Arabic source text

📘 আয-যাহিরাতুল কুরআনিয়্যাহ (মালিক বিন নবী - মৃত্যু 1393 হিজরী)

📘 الظاهرة القرآنية (مالك بن نبي - ت 1393 هـ)

📘 আয-যাহিরাতুল কুরআনিয়্যাহ (মালিক বিন নবী - মৃত্যু 1393 হিজরী)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
القرآن بالمعنى الذي حددناه- لغة واصطلاحاً- من طريق التذوق العلمي، أكثر من أن يكون من طريق الذوق الفطري.
وهذا يعني أن الإعجاز كما أدركته العرب وقت النزول، أصبح من أختصاص طائفة قليلة من المسلمين، بيدها وسائل التذوق العلمي.
ومن الممكن أن نتتبع هذا التطور في مرحلتيه في مراجع التاريخ الإسلامي:
1 - فمن ذلك أن السيرة تروي لنا بعض المواقف التاريخية، التي يظهر فيها أثر الإعجاز على الذوق الفطري عند العرب في الجاهلية، ويظهر ذلك في صورتين: أولاهما: إسلام عمر بن الخطاب رضي الله عنه عندما تأثر بآيات سمعها من أخته، أو قرأها في صحيفتها.
وثانيتهما: حكم الوليد بن المغيرة حين يقول في القرآن ((والله لقد سمعت كلاماً ما هو من كلام الإنس، ولا من كلام الجن، وإن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة)). وهنا نرى الوليد يقف على قيد شبر من الإيمان، وقد هزه بيان القرآن، ولكن ما كان للحجة أن تغير أمراً أراده الله، فترى الوليد ينتكس، ويختم كلامه منكراً صدق الرسالة بقوله: " وإن أقرب القول فيه لأن تقولوا: ساحر جاء يفرق بين المرء وأبيه .. الخ .. ".
وهذا هو صدى الإعجاز في فطرة العرب في صورتين مختلفتين. حتى إذا تقدم الزمن وتغيرت الظروف الاجمتاعية، وتقدمت العلوم، صار الإعجاز موضوع دراسة قائم بذاته، فكتب فيه أئمة البيان، من أمثال الجاحظ في كتابه (نظم القرآن) (وعبد القاهر) صاحب (دلائل الإعجاز).
ومن هذا الأخير نستعير نبذة لتوضيح المقام والمقال؛ نستعيرها على سبيل

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 62)

المثال، من تعليق له على قوله تعالى: {قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا … } [مريم 19/ 5]. يقول معلقاً: ((إن في الاستعارة ما لا يمكن بيانه إلا من طريق العلم بالنظم، والوقوف على حقيقته، ومن دقيق ذلك وخفيه أنك ترى الناس إذا ذكروا قوله تعالى: {وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا} لم يزيدوا فيه على ذكر الاستعارة، ولم ينسبوا الشرف إلا إليها، ولم يروا للمزية موجباً سواها. هكذا ترى الأمر في كلامهم، وليس الأمر على ذلك … )).
ولا لزوم لذكر النص بأكله، وإنما أوردته فقط لأبين مباشرة عجزي عن إدراك (الإعجاز) من هذا الوجه، أي بوسائل التذوق العلمي، بعد أن اعترفت بعجزي عن إدراكه من طريق الذوق الفطري. وهكذا أراني حيران، فاقد الحيلة والوسيلة في قضية هي أمس القضايا بالنسبة لي بصفتي مسلماً. وهنا تواجهنا مشكلة (الإعجاز) في صورتها الجديدة بالنسبة لهذا المسلم، أعني بالنسبة لأغلبية المسلمين المثقفين ثقافة أجنبية، بل ربما بالنسبة لذوي الثقافة التقليدية، في ظروفهم الثقافية والنفسية الخاصة، فلابد إذن من أعادة النظر في القضية في نطاف الظروف الجديدة التي يمر بها المسلم اليوم، مع الضرورات التي يواجهها في مجال العقيدة والروح.
وعلى الرغم مِما يبدو في القضية من تعقد، بسبب موقفنا التقليدي إزاءها، فإني أعتقد أن مفتاحها موجود في قوله تعالى: {قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ} [الأحقاف 46/ 9]. فإذا اعتبرنا هذه الآية على أنها حجة يقدمها القرآن للنبي كي يستخدمها في جداله مع المشركين، فلا بد أن نتأمل محتواها المنطقي من ناحيتيها:
فهي تحمل، أولاً، إشارة خفية إلى أن تكرار الشيء في ظروف معينة يدل على صحته، أي أن سوابقه في سلسلة معينة تدعم حقيقته بوصفه (ظاهرة

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 63)

بالمعنى الذي يسبغه التحديد العلمي على هذه الكلمة: فالظاهرة هي: ((الحدث الذي يتكرر في الظروف نفسها، مع النتائج نفسها)).
وهي تحمل في مدلولها، ثانياً، ربطاً واضحاً بين الرسل والرسالات خلال العصور، وأن الدعوة المحمدية يجري عليها أمام العقل ما يجري على هذه الرسالات. ومن هذا نستخلص أمرين:
1 - أنه يصح أن ندرس الرسالة المحمدية في ضوء ما سبقها من الرسالات.
2 - كما يصح أن ندرس هذه الرسالات في ضوء رسالة محمد صلى الله عليه وسلم، على قاعدة أن ((حكم العام ينطبق على الخاص قياساً، وحكم الخاص ينطبق على العام استنباطاً)).
ولا مانع إذن من أن نعيد النظر في معنى (الإعجاز) في ضوء منطق الآية الكريمة.
وحاصل هذا أننا إذا عددنا الأشياء في حدود الحدث المتكرر، أي في حدود الظاهرة، فالإعجاز هو:
1 - بالنسبة إلى شخص الرسول: الحجة التي يقدمها لخصومه ليعجزهم بها.
2 - وهو بالنسبة إلى الدين: وسيلة من وسائل تبليغه.
وهذان المعنيان للإعجاز يضفيان على مفهومه صفات معينة:
أولاً: أن الإعجاز- بوصفه (حجة) لابد أن يكون في مستوى إدراك الجميع، وإلا فاتت فائدته، إذ لا قيمة منطقية لحجة تكون فوق إدراك الخصم، فهو ينكرها عن حسن نية أحياناً.
ثانياً: ومن حيث كونه وسيلة لتبليغ دين: أن يكون فوق طاقة الجميع.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 64)

ثالثاً: ومن حيث الزمن: أن يكون تأثيره بقدر ما في تبليغ الدين من حاجة إليه.
وهذه الصفة الثالثة تحدد نوع صلته بالدين، الصلة التي تختلف من دين إلى آخر، باختلاف ضرورات التبليغ كما سنبين ذلك.
فهذا هو القياس العام الذي نراه ينطبق على معنى الإعجاز، في كل الظروف المحتملة بالنسبة إلى الأديان المنزلة.
فإذا قسنا به في نطاق رسالة موسى عليه السلام، مثلاً، نرى أن الله اختار لهذا الرسول معجزتي اليد والعصا، وإذا تأملناهما وجدناهما ((بوصفهما حجة)) يدعم الله بها نبيه- تتصفان بأنهما:
1 - ليستا من مستوى العلم الفرعوني الذي كان من اختصاص أشخاص معدودين، يكونون هيئة الكهنوت، بل كانت المعجزة في صورتيهما كلتيهما، من مستوى السحر الذي يقع أثره في إدراك الجميع عن طريق المعاينة الحسية، دون إجهاد فكر.
2 - هاتان المعجزتان تتصلان بتاريخ الدين الموسوي لا بجوهره، إذ ليس لليد أو العصا صلة بمعاني هذا الدين ولا بتشريعه، فهما على هذا مجرد توابع للدين، لا من صفاته اللازمة له.
3 - ودلالة هاتين المعجزتين على صحة الدين محدودة بزمن معين، إذ لا نتصور مفعول اليد والعصا (حجة) إلا في الجيل الذي شاهدهما، أو الجيل الذي بلغته تلك الشهادة بالتواتر من التابعين وتابع التابعين، أي أن مفعوله لا يكون إلا في زمن محدد، لحكمة أرادها الله. ولو فكرنا في هذه الحكمة لوجدنا أنها تتفق مع حقائق نفسية، وحقائق تاريخية سجلها الواقع فعلاً، هي:

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 65)

أولاً: أن القوم الذين يدينون اليوم بدين موسى- أي اليهود- يفقدون، لأسباب نفسية لا سبيل لشرحها هنا، نزعة التبليغ، فلا يشعرون بضرورة تبليغ دينهم إلى غيرهم من الأمم، أي: الأميين- كما يقولون- حتى إننا إذا استخدمنا لغة الاجتماع قلنا: إن (الإعجاز) قد ألغاه في هذا الدين عدم الحاجة إليه.
ثانياً: إن مشيئة الله قد قدرت أن يأتي عيسى رسولاً من بعد موسى، وأتى الدين الجديد لينسخ الدين السابق، فينسخ طبعاً جانب الإعجاز فيه، وتزول الحجة بزوال ضرورتها التاريخية.
ثم أتى عيسى بالدين الجديد، وبما يتطلب هذا الدين من وسائل لتبليغه، أي بما يتطلب من حجة، فأتى بإعجازه الخاص، بالمعنى المحدد لغة واصطلاحاً كما سبق، فكان لعيسى إبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى بإذن الله. ولسنا بحاجة أن نكرر بالنسبة إلى الدين الجديد ما قدمنا من اعتبارات عامة بالنسبة إلى خصائص (الإعجاز) في الدين السابق، لأن القضية تتعلق هنا وهناك بالتركيب النفسي الذي عليه الإنسان، من جهة أنه إنسان يدرك الأشياء بعقله، مع ما في عقله من عجز عن إدراك حقيقة الدين مباشرة إن لم يكن هنا حجة خاصة، تسند تلك الحقيقة لدى عقله في صورة (إعجاز).
فالأسباب تتكرر، وإنما يتغير شكلها نظراً لما حدث من تطور في الظروف النفسية والاجتماعية حول الدين الجديد في البيئة التي ينشر فيها عيسى دعوته، تلك البيئة التي تشع عليها الثقافة اليونانية والرومانية.
ولكن دلالة ما أوتي عيسى من إعجاز ستزول أيضاً مع زوال موضوعها، للأسباب نفسها التي ألغت جانب الإعجاز في دين موسى، لأنه يأتي بعد عيس رسول جديد ودين جديد يلغيان الدين السابق، دين عيسى عليه السلام، فيلغي ضرورة التدليل على صحة الإنجيل.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 66)

وهكذا تأتي رسالة الرسول الأمين، ولكنها تتسم بصفة خاصة تميزها عما سبقها من الرسالات، إذ أنها الحلقة الأخيرة في سلسلة البعث. ويأتي محمد (خاتم الأنبياء) كما ينوه بذلك القرآن، ويشهد به مرور الزمن منذ أربعة عشر قرناً.
وما كانت هذه الميزة التاريخية في الدين الجديد، دون أن يكون أثرها في كل خصائصه، وفي نوع إعجازه على وجه الخصوص، فإن حاجة التبليغ ستبقى مستمرة فيه، سواء من الناحية النفسية، لأن كل مسلم- بعكس اليهودي- يحمل في نفسه (مركب التبليغ)، أم من الناحية التاريخية لأن الدين الجديد- الإسلام- سيكون دين آخر الزمن، أي الدين الذي لا يعقبه دين سماوي آخر، بل لا يأتي دين بعده بصورة مطلقة كما تشهد بذلك القرون، حتى إن حاجة الإسلام إلى وسائل تبليغه ستبقى ملازمة له، من جيل إلى جيل، ومن جنس إلى جنس، لا يلغيها شيء في التاريخ، وهذا يعني أن هذه الوسائل يجب ألا تكون- مثل الأديان الأخرى- مجرد توابع يتركها الدين في الطريق عبر التاريخ بعد مرحلة التبليغ، مثل اليد عند موسى أو عصاه التي لم يبق لها أثر حتى في متاحف العالم، كما بقيت عصا (توت عنخ آمون) المذهبية.
وعليه يجب أن يكون (إعجاز) القرآن صفة ملازمة له عبر العصور والأجيال، وهي صفة يدركها العربي في الجاهلية بذوقه الفطري كعمر رضي الله تعالى عنه أو الوليد، أو يدركها بالتذوق العلمي كما فعل الجاحظ في منهجه الذي رسمه لمن جاء بعده. ولكن المسلم اليوم قد فقد فطرة العربي الجاهلي وإمكانيات عالم اللغة في العصر العباسي، وعلى الرغم من هذا فإن القرآن لم يفقد بذلك جانب (الإعجاز) لأنه ليس من توابعه بل من جوهره؛ وإنما أصبح المسلم مضطراً إلى أن يتناوله في صورة أخرى وبوسائل أخرى، فهو يتناول الآية من جهة تركيبها النفسي الموضوعي، أكثر مما يتناولها من ناحية العبارة، فيطبق في دراسة مضمونها طرقاً للتحليل الباطن، كما حاولنا أن نطبقها في هذا الكتاب.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 67)

وإذا كانت هذه الضرورة ملحة بالنسبة للمسلم، الذي حاول تعقيد عقيدته على أساس إدراك شخصي لقيمة القرآن بوصفه كتاباً منزلاً، فإنها أكثر إلحاحاً بالنسبة لغير المسلم الذي يتناول القرآن بوصفه موضوع دراسة أو مطالعة.
فهذه في مجملها الأسباب التي دعتنا إلى تطبيق التحليل النفسي خاصة لدراسة القرآن بوصفه ظاهرة.
بيد أن تنفيذ هذه المهمة قد أظهر نقائص جهازنا الفني دونما تواضع، بل عن معرفة تامة بالقضية التي نعدّ تنفيذها مجرد إرشاد لما سيتلوها من دراسات، نحتاج للقيام بها أن نحشد وسائلنا الفنية ووثائقنا التي لم نستطع بكل أسف أن نجمعها للقيام بهذه الدراسة.
ومن المفيد هنا أن نذكر كم سيكون مفسر الغد بحاجة إلى معرفة لغوية وأثرية واسعة، فإن عليه أن يتتبع الترجمة اليونانية السبعينية للكتاب المقدس، والترجمة اللاتينية الأولى من خلال الوثائق العبرية، وبصورة أعم عليه أن يتتبع جميع الوثائق السريانية والآرامية ليدرس مشكلة الكتب المقدسة.
هذه مهمة جليلة لا يمكننا الشروع فيها، على الرغم من رغبتنا الحارة في تحقيق هذا الأمل والله يوفقنا.
مصر الجديدة 1/ 11/ 1961

مالك بن نبي

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 68)

‌‌الظَّاهِرَةُ الدِّينِيَّةُ
كما أوغل المرء في الماضي التاريخي للإنسان، في الأحقاب الزاهرة لحضارته، أو في المراحل البدائية لتطوره الاجتماعي، وجد سطوراً من الفكرة الدينية.
ولقد أظهر علم الآثار دائماً- من بين الاطلال التي كشف عنها- بقايا آثار خصصها الإنسان القديم لشعائره الدينية، أياً كانت تلك الشعائر. ولقد سارت هندسة البناء من كهوف العبادة في العصر الحجري، إلى عهد المعابد الفخمة، جنباً إلى جنب مع الفكرة الدينية التي طبعت قوانين الإنسان بل علومه، فولدت الحضارات في ظل المعابد كمعبد سليمان أو الكعبة. من هنالك كانت تشرق هذه الحضارات لكي تنير العالم، وتزدهر في جامعاته ومعامله، بل لكي تجلي المناقشات السياسية في برلماناته. فقوانين الأمم الحديثة لاهوتية في أساسها، أما ما يطلقون عليه قانونهم المدني فإنه ديني في جوهره، ولا سيما في فرنسا فقد اشتق من الشريعة الإسلامية (1).
وعوائد الشعوب وتقاليدها تتشكل بصورة يمليها اهتمام ميتافيزيقي يدفع--------------------------------------------
(1) في أثناء حملة نابليون على مصر تعرف على الشريعة الإسلامية، وهذا القول لا يحتاج إلى دليل، وهو ليس سوى تفصيل على هامش الفكرة التي نتفق فيها بصفة عامة مع علماء الاجتماع، ومع مؤرخي القانون. والقانون الروماني نفسه لا يشذ عن هذه القاعدة كما بينه الدكتور صوفي أبو طالب في كتابه (النظم الاجتماعية والقانونية [ص:128] وما بعدها) أما فيما يخص ملاحظتنا على قانون نابليون فإنا نحيل القارئ على كتاب (كريستيان شرفيس Christian Cherfils) الذي كتبه بعنوان (نابليون والإسلام).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 69)

أقل القرى الهمجية، التي تشيد كوخاً بسيطاً في مركزها، تتجه نحوه الحياة الروحية القبلية، وهي حياة تتفاوت في بدائيتها إلى حد كبير. وما التوتمية والأساطهير واللاهوت إلا حلول مقترحة للمشكلة نفسها التي تساور الضمير الإنساني كلما وجد نفسه مأخوذاً بلغز الأشياء وغاياتها النهائية.
ومن جميع الضمائر ينطلق السؤال نفسه الذي يصوره في خشوع هذا المقطع من أغنية (الفيدا) الهندوسية:
((من يعرف هذه الأشياء؟ … ومن يستطيع الحديث عنها؟))
((من أين تأتي هذه الكائنات؟ … وما حقيقة هذا الإبداع؟))
((هل (هو) قدخلق الآلهة … ولكن من يعرف كيف وجد الخالق (1)؟))
هل الذي يفصح عن نفسه هكذا ضمير يؤمن بتعدد الآلهة؟
ولماذا يلمح الضمير فيما وراء هياكل آلهته وجود من خلقها؟
وتردُّد المشكلة الغيبية- هكذا بانتظام- على الضمير الإنساني في جميع مراحل تطوره، هو في حد ذاته مشكلة أراد علم الاجتماع حلها حين وصف الإنسان بأنه في أصله (حيوان ديني).
ومن هذا التعريف الموضوعي تنبع نتيجتان نظريتان مختلفتان:
1 - هل الإنسان (حيوان ديني) بشكل فطري غريزي، وبسبب استعداد أصيل في طبيعته؟
2 - أو أنه اكتسب هذه الصفة إثر عارض ثقافي مفاجئ لدى مجموعة بشرية معينة، شمل مفعوله الإنسانية كلها، بنوع من الامتصاص النفسي؟--------------------------------------------
(1) من تقديم شعري للشاعر طاغور.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 70)

فهناك إذن نظريتان رئيسيتان متضادتان بصدد المشكلة التي تعرضها علينا الظاهرة الدينية.
وسيكون من السذاجة طبعاً أن نزيل هذا التعارض الفلسفي بحل رياضي، كما أراد ذلك بعض مفكرينا المغرمين بالطريقة العلمية. ربما لأنهم تناسوا المبادئ الأولية للعلم الوضعي نفسه. ومع ذلك يجب ألا ننسى أن هندسة إقليدس ذاتها الموغلة في الدقة العلمية لا تعتمد إلا على فرض، لا على برهان رياضي. وإن الأمر لكذلك بالنسبة إلى جميع النظريات الهندسية التي نشأت بعد إقليدس.
وأياً ما كان الأمر، فإن ما يطلب من أي مذهب- حين يضع مبدأه الأساسي- أن يكون دقيقاً متواثقاً مع نفسه، متوافقاً في جميع نتائجه.
وهذه هي الطريقة العلمية الوحيدة للحكم على القيمة العقلية لأي مذهب في ذاته، وعلى قيمته بالنسبة لأي مذهب آخر.
وليس التناقض في المسألتين اللتين قررناهما بوصفهما نتيجتين للظواهر الدينية، قائماً بين الدين والعلم على غرار ما يوحي به بعضهم، إذ أن العلم لم يبرهن على عدم وجود الله أو وجوده- كما نسلم بذلك مبدئياً- بل النزاع هنا بين دينين، بين الألوهية والمادية، بين الدين الذي يسلم بوجود الله! وذلك الذي (افترض) المادة!!
والهدف من هذا الفصل هو الموازت بين هذين المذهبين الفلسفيين: ذلك الذي يعد الضمير الديني للإنسان ظاهرة أصلية في طبيعته، ظاهرة معترفاً بها بوصفها عاملاً أساسياً في كل حضارة ة والآخر الذي يعد الدين مجرد عارض تاريخي للثقافة الإنسانية، ومع ذلك فإن نتائج هذا الفصل ستعتمد على نتائج الفصول التالية، التي ستقدم نوعاً من البرهان اللاحق المدعم بما يسمى (الظاهرة

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 71)

النبوية) و (الظاهرة القرآنية) التي تضع الدين في سجل الأحداث الكونية بجانب القوانين الطبيعية.
وعلى ذلك فإن موازنة مذهبين، أحدهما مادي في جوهره، يرى أن كل شيء متوقف على المادة، والثاني غيبي (ميتافيزيقي) يعد المادة في ذاتها محددة محكومة، هذه الموازنة لا تكون قاطعة مقنعة إلا إذا اعتبرنا عناصرهما المتجانسة المتقابلة التي تكمن في فكرتهما عن الكون، والتكوين.
وبناء على هذه النظرة يجب أن نبدأ في دراسة موازنة للمذهبين المذكورين.
***

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 72)

‌‌الْمَذْهَبُ الْمَادِّيُّ
من حيث المبدأ: المادة هي العلة الأولى لذاتها، وهي أيضاً نقطة البدء في ظواهر الطبيعة؛ وبديهي أنه لا يحق لنا أن نعد المادة شيئاً عرضياً (حادثاً)، إذ أنها حينئذ ستكون منبثقة عن بعض الأشياء، أي عن سبب خالق مستقل، وهذا يتنافى مع الفرض. وإذن بكل بساطة: هي موجودة، وهي أيضاً غير مخلوقة. وهكذا نتفق على أصل المادة مبدئياً، ونهتم فقط بتطورها (1) في حالاتها المتعاقبة بادئين من نقطة التسليم هذه. فيمكن القول: إن الخاصة الوحيدة للمادة في مبدأ الأمر هي أنها كانت (كماً) معيناً أو كتلة.
وبناء عليه يجب أن نعد جميع الخواص الأخرى نتائج لهذه (الخاصة الوحيدة)، ولها وحدها.
ويجب على الأخص أن نعد هذه المادة من حيث الأصل في حالة بساطة وتجانس تام، لأن كل تنوع في ذاتها يستتبع تدخل عوامل متنوعة بالضرورة، مما يتنافى مع المؤثر الوحيد، وهو خاصة (الكم). هذا الشرط يستتبع حالة مبدئية--------------------------------------------
(1) على الرغم من أن ملاحظاتنا عن تطور المادة المحتمل مفيدة من الناحية المنهجية، في عرض يتصل بالموازنة بين مذهبين متعارضين، يقوم كلاهما على أساس مناف للآخر: (الله أو المادة)، فهي ليست ملازمة لاستخلاص الفكرة الجوهرية في هذا الفصل. ويكفي القارئ الذي لم يتمرس بمسائل العلوم، أن يتابغ العرض ابتداء من العهد الحيوي (البيولوجي) في تطور المادة. أي من التطور الذي صورناه في حدود المعادلة:
مؤثرات حرارية ديناميكية + عوامل كيميائية = مادة حية

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 73)

لا يمكننا فيها أن نتصور المادة منظمة بأية طريقة، وإلا فإن التركيب الذري - الذي اكتشف العلم تنظيمه وتركيبه- يوحي بتدخل جزيئات نووية متنوعة منذ البدء، مما يتنافى أيضا مع شرط البساطة والتجانس التام. وبالتالي فإن المادة بالضرورة من حيث أصلها في حالة تحلل كلي وهي- كهربياً- متعادلة، أي لا توصف بأنها سالبة أو موجبة. فهي- مثلاً- (كمية) من (النترونات) لا توجد بينها في ذاتها سوى علاقة تجاذب، فتنظيمها الذري في المستقبل سيكون مرحلة لتطورها، وتطورها هو الذي يؤدي إلى إظهار الجزيئات النووية: (البوزيترون Positrons) ، و (الميزوترون Mesotrons) ، و (الألكترون Electrons) .. الخ .. والقوى الكهربية الاستاتيكية المقابلة.
ومن غير أن نتسرع في الحكم على هذا التنوع الجزيئي، فإن هناك سؤالاً يفرض نفسه عن إمكان تكوين الذرة الأولى، وهو تكوين يمكن إدراكه بصعوبة، وهو أيضاً غريبا في نظر قانون (كولب Coulomb) الذي يحكم الظاهرة ضرورة.
وفي الحق إنه لمن الصعب أن نتصور كيف تكونت النواة الأولى من أجزاء من النوع نفسه، وتسمى بالاسم نفسه، وتتنافر بفعل قانون الكهربا الأستاتيكية الأساسي.
ومع ذلك فإننا سنسلم بإمكان ذلك، ولكن هل تبدأ دورة الاندماج بين الجزيئات بالنسبة للنواة الأولى في وقت واحد للعناصر الاثنين والتسعين (1) التي رتبها (ماندليف)؟ أم أن ذلك يحدث بالتتابع من عنصر لآخر؟ فإن كان هناك ما يسمى (بالاقتران الزمني) فإن عنصراً واحداً فقط يمكن أن يوجد--------------------------------------------
(1) بلغ عدد العناصر المكتشفة عنصرين ومائة عنصر (102)، وقد اشترك في اكتشاف العنصر الأخير العالم البريطاني الدكتور (ميلستبد). (المترجم)

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 74)

طبيعياً بواسطة تدخل مؤثر واحد، أي حالة المادة في بساطتها وخلوها من التكهرب. ولكن ستبقى إحدى وتسعون حالة شاذة عن القاعدة، لا يمكن أن يوجدها المؤثر نفسه في الوقت نفسه.
وعلى العكس من ذلك إذا كان هناك تتابع في خلق المادة لعناصر الطبيعة، فمن الواجب تفسير تكون هذه العناصر على أنه مجموعة من واحد وتسعين تحولاً عنصرياً، ابتداء من عنصر واحد أولي، وليكن (الإيدروجين).
وهنا يمكن أن تحتل الظاهرة مكانها سواء أكان ذلك بواسطة سلسلة وحيدة:
تخلق المادة الأولى العنصر الأول، بم تتوالد العناصر الباقية منه في سلسلة واحدة، أم كان بسلاسل متعددة: تخلق المادة الأولى العنصر الأول (الإيدروجين)، ومن هذا العنصر الأول تتولد عائلة من الأجسام البسيط ولتكن أربعة مثلاً، يتسلسل من كل منها مجموعة من العناصر الباقية والكل ناتج، عن عنصر أولي.
ففي الحالة الأولى: تتطلب السلسلة الوحيدة واحداً وتسعين تحولاً عنصرياً محدداً؛ إن كل عنصر يتشكل في الوقت الذي تبقى فيه العناصر التي سبقته، وهي على ذلك تتعرض لإحدى وتسعين حالة من التعادل الطبيعي الكيماوي المختلف، الذي يتضن تدخل عامل مختلف أيضاً عن قانون الاندماج الأولي. ولكننا افترضنا أصلاً أن هذا القانون وحيد، وأنه مستقل عن الزمان وعن سائر العوامل الحرارية الديناميكية. فلدينا إذن سلسلة مكونة من واحد وتسعين تحولاً عنصرياً تتولد من العنصر الأول، وهذه السلسلة لم تحظ بتفسير طبقاً لقانون واحد.
وعلى هذا ففي كلتا الحالتين لا يجد جدول (ماندليف) تفسيراً كافياً في نظر المبدأ الذي نسلم به، وهذا يثبت ضعف المذهب المادي.
ثم يزيد هذا الضعف وضوحاً- في نظرنا- إذا نحن تتبعنا تطور المادة في

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 75)

الحالة الثانية، فهي بعد أن أصبحت في حالة منظمة غير عضوية، ستصل إلى تحول عنصري حيوي، وستصبح كمية منها مادةً عضويةً حية هي (البروتوبلازم).
وعندما تتطور هذه المادة بدورها خلال سلسلة حيوانية معينة تصبح بناء على تحول عنصري جديد مادة مفكرة، هي الإنسان.
فعندنا معادلة (1) معينة هي: مؤثرات حرارية ديناميكية + عوامل كيمائية = مادة حية >> الإنسان
وهذه المعادلة صحيحة طوال العهد الجيولوجي المطابق للعوامل أو المؤثرات الحرارية الديناميكية التي تبدو في الجزء الأول من معادلتنا (مؤثرات حرارية ديناميكية + عوامل كيمائية)، فإذا نحن سلّمنا جدلاً بمدة هذا العهد، وكذلك بمدة الدورة الحيوانية التي تنتقل بالمادة الحية من حالة عدم التشكل (للبروتوبلازم) إلى الحالة المنتظمة الفكرة للإنسان، فإن هناك بالضرورة عدداً من الأجيال مطابقاً للنسبة بين هاتين الفترتين، وعليه فإن الجيل الأول يكون قد سبق بالنسبة لما أعقبه بمدة طويلة معادلة لطول العصر الجيولوجي الذي تصح فيه شروط المعادلة.
وفي نهاية ذلك السباق يكون الجيل الأول قد وعى حقيقة دنياه، والظواهر التي مرت عليه.
وينبغي خصوصاً أن يكون الجيل السابق قد سجل في ذاكرته ظاهرة الأجيال التي تليه، ولكن الجيل الإنساني الحالي لم يسجل في مفكرته حدثاً--------------------------------------------
(1) هذه المعادلة يفرضها المبدأ الذي سلمنا به في هذا الفصل وهو ((أن المادة تخلق نفسها)) فهي صحيحة محتمة علمياً على حين تناقضها بعض نتائجها كما هو ظاهر من التحليل التالي.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 76)

كهذا، ولا نجد لديه إلا أثراً يتعلق بالجيل الآدمي الحاضر. فمن الضروري إذن أن نقر أن المعادلة البيولوجية المشار إليها لم تحدث سوى مرة واحدة، ومن أجل جيل وحيد فريد؛ وبعبارة أخرى: هنالك حتمية بيولوجية لا تستطيع العوامل المادية وحدها أن تبرهن عليها، وهذا يلفت انتباهنا إلى نقص في المذهب المادي، وهو نقص يثبت ضعف مبدئه الأساسي، وسيزيد هذا النقص في نظرنا إذا ما اعتبرنا أن المعادلة المذكورة لا تعطينا تفسيراً لظاهرة التوالد الحيواني. وهناك في الواقع مشكلة جديدة تخص وحدة النوع التي لا يمكن أن ترى في الفرد، وإنما في الزوج: الذكر والأنثى؛ ولذلك فإن النظرية المادية لا تقدم أي تسويغ لهذا الازدواج الذي يعد شرطاً لوظيفة التوالد الحيوانية.
فإذا كان هناك حدث (بيولوجي) عرضي فيما يخص الرجل، فإن المشكلة تظل تواجهنا على الرغم من ذلك فيما يتعلق بالمرأة، إلا إذا قررنا حدثا مزدوجاً في الأصل، نتج عنه الزوج المتوالد الضروري لتناسل النوع الإنساني، وإذا نحن قررنا على الرغم من كل شيء هذا الحدث المزدوج للمادة، يكون من الصعب أن نقرر أن نتيجته كانت متسقة تماماً مع هدف وظيفة التناسل الواحدة المشتركة بين الذكر والأنثى.
وعلى كل فإن حتمية المادة يمكن أن تصح إذا كانت تتحقق في صورة خنوثة زوجية لنوعين متماثلين مستقلين: نوع الرجل ونوع المرأة، وبهذا يوجد أيضاً بقية نقص تثير عدم التوافق في المبدأ.
ومن وجهة النظر الآلية: من الثابت أن المادة تخضع لمبدأ (القصور الذاتي) خضوعاً تاماً، فالمادة الحية على هذا تعد استثناء من القاعدة: فإن الحيوان مزود بميزة تعديل وضعه بنفسه، وهنا يظهر أيضاً ضعف المذهب المادي.
وهناك ظواهر أخرى لا تقل عن السابقة في إثارة الاهتمام بغرائب المذهب

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 77)

المادي، ومن ذلك ظهور بقع في بشرة الزنوج، فهل يمكن أن يعزى هذا إلى تأقلم عضوي في بيئات يؤثر عامل الشمس فيها تأثيراً كبيراً؟ ومع ذلك ففي المستوى نفسه نجد البشرة البيضاء والصفراء أو النحاسية، فهل يمكن أن يعزى هذا إلى الغابة العذراء؟ وفي هذه الحالة يجب أن تتلون بشرة الإنسان في البرازيل مثلاً.
وأخيراً ففي علم الفلك نصادف أيضاً غرائب غامضة في نطاق المذهب المادي، فقد كشف تحليل ألوان الطيف عام 1939م لعالم الطبيعة (هابل) اتجاه حركة النجوم السديمية الخارجية عن سمائنا بالنسبة لعالمنا، فإن هذه السديميات تبتعد عن كوكبنا، فيما عدا ستاً تقترب منه على عكس سالفاتها.
وهكذا تحتمل المادة في مجموعها- بالنسبة لنا- تفسيرين متعارضين، فإذا وضح أحدهما في ضوء قانون أساسي معين، فإن معنى الآخر يظل معلقاً، وكل هذا الشذوذ الذي يتنافى مع الحتمية المادية المحضة- أساساً- يحتم إعادة النظر في بناء المذهب كله، فإن المبدأ الأساسي نفسه يبدو عاجزاً عن تزويدنا بنظرية متسقة عن الخلق وعن تطور المادة.
** *

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 78)

‌‌الْمَذْهَبُ الْغَيْبِيُّ

من الضروري هنا أن نفرض مبدأ متميزاً عن المادة، فالله خالق ومدبر للكون، وسبب أول ينبثق عنه كل موجود، وهذا هو مبدأ المذهب الجديد. وسيتولى هذا المبدأ بيان أصل المادة، وقد وجدناه غامضاً موغلاً في الإبهام في المذهب السابق: فهي مخلوقة بواسطة حتمية مستقلة عن جميع خواصها.
وهذه الحتمية الغيبية (الميتافيزيقية) تسعفنا حين تعجز القوانين الطبيعية عن إعطاء تفسير واضح للظواهر. وبذلك ينتج عنها مذهب كامل متسق متجانس لا نقص فيه ولا تعارض، مما لزم المذهب المادي.

وفي الوقت الذي يعبر فيه المذهب الغيبي عن المطالب الفلسفية للعقل، الذي يرمي إلى ربط الأشياء والظواهر ربطاً منطقياً في تأليف متسق، نجده ينصب علاوة على ذلك جسراً يتجاوز حدود المادة إلى مثال أعلى للكمال الروحي، إلى الهدف الأساسي الذي لم تكف الحضارة عن الاتجاه نحوه، فحلق المادة هنا ينتج من الأمر القاهر لإرادة عليا، تقول لكل شيء حسب كلمة سفر التكوين: (كن).
وتطور هذه المادة سيكون طبقاً لأوامر إرادة، توزع التوازن والاتساق اللذين قد يلاحظ علم البشر قوانينهما الثابتة.
ولكن بعض مراحل هذا التطور ستخفى على الملاحظات المألوفة لرجال العلم، دون أن ينطوي المذهب من أجل هذا على نقص ما، ففي هذه الحالات الاستثنائية نستعين بالحتمية الغيبية التي لا تعارض بينها وبين طبيعة المبدأ.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 79)

فحيثما يوجد نقص في المذهب السابق، يوجد تدخل سبب خاص خالق، عالم بخلقه، ومريد.
ولقد نجهل مؤقتاً القانون الذي يسيطر على ظاهرة ما زالت تخفى علينا طريقة حدوثها، ومع ذلك فإن المذهب يظل منسجماً منطقياً مع مبدئه الأساسي، لأن مثل هذه الظاهرة يمكن تسويغها في التحليل النهائي بناء على حتمية مطلقة، فإرادة الله هي التي تتدخل هنا، بينما كانت الصدفة هي التي تتدخل هناك، تلك الصدفة التي تُعَدّ الإله القادر على كل شيء في المذهب المادي.
ولا يغيبن عن نظرنا أن الأمر لا يتعلق هنا- كما سبقت الملاحظة- بالموازنة بين نوعين من العلم، بل بين عقيدتين: عقيدة تؤله المادة، وأخرى ترجع كل شيء إلى الله تعالى.
وليس من نافلة القول أن نقرر أن عالماً كبيراً يستطيع أن يكون مؤمناً كبيراً، على حين أن مسكيناً جاهلاً يمكنه أن يكون جاحداً كبيراً أيضاً؛ والأمر هكذا غالباً. وعندما نصادف حالة عجيبة لعالم يقول إن القرد جد للإنسان، فيجب أن نفكر أيضاً في ذلك الوثني المتواضع على شاطئ نيجيريا، الذي يعتقد تماماً أنه قد انحدر من جَدٍ تمساح، فليس لدى كل من هذين الرجلين، العالم والبدائي، سوى فكرة غيبية يعبر عنها كل منهما بطريقته.
إن عصور الاضطرابات الاجتماعية، والاختلال الروحي هي وحدها التي تخلق الصراع بين الدين والعلم.
ولكن كما تواردت أحداث التاريخ، في روسيا مثلاً إبان الحرب الأخيرة، وفي فرنسا عقب ثورة 1789م، وجدنا أن آلهة العلم قد انهارت على نحو يدعو إلى الرثاء، لتفسح مجالاً للعلم وحده، ذلك الخادم المتواضع للتقدم الإنساني، ومع

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 80)

ذلك فمنذ الاستكشافات الأخيرة لعلم الفلك فطن العلم إلى نطاقه المنتهي المحدود؛ وفيما وراء السديميات السحيقة في البعد، وراء ملايين السنين الضوئية، وربما ملياراتها، تمتد الهاوية التي لا قرار لها، إلى اللانهائية التي يستحيل الوصول إليها، أو حتى إدراكها بالنسبة للفكر العلمي، إذ لا يجد هذا التفكير موضوعه الخاص وهو: الكم والعلاقة والحالة.
فأي كم؟ وأية علاقة؟ وأية حالة؟
كل هذه الأسئلة لا معنى لها خارج حدود المادة، والعلم نفسه لا معنى له وراء السديميات الأخيرة التي تقف على الحدود بين عالم الظواهر، واللانهاية اللامادية.
وراء هذه الحدود يستطيع الفكر الدينى وحده أن يقول شيئاً واضحاً بيناً: (الله يعلم).
***

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 81)