Arabic source text

📘 আয-যাহিরাতুল কুরআনিয়্যাহ (মালিক বিন নবী - মৃত্যু 1393 হিজরী)

📘 الظاهرة القرآنية (مالك بن نبي - ت 1393 هـ)

📘 আয-যাহিরাতুল কুরআনিয়্যাহ (মালিক বিন নবী - মৃত্যু 1393 হিজরী)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
وحيث نزل أهل الجاهلية الذين أسلموا نزل معهم الذكر الحكيم، ونزل شعر الجاهلية وتدارسوه وتناشدوه، وقوموا به لسان الذين أسلموا من غير العرب. وأصبح زاد المتفقه في معرفة معاني كتاب ربه، هو مدارسة الشعر الجاهلي، لأنه لا يستقل أحد بفهم القرآن حتى يستقل بفهمه وحسبك أن تعرف مصداق ذلك قول الشافعي فيما بعد، في القرن الثاني من الهجرة: ((لا يحل لأحد أن يفتي في دين الله، إلا رجلاً عارفاً بكتاب الله، بناسخه ومنسوخه ومحكه ومتشابهه، وتأويله وتنزيله ومكيه ومدنيه وما أريد به. ويكون بعد ذلك بصيراً بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وبالناسخ والمنسوخ، ويعرف من الحديث مثل ما عرف من القرآن، ويكون بصيراً باللغة بصيراً بالشعر، وما يحتّاج إليه للسنة والقرآن)). فليس يكفي أن يكون عارفاً بالشعر، بل بصيراً به أشد البصر، كما قال الشافعي رحمه الله، والذي قاله الشافعي بعد قرن، هو الذي جرى العمل عليه في أول الإسلام.
واستفاضت بالمسلمين الفتوح، واستفاض معهم شعر جاهليتهم، وأسلمت الأمم ودخلت في العربية كما دخلت في الإسلام، ونزل بيان القرآن كالغيث على فطرة جديدة، فطرة أهل الألسنة غير العربية، بعد أن رويت من بيان الجاهلية في الشعر الجاهلي. وامتزجت العرب من الصحابة والتابعين وأبنائهم، بأهل هذه الألسنة التي دخلت في العربية، فنشأ من امتزاج ذلك كله بيان جديد، ظل ينتقل ويتغير ويتبدل جيلاً بعد جيل، ولكن بقي أهله بعد ذلك كله، محتفظين بقدرة عتيدة حاضرة، هي تذوق البيان تذوقاً عليماً، يعينهم على تمييز بيان البشر كما تعهده سلائقهم وفطرهم، وبيان القرآن الذي يفارق خصائص بيانهم من كل وجه.
ثم فارت الأرض بالإسلام من حد الصين شرقاً إلى حد الأندلس غرباً، ومن حد بلاد الروم شمالاً إلى حد الهند جنوباً، وسمع دوي القرآن العربي في أرجاء الأرض المعمورة. وقامت المساجد في كل قرية ومدينة وازدحمت في ساحاتها

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 41)

صفوف عباد الرحمن، وعلا منابرها الدعاة إلى الحق، وتحلقت الحلق في كل مسجد، وتداعى إليها طلاب العلم، فطائفة تتلقى القرآن من قرائه، وطائفة تدرس تفسير آياته، وطائفة تروي حديث رسول الله عن حفاظه، وطائفة تأخذ العربية عن شيوخها، وطائفة تتلقف شعر الجاهلية والإسلام عن رواته، طوائف بعد طوائف في أنحاء المساجد المتدانية، طوائف من كل لون وجنس ولسان، كلهم طالب علم، وكلهم يتنقل من مجلس شيخ إلى مجلس شيخ آخر، فكل ذلك علم لا يستغني عنه مسلم تال للقرآن. لا بل حتى أسواقهم قام فيها الشعراء ينشدون شعرهم، أو يتنافرون به ويتهاجون، والرواة تحفظ، والناس يقبلون ينصتون، وينقلبون يتجادلون، وعجَّت نواحي الأرض بالقرآن وباللسان العربي، لا فرق بين ديار العجم كانت وديار العرب.
وبعد دهر نبتت نابتة الشيطان في أهل كل دين، وجاؤوا بالمراء والجدل، وباللدد والخصام، وشققوا الكلام بالرأي والهوى، فنشأت بوادر من النظر في كل علم، وعندئذ نجم الخلاف، وانتهى الخلاف إلى الجرأة، وأفضت الجرأة يوماً إلى رجل في أواخر دولة بني أمية يقال له (الجعد بن درهم)، وكان شيطاناً خبيث المذهب، تلقى مذهبه عن رجل من أبناء اليهود، يقال له: (طالوت)، فكذب القرآن في اتخاذ إبراهيم خليلاً، وفي تكليم موسى، إلى هذا وشبهه، وكان من قوله: إن فصاحة القرآن غير معجزة، وإن الناس قادرون على مثلها وأحسن منها!! .. فضحى به خالد بن عبد الله القسري في عيد الأضحى، في نحو سنة 124 من الهجرة.
وكلام (الجعد) كما ترى، استطالة رجل جريء اللسان خبيث النبت، بلا حجة من تاريخ أو عقل.
ولم تكد دولة بني العباس ترسي قواعدها حتى دخلت بعض العقول إلى فحص (إعجاز القرآن)، من باب غير باب السفه والاستطالة، فقام بالأمر كهف

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 42)

المعتزلة ولسانها: (أبو اسحق إبراهيم بن سيار النظام). فأتاه من قبل الرأي والنظر، حتى زعم أن الله قد صرف العرب عن معارضة القرآن، مع قدرتهم عليها، ف كانت هذه الصرفةُ هي المعجزة؛ أما معجزة القرآن فهي في إخباره بكل غيب مضى وكل غيب سيأتي. وهذه مقالة لا أصل لها إلا الحيرة والابتهار من هذا الذي أعجز أهل الجاهلية وأسكتهم. وهب قوم يعارضونه ويجادلونه، منهم صاحبه أبو عثمان الجاحظ، فألف كتابه في (نظم القرآن)، وأنه غاية في البلاغة، وقال الجاحظ وغيره ومن يليهم، ولكن ظل الأمر محصوراً في إثبات (الصرفة) وإبطالها، وفي طرف من الاستدلال على بلاأغة القرآن وسلامته مما يشين لفظه، وخلوه من التناقض، واشتماله على المعاني الدقيقة، وما فيه من نبأ الغيب، إلى آخر ما تجده مبسوطاً في كتب القوم، والذي عرفت قولنا فيه فيما مضى من كلامنا.
ثم كثرت اللجاجة بين هذه الفئات ممن عرفوا باسم المتكلمين، وكان أمرهم أمر جدال وبسطة لسان وغلبة حجة ومناهضة دليل بدليل، حتى إذا صارت مسألة (إعجاز القرآن) مسألة تستوجب أن ينبري لها رجل صادق، انبرى لهؤلاء المتكلمين (أبو بكر الباقلاني) المتوفى سنة 403 هـ، والناس يومئذ بين رجلين، كما قال هو نفسه: ((ذاهب عن الحق، ذاهل عن الرشد، وآخر مصدود عن نصرته مكدود في صنعته؛ فقد أدى ذلك إلى خوض الملحدين في أصول الدين، وتشكيكهم أهل الضعف في كل يقين، وذكر لي عن بعض جهالهم أنه جعل يعدله ببعض الأشعار، ويوازن بينه وبين غيره من الكلام، ولا يرضى بذلك حتى يفضله عليه، وليس هذا ببدع من ملحدة هذا العصر، وقد سبقهم إلى عُظْمِ ما يقولون إخواخم من ملحدة قريش وغيرهم)) (كتابه إعجاز القرآن ص5، 6) فهذا هو الذي حفزه وأهاجه، حتى كتب كتابه المعروف (إعجاز القرآن).
وكتب الباقلاني كتابه وأهل اللسان العربي يومئذ هم الناس، ولم يزل

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 43)

تذوقهم للبيان ما وصفت لك، تذوق ملتبس بالطباع مردود إلى السلائق، مشحوذ بمدارسة الشعر وسماعه وروايته؛ ولكن لم يضر جمهور هذا الطباع شيئاً أن استفاض الجدل وظهر سلطانه، وأن صارت كل فرقة تمضغ كلاماً، تناضل به عن رأيها، وتقطع به حجة خصمها، طلباً للغلبة لا تمحيصاً للرأي، وفحصاً عن الحق.
ورضي الله عن أبي بكر الباقلاني، فقد جمع في كتابه خيراً كثيراً، واستفتح بسليم فطرته أبواباً كانت قبله مغلقة، وكشف عن وجوه البلاغة حجاباً مستوراً. ولكنه زل زلة كان لها بعد ذلك آثار متلاحقة، وإن لم يقصد بها هو قصد العاقبة التي انتهت إليها.
كان الباقلاني حقيقاً أن ينهج النهج الذي أدناه إليه تمحيص مسألة (الإعجاز)، ويومئذ يجعل الشعر الجاهلي أصلاً في دراسة بيان عرب الجاهلية، من ناحية تمثله لخصائص بيان البشر، والباقلاني رضي الله عنه كان يجد في نفسه وجداناً واضحاً أن خصائص بيان القرآن مفارقة لخصائص بيان البشر، وقد ألح إلى ذلك في كتابه، كما ألح إليه من سبقه. بيد أن جدل المتكلمين قبله وعلى عهده، وخوض الملحدين في أصول الدين كما قال، ومنهجهم في اللجاجة وطلب الغلبة، كل ذلك لم يدَعْه حتى استغرقه في الرد عليهم، على مثل منهاجهم من النظر. ثم دارت به الدنيا، لما بلغه أن بعض جهالهم يعدل القرآن ببعض الأشعار، ويوازن بينه وبين غيره من الكلام.
وأنت تستطيع أن تقرأ كتابه فصلاً فصلاً لتجد مصداق ما أقول لك. حتى إذا انتهى إلى الذي هاجه، من موازنة القرآن ببعض الأشعار، هب إلى تسفيه هذه الموازنة، فدعاك في أوسط كتابه أن تعمد معه إلى ما لا تشك في جودته من شعر امرئ القيس، وما لا ترتاب في براعته، ولا تتوقف في فصاحته، كما قال في كتابه [ص:241]، فطرح بين يديك هذه القصيدة، وجعل يفصلها وينقدها

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 44)

ويمحو من محاسنها ويثبت، ويقف بك على مواضع خللها، ويفضي بك إلى مكامن ضعفها، ولم يزل يعريها حتى كشف الغطاء عن عوارها، ثم ختم ذلك بقوله: ((وقد بينا لك أن هذه القصيدة ونظائرها، تتفاوت في أبياتها تفاوتاً بيناً في الجودة والرداءة، والسلاسة والانعقاد، والسلامة والانحلال، والتمكن والاستصعاب، والتسهل والاسترسال، والتوحش والاستكراه، وله شركاء في نظائرها، ومنازعون في محاسنها، ومعارضون في بدائعها)).
فلما انتهى من ذلك افتتح فصلاً شريفاً نبيلاً، ذكر فيه آيات من القرآن، وحاول أن يقف بك على بدائع نظمها وبيانها، وهذا الفصل هو أدل الدليل على أن الباقلاني، لو كان استقام له المنهج الذي ذكرناه، لبلغ فيه غاية يسبق فيها المتقدم، ويكد فيها جهد المتأخر. ولكنه لم يزد في هذا الفصل على أن جعل يقف بك على بيان شرف الآيات لفظاً ومعنى، ولطيف حكايتها، وتلاؤم رصفها وتشاكل نظامها، وأن نظم القرآن لا يتفاوت في شيء، ولا يتباين في أمر، ولا يختل في حال، بل له المثل الأعلى والفضل الأسنى (كتابه ص 302، 305)؛ وذكر تناسب الآيات في البلاغة والإبداع، وتماثلها في السلاسة والإعراب؛ وانفرادها بذلك الأسلوب، وتخصصها بذلك الترتيب. أما غيرها من الكلام، فهو يضطرب في مجاريه ويختل تصرفه في معانيه، وهو كثير التلون دائم التغير والتنكر، ويقف بك على بديع مستحسن، ويعقبه بقبيح مستهجن، ويأتيك باللفظة المستنكرة، بين الكلمات هي كاللآلئ الزهر، (كتابه ص 313، 314). ثم انتهى إلى قوله في القرآن: ((وعلى هذا فقس بحثك عن شرف الكلام، وما له من علو الشأن، لا يطلب مطلباً إلا انفتح، ولا يسلك قلباً إلا انشرح، ولا يذهب مذهباً إلا استنار وأضاء، ولا يضرب مضرباً إلا بلغ فيه المسلماء، ولا تقع منه على فائدة فقدرت أنها أقصى فوائدها إلا قصرت، ولا تظهر بحكمة فظننت أنها زبدة حكمها إلا قد أخللت. إن الذي عارض القرآن بشعر امرئ القيس، لأضل من حمار باهلة، وأحمق من هبنقة)) (كتابه ص 321، 322).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 45)

وصدق الباقلاني في كل ما قال، إلا أنه لم يزد على أن بيَّن خلو القرآن من الاختلاف والتغير، وبراءته من كل ما يلحق كلام الناس من عيب وخلل، وكل ما هو قرين لضعف طبائعهم، وإن استحكمت قواهم، ودالّ على عماهم عن كثير من الحق، وإن استنارت بصائرهم. ولعمري إنه الحق لا ينال منه الباطل، ولكنه غير الذي ينبغي أن نتطلبه من كشف أصول البيان التي يفارق بها بيان القرآن بيان البشر من الوجه الذي فصلناه.
وليس هذا موضع بحثنا الآن، ولكن بحثنا عن الشعر الجاهلي، وما كان من أمره. فهذه الموازنة التي هاجت الباقلاني كما ذكر هو، حملته على هتك الستر عن معلقة امرئ القيس، ليكشف للناس عيبها وخللها، لا ليستخرج منها خصائص بيانهم، وكيف كانت هذه الخصائص مفارقة لخصائص بيان القرآن، فلما زلّ الباقلاني هذه الزلة وأخطأ الطريق، زلّ به من بعده وأخطأه، وأخذوا الشعر الجاهلي كله هذا المأخذ، ولكن العجب بعد ذلك أن (الشعر الجاهلي) ظل عند البلغاء وجمهور الناس هو مثقف الألسنة والحجة على اللغة، والشاهد على النحو وما إلى ذلك. ولكنهم إذا جاؤوا لذكر القرآن وإعجازه، اتخذوه هدفاً للنقد والتفلية وإظهار العيب وتبيين الخلل، بإزاء كلام بريء من كل عيب وخلل؛ فيبقى الأمر أمر موازنة لا عدل فيها. وكان حسبهم من الدليل أن أهل الجاهلية بتركهم معارضة القرآن بشعرهم أو كلامهم، هو إقرارٌ لا معقب عليه بفضل هذا القرآن على شرهم وكلامهم، فلم تكن بالباقلاني حاجة إلى سلوك هذا الطريق الذي سلكه، إلا ما حمله عليه ما نعق به جاهل من جهال المتلحدة، من الموازنة بين الكلامين، وتفضيل شعرهم على القرآن.
وكان قد نازع ذلك بابٌ آخر من اللجاجة، في الموازنة بين شعر الجاهلية، وشعر المحدثين من شعراء الإسلام، وظل الجدال في تفضيل أحدهما على الآخر باباً تقتحمه الألسنة طلباً للمغالبة والظهور، وداخل ذلك من الإزراء على الشعر

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 46)

الجاهلي وعيبه ما داخل، فكان هذا أيضاً صارفاً عن مدارسته على الوجه الذي طلبناه في صدر حديثنا. وفي خلال ذلك كله، تجمعت على فهم الشعر الجاهلي أخطاء شديدة الخطر، غَشَّت حقيقته بحجاب كثيف من الغموض، زاده كثافة ما لحق الشعر الجاهلي من التشتيت والضياع، وما أصابه من اختلال الرواية بالزيادة والنقصان والتقديم والتأخير، حتى اختلطت فيه المعاني أحياناً اختلاطاً، سهّل لكل عائب أن يقول فيه ما عنَّ له. ومع كل ذلك أيضاً بقي الشعر الجاهلي مثقفاً للألسنة، ومعدناً لشواهد اللغة والنحو والبلاغة.
فليت شعري أي بلاء ترى أصاب هذا الشعر!!
ثم تتابعت العصور على ذلك وعلى ما هو أشنع منه، حتى أفضينا به في هذا العصر الحديث إلى أقبح الشناعة، يوم فرض الاستعمار الغربي الغازي، على مدارسنا منهجاً من الدراسة لا يقوم على أصل صحيح، كان يرمي في نهايته إلى إضعاف دراسة العربية إضعافاً شائناً، لا مثيل له في كل لغات العالم التي يتلقاها الشباب في معاهد التعليم على اختلاف درجاتها. ثم طمت الشناعة بعد سنين، حين عزلت اللغة العربية كلها عزلاً مقصوداً عن كل علم وفن، وأصبح الشباب يتعلم لغته على أنها درس محدد، هو ثقيل بهذا التحديد المجرم على كل نفس، وخاصة نفوس الشباب الغض. ثم لما أنشئت الجامعة، ودخلها هؤلاء الشباب على ما هم فيه من الملل بلغتهم، ومن الاستهانة بأمرها، طلع قرن الشيطان بفتنة (الشعر) والتشكيك في صحة روايته، وطار الشر إلى الصحافة، فاتخذت اللغة القديمة كلها لا الشعر الجاهلي وحده، مادة للهزء والسخرية، وللنكتة والزراية، لا بل تندروا بكل من بقي علما شيء من المحافظة على سلامة اللغة، سلامة هي كإبراء الذمة لا أكثر ولا أقل.
هذا تاريخ مختصر للأسباب التي وقفت بالشعر الجاهلي حيث وقف قديماً، فحالت بين علماء البلاغة والمنهج الذي كشفته وبينته، وكان لزاماً عليهم وعلينا

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 47)

أن نسلكه لدراسة إعجاز القرآن، دراسة صحيحة سليمة من الآفات. وهو تاريخ أشد اختصاراً للذي تبع ذلك في العصر الحديث، لما صار (الشعر الجاهلي) ملهاة يتلهى بها كل من ملك لساناً ينطق، حتى ألقى ذلك كله ظلاً من الكآبة والظلمة على دراسات المحدثين في الجامعة وغير الجامعة، حين يدرس أحدهم هذا الشعرَ. هذا الشعرُ الذي كان حين أنزل الله القرآن على نبيه صلى الله عليه وسلم، نوراً يضيء ظلمات الجاهلية، ويعكف أهله لبيانه عكوف الوثني للصنم، ويسجدون لآياته سجدة خاشعة لم يسجدوا مثلها لأوثانهم قط. فقد كانوا عبَدة البيان قبل أن يكونوا عبدة الأوثان! وقد سمعنا بمن استخف منهم بأوثانهم، ولم نسمع قط بأحد منهم استخف ببيانهم.
وأنت خليق أن تعرف أن الشيء الذي طلبته واحتججت له، وحاولت أن أكشف عن منهاجه ومذهبه، إنما يتعلق بخصائص البيان على القرآن، وخصائص بيان البشر على اختلاف ألسنتهم، وأن مخرج هذا غير مخرج هذا، وأن الشعر الجاهلي، إنما هو مادة الدراسة الأولى، لأن القرآن نزل بلسان العرب، والذين نزل عليهم ثم تحدّاهم وأعجزهم، هم أصحاب هذا الشعر والمفتونون به وببيانه. وهذا باب غير الباب الذي افتتحه الباقلاني، ثم فجر عيونه إمام البلاغة (عبد القاهر الجرجاني) المتوفى سنة 474 هـ في كتابيه (دلائل الإعجاز)، و (أسرار البلاغة)، ثم أبدع فيه العلماء ما أبدعوا، وزادوا فيه عليه ونقصوا. وكان ذلك بعد أن أغلق الباب الذي فصلنا القول فيه، كان هو الجدير بأن يفتتحه الباقلاني وعبد القاهر.
فإذا تم ما دعونا إليه لأهل هذا اللسان العربي يوماً ما، وعسى أن يكون ذلك بتوفيق الله، فسيكون ذلك فتحاً مبيناً لا في تاريخ البلاغة العربية وحدها، بل في تاريخ بلاغة الجنس الإنساني كله. وسيكون أيضاً مقنعاً، ورضي لهذا (العقل الحديث) الذي يتطلب في معرفة (إعجاز القرآن) ما يرضى عنه

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 48)

ويطمئن إليه، وليس هذا فحسب، بل إن أهل الحق من أهل الإسلام، سيجدون يومئذ وسيلة لا تدانيها وسيلة، تسهل لهم ما استغلق عليهم من دعوة الناس إلى كتاب الله الذي خصّ به العرب، وجعل فيه ذكرهم على الدهر حين أنزله بلسانهم، ولكنه جعله هدى للبشر جميعاً عربهم وعجمهم. ويومئذ ستبطل فتنة (ترجمة القرآن) من أصلها، لسبب ظاهر أشد الظهور. فإن البشر إذا لم يكن في طاقتهم بألسنتهم التي يبدعون في شعرها ونثرها، أن يأتوا ببيان كبيان القرآن، تدل تلاوته على أنه بيان مفارق لبيان البشر، فمن طول السفه وغلبة الحماقة، أن يدعي أحد أنه يستطيع أن يترجم القرآن، فيأتي في الترجمة ببيان مفارق لبيان البشر. فإذا لم يكن ذلك في طاقة أحد، لم يكن لهذه الترجمة معنى بل سيكون فيها من القصور والتخلف، ما يجعل القرآن كلاماً كسائر الكلام، لا آية فيه ولا حجة على أحد من العالمين، ولا توجب ترجمته على أحد أن يؤمن بما فيه، وإن خالف ما جرى عليه اعتقاده أو علمه، إلا إذا آمن من قبل أنه كتاب منزل من المسلماء. وهذا عكس لآية القرآن، وهي أن بيانه هو الدليل القاطع على أنه ليس من كلام البشر، وأنه كتاب منزل من المسلماء، وأنه هو كلام رب العالين الذي تعبدنا بتلاوته، والذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة، والذي يقرأ القرآن ويتتعتع فيه، وهو عليه شاق، له أجران)). وقال أيضاً: ((من قرأ حرفاً من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها. لا أقول {ألم} حرف، ولكن أقول ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف)).

وأما بعد، فعسى أن يكون الله قد ادخر لآخر هذه الأمة، بعض ما يلحقها بفضل أولها، فتفتح بالقرآن آذاناً صماً وعيوناً عمياً وقلوباً غلفاً، وتخرج بهديه الناس من ضلالتهم، وتذودهم به عن اتباع خطوات الشيطان، إلى اقتفاء

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 49)

الصراط المستقيم، والله تعالى يقول لنبيه: {وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (73) وَإِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ} [المؤمنون 73/ 23 و 74].
وعسى أن يتم على يد آخرها ما خبأه الله عن أولها، وعسى أن يكون ذلك مخبوءاً في هذا الفصل الذي نجده في أنفسنا بين بيان الله سبحانه، وبيان عباده من البشر.
{قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ} [سورة الأنعام 149/ 6].
ورحم الله مالك بن أنس إذ يقول: ((لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها))، فإذا كان أولها لم يصلح إلا بالبيان، فآخرها كذلك لن يصلح إلا به، وإن امرأ يقتل لغته وبيانها، وآخر يقتل نفسه لمثلان، والثاني أعقل الرجلين!.
وشكر الله لأخي مالك بن نبي، وقد دعاني إلى كتابة مقدمة لكتابه: (الظاهرة القرآنية)، ففتح لي به باباً من القول في (إعجاز القرآن) كنت أتهيب أن ألجه، وباباً آخر من القول في (الشعر الجاهلي) كنت أماطل نفسي دونه، وأنا أعلم أني قد قصرت في ذلك كله واختصرت، وإن كنت قد أطلت، وأخشى أن أكون قد أمللت، ولكن عذري أن الرأي فيهما كان قد شابه ما كدره، فبذلت جهدي أن أمحص القول فيهما، حتى أنفي عنهما القذى، وأخلصهما من الأذى، مبتغياً بذلك وسيلة إلى ربي سبحانه، طلبت القربة عنده، {يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ} [النحل 111/ 16].
والحمد لله وحده، ولا حول ولا قوة إلا به، ولا فضل إلا من عنده.
محمود محمد شاكر
***

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 50)

‌‌مدخل إلى دراسة الظاهرة القرآنية

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 51)

‌‌مَدْخَلٌ إِلَى دِرَاسَةِ الظَّاهِرَةِ الْقُرْآنِيَّةِ (1)
لم يُتَح لهذا الكتاب أن يرى النور في صورته الكاملة، فالواقع أننا قد أعدنا تأليف أصوله التي أحرقت في ظروف خاصة. وهو كما هو الآن، لا يكفي في علاج فكرتنا الأولى عن المشكلة القرآنية؛ فإن الموضوع يتطلّب عملاً شاقاً طويل الأنفاس، ومراجع ذات أهمية قصوى؛ لم يكن بوسعنا الحصول عليها في محاولتنا الثانية. غير أننا لا زلنا نشعر بقيمة الفكرة التي ساقتنا إلى هذه الدراسة، حتى لقد آمنا بضرورة بذل ما نستطيع من الجهد في سبيل تحقيقها، مهما تكن صعوبات المشروع، ومهما تكن المعوقات دون تحقيقه.
ولذا حاولنا أن نجمع العناصر التي بقيت من الأصل مكتوبة في قصاصات، أو مسجلة في الذاكرة، فأنقذنا بذلك- على ما نعتقد- جوهر الموضوع، وهو الاهتمام بتحقيق منهج تحليلي في دراسة الظاهرة القرآنية، وهو منهج يحقق من الناحية العملية هدفاً مزدوجاً هو:
1 - أنه يتيح للشباب المسلم فرصة التأمل الناضج في الدين.
2 - وأنه يقترح إصلاحاً مناسباً للمنهج القديم في تفسير القرآن.
وهذه المهمة وتلك ترجعان إلى أسباب مختلفة، يتصل بعضها بالتطور الثقافي الذي حدث في العالم الإسلامي بصورة عامة، وبعضها يرجع إلى عنصر--------------------------------------------
(1) هذا المدخل منشور في رسالة مستقلة.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 53)

آخر، يمكن أن نسميه (تطور نظرتنا في مشكلة الإعجاز) بصورة خاصة، ولا بد إذن من عرض هذه الأسباب بترتيبها:

أولاً: الأسباب التاريخية:
ينبغي أن ندرك أن التطور الثقافي في العالم الإسلامي يمر برحلة خطيرة،
إذ تتلقى النهضة الإسلامية أفكارها واتجاهاتها الفنية عن الثقافة الغربية، وخاصة من طريق مصر. هذه الأفكار الفنية لا تقتصر على أشياء الحياة الفكرية الجديدة التي يتعودها الشباب المسلم شيئاً فشيئاً، بل إنها تمس أيضاً وبطريقة غامضة، ما يتصل بالفكر وما يتصل بالنفس؛ وفي كلمة واحدة: ما يتصل بالحياة الروحية.
وإنه لمما يثير العجب أن نرى كثيراً من الشباب المسلم المثقف يتلقون اليوم عناصر ثقافة تتصل بمعتقداتهم الدينية، وأحيانا بدوافعهم الروحية نفسها، من خلال كتابات المتخصصين الأوربيين.
إن الدراسات الإسلامية التي تظهر في أوربا بأقلام كبار المستشرقين واقع لا جدال فيه، ولكن هل نتصور المكانة التي يحتلها هذا الواقع في الحركة الفكرية الحديثة في البلاد الإسلامية؟
إن الأعمال الأدبية لهؤلاء المستشرقين قد بلغت في الواقع درجة خطيرة من الإشعاع لا نكاد نتصورها، وحسبنا دليلاً على ذلك أن يضم مجمع اللغة العربية في مصر بين أعضائه عالماً فرنسياً. وربما أمكننا أن ندرك ذلك إذا لاحظنا عدد رسالات الدكتوراه، وطبيعة هذه الرسالات التي يقدمها الطلبة السوريون والمصريون كل عام إلى جامعة باريس وحدها، وفي هذه الرسالات كلها يصرون - وهم أساتذة الثقافة العربية في الغد وباعثو نهضة الإسلام- يصرون كما أوجبوا على أنفسهم، على ترديد الأفكار التي زكاها أساتذهم الغربيون.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 54)

وعن هذا الطريق أوغل الاستسراق في الحياة العقلية في البلاد الإسلامية، محدداً بذلك اتجاهها التاريخي إلى درجة كبيرة.
تلكم هي الأزمة الخطيرة التي تمر بها ثقافتنا الآن، مثيرة هنا وهناك صدى مناظرات مدوية، كما حدث في مصر بين الدكتور زكي مبارك والدكتور طه حسين، فقد عبرت مناظرتهما في أنشودة أدبية تهزها الحماسة عن المأساة الحديثة للفكر الإسلامي.
ولكن لهذه الأزمة العامة مظهراً يهم موضوع دراستنا هذه، وأعني به تأثير دراسات المستشرقين على الفكر الديني لدى شبابنا الجامعي، الشباب الذي يتجه إلى المصادر الغربية، حتى فيما يخص معارفه الإسلامية الشخصية، سواء أكان هذا الاتجاه ناشئاً عن افتقار مكتباتنا أم لمجرد التجانس والقرابة العقلية.
لقد نضبت فعلاً المصادر المحلية من كنوزها الثقافية، مولية وجهها شطر المكتبات الأهلية في أوربا، والحق أن مصر قد بذلت جهداً عظيهاً كيما تضع في متناول الفكر الإسلامي أدوات جديدة للعمل وذلك بما أتيح لها من مطابع حديثة، وعمل جاد اضطلع به شبابها الفتي المتعلم. ولكن هذا الجهد نفسه يعيش في كنف الدهاء الإداري الموروث من عهد الاستعمار.
وأياً ما كان الأمر، فإنما الشباب المسلم المثقف في بعض ديار الإسلام يرى نفسه مضطراً إلى أن يلجأ إلى مصادر المؤلفين الأجانب خضوعاً لمقتضيات عقلية جديدة، ولعله يقدر إلى حد كبير منهجها الوضعي الديكارتي، حتى إننا نجد قضاة وشيوخاً معممين يتذوقون فيها رشاقتها الهندسية.
وهذا كله لا غبار عليه لو اقتصر الاستشراق بمناهجه على الموضوع العلمي، ولكن الهوى السياسي الديني كشف عن نفسه أحياناً بكل أسف في تآليف هؤلاء المتخصصين الأوربيين في الدراسات الإسلامية، على الرغم من أنها تدعو إلى الإعجاب حقاً.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 55)

فلم يكن الأب (لامانس R،P،Lamance) المثل الفريد للمستشرق الطاعن على الإسلام ورجاله، والحالة الوحيدة التي يمكن أن نلحظ فيها العمل الصامت لتقو يض دعائم الإسلام، فقد كان لهذا الرجل (الشاطر) على الأقل، فضل في الكشف عن بغضه الشديد للقرآن، ولمحمد صلى الله عليه وسلم ولا شك أن العمل في ظل هذا التعصب الصاخب خير من تلك الميكيافيلية الصامتة المستهجنة التي اتبعها مستشرقون آخرون، متسترين بستار العلم.
ومن العجيب أن نذكر ما تتمتع به هذه الأفكار الحمقاء من مجاملة، ولا سيما في مصر عندما تصدرها جامعات الغرب، وأصدق مثال على ذلك بلا جدال، الفرض الذي وضعه المستشرق الإنجليزي (مرجليوث) عن (الشعر الجاهلي)، فقد نشر هذا الفرض في تموز عام 1925م في إحدى المجلات الاستشراقية؛ وفي خلال عام 1926م نشر (طه حسين) كتابه المشهور (في الشعر الجاهلي)، فهذا التسلسل التاريخي معبر تماماً عن تبعية أفكار بعض قادة الثقافة العربية الحديثة للأساتذة الغر بيين (1).
وربما لم يكن فرض (مرجليوث) ليحتوي على شيء خاص غير عادي لو أنه حين نشر لم يصادف ذلك الترحيب الحار من المجلات المستعربة، ومن بعض الرسالات التي تقدم بها دكاترة عرب محدثون، حتى لقد كسب هذا الفرض قيمة (المقياس الثابت) في دراسة الدكتور (صباغ) عن (المجاز في القرآن)، فقد رفض هذا الدكتور رفضاً مقصوداً مغرضاً الاعتراف بالشعر الجاهلي بوصفه حقيقة موضوعية في تاريخ الأدب العربي.--------------------------------------------
(1) ذكرنا هنا فرض (مرجليوث) لكي نبرز أمام القارئ المسلم ضرورة تطبيق منهج تحليلي جديد في تفسير القرآن، ويستطيع القارئ أن يدرك قيمة هذا المنهج القائم على دراسة الظواهر ( La Phénoménologie) وعلى طرق التحليل النفسي، وسيدرك أيضا أننا لا ندرس أراء (مرجليوث) أو من تتلمذ عليه مثل (طه حسين). وإنما نريد به دراسة (الظاهرة القرآنية).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 56)

فالمشكلة بوضعها الراهن إذن تتجاوز نطاق الأدب والتاريخ، وتهم مباشرة منهج التفسير القديم كله، ذلك المنهج القائم على الموازنة الأسلوبية معتمداً على الشعر الجاهلي بوصفه حقيقة لا تقبل الجدل.
وعلى أية حال، فقد كان من الممكن أن تثور هذه المشكلة تبعاً للتطور الجديد في الفكر الإسلامي، وإنما بصورة أقل ثورية لأن ضرورات التطور تقضي بتعديل منهج التفسير القديم تعديلاً، يناسب في حكمة وروية مقتضيات الفكر الحديث. ولكن يخيل إلينا أن (مرجليوث) أراد بفرضه أن يفرض على المشكلة تطوراً ثورياً، حين أدخل في الوقت المناسب ما يشبه (الديناميت) الذي قد ينسف كل مناهج التفسير القديم.
لقد قام إعجاز القرآن حتى الآن على البرهان الظاهر على سمو كلام الله فوق كلام البشر، وكان لجوء التفسير إلى الدراسة الأسلوبية لكي يضع لإعجاز القرآن أساساً عقلياً ضرورياًت فلو أننا طبقنا نتائج فرض (مرجليوث) كما فعل الدكتور (صباغ) لانهار ذلك الأساس. ومن هنا توضع مشكلة التفسير في صورة خطيرة بالنسبة لعقيدة المسلم، أعني بالنسبة إلى إعجاز القرآن في نظر هذا المسلم. وربما لم يكن التطور العقلي ليقصر عن دفع شبابنا الجامعي إلى ملاحظة تقادم القياس القديم إن آجلاً أو عاجلاً، ذلك القياس الذي كان يقدم حتى ذلك الحين الدليل القاطع على المصدر الغيبي للقرآن. أما بالنسبة للعقل ذي الصبغة الديكارتية فأية قيمة تبقى لبرهان يبدو منذئذ وقد فقد موضوعيته، وأصبح ذاتياً محضاً. وهذا الموضوع لا يتصل ببيان القرآن الذي بقي على ما هو عليه حين نزوله، ولكن بوضع المسلم نفسه.
والحق أنه لا يوجد مسلم وخاصة في البلاد غير العربية، يمكنه أن يوازن موضوعياً بين آية قرآنية، وفقرة موزونة أو مقفاة من أدب العصر الجاهلي، فمنذ وقت طويل لم نعد نملك في أذواقنا عبقرية اللغة العربية، ليمكننا أن نستنبط

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 57)

من موازنة أدبية نتيجة عادلة حكيمة، ومنذ وقت طويل أيضاً تكتفي عقائدنا في هذا الباب بالتقليد الذي لا يتفق وعقول المتعلقين بالموضوعية. فمشكلة التفسير توضع إذن في ضوء جديد، وربما نظر إليها المصريون المحدثون في هذا الضوء الجديد.
ولكن يبدو أن جهود هؤلاء العلماء على الرغم من أنها لا تغفل الجانب الاجتماعي في علم التفسير لم تحدد منهجها الكامل، فالتفسير الكبير الذي ألفه الشيخ (طنطاوي جوهري) إنتاج علمي أشبه بدائرة معارف، ولا ينطوي على أقل اهتمام بتحديد منهج، أما تفسير الشيخ (رشيد رضا) الذي اتبع فيه إمامه الشيخ (محمد عبده) فلم يضع هو الآخر هذا المنهج، فقد كان همه أن يخلع على المنهج القديم صبغة عقل جديد. ومع أنه لم يعدل طريقة التفسير القديم تعديلاً جوهرياً، فإنه قد خلق في الصفوة المسلمة التي تعشق التجديد الأدبي اهتماماً بالنقاش الديني. ومع ذلك فمشكلة التفسير تظل خطيرة بالنسبة لاعتقاد الفرد الذي شكلته مدرسة ديكارت من جهة، وبالنسبة لمجموع الأفكار الدارجة التي هي أساس الثقافة الشعبية من جهة أخرى.
ومن المعلوم أن كل مجتمع يحتوي مشكلة أفكار دارجة محرك الجماهير، كما يحتوي مشكلة أفكار علمية تخص المثقفين، وكما أن هذه تحدد لدى القادة والعلماء حلولاً نظرية لبعض المشكلات، فإن تلك تحدد السلوك العملي للجماعات إزاء هذه المشاكل التي تصادفهم في الحياة، ففي العالم الإسلامي توجد الآن طبقة مثقفة مقتنعة بحركة الأرض، ولكن هناك جمهوراً كبيراً من الدراويش، وشعباً من الجهال من كل نوع يصر على اعتقاده ((بأن الأرض ساكنة تحملها العناية على قرن ثور)). وهذه الفكرة الدارجة قد تؤثر في توجيه التاريخ أكثر من الفكرة العلمية، لأنها تستند إلى خرافة مفسر غير موفق يرى الأرض على قرن ثور. ولنأخذ على ذلك مثلاً: (البوصلة ومقياس الزاوية)، فعلى الرغم من أنهما من

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 58)

إنتاج أفكار المسلمين الفنية، فإن العالم الإسلامي لم يستخدمهما مثلاً في اكتشاف أمريكا، لأنه كان مشلولاً آنذاك عن التقدم العقلي والاجماعي بأفكار شعبية ميتة. أليست هذه هي المأساة التي أراد الغزالي أن يعبر عنها في بيته المشهور:
غَزَلْتُ لَهُمْ غَزْلاً رَقِيقًا فَلَمْ أَجِدْ … لِغَزْلِيَ نَسَّاجًا فَكَسَّرْتُ مِغْزَلِي
إن مشكلة التفسير القرآني على أية حال هي مشكلة العقيدة الدينية لدى التعلم، كما أنها مشكلة الأفكار الدارجة لدى رجل الشارع. ومن هاتين الوجهتين ينبغي أن يعدل منهج التفسير في ضوء التجربة التاريخية التي مر بها العالم الإسلامي. وبالتالي فإذا كانت هذه الأسباب التي قدمناها تدل على ضرورة هذا التعديل فهناك أسباب أخرى تدل على محتواه، أعني على صورة المنهج الذي يجب أن نسلكه في مشكلة الإعجاز.

ثانياً: الأسباب العائدة إلى المنهج:
ذكرنا فيما تقدم من هذا المدخل الأسباب التي دعت إلى هذه الدراسة، نظراً لما حدث في العالم الإسلامي من تطورات اجتماعية وثقافية، تؤثر في موقف المسلم المثقف إزاء الإسلام بصورة عامة. وينبغب الآن أن نذكر الأسباب التي حددت المنهج المتبع في هذه الدراسة، نظراً إلى إدراك هذا المسلم للقرآن بوصفه كتاباً منزلاً على وجه الخصوص، ولأنه لا يمكن فصل هذه الأسباب عن تاريخ الأديان السماوية بصورة عامة. إننا نجد هذه الصورة في الحديث الذي أورده أخي الأستاذ شاكر في مقدمته حيث يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: ((ما من نبي إلا وأوتي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحياً أوحي إلي فأنا أرجو أن أكون أكثرهم تابعاً يوم القيامة))، يجب إذن أن نحدد الإعجاز في القرآن بالنظر إلى مفهوم الإعجاز في الأديان عامة.
وإذن لابد من تحديد هذه الكلمة لغة واصطلاحاً وفي حدود التاريخ، لأن

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 59)

عنصر الزمن ذو دخل في هذه القضية إذا ما اعتبرناها من دين إلى آخر، أعني في اتجاه تطورها.
أهل اللغة يرون أن الإعجاز هو الإيقاع في العجز. وأهل الاصطلاح يرون أن الإعجاز هو الحجة التي يقدمها القرآن إلى خصومه من المشركين ليعجزهم بها. فأما حين نريد تحديد هذا المصطلح في حدود التاريخ أي في تطور إدراك البشر لـ (حجة) الدين، وإدراك المسلم لـ (حجة) الإسلام خاصة، فلابد من مراجعة القضية في ضوء تاريخ الأديان.
وهذا هو الإعجاز من نواحيه الثلاث.
أما الآيات التي تدل عليه في القرآن، بل تلفت النظر إليه متعمدة، فهي كثيرة مثل قوله عز وجل: {قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا} [الإسراء17/ 88]. وقوله تعالى: {أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (13) فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [هود 13/ 11 و 14].
وقوله جل شأنه: {وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (23) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ} [البقرة 23/ 2 و 24].
ويجب أن نلاحظ أن هذه الآيات الثلاث لم يسقها القرآن لتنشئ الحجة، وإنما جاءت إعلاناً هنا، وإشهاراً لوجودها في سائر القرآن. كيم تؤتي تأثيرها في العقول المتربصة، وتنتج أثرها في القلوب التي لا زالت في أكنتها.
فإلى أي مدى بلغ هذا التأثير في الوسط الجاهلي؟

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 60)

إن لكل شعب هواية يصرف إليها مواهبه الخلاقة، طبقاً لعبقريته ومزاجه. فالفراعنة مثلاً كان لهم اهتمام بفنون العمارة والرياضيات، يدلنا عليه ما بقي بين أيدينا من آثارهم العظيهة؛ تلك الآثار التي أثارت اهتمام رجال العلم، مثل الأب (مورو) الذي خصص أحد كتبه لدراسة تصيم الهرم الأكبر، وما يتضن من نظريات هندسية غريبة، وخصائص رياضية وميكانيكية عجيبة.
كما كان اليونان مغرمين بصور الجمال، على ما أبدعه فن (فيدياس)، وبآيات المنطق والحكمة على ما جادت به عبقرية (سقراط).
أما العرب في الجاهلية، فقد كانت هوايتهم في لغتهم، فلم يقتصروا على استخدامها في ضرورات الحياة اليومية، شأن الشعوب الأخرى، وإنما كان العربي يفتن في استخدام لغته، فينحت منها صوراً بيانية لا تقل جمالاً مما كان ينحته (فيدياس) في المرمر، وما كانت ترسمه ريشة (ليونار دوفانسي) في لوحاته المعلقة في متاحف العالم الكبرى.
فالشعر العربي كما قال أخي الأستاذ محمود شاكر في مقدمة هذا الكتاب:
((كان حين أنزل الله القرآن على نبيه صلى الله عليه وسلم نوراً يضيء ظمات الجاهلية، ويعكف أهله على بيانه عكوف الوثني للصنم، ويسجدون لآياته سجدة خاشعة لم يسجدوا مثلها لأوثانهم قط، فقد كانوا عبدة البيان، قبل أن يكونوا عبدة الأوثان، وقد سمعنا من استخف منهم بأوثانهم، ولم نسمع قط منهم من استخف ببيانهم)).
هذه صورة الظروف النفسية التي نزل فيها القرآن، فكان لإعجازه أن ينفذ إلى الأرواح- بصفة عامة في زمن النزول- على هذا السبيل، أي بما ركب في الفطرة العربية من ذوق بياني.
ثم تغيرت هذه الظروف مع تطورات التاريخ الإسلامي، وفاض طوفان العلوم في أواخر عهد بني أمية والعهد العباسي. فصار إدراك جانب الإعجاز في

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 61)