء (2).--------------------------------------------
(1) كذا في هامش الكامل لابن الأثير ج2 ص 25 وقد وردت بصيغة أخرى في السيرة الحلبية ج1 ص 139. (المترجم)
(2) يجب أن يقصد بهذه العزلة المعنى الأعم، إذ هي عزلة الرجل الذي لم ينسحب من المجتمع كلية، ولكن التاريخ لم يحدثنا عن أنه كان يحترف التجارة إبان تلك الحقبة، ولو كان قد قام برحلات كتلك التي قام بها قبل الزواج لذكرتها السيرة، ويبدو أن ثروة السيدة خديجة قد حملت عنه بعض العبء. ((المؤلف))
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 115)
فأي متاع، وأي زاد روحي أو عقلي اصطحبه معه في تلك العزلة، التي انطلق منها بعد خمسة عشر عاماً الشعاع القرآني؟ ..
إننا نعلم عن هذا العصر أن العادات الوثنية في المجتمع الجاهلي كانت قائمة على أساس قديم من التوحيد التقليدي، الذي ينعكس بوضوح في خطبة أبي طالب، ولكن هذا التوحيد اللاشعوري لا يستتبع أية شعائر خاصة. فإن الكعبة كانت على وجه الخصوص معبداً للأصنام، أو مسرحاً سياسياً للأسر السائدة؛ أما فيما يتعلق بالحياة الدينية في مكة، فقد كانت منذ زمن طويل منظمة تبعاً لوحدة قبلية ملفقة، تجعل (هبل واللات والعزى) على رأس مجموعة آلهة القبائل العربية كلها، ولكن الأسر الكبيرة في مكة- بفضل التأثير السياسي والتجاري- قد استمسكت فوق هذه الوحدة الوثنية الملفقة بوحدانية غامضة، تنعكس في الذكرى التي حفظوها باعتزاز وفخر لجدهم البعيد (إسماعيل)، وعلى كل فإن هذه الذكرى لم تكن لتؤثر مطلقاً على عقائد العرب، أو تقاليدهم الحربية، وهذا يفسر لنا الصراع القاسي الذي سينشب بين المتمسكين بهذا النظام الجاهلي، وبين الإسلام الوليد.
وحتى أبو طالب، ذلك الشيخ القرشي الوقور الشريف الذي ذكرنا كلماته الكريمة المهذبة في خطبته، مات دون أن يكفر بالأصنام، على الرغم من توسل ابن أخيه إليه وإلحاحه عليه.
تلك كانت الفكرة الغامضة التي تسنى لنبي المستقبل أن يصطحبها في عزلته عن دين جده إبراهيم، ومع كل فيجب أن نضيف أن هذا الدين قد ظل في حالة أصفى عند بعض المتصوفة الذين كانوا يسمون في ذلك العصر "الحنفاء"، وهؤلاء الحنفاء كانوا رجالاً من طراز نادر، تركوا وثنية عصرهم لكي يعكفوا على عبادة إله واحد، لكن حياة التصوف التي عاشها هؤلاء النساك لم يصحبها أي نظام
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 116)
خاص، أو شكل من أشكال الطقوس، وبالأحرى لم يكن لهم أي اتصال روحي بطائفة من أهل الكتاب، فإن مصادر العصر التاريخية لا تصف أية كنيسة في مكة، أو أي كنيس أو دير في ضواحيها؛ لقد انسحب الحنفاء فقط في أماكن منعزلة، دون أن يقطعوا صلاتهم تماماً بالمجتمع، ولم تكن لهم طريق في تصوفهم سوى أنهم كانوا يمارسون الزهد أو التخلي عن الدنيا، مما يدل على سمة الصحراء وطابعها في نفوسهم.
والزهد يتجلى في الواقع في قناعة البدوي الذي تقع ثروته دائماً تحت رحمة مجاعة وقحط، أو غزو من القبائل المجاورة، وفي الكلمات التي نطق بها أبو طالب نفسه- بمناسبة خطبة (النبي) عن المتاع الذي لم يكن سوى وديعة تسترد آجلاً أو عاجلاً- تتجلى روح الصحراء أكثر من روح الدير.
إن سلوك الحنفاء الصوفي لم يمتد نحو الأخلاق المسيحية، أو الشريعة الموسوية، بل كان نظاماً فردياً فطرياً بسيطاً، نجد مثاله الخلقي الصافي في أشعار قس بن ساعدة، فهو- على فرض نصرانيته كما يقولون- لم يترك للتاريخ سوى أبيات رائعة تمثل عبقرية الصحراء الصافية.
وكان الطابع الإبراهيمي- فيما يبدو- ظاهراً بقدرٍ في البيئة الجاهلية، في ذلك العصر، إذ كان يظهر هنا وهناك حنيفي. ولكن هذا الطابع كان تقليداً عربياً محضاً، لا يمتّ بصلة إلى التفكير اليهودي المسيحي الذي كان تياره الروحي، قد نشأ قبل ذلك بزمن طويل مع الحركة النبوية الإسرائيلية الأولى، أي مع موسى.
وحتى في زمننا هذا، وبعد ثلاثة عشر قرناً من الثقافة الإسلامية التي طبعت روحها على العقل العربي الصحراوي، نجد أن الأدب الكتابي (أدب الكتب المنزلة) لم ينتشر مطلقاً؛ وكثير من المسلمين في شمالي نجد ما زالوا يجهلون
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 117)
تاريخ هذا الأدب اليهودي المسيحي (1).
وعلى هذا فليس من المنطق أن نفترض في الحنفاء معرفة أوسع من معرفة معاصرينا عن تيار الفكر، وتاريخ الوحدانية.
فمن السهل أن نتصور بأي زاد زهيد، وبأية أفكار مألوفة، وبأي قصد عادي اعتزل النبي صلى الله عليه وسلم المجتمع بعد زواجه، تماماً كما كان يفعل حنفاء عصره. ومع ذلك فمن المفيد أن نوضح أن الأحوال التي ذكرناها تكون أصدق في حالته بقدر ما كان أمياً لا يقرأ ولا يكتب، فلم يكن ممكناً حصوله على أية معلومات مكتوبة.
وتلك مع ذلك ملاحظة مسهبة، إذ قد انعدم المصدر المكتوب نفسه في وسط هذا النبي الأمي كما سيتضح فيما بعد.
والآن، ما هي المعلومات التي لدينا عن عزلته خمسة عشر عاماً؟ .. إننا إذا نحينا بعض التفاصيل المتصلة بحياته الزوجية والعائلية، فلن ندري شيئاً مما يتصل بتنظيم حياته الروحية في ذلك العصر.
فهل كان يغرق في تأمل عميق في المشكلة الدينية يقوده نوع من إلهام الدعوة المستقبلة؟ ..
لقد أجاب المستشرق الكبير (درمنجهام) عن ذلك بالإيجاب، ولكن هذه الإجابة فيما يبدو لنا لا تعدو أن تكون تخيلاً من المؤلف، لم يعتمد فيه- كما يظهر في تلك النقطة- على شهادة تاريخية غير قابلة للطعن والتجريح، وهي شهادة القرآن (2)، فإن هذا الكتاب يصور لنا في رجعة إلى الماضي حال الفكر عند الرسول قبل الوحي، في قوله تعالى:--------------------------------------------
(1) (رزوان Raswan) دراسة اجماعية.
(2) باعتبار القرآن في هذا السياق مجرد وثيقة تاريخية.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 118)
{وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكَافِرِينَ} [القصص 28/ 86].
فهل معنى هذا إلا أنه لم يكن لديه أدنى أمل في أن يقوم بدور في دعوة من أجله هو، لا قبل عزلته ولا خلالها، ومع ذلك فهذا هو المعنى النفسي للآية، الذي غابت أهميته التاريخية عن الأستاذ (درمنجهام)، مع أنه لم يَرْتَب مطلقاً في صحة القرآن التاريخية.
وفضلاً عن ذلك فيجب أن نذكر أن تفسيراً كهذا ليس مرتبطاً إلا بشرط واحد ضروري وكاف، هو الإخلاص المطلق عند النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا على وجه التحديد هو هدف هذا القياس، لكي نرى في القرآن اعتماداً على صفته التاريخية الأكيدة، مرآة للماضي، أو شيئاً أشبه بمرآة عاكسة يمكننا أن ندرك فيها - بطريق العكس- الأطوار المختلفة التي مرت بها الذات المحمدية خلال تاريخها، فنرى في الآية المذكورة الصورة الصحيحة لحالة النفس عند (محمد) أيام غار حراء. وإذن فليس هنالك من سبب لأن ننسب (للصادق الأمين) نية مبيتة للتأمل في مشكلة ميتافيزيقية لحظة تهيئه للإنسحاب والعزلة بعد الزواج، ولسوف تدعم نتائج القياس الحالي هذا الحكم المسبق. ومع ذلك فهناك نقطة غامضة هي أن المؤرخين المحدثين يعجبون من أن السيرة ليس لديها غير القليل من المعلومات عن هذه العزلة التي تعد مرحلة رئيسية- من الوجهة النفسية- بالنسبة لتاريخ الدعوة المستقبلة.
ولسنا نملك في الواقع غير القليل من التفاصيل عن هذا الموضوع، ولكن هذا لا يثير عجباً، فإن التاريخ لا يستطيع إلا أن يتبع آثار نبي المستقبل في ذاكرة معاصريه؛ والواقع أنه قد توارى واختفى عن أعين الزمان، لكي يبقى خلال خسة عشر عاماً معتزل مكة، أو معتزل غار حراء.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 119)
ونحن نجد في تحفظ التاريخ في هذه النقطة برهاناً على أن السيرة المتهمة أحياناً بالمبالغة- على العكس من ذلك- على جانب كامل من التحوط والحذر، عندما تنعدم لديها التفاصيل التاريخية.
ونحن مضطرون لنقص هذه التفاصيل لدينا أن نلجأ إلى المراجع والوثائق النفسية التي يقدمها القرآن، يدفعنا إلى ذلك اطراد ذات النبي، وتشابه تصرفاتها خلال مراحل حياته جميعاً، منذ مشهد زواجه الذي أتاح لنا أن نجمع بعض المعارف الموضوعية عن تلكم (الذات).
وكل ما في الأمر أن هذا الرجل الذي اختفى من مسرح التاريخ خلال خمسة عشر عاماً، سيظهر على هذا المسرح خلال ثلاثة وعشرين عاماً لكي يعيش ويفكر ويتكلم ويعمل في رابعة النهار، أكثر من أي وقت مضى.
والواقع أننا نعلم فيما يتصل بالمرحلة القرآنية كل التفاصيل، حتى التافه منها عن حياته الزوجية، بفضل هذه السيرة التي كانت صامتة منذ هنيهة، فمن الممكن أن تتجلى الخطوط الأساسية لعزلته، من مراجع حياته اللاحقة. والرسول صلى الله عليه وسلم نفسه هو الذي أشار فيما بعد إلى طريقته في استخدام وقته، فهو يقول في حديث له: ((وعلى العاقل ما لم يكن مغلوباً على عقله أن يكون له ساعات. ساعة يناجي فيها ربه، وساعة يحاسب فيها نفسه، وساعة يتفَكر فيها في صنع الله، وساعة يخلو فيها لحاجته من المطعم والمشرب، وعلى العاقل ألا يكون ظاعناً إلا لثلاث: تزود لمعاد، أو مرمَّة لمعاش، أو لذة في غير محرم (1))).
فإذا نحن قررنا اطراد الذات المحمدية، فها هو ذا برنامج الحياة المرسوم الذي يجب أن يتبعه، ولا سيما في مرحلة عزلته.--------------------------------------------
(1) رواه ابن حبان في صحيحه والحاكم. وقال صحيح الإسناد عن أبى ذر الغفاري رضي الله عنه. (المترجم)
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 120)
وفضلاً عن ذلك، فإن العادات تثبت خاصة لدى المراهق لكي تنعكس بالتالي على جميع حياته. وكذلك الحال على ما نعتقد فيما يخص النبي، كما تدل عليه ملاحظة زوجه عائشة حين أثارها الاهتمام بصحته، من قيامه الطويل بالليل في صلاة النافلة (1)، لقد كانت حقاً عادة ثابتة عند النبي منذ زمان عزلته.
وعليه، فإذا كان النبي يخصص جانباً كبيراً من وقته للصلاة، بينما تلح عليه هموم التفاصيل المادية لرسالته، فلقد كان عنده من الفراغ ما يسمح له بالاعتكاف عندما لم يكن لديه ما يشغله من تفاصيل الحياة المادية والعامة.
فلا موضع إذن للدهشة حين لا نجد غير قليل من الوثائق عن هذه الحقبة من حياته، التي كانت بصفة موضوعية بدون تاريخ.
ولم يصل صدى هذه العزلة إلى العالم الخارجي، إلا حوالي نهاية هذه الحقبة، مع الخبر المثير لظهور النبي المنتظر.
…
العصر القرآني
المرحلة المكية
إن محمداً صلى الله عليه وسلم الآن في الأربعين من عمره، إن الستار يرتفع من جديد عن تاريخه، ولكنا نجده في أزمة أدبية عميقة.--------------------------------------------
(1) في رواية البخاري ((وقالت عائشة رضي الله عنها: كان يقوم حتى تفطر قدماه (تتشقق))) وفي حديث آخر عن المغيرة رضي الله عنه أنه قال: ((إن كان النبي صلى الله عليه وسلم ليقوم أو ليصلي حتى ترم قدماه أو ساقاه، فيقال له، فيقول: أفلا أكون عبداً شكوراً)). (المترجم)
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 121)
فمنذ خمسة عشر عاماً لم يكن محمد صلى الله عليه وسلم سوى حنيفي بسيط يقسم وقته حسب كلامه هو، بين عبادة الله والتأمل في جميل صنعه.
إن السماء العميقة التي تغطي بقبتها الزرقاء المنظر الملتهب لجبل النور ما تزال تجتذب مقلته، كما كانت تجتذب مقلة الطفل أمام فسطاط مرضعته. ولكن محمداً صلى الله عليه وسلم ليس عقلاً منهجياً يبحث عن نظرية في الكون واتساقه، ولا هو فكر مضطرب يبحث عن طمائينته، فإن طمائينته متوافرة لديه دائماً، وخاصة منذ اعتزاله، فهو يؤمن بإله واحد هو رب إبراهيم.
فمن الخطأ فيما يبدو لنا أن يرى النقد الحديث- ولا سيما الأستاذ (درمنجهام) - في هذا العصر مرحلة من البحث والقلق، أي نوعاً من إرادة التكيف وتخلّق الفكرة عند النبي، بل على العكس تماماً تبرهن وثائق العمر على أن المشكلة الغيبية لم تساور ضميره فقد كان عنده حلها، وجزء من هذا الحل إلهامي وشخصي. وجزء آخر موروث لأن إيمانه بإله واحد إنما يأتيه من الجد البعيد (إسماعيل).
هذه الملاحظة أساسية لدراسة الظاهرة القرآنية بالنسبة للذات المحمدية كما تصورها لنا في الواقع تفاصيل التاريخ.
ويحسن أن نبين خاصة أن أي اهتمام شخصي لا يتدخل عند هذا المتأمل المعتزل الذي لا تعنيه المشكلة الدينية، إنه بحث عن مجرد سلوك أخلاقي، على طريقة نساك الهند، أو متصوفة الإسلام، أكثر من أن يبحث عن دعوة؛ فبين ذاته والواقع الغيبي الذي يتأمله لا يمكن أن نقرر- فيما يخص هذا العصر على الأقل- رباط فكرة مقصودة، وليس هذا مجرد تقرير، بل هو بيان لحالة هذه الذات المتجاوبة مع سائر الظروف النفسية الأخرى، كما تتراءى في سيرة النبي وفي شهادة القرآن على ماضيه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 122)
ومع ذلك ففي حوالي الأربعين نجده وقد شمله الهم والألم أيضاً، أنه يشك!، إنه لا يشك في وجود الله، فإن ثقته فيه لم تتزعزع أبداً.
ولكنه يشك في نفسه هو!.
فكيف، ولماذا ورد هذا الشك على نفسه؟ لماذا يجد الآن ظل شخصه في حقل تأملاته؟ ولماذا يجد طيف ذاته يتوارد على أعماق نظراته الدينية، حتى ليصبح تقريباً فيها نقطة الارتكاز؟
والسيرة المهتمة بالتفاصيل التاريخية عن حياة النبي صلى الله عليه وسلم لا تقدم أية معلومات عن هذه الحالة النفسية الهامة أيضاً. ولكن لدينا مع ذلك في الآية المذكورة من قبل، وفي تعقيبه على خديجة عندما فاتحته في أمر الزواج، الإجابة على المشكلة التي تواجهنا بها حالة النفس، التي نجده فيها في نهاية اعتزاله.
وعلى الرغم من أن الآية وتفصيل السيرة المذكورة لا يفسران لنا ماهية الشك المحمدي؛ فإنهما يشهدان بأن هذا الشك ليس ناتجاً عن أمل أهوج، أو جنون بالذات، أو تضخم في تلك الذات عند (محمد) عليه الصلاة والسلام.
فنحن مضطرون إلى أن نرى في هذا الشك نتيجة لحالة شخصية عارضة، وجد فيها النبي نفسه فجأة أمام مبادئ شعور، وأمام استشعار لبعض الأشياء الغريبة تمس من قريب مصيره الخاص.
فإلام يعزى هذا الإحساس الذي يطوِّف الآن في أنحاء نفسه، وهو يخز بصورة مؤلمة طبيعة فكره الموضوعية؟ هل كان ذلك مجرد حركة للاشعور، أو إلهاماً بحل قريب وغير عادي للمشكلة؟
إن بعض الفصائل الحيوانية تُلهَم الطوارئ والاضطرابات التي تصيب مساكنها عما قريب، فهذا النمل الأمريكي يغادر مساكنه قبيل اندلاع الحريق
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 123)
فيها بليلة، وفي جنوب قسنطينة نوع من الحيوانات القارضة يبرح أرضه في مسارب الأودية قبيل الكوارث الطبيعية.
فهل كان عند النبي ما يشبه هذا الإلهام، أي التنبؤ بالظاهرة القرآنية التي ستلهبه وتغمر وجوده كله؟
فلو قلنا إن ذلك من عمل اللاشعور، فيجب أن نطبق هذه القاعدة على تفسير مادة القرآن كلها وتفسير فكرته المتصلة، كما نفسر بها أيضاً أعراض الظاهرة وطوارئها عند النبي، ولكن هذا- كما سنشير إليه فيما بعد- ليس أبداً ممكناً.
ومع ذلك فإن النبي سيكاشف زوجه الحانية بهمومه، ويشكو لها بمرارة، إذ يظن بنفسه الجنون والمس، ويرى أن سحراً مشؤوماً قد أضرَّ به. ولكن خديجة الفاضلة تواسيه وتهدئ روعه قائلة: ((والله ما يخزيك الله أبداً، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكَلّ، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق)).
وفي هذه العبارات التاريخية تظهر لنا بطريقة لا تحتمل الجدل فكرة "الإله الواحد" تشيع في الوسط العائلي لمحمد صلى الله عليه وسلم حتى قبيل دعوته.
وهذه الملاحظة تتيح لنا أن نستنبط من مراجعنا اقتناع محمد صلى الله عليه وسلم الشخصي في هذه النقطة خلال اعتزاله، وهي تضيف تفصيلاً أساسياً للصورة النفسية التي نرسمها له.
وعلى كل حال فإننا نجد النبي بعد هذه التهدئة يستأنف طريقه إلى عزلته. ويهاجمه الشك من جديد، ويسيطر عليه الاضطراب الشديد، الذي يطبع أحواله النفسية في ذلك العهد، وهو يحتاجه الآن أكثر من ذي قبل، لأنه يشعر (بحضور) أشبه بظل يطوف حوله.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 124)