Arabic source text

📘 আয-যাহিরাতুল কুরআনিয়্যাহ (মালিক বিন নবী - মৃত্যু 1393 হিজরী)

📘 الظاهرة القرآنية (مالك بن نبي - ت 1393 هـ)

📘 আয-যাহিরাতুল কুরআনিয়্যাহ (মালিক বিন নবী - মৃত্যু 1393 হিজরী)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
إنه يخرج من عزلته، يذرع تلك الدروب الملتهبة في جبل النور، وهو يضيق بذلك المجهول الذي يشعر به معلقاً في نفسه، ولا حول له ولا قوة إزاءه؛ هاهو ذا مشرف على واد، يرى مخرجاً من مأساته في أعماق الهاوية، فيكاد يستسلم لفكرته المتغلبة عليه، ويخطو خطوة إلى الأمام، ولكن صوتاً أسرع من إيماءته يوقفه: ((يا محمد، أنت رسول الله حقاً)) فيرفع رأسه ليرى الأفق مشعاً يتلألأ نوراً، فينقلب مذهولاً محيراً، دون أن تزايل الرؤية ناظريه. إنها في كل مكان .... زفي جميع الأركان .... فيرتعد منها فزعاً حتى يذوي إلى الأرض، وحين يفيق يعود إلى مكة، حيث يجد هنالك موضع سره العطوف، فتفاجَأ بمنظره المحزن وبحالته المحمومة، وهو الذي تراه دائماً مهتماً بنفسه، لا يغفل أي تفصيل في هندامه، هاهو ذا الآن بشعره الأشعث ووجهه الممتقع وملابسه المغبرة، ولكن خديجة الحانية تتغلب على جزعها وترعى زوجها، وبكلمات حانية رقيقة تدخل السلام إلى نفسه الذاهلة، فيأخذ طريقه إلى جبل النور.
وهاهو ذا الليل يخيم على عزلته في غار حراء، حتى إذا نام أحس بحركة في لا شعوره توقظه، إنه يشعر بحضور، وهو يلمح أمام عينيه الآن رجلاً متشحاً بلباسه الأبيض.
إن المجهول يقترب منه ثم يخاطبه قائلاً:
- "إقرأ" ..
- ما أنا بقارئ، قالها وهو يحاول الابتعاد عنه، والهرب من ذلك الذي يأخذه فيغطه حتى يبلغ منه الجهد، ثم يرسله قائلاً:
- اقرأ … فيجيب محمد مرة أخرى:
- ما أنا بقارئ.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 125)

فيكرر مرة ثالثة ذلك الشكل الروحاني الذي سيكون منذ الآن الزائر الملازم للنبي.
- اقرأ … {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} [العلق 96/ 1 - 5].
كانت هذه الآية بالنسبة للنبي، وللتاريخ المرة الأولى التي تظهر فيها (الظاهرة القرآنية) التي ستضم بين دفتيها الثلاثة والعشرين عاماً الأخيرة من حياة النبي.
ومن هذه اللحظة أصبح لدى النبي الأمي شعور"بأن كتاباً قد طبع في قلبه" (1) ولكن لم يكن له أن يتصفحه كما يشاء، ولا أن يطلع عليه كما يهوى، إذ أنه سيوحى إليه كلما دعت حاجة الرسالة.
ولقد يتأخر الوحي ويبطئ، حتى عندما تلح إحدى الحالات العاجلة: ولتكن حالة اتخاذ قرار، أو سن تشريع لمناسبة معروضة على النبي.
ولنذكر إحدى هذه الحالات؛ ففي بدء الرسالة، وعلى وجه التحديد بعد الوحي الأول الذي رويناه، انتظر النبي زمناً طو يلاً، أكثر من عامين، قبل أن يرى للمرة الثانية زائره الغريب ويسمع صوته. لقد يئس منه، وأخذ الشك يستولي مرة أخرى على نفسه التواقة إلى اليقين، فهو يعتقد أنه إما أن يكون قد خدع في جوارحه، وإما أن القدرة قد تخلت عنه، تلك التي اعتقد حيناً أنها هي التي تقوده.--------------------------------------------
(1) في السيرة الحلبية ج 1 ص 328 نص يوهم بهذا المعنى ((فكأنما كتب في قلبي كتاباً)) ويحتمل أن يكون معناه على المصدرية. (المترجم)

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 126)

هذا القلق مؤلم لنفسه، وإنه ليتسرب إليها كأنه حية تطوق فكره ومشاعره، فتحطم بضغطها طموح هذه النفس المتأصل إلى اليقين الصادق.
ومرة أخرى: لحظات مؤلمة، ودقائق مؤثرة بالنسبة لمحمد، ذلك الذي يبحث مستيئساً في نفسه وفيما حوله، عن النبع الخفي الذي تدفقت منه الآيات الأولى من القرآن، وإنه لدعاء حزين لنفس موجعة، وضمير أضناه القلق، دعاء إلى صوت لا يجيب، أو لا يريد أن يجيب، فقد التزم الصت خلال أكثر من عامين.
وإن فكر (محمد) صلى الله عليه وسلم ليحاول مناقشة حالته الفريدة، دون أن يجد لها تفسيراً، فهو يغرق في الإعياء، وقد هدّه ما يعانيه من التوتر العصبي، لقد كان يتفانى كأنه شيء خامد سقط في النوم.
ولكن خديجة- الملاك الحارس- كانت تسهر عليه.
وينام (محمد) بعد نوبة من نوبات الانهيار العميق، وكانت زوجه بكلماتها الممتلئة بالحنان الأمومي قد كفكفت منذ لحظات أزمته، بعد أن دثرته في عباءته، وطلبت إليه أن يستريح. نام نوم الطفل الذي أعياه البكاء، وملأ قلبه الشجن، فهدأ بدوره قلق الزوج العطوف، حين لمست من النائم أنفاسه الهادئة، فخرجت بخفة حتى لا توقظه.
ولكن صوت حراء يرن فجأة في أذني النائم فيهب كأنما مسته الحمى … {يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ} [المدثر 74/ 1 - 3].
لقد أصمّه النداء وأضناه مرة واحدة، إذ أن هذه المباغتة جعلته يدرك فجأة أهمية الأمر الذي تلقاه ولم يكن ينتظره.
لقد وجدته خديجة جالساً، غارقاً في تأملاته، فدفعتها الدهشة من استيقاظه إلى أن تسأله: ((لم لا تنام يا أبا القاسم))؟.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 127)

فيجيبها … : "انتهى يا خديجة عهد النوم والراحة، فقد أمرني جبريل أن أنذر الناس، وأن أدعوههم إلى الله وإلى عبادته، فمنذا أدعو؟ ومنذا يستجيب؟ .... (1) ".
وكما حلت الأزمة الأولى عند النبي بصورة غير متوقعة، فإن حل هذه الأزمة يبدو أنه قد فاجأه أكثر من ذي قبل، وبعبارة أخرى أرهقه، وإن مفاجأته في المرة الأولى للوحي، وعناءه وعجزه هذه المرة أمام هذا التكليف غير المتوقع، الذي تلقاه في صورة أمر، ليسجلان في نظرنا حالتين نفسيتين ضروريتين خاصة لدراسة الظاهرة القرآنية بالنسبة للذات المحمدية.
وبوسعنا أن نذكر أن موقف هذه الذات بين الأزمتين وبين حلي المشكلة، لم يكن مطلقاً مطبوعاً بأمل القيام بدعوة، ولكنه كان يبحث فقط عن فضل لمسه من الله منذ الوحي الأول.
ولنا أن نذكر أيضاً أنه فيما يتعلق بفترة الوحي كان جهد محمد اليائس مجرد محاولة لاسترجاع ما فاته من فضل الله.
ونحن نرى أن هذا الجهد يؤكد في الواقع بصورة قاطعة استقلال الظاهرة القرآنية عن ذات موضوعنا (النبي).
وما كان لنا بداهة أن نقرر أن الحل الثاني للأزمة النفسية يمكن أن يتأخر لو كان مصدره هو (اللاشعور)، لدى إنسان لم يسع إلى إخماد الظاهرة وكبتها في نفسه، بل إنه على العكس قد وجه كل إرادته وكل وجوده لتيسير ظهورها.--------------------------------------------
(1) هذا الخبر غير موجود في كتب الحديث (ف) وفيما لدينا من مراجع السيرة. وإن كان قد ورد في كتاب (حياة محمد) وفي كتاب (أزواج النبي) دون أن ندري لمؤلفيهما مرجعاً. (المترجم)

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 128)

هذه التفاصيل النفسية تبرز تماماً العزم النهائي عند محمد على قبول دعوته، بوصفها تكليفاً يأتيه من أعلى.
إنه يقبلها في الواقع، ولن يتخلى عنها أبداً، حتى ولو تعرض فيما بعد لسخرية أطفال مكة ولو آذاه وأنذره، وفتك به سادة قريش كأبي لهب وغيره من المشركين.
لا شيء سيرغمه على التخلي عنها، لا المصالح المضيعة لأسرته، ولا توسلات عمه الوقور أبي طالب، عندما يضغط عليه أشراف مكة كما يضع حداً (لفضيحة) ابن أخيه، ولا اقتراحهم عليه أن يتولى أسنى منصب في إدارة المدينة، هذا كله لا يحول الرسول عن طريقه الثابت إلى الأبد منذ حل الأزمة الثانية.
وعندما جاءه عمه لكي يفاتحه في أمر قريش، واضعاً تحت نظره الإجراءات القاسية التي رحموها في حالة ما إذا رفض عروضهم، أجابه وقد دمعت عيناه: "والله يا عم لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ما تركته، حتى يظهره الله أو أهلك دونه".
وأمام هذه العزيمة الخارقة لم يتمالك ذلك العجوز إلا أن يطمئن ابن أخيه بحمايته حتى النهاية.
فقررت قريش نبذ (محمد) وذويه من المجتمع، وكتبوا بذلك صحيفة علقت في جوف الكعبة.
ولقد حرمت الأسرة المفجوعة بهذه المقاطعة من كل علاقة مع المدينة،. حتى من التعامل الأدبي، أو الزواج من الأسر الأخرى.
وتذكر السيرة أن هذا الميثاق قد أكلته الأرَضة، وأن النبي قد رأى ذلك

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 129)

مناماً قبل حدوثه، وبذا راجعت قريش مسلكها، وسحبت قرار المقاطعة.
وأياً ما كان الأمر، فإن هذه الصحيفة الظالمة القاطعة، كانت قد سقطت قيمتها بمرور الزمن، وعاد بنو هاشم والمطلب من جديد إلى مكة بعد محن طويلة مهلكة. فعاد النبي يبلغ دعوته في صحن البيت الحرام، ولكن سادة قريش كانوا قد دبروا (مؤامرة صمت) حول دعوته، فكانوا يمنعون الناس من الاستماع إلى تلاوة القرآن.
ورأى النبي صلى الله عليه وسلم أن الناس لا يقبلون على دعوته، فقرر أن يحملها إلى مكان بعيد، إلى الطائف، لكنه لاقى هواناً أقسى، ومعاملة شريرة في سبيل مهمته، فلقد رماه الناس بالحجارة، وبثوا الأشواك في طريقه، وأغروا به الأطفال والعبيد يسخرون ويستهزئون، فلجأ (الداعية) إلى حائط يحتمي به، دامي القلب من غباوة القوم وشراستهم، ولكن نفسه كانت لا تعرف الحقد؛ لقد كان كل ما فعله أن رفع عينيه إلى السماء، وهو يتمتم بدعاء كله حرارة وخشوع وحب، لا يمكن للنفس الإنسانية أن تصرح بها لحظة كرب كهذه:
«اللَّهُمَّ إِنِّي أَشْكُو إِلَيْكَ ضَعْفَ قُوَّتِي وَقِلَّةَ حِيلَتِي وَهَوَانِي عَلَى النَّاسِ، يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، أَنْتَ رَبُّ الْمُسْتَضْعَفِينَ، وَأَنْتَ رَبِّي، إِلَى مَنْ تَكِلُنِي؟ إِلَى عَدُوٍّ يَتَجَهَّمُنِي، أَمْ إِلَى قَرِيبٍ مَلَّكْتَهُ أَمْرِي؟ إِنْ لَمْ يَكُنْ بِكَ غَضَبٌ عَلَيَّ فَلَا أُبَالِي، لَكِنْ عَافِيَتَكَ أَوْسَعُ لِي؛ أَعُوذُ بِنُورِ وَجْهِكَ الَّذِي أَشْرَقَتْ مِنْ أَجْلِهِ الظُّلُمَاتُ، وَصَلُحَ عَلَيْهِ أَمْرُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ مِنْ أَنْ تُحِلَّ بِي غَضَبَكَ، أَوْ تُنْزِلَ عَلَيَّ سَخَطَكَ، لَكَ الْعُتْبَى حَتَّى تَرْضَى، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِكَ».
وعقب هذه الصدمة القاسية رجع النبي إلى مكة، ولكن محنة أخرى كانت تنتظره هناك.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 130)

إن الموت ينتزع منه حاميه الوحيد عمه أبا طالب (1).
وسيترك لنا مشهد النزع والاحتضار تفاصيل تاريخية ثمينة بالنسبة لصورة (رسول الله) النفسية في هذه الحقبة، فلقد كانت هذه في الواقع بالنسبة له أخطر لحظات مهمته التي اختلط فيها الحنو البنوي بهمّ النبي لإنقاذ نفس عزيزة، ترفض النجاة في صلف ومكابرة، فإن ابن الأخ ليهوله أن يموت عمه مشركاً.
وهي لحظة مفزعة له، إذ يتمثل في شخصه ويتحدث على لسانه النبي الذي يتمنى أن ينقذ من كان له نعم الأب. ها هو ذا صوت المحتضَر العجوز يتقطع في الشهقات الأخيرة، فتضرع إليه دون جدوى أن يقر بالإسلام، ولكنه يستجمع قواه المتفانية ليقول: "والله يا بن أخي لولا نحافة السبة عليك وعلى بني أبيك من بعدي، وأن تظن قريش أني إنما قلتها جزعاً لأقررت بها عينك، لما أرى من شدة وجدك" (2)
وانتاب ابن الأخ ألم مبرح، وهو يرى عمه العزيز يغادر الحياة دون أن يغادروثنية آبائه.
هذا المشهد العائلي الرهيب، بين عجوز مشرف على الموت، وابن شجاه الهم والقلق، وغمرته اللهفة والإشفاق، يكشف في إحدى اللحظات الحاسمة عن إخلاص النبي المطلق.
ولكن خسارة أخرى أشد إيلاماً، تحدث قريباً لتغمره حزناً، فبعد قليل فقد (محمد) (صاحبته الحانية الفاضلة).--------------------------------------------
(1) في رواية ابن الأثير نص على أن خروج النبي إلى ثقيف بالطائف، كان بعد وفاة عمه أبي طالب، وقد اشتد به الأذى، وكذلك نص ابن الأثير على أن موت السيدة خديجة كان قبل موت أبي طالب بأيام تتراوح بين ثلاثة أيام وخمسين يوماً، على اختلاف الروايات، كذا في إمتاع الأسماع [ص:27]. (المترجم)
(2) السيرة الحلبية ج1 [ص:250].

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 131)

هذه الفجيعة المزدوجة مسته وأثرت عليه في أعمق مشاعر الإنسان، وأصابته بالقدر نفسه في مصلحة دعوته، فقد فقَد بفقده عمه وزوجه العضد الأدبي والمادي الذي كان يؤيده في مكة، وفضلاً عن ذلك فإن إقامته ستصبح في الحال مستحيلة، فإن قريشا ًالتي كانت مهابة أبي طالب تفزعها قد انطلقت الآن من عقالها، ورأت أن الوقت قد حان لتدبر مقتل النبي لإنقاذ مصالحها السياسية، وامتيازاتها التجارية بين القبائل العربية (1).
لقد حيكت مؤامرة، تشترك فيها القبائل جميعاً، حتى لا يقع دم الضحية على عاتق قبيلة بعينها.

‌‌المرحلة المدنية
بينما كانت مكة تتآمر ضد رسول الله صلى الله عليه وسلم، كانت المدينة على العكس من ذلك تهيئ له استقبالاً حماسياً حافلاً.
وكانت بيعة العقبة- ميثاق النبي مع رجال المدينة الملقبين منذ ذلك الحين بالأنصار- وهمةُ النقيب مصعب بن عمير، الذي عرف كيف يكسب للإسلام كثيراً من عواطف يثرب، كان هذان العاملان هما اللذان مهدا للهجرة.
وفي إحدى الليالي، بينما كان المتآمرون يحيطون ببيت النبي، خرج تحت أعين أعدائه، دون أن يروه- كما جاء في الخبر- ولقد نجح في الوصول إلى ضواحي مكة برفقة صاحبه أبي بكر، فلجأ إلى (غار ثور)، حيث كان على الدليل الذي اتفقا معه أن يلحق بهما مع نوقه حاملاً المؤونة في يومين أو ثلاثة لتضليل المطاردين، ولكن الرجفة كانت قد أخذت مكة ساعة رحيل المهاجرين، فقامت قريش على آثارهما.--------------------------------------------
(1) يذهب بعض ذوي الرأي إلى أن دافع المؤامرة كان أعم من هذا، إذ كان في جوهره دفاعاً عن عقيدتهم التي سفهها الدين الجديد. (المترجم)

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 132)

إن من يعرف حياة الصحراء، يدرك تماماً ضآلة الفرصة التي كانت أمام النبي وصاحبه للنجاة، ولقد بلغ القافَة فعلاً مدخل الغار، لكنهم لم يتجاوزوا عتبته، وتفسر السيرة هذه الحادثة الغريبة بتدخل معجز لحمامة ورقاء ولعنكبوت واهن.
وأية كانت وجهة الأمر، وحتى لو كانت تعليقات السيرة قد أمكنها أن تتدخل في تفسير هذا الحل العجيب، فإن القيمة التاريخية للحادثة ليست بأقل ثبوتاً، فهي- في الواقع- مقررة في أوثق مصادر ذلك العصر، وهو القرآن؛ وقد ورد الحادث صراحة في قوله تعالى:
{إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا} [التوبة 40/ 9].
وواضح من هذا أن القدر قد يمهد سبله بطريقة غير مفهومة أحياناً، تحير الخواطر والعقول.
ونحن نرى لفائدة دراستنا هذه أن نهتم بالتفصيل النفسي في هذه الحادثة التاريخية، ذلك التفصيل الذي تدل عليه سكينة النبي، حين كان يطمئن رفيقه، في هدوء يفوق طاقة البشر، بينما الخطر والموت على قيد خطوات؛ وإن إخلاص النبي الذي نؤكده في هذا القياس الأول بوصفه شرطاً ضرورياً، لاستخدام الآيات القرآنية وثائق نفسية ثابتة، هذا الإخلاص يتجلى هنا بوضوح وبصورة روائية في تلك اللحظة الحاسمة.
وأخيراً، فحينما انسحب المطاردون استطاع المهاجران أن يأخذا طريقهما إلى يثرب موطن الأنصار، الذين أعدّوا لهما استقبالاً عظيماً، وغيرت مدينة (يثرب)

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 133)

اسمها فأصبحت (مدينة الرسول) كما تخص نفسها تماماً للدعوة والداعية (1).
وعلى أسطح المنازل، ترقب النساء والأطفال مقدم المهاجرين العظيمين، واستهلوا العهد الجديد، عهد الهجرة. بأنشودة، ترددها منذ ذلك الحين أجيال الإسلام:
طَلَعَ الْبَدْرُ عَلَيْنَا … مِنْ ثَنِيَّاتِ الْوَدَاعْ
وَجَبَ الشُّكْرُ عَلَيْنَا … مَا دَعَا للهِ دَاعْ
أَيُّهَا الْمَبْعُوثُ فِينَا … جِئْتَ بِالْأَمْرِ الْمُطَاعْ
وبينما كانت هذه الأنشودة تنطلق من كل مكان، كان المهاجرون والأنصار يعقدون فيما بينهم أواصر الأخوة الإسلامية، أساس المجتمع الجديد والحضارة الجديدة.
ولكن، كم من المشاكل التشريعية والدينية والسياسية والعسكرية سيواجهها هذا المجتمع الناشئ؟. إن حل هذا الحشد من المشاكل هو الذي سيظهر فيه النبي صلى الله عليه وسلم عبقرية ذات رحابة لا مثيل لها، مستهدياً بالوحي الذي يجإء حاملاً دائماً الشعاع العلوي والكلمة الأخيرة.
وسيكشف (الرجل) عن ذكاء عجيب، وعن حكم على قيم الأشياء، وعلى نفسية الرجال منزَّه تقريباً عن الخطأ، كما يكشف عن إرادة لا يعتريها الوهن. لقد تتبعنا حتى الآن خطواته داعية فحاولنا أن نفهم حركات قلبه، وخلجات نفسه، وأن نكتشف في إشاراته وفي دعوته الدلائل الناصعة على خشوعه وإيمانه وإخلاصه المطلق.--------------------------------------------
(1) أطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم على يثرب (طابة أو طيبة) حين نزلها في الهجرة، وأطلق عليها (مدينة الرسول) في المناسبة نفسها وما تلاها (معجم البلدان لياقوت ج2 ط بيروت). (المترجم)

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 134)

وإذا كانت الرحلة المكية في جوهرها عهداً روحياً، هو عهد النبي الداعية الذي يرشد المصطفين الأخيار، فإن المرحلة الدنية استمرار للمرحلة الأولى، ونتيجة زمنية لها في وقت واحد، فالنبي والقائد سيتحدان الآن في ذات واحدة تدعو وتقود جموع المؤمنين.
وإنه لمن الواجب حقاً أن يتبع فن قيادة الجماهير ما يتصل بنفسية الفرد، فإن مشاكل مجتمع ما لا يمكن أن تحل بالأسلوب الرائق الرشيق فحسب، ولذلك فإن الرسول سيتيح لنا أثناء شغله في حل تلك المشاكل جميعاً أن نكمل صورته النفسية بمظهر عقلي، إذ عندما يضطرم نشاطه يمكن أن نفهم ألوان فكره، وأن نقوِّم نسيج إرادته، وأن نقدر قيمة حكمه على الآخرين وعلى نفسه أيضاً.
وإنه لزعم غريب أن نحاول الإحاطة بجوانب هذا المظهر العقلي جميعاً، فذلك يستلزم أن نلم بتاريخ العبقرية الفذة كله في الحدود الضيقة لهذا الفصل. بل إننا سنقتصر على أن نضع بعض المعالم التي تؤدي إلى النتيجة المقصودة من هذا القياس.
سيكون شغل النبي الشاغل بالمدينة أن يقر فيها السلام، ويخلصها من خصوماتها الداخلية، ويصلح ما بين الأوس والخزرج، لتنظيم دفاع فعال ضد الأعداء في الخارج: (قريش).
إن ساعة الجهاد ستؤذن عما قريب.
ولقد كان هذا مثار دهشة وعجب لدى النقاد المحدثين، فهم لا يفهمون أن (الداعية) يدعو هكذا إلى حمل السلاح، ولكن إذا كان النبي قد حمل السيف فلأنه كان يعلم جيداً أن مكة لن تلقي السلاح، وسيعطيه التاريخ على ذلك البرهان القاطع.
ولا مجال هنا لأن نعقد موازنة بين المسيحية والإسلام في هذه النقطة، فإن الظروف التاريخية ليست واحدة، إذ تواجه الأولى من الداخل دولة منظمة

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 135)

تحطم أجهزتها، على حين أن الإسلام يواجه دولة منظمة نوعاً ما من الخارج هي مكة، فكان عليه أن يختار بين أن يحطمها أو يتحطم، وفضلاً عن ذلك فإن هذه الظروف يفرضها مجرى الحوادث نفسه إذ أن الجهاد يعد من الناحية التاريخية نتيجة للهجرة.
هذه الظاهرة نفسها قد حدثت في تاريخ اليهودية، عندما واجه بنو إسرائيل بقيادة موسى ويوشع من الخارج، دولاً منظمة على شاطئ نهر الأردن.
فالرسول إذن سينظم صفوفه من أجل الصراع المسلح الذي سيفتح له أبواب مكة في السنة الثامنة من التاريخ الجديد، ولكن كم سيعترض الدعوة من عقبات قبل هذا الموكب العظيم الذي يدوخ، يوم دخول المسلمين مكة، ذلك الصَّلِف أبا سفيان؟ إن مجموعة من الأسماء المهيبة ستدوي منذ ذلك الحين في أركان التاريخ العالي:
بدر … أحد … الخندق … حنين ..
لسوف تعرض الملحمة المحمدية آنذاك على شاشة التاريخ مجموعة من الأحداث الأسطورية، حتى كأنها رواية سحرية. ها هو ذا حلم (آمنة) القديم، عندما كانت تهز بين أحضانها ثمرة أحشائها، وعندما كانت يخيل إليها أنها تسمع صهيل الخيل وعدو الفرسان وقعقعة السلاح، هذا الحلم القديم سيتحقق اليوم على صفحة الواقع.
وفي هذه الملحمة سيتدخل القائد دائماً لكي يفصل في حالة دقيقة، ولكي يتخذ قراراً سياسياً هاماً، ولكي يضع خطة استراتيجية، ولكن النبي هناك دائماً، يشرف على أعمال القائد، ويمضي قراراته من وجهة نظر دعوته، التي تخلع على كل تفصيل في هذه الملحمة الطابع الروحي الضروري الذي ينسبه إلى الله.
وسنجد (محمداً) عندما ستدق ساعة بدر، بعد أن يكون قد اتخذ أهبته الحربية الكاملة، نجده وقد شعر بخطورة اللحظة التي ستقرر مصير الإسلام،

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 136)

وقد رأى التفوق العددي لأعدائه بالنسبة لحفنة الرجال التي يقودها، نجده يرفع عينيه إلى السماء:
"اللهم إن تهلك هذه العصابة فلن تعبد في الأرض، اللهم أنجز ما وعدت".
وهذه الكلمات البسيطة تدل بوضوح على أن (بدراً) ليست كمعركة (كان) (1) أو (استرليتز) (2) أو (سنغافورة) (3).
ولقد كانت هذه الملحمة تتحرك بعبقرية (محمد) القادرة، وإرادته الخارقة، متتبعة وثباته من نصر إلى نصر .... حتى حنين.
وإن عمق آرائه ليحير أحياناً صحابته أنفسهم، فإن أول عمل دبلوماسي أمضاه مع مبعوثي مكة، سيكون بالنسبة لبعض الصحابة موضع دهشة ومبعث عار تقريباً، فلقد جاء الرسل من مكة لكي يصلوا مع النبي إلى أن يسلمهم من وقت توقيع المعاهدة كل مكي يأتي هارباً إلى معسكره، إذ أن كثيراً من المؤمنين المستضعفين بمكة سيهربون من اضطهاد قريش، ويجيئون لينشدوا الأمان في مدينة الأنصار.
ولقد وقع النبي صلى الله عليه وسلم المعاهدة التي طبقت في الحال دون أن تكون ذات أثر رجعي، وبدا هذا النص العجيب وكأنما قد أتاح لمكة نصراً دبلوماسياً، تذمر منه المسلمون ورأوه فضيحة لهم. وفي اللحظة التي كان المبعوثون يتبادلون فيها وثائق التصديق، تقدم هارب مكي إلى المعسكر الإسلامي، فطالب به رسل مكة في--------------------------------------------
(1) معركة سحق فيها القائد القرطاجني هانيبال الجيش الروماني منزلاً بذلك الرعب في قلب روما في القرن الثالث قبل الميلاد.
(2) معركة اكتسح فيها نابليون الجيش النمساوي عام 1804م.
(3) معركة تم فيها للجيش الياباني بعد هجوم هائل في شبه جزيرة مالقه استسلام القوات الإنجليزية التي كانت تدافع عن هذه القلعة عام 1943م. (المترجم)

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 137)

الحال، ولم يملك النبي إلا أن يسلم بالواقع، مثيراً بذلك ذهول صحابته، وأعيد الأسير، ولكنه أثناء الطريق غافل القوم وهرب منهم، وأوى إلى مكمن احتمى به، وبعد قليل انضم إليه كثير من إخوانه الذين هربوا مثله من الاضطهاد، وإذا بهؤلاء الخارجين على القانون قد نظموا على الطريق نهباً لقوافل مكة، فشلوا بذلك، وفي زمن قليل، تجارة المدينة القرشية كلها، حتى إنها رأت أخيراً أن تتوسل راغمة إلى النبي ليقبل المؤمنين الهاربين إلى معسكره. وجملة القول إن النبي قد ظفر بجميع امتيازات المعاهدة التي بطل منها الشرط الوحيد القاسي، أبطله المنتفعون به أنفسهم.
وهكذا بينما كان (النبي) يقود في سبيل الله (فيلق) الشهداء الذين اتبعوه، كان (القائد) يلقن أبطال ملحمته أسمى دروس الدبلوماسية والاستراتيجية الحربية، جاعلاً من المسلمين بهذا التوجيه المزدوج أعظم الفاتحين نزاهة، في الوقت الذي يعدون فيه أكمل المستنيرين في التاريخ.
لم يصنع الرسول نفوساً مؤمنة تقية فحسب، وإنما صنع عقولاً مستنيرة. وطرق إرادات فولاذية، إنه ينهي الشعور بالمسؤولية، ويشجع المبادأة في كل إنسان، ويعظم الفضيلة في أبسط صورها، وإن التأسي والمسارعة لهما رائد كل عضو في الجماعة، إذ يرى نفسه في سباق إلى الخير، بحسب أمر القرآن.
وعندما قاد النبي أصحابه إلى (تبوك) كانت نيته تبدو أبعد كثيراً من هذا الهدف المتواضع، فهو يعبر الصحراء العربية، في حَمارّة القيظ مضطراً رجاله العطاش، الذين أضناهم التعب، أن يستمروا في طريقهم دون أن يحطوا رحالهم عند (آبار مدين).
لم يكن هذا من الفن الحربي فحسب، ولكنه كان من التربية العالية، وإن هذا السير الذي لم يسمع بمثله في منظره الهائل ليكشف- زيادة على ذلك- عن

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 138)

عملية تدريب بدني ونفسي في آن واحد، لإعداد الجيش الإسلامي كيما يواجه عما قريب الأسفار والعقبات في جميع أرجاء العالم.
ولقد احتمل بنفسه كل المتاعب التي فرضها على جنده خلال هذه الحقبة المضنية، فهو مسير هائل ورائع سيوحي إلى (دينيه Dinet) بصفحة خالدة، ارتبطت فيها عبقرية مصور الصحراء المبدع بنفس المؤمن المضطرمة.
و (محمد) باعتباره (نبياً) يلتزم دائماً في سلوكه الشخصي الحقيقة المنزلة، فهو يقوم جزءاً كبيراً من الليل متنفلاً، ولكنه لا يلزم أتباعه بذلك.
وهو مع كونه (قائداً)، لا يستأثر بأية ميزة دون صحابته، بل إن سلوكه الشخصي يعرفهم بحدود الجهد الإنساني، فلقد كانوا يؤسسون في المدينة أول مسجد في الإسلام على تقوى من الله ورضوان، ولقد كان النبي كما كان صحابته يحملون الأحجار على أكتافهم، وكل منهم يحمل لبنة، ولكنه يلحظ مؤمناً متواضعاً هو عمار بن ياسر يحمل كل مرة لبنتين، فيخاطبه ليذكي حماسته قائلاً: " للناس أجر ولك أجران (1) ".
وهكذا كانت سائر المناسبات تتيح له أن يشجع صحابته ويعلمهم أيضاً.
وهو لا يريد أن يدع شيئاً يشوب صفاء أصحابه أو يثني جهودهم الخالقة. إنه يقاوم الخطأ، وخاصة عندما يأتي اعتباطاً بما يشبه المعجزة لتأييد دعوته، فكأنه كان يهتم بأن يبعد عقول أصحابه عن (المعجزة الدارجة) التي تخاطب الجوارح.
ففي يوم دفن ولده الوحيد (إبراهيم) الذي رآه يكبر، حدث كسوف كلي، وفسر الناس الظلمات المفاجئة بأنها آية على مشاركة الطبيعة للنبي في حزنه، ولكنه صحح في حزم خطأ صحابته قائلاً: " إن الشمس والقمر آيتان--------------------------------------------
(1) الروض الأنف- الجزء الثاني [ص:13].

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 139)

من آيات الله لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته" (1).
هذا التفصيل التاريخي الذي ترويه السيرة ببساطة، يثبت لنا إخلاص (محمد المطلق)، ويرينا اقتناعه الشخصي لم يكن قائماً على شبه معجزة.
وعلى كل حال، ففي ضوء وثيقة نفسية كهذه لا يمكن أن نعد هذا الاقتناع نتيجة استعداد عقلي غير سليم، واتجاه منحرف لتفسير بعض الأحداث العارضة داخل الذات، أو الخارجة عنها بأنها آية علوية، إن محمداً ذو فكر موضوعي، لا يميل إلى تأييد دعوته بغير معجزته الوحيدة: (القرآن).
إن الملحمة المحمدية قد بلغت الآن أوجها، ووصلت دعوة النبي إلى نهايتها، وإنه ليستشعر ذلك. وهو يودع صاحبه معاذ بن جبل ويملي عليه وصاياه الأخيرة، وهو ذاهب إلى اليمن لينشر دعوة الإسلام قال: " لو حدث لي أن أراك يوماً فسأوجز لك ما عندي من الوصايا، ولكن هذه هي المرة الأخيرة التي أحادثك فيها، ولن نجتمع إلا يوم الحشر (2) ".
ولقد كان لدى أبي بكر وعمر الشعور نفسه نحو النبي، فلقد كانا يعتقدان أن أجل الوحي قد دنا، وأن إشارة إلى نهاية النبي القريبة قد وردت في قوله تعالى:
{إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا} [النصر 110/ 1 و 2 و 3].
فمن كل وجه، يبدو النبي مهتماً بدنو أجله، وأنه يأخذ أهبته الأخيرة، فهو يريد أن يملي وصاياه على الأمة، واختار لذلك مناسبة عظيمة حافلة، فأعلن عن رغبته في أداء فريضة الحج ذلك العام، وغادر المدينة ومعه آلاف الحجاج،--------------------------------------------
(1) رواه البخاري.
(2) ليس لهذا الخبر أثر في كتب الحديث (ف).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 140)

وانضم إليهم الحجاج الواردون من أنحاء الجزيرة إلى مكة، وهنالك أدى النبي شعائر الحج كلها، كأنه يريد تسجيلها إلى الأبد في ذاكرة معاصريه لتنتقل من بعدهم إلى أعقابهم، ثم إنه صعد عرفات على ظهر ناقته، وألقى خطبته الأخيرة، خطبة الوداع، واختير صحابي جهوري الصوت ليكررها للناس جملة جملة.
وفي غروب الشمس، بينما كان شبحه المحلق على قمة عرفات، يبدو مرتحلاً عن الدنيا، كأنه نهار يتلاشى في الأفق، كانت كلمات خطبته تصل الجموع كأنما تخلص إليها من صوت علوي، وكانت الجموع المتأثرة الصامتة تنصت إليه خاشعة متصدعة، وأخيراً صاح النبي: ((ألا هل قد بلغت؟)) فأجابته الجموع الحاشدة، التي بلغت قمة الانفعال، في صوت واحد .. ((اللهم نعم)) (1).
وفي تلك اللحظة هبط الوحي، كأنما ليضع الخاتم على هذه الدعوة، فبركت الناقة- كما روي- على ركبتيها، وأرغت من الألم، وكانت خاتمة الوحي كما ورد في الخبر قوله تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [المائدة 5/ 4].
وسيطلق على هذا الموسم في التاريخ (حجة الوداع).
والواقع أن أقوال الرسول صلى الله عليه وسلم وأفعاله منذ الآن، حتى اليوم الأخير لن تكون إلا وداعاً لأهله ولأصحابه ولأمته، ولهذا العالم الذي خط له بعمقٍ مصائره.
فضلاً عن ذلك، فإن هذا اليوم الأخير قريب جداً، إذ حينما عاد إلى المدينة وافاه مرض الموت، الذي أنهى ملحمته العجيبة وختم دعوته المبلغة.--------------------------------------------
(1) هذه رواية البخاري، وفي المقريزي " قالوا نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت " وهي تقرب مما جاء بالأصل. (المترجم)

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 141)

وفي الصلاة الأخيرة التي أقامها بنفسه في المسجد، أعلن للحاضرين رغبته في أن يقضي ما عليه من ديون قائلاً: " أيها الناس من كان عنده شيء فليؤده ولا يقل فضوح الدنيا، ألا وإن فضوح الدنيا أهون من فضوح الآخرة … وإن عبداً خيّره الله بين الدنيا وبين ما عنده فاختار ما عنده " (1).
لقد ذاب الصحابة الذين أدركوا هذه الإشارة في دموعهم، وبعد شهوده يومين أو ثلاثة صلاة الجماعة، لزم حجرة زوجه عائشة حتى النهاية. وعندما حل الأجل، كان رأسه مستنداً إلى ذراع زوجه التي سمعته وهو يتمتم بتلك الكلمات الأخيرة: "اللهم في الرفيق الأعلى" (2).
كان هذا هو الكلام الأخير الذي ختم بالنسبة للتاريخ حقيقة هذه الذات التي حاولنا تخطيط صورتها النفسية، لكي نجلو الظاهرة القرآنية.
ولقد حاولنا حين جلونا معالم هذا الوجه المثالي أن نبرز السمات الخاصة بمحمد (الرجل) لي نتلقى منه- في بحثنا للقضية- شهادته على محمد (النبي).
ولا شك أن هذه الشهادة تكون عنصراً ثميناً في دراستنا، فهي على كل حال شهادة رجل شهد له زمانه على لسان امرأة، بهذا الحكم الأخير (3): "أي رسول الله!! أنت حتى في قبرك، أملنا الغالب، لقد عشت بيننا طاهراً مخلصاً منصفاً، وكنت لكل إنسان هادياً حكيماً منيراً" (4).--------------------------------------------
(1) كذا في رواية ابن الأثير ج 2 [ص:116] الطبعة المنيرية 1349هـ.
(2) رواه البخاري.
(3) ورد هذا في رثاء عمته صفية. (المؤلف)
(4) لعل هذه ترجمة لبعض ما أنشدته عمته السيدة صفية في رثائه من مثل قولها:
فإما تمس في جدثٍ مقيماً … فقد ما عشتَ ذا كرم وطيب
وكنتَ موفقاً في كلِ أمر … وفيما نابَ منْ حدثِ الخطوب
وقولها:
فلقدْ كان بالعباد رؤوفاً … لهم رحمةً وخير رَشيد

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 142)

‌‌كيفية الوحي
على الرغم من أن هذا الفصل قد يبدو غريباً بالنسبة للقياس الأول، فإننا نورده هنا لأن الوحي عنصر رئيسي في نظر الناقد الذي يريد أن يدرس الظاهرة القرآنية بالنسبة للذات الواعية عند محمد صلى الله عليه وسلم.
فكيف أدرك الرسول والأنبياء قبله ظاهرة الوحي؟ ..
يذهب بعض علماء الدراسات الإسلامية، إلى أن مصطلح (وحي) الذي يطلقه القرآن على هذه الظاهرة إنما يعبر عنه بالكلمات ( Intuition المكاشفة أو الوحي النفسي (1)) أو ( Inspiration إلهام)، لكن هذه الكلمة الأخيرة ليس لها أي مدلول نفسي محدد، مع أنها مستخدمة عموماً لكي تردّ معنى الوحي إلى ميدان علم النفس. أما الكلمة الأولى فلها على العكس مدلول، ولكنه لا يتفق مع الأحوال الظاهرة الملحوظة لدى النبي صلى الله عليه وسلم، في حالة التلقي التي يعانيها أثناء نزول الوحي.
ومن ناحية أخرى، تعرف المكاشفة أو الوحي النفسي من الوجهة النفسية--------------------------------------------
(1) يعرف الشيخ رشيد رضا الوحي النفسي بأنه " الإلهام الفائض من استعداد النفس العالية"، ثم قال: (وقد أثبته بعض علماء الإفرنج لنبينا صلى الله عليه وسلم كغيره فقالوا: إن محمداً يستحيل أن يكون كاذباً فيما دعا إليه من الدين القويم، والشرع العادل، والأدب السامي؛ وصوّره من لا يؤمنون بعالم الغيب منهم أو باتصال عالم الشهادة بأن معلوماته وأفكاره وآماله ولدت له إلهاماً فاض من عقله الباطن أو نفسه الخفية الروحانية على مخيلته السامية، وانعكس اعتقاده على بصره فرأى الملك ماثلاً له، وعلى سمعه فوعى ما حدثه الملك به) وفي كلا الرأيين جزء يتفق مع تعريف المؤلف للوحي النفسي. (المترجم)

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 143)

بأنها: "معرفة مباشرة لموضوع قابل للتفكير، أو خاض فيه التفكير فعلاً"- بينما يجب أن يأخذ الوحي معنى: "المعرفة التلقائية والمطلقة لموضوع لا يشغل التفكير، وأيضاً غير قابل للتفكير" لكي يكون متفقاً مع اعتقاد النبي، ومع التعاليم القرآنية. فمن المفيد إذن أن ندرك نوع الظاهرة التي يمكن أن تكمن خلف لفظة (وحي). ونضيف أيضاً أن المكاشفة لا تصحبها أية ظاهرة نفسية بصرية أوسمعية أو عصبية كتقلص العضلات الذي نلحظه في حالة النبي صلى الله عليه وسلم.
ومن الوجهة العقلية لا تنتج المكاشفة عند صاحبها يقيناً كاملاً، بل كأنما تخلق نصف يقين، أي بعض ما يؤدي إلى ما يسمى (احتمالاً) والاحتمال معرفة يأتي برهانها بعدها، وهذه الدرجة من الشك هي التي تميز المكاشفة من الوحي من الناحية النفسية.
أما يقين النبي فقد كان كاملاً، مع وثوقه بأن المعرفة الوحى بها غير شخصية وطارئة وخارجة عن ذاته.
وهذه الصفات تتأكد في نظر الذي يتلقى الوحي، تأكّداً لا يبقى معه ظل من الشك فما يتصل بموضوعية الظاهرة الموحية، وهذا شرط أول مطلق ضروري لاعتقاد النبي الشخصي.
هل يمكن أن نعزو لمجرد (المكاشفة) تلك الدوافع الشعورية، التي أرغمت (أرمياء) على المقاومة العنيفة ضد مكاشفة (حنانيا)، التي جاءت بعكس آراء أرمياء نفسه، فجعلته يصدر في يقين وعنف حكماً على (حنانيا) بالموت، فيموت فعلاً بعدقليل (1)؟.
وهل كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن يفسر بالمكاشفة حالة أم موسى حين ألقت ولدها في اليم؟.--------------------------------------------
(1) راجع [ص:89] وما بعدها.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 144)