وهل بالمكاشفة كان النبي يميز فيما ينطق به بين نوعين من (الإيحاء) هما: الآية القرآنية التي يأمر بتسجيلها فوراً، والحديث الذي يستودعه ذاكرة صحابته فحسب، ومعلوم أن القرآن من حيث المقاطع الصوتية جزء مما نطق به النبي؟. إن تمييزاً كهذا يكون من السخف الخالص لو لم يكن لدى صاحبه في الوقت ذاته علم تام بالفرق بين القرآن والحديث.
ومع ذلك فهذا التمييز أساسي، ذُكِّر به النبي في القرآن، في آيات كثيرة ورد فيها ذكر الوحي، سواء في صورة الاشتقاق المصدري (وحياً)، أم في صورة فعلية (أوحى، وأوحينا … الخ).
وسنحاول استخلاص التفسير القرآني لهذه الكلمة من خلال الفقرة التالية التي تختتم قصة مشهد غيبي:
{قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ إِنْ يُوحَى إِلَيَّ إِلَّا أَنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ} [ص 38/ 67 - 70].
فهذه الآيات- فيما يبدو- تسوق معنى الوحي لغايات جدلية، كيما تتيح للنبي أن يستخدمه برهاناً في محاجته خصوم دعوته.
وفي آيات أخرى يسوق القرآن معنى الكلمة لحاجة النبي الشخصية، ومن أجل تربيته الخاصة، وذلك مثلاً ما يتجلى في الآية التالية:
{ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ} [آل عمران 3/ 44].
فهذه الآية تعطي الوحي معنى كشف المغيَّب؛ مغيب محدد تماماً، يضم التفاصيل المادية لمشهد روحي خالص، ويضم أيضاً واقعاً معيناً هو (إلقاء الأقلام).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 145)
ولقد وضع هذا المغيب المكشوف تحت نظر النبي ما يشبه القياس الذي يتيح له أن يفصل ما هو شخصي بالنسبة له، كأفكاره ومكاشفاته العادية عما لا يتصل بشخصه، فهو صادر عن الوحي.
لقد بحث العلماء المسلمون هذه المشكلة في مختلف أشكالها، وعالجها الشيخ (محمد عبده) في رسالة التوحيد، في هذه العبارات، قال بعد تعريف الوحي لغة: "وقد عرفوه شرعاً أنه إعلام الله تعالى لنبي من أنبيائه بحكم شرعي ونحوه. أما نحن فنعرفه على شرطنا بأنه عرفان يجده الشخص في نفسه، مع اليقين بأنه من قبل الله بواسطة أو بغير واسطة، والأول بصوت يتمثل لسمعه أو بغير صوت، ويفرق بينه وبين الإلهام بأن الإلهام وجدان تستيقنه النفس، وتناسق إلى ما يطلب من غير شعور منها من أين أتى، وهو أشبه بوجدان الجوع والعطش والحزن والسرور" (1)
ولقد بقي في هذا التعريف الذي أسهب الأستاذ الإمام في تحديده بعض الغموض فيما يتصل بتفسير اليقين عند النبي.
والواقع أننا في الحالة التي لا يكون الوحي فيها منتقلاً بطريقة محسة - مسموعة أو مرئية- سنقع في تعريف الوحي تعريفاً ذاتياً محضاً، إذ أن النبي في التحليل الأخير لا يدري بصفة موضوعية كيف جاءته المعرفة، وهو يجدها في نفسه مع تيقنه بأنها من عند الله، إن في ذلك تناقضاً واضحاً يخلع على ظاهرة الوحي كل خصائص المكاشفة، ولكن هذه- كما يجب أن نكرر- لا تنتج يقيناً مؤسساً على إدراك، ذلك الذي يبدو أنه اليقين المقصود في الآيات التي ورد فيها ذكر الوحي، والتي تتصل خاصة بإعداد (محمد) الشخصي لفهم طبيعة الظاهرة القرآنية.--------------------------------------------
(1) رشيد رضا (الوحي المحمدي) [ص:28] القاهرة 1935م.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 146)
ولنأخذ مثلاً الآية القصصية التي تذكر الإيحاء إلى الحواريين وما أجابوا به،
قال تعالى:
{وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ} [المائدة 111/ 5].
فالوحي هنا يأخذ معنى (كلام عادي) موجه إلى الحواريين، وقد جسمته بكيفية ما إجابتهم نفسها، وهذه الإجابة تدل أيضاً عند هؤلاء الحواريين على يقين إدراكي ناتج بأكمله عن الوحي، وليس مصاحباً له، فإن التيقن بصحة ظاهرة ما ليس مصاحباً في إدراكنا لوقت مشاهدتها، بل هو ينتج كصدى عقلي يصدر عنا.
ويترتب على هذا أن يقين النبي في مصدر المعرفة الموحاة لا يجيء مع الوحي نفسه، ولا يؤلف جزءاً من طبيعته، بل إنه في صورته الكاملة من عمله الشعوري بوصفه رد فعل طبيعي لهذا الشعور إزاء ظاهرة خارجية.
هذا الوصف يعطي الوحي نفسه- كما نريد أن نوضح- الخصوصية التي تجعله خارج أحوال الفرد النفسية، لتكون مهمته الوحيدة أن يصوغ أساساً عقلياً ليقينه واقتناعه الشخصي.
إقتناعه الشخصي
مقياسه الظاهري
مقياسه العقلي
يبدو أن الكتاب المحدثين لم يأخذوا في اعتبارهم- أثناء تحليلهم للظاهرة القرآنية- حقيقة نفسية جوهرية هي: اقتناع النبي الشخصي. ومع ذلك فمن
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 147)
الواضح أن انفراد النبي بكونه الشاهد الوحيد المباشر على الظاهرة، يخلع على هذه الحقيقة قيمة استثنائية خاصة.
ومن قبيل هذا أننا نجد دراسات هؤلاء الكتاب تعكس تناقضاً مزدوجاً، فهي من ناحية تعد الوحي ظاهرة ذاتية، قولاً واحداً، ومن ناحية أخرى لا تتلقى على هذه الظاهرة شهادة الذات المقترنة بها اقتراناً تاماً. هذا النقص غير المفهوم هو الذي دفعنا إلى أن نبين أولاً، في الفصل السابق القيمة الأدبية والعقلية لهذه الذات، كيما نتلقى- على علم- شهادتها باعتبارها شرطاً يجلي مشكلة الوحي النفسية.
وهكذا نحاول أن نضيف إلى معرفتنا الشخصية- رأي هذه الذات الخاص في نفسها، وفي الظاهرة التي نبحثها، ذلك الرأي الذي ينعكس بكل وضوح في اقتناعها النهائي. فالأمر على هذا يقتضي أن نتناول هذا الاقتناع- الذي ندرسه في نطاق قيمته العقلية- بوصفه برهاناً مباشراً على الظاهرة القرآنية، وعلى صفتها العلوية. وهذه القيمة العقلية مرتبطة بالطريقة التي تنشئ الاقتناع في نفس النبي.
هل كان هذا الاقتناع تلقائياً أو ناشئاً عن تفكير؟ ..
لقد رأينا في الفصل السابق كم عانى النبي من الشك في نفسه، في نهاية عزلته، بينما كان استشعاره لحل أزمته القريب يؤرقه.
هذا الواقع الثابت يمنعنا من أن نرى في اقتناعه ظاهرة تلقائية، فهو يبدو - على العكس- النتيجة التقدمية المطردة لتفكير واع، وبحث دقيق متردد للوقائع، واستبطان متغلغل في أعماق الضمير.
فلنا أن نعده نتيجة لبعض العمليات العقلية التي تشترك فيها العوامل النفسية، تلك التي ندرك قيمتها السامية عند محمد صلى الله عليه وسلم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 148)
إن تفكير النبي وإخلاصه وإرادته وذاكرته، وإحساسه وسيطرته على ذاته، ليست هذه كلها لديه كلمات جوفاء، بل إنه على العكس من ذلك، قد أبرز هذه الخصائص الرفيعة بصورة نادرة.
وعليه فإن اقتناعه يبدو لأول وهلة حقيقة لا يمكن إغفالها، هع أننا ملزمون - في مقياسنا الثاني- بأن نستخلص مباشرة نتائجنا عن الظاهرة القرآنية، من تحليلنا للقرآن.
أما الآن، فيجب أن نحاول تتبع العملية التي يصدر عنها الاقتناع الشخصي لدى النبي، فالطريقة التي استطاع بها أن يعكف بنفسه على حالته الخاصة، لا تخرج دون شك عن القواعد التي يخضع لها نشاط فكر موضوعي كفكره.
ولا شك أن الأحداث التي أثرت على جوارحه قد لفتت نظره أولاً للظاهرة، ثم إن فكره المتواصل- دون شك- قد تناول مثل هذه الأحداث لكي يتحقق من موضوعيتها، أعني من مجرد وقوعها على المرآة العاكسة لذاته.
ومن هنا كان النبي بحاجة إلى التثبت من مقياسين يدم بهما اقتناعه:
(أ) مقياس ظاهري للتحقق من وقوع الظاهرة.
(ب) مقياس عقلي لمناقشتها وتسويغها.
مقياسه الظاهري
في سن الأربعين، يجد النبي نفسه فجأة موضوعاً لظاهرة غير عادية، فعلى شفا هاوية (حِراء) يسمع للمرة الأولى هذا الصوت:
"يا محمد .. أنت رسول الله ".
فيرتفع بصره نحو الأفق، وإذا بضوء يبهره محيطاً بصورة غير مألوفة. هذا
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 149)
الحادث المزدوج الذي أمسك به على حافة الانتحار يصبح الآن بالنسبة له شغلاً متسلطاً مؤلماً:
فهل سمع ورأى حقاً؟ أو أن هذا الحادث السمعي البصري لم يكن سوى سراب باطني، انبعث في نفسه تحت تأثير انفعال مؤلم قاده إلى شفا الهاوية؟
ألم تخدعه جوارحه المنفعلة؟
لقد كان يجب أن تثور هذه الأسئلة كلها من أول وهلة في ذهن النبي، حتى قبل أن يثيرها النقد في عصره أو عصرنا.
فهو يخيل إليه أنه قد ألَمَّ به، فيمضي مسرعاً، ليسر بيأسه إلى زوجه الحانية، يشركها في فكرته المسيطرة عليه … في اضطرابه وخلطه.
ومع ذلك، فحتى في كنف زوجه الرقيقة لا تزايل رؤية جبل النور عينيه، كأنما هي مطبوعة على باصرته بشعاع ثابت غير منظور، فتحسرت زوجه وألقت خمارها ثم قالت: هل تراه؟ قال: لا … قالت: يا بن عم .. اثبت وأبشر فوالله إنه ملك، ما هو بشيطان (1).
قد يرى عصرنا المغرم بالعلوم في هذا الذي حدث دليلاً على ظاهرة ذاتية محضة، لأن الرؤية موضوع الظاهرة لم تحدث في حضور خديجة، لكن هذا الخروج على القاعدة ليس عسيراً على الفهم، من الناحية الحسية: فإن عمى الألوان مثلاً يقدم لنا حالة نموذجية، لا يمكن أن ترى فيها بعض الألوان بالنسبة لكل العيون، وهناك أيضا مجموعة من الإشعاعات الضوئية دون الضوء الأحمر، وفوق الضوء البنفسجي لا تراها أعيننا، ولا شيء يثبت علمياً أنها كذلك بالنسبة--------------------------------------------
(1) ابن الأثير ج2 [ص:32].
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 150)
لجميع العيون، فقد توجد عيون يمكن أن تكون أقل أو أكثر حساسية أمام تلك الأشعة، كما يحدث في حالة المخلية الضوئية الكهربية.
ونضيف إلى ذلك أن ظاهرة الوحي سيصحبها فيما بعد دلائل حسية يشعر بها بعض من شاهدوها خلال حدوثها (1).
ولكنا فيما يخص مرحلة ظهورها الأولى يمكن أن نتصور أن النبي كان في حالة من حالات التلقي، فهو بهذا الشاهد الممتاز على الظاهرة.
ويمكننا أن نستخدم هنا مقياساً فجاً، ولكنه مفيد لعقول المغرمين بالعلوم، هذا المقياس نجريه بين حالة التلقي هذه، وبين ما يسمى بالانتفاء الخاص في جهاز الاستقبال، ففي المجال الحسي تكون المسألة في أقصى صورها مسألة ضبط، وفي محيط النبوة يمكن أن نتصل بوضع خاص بالنبي في استقبال موجات ذات طبيعة خاصة.
وأية كانت وجهة الأمر، فبعد ظهور الوحي للمرة الأولى التي هزته هزاً عميقاً عاد محمد إلى (غار حِراء) وهناك عاودته الرؤية، ولكنها في هذه المرة أكثر قرباً ومباشرة وتأثيراً ومادية نوعاً ما، فإن لها شكلاً خاصاً هو هيئة (رجل متشح بثوبه الأبيض)، تأمره قائلة: {اقرأ} [العلق 1/ 96]
ترى هل يمكن للاختلاط أو (الهلوسة) أن تؤدي أصواتاً؟ ومع ذلك فإن--------------------------------------------
(1) عن عائشة رضي الله عنها أن الحارث بن هشام رضي الله عنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله كيف يأتيك الوحي؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أحياناً يأتيني مثل صلصلة الجرس، وهو أشده علي فيفصم عني وقد وعيت عنه ما قال، وأحياناً يتمثل لي الملك رجلاً فيكلمني فأعي ما يقول". قالت عائشة رضي الله عنها: "ولقد رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد فيفصم عنه، وإن جبينه ليتفصد عرقاً" … رواه البخاري ج1 كتاب (كيف كان بدء الوحي). (المترجم)
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 151)
الرؤية تتكرر آمرة: {اقرأ}، هذا الحوار الغريب، والرؤية التي تسبقه وتصحبه وتلحقه، يشكلان الأساس الأول الضروري للنبي في نظر النقد الذاتي لحالته، فها هي ذي الظاهرة تحت سمعه وبصره، فهو يرى ويسمع.
ولكن في الوقت الذي تصير فيه الرؤية أكثر قرباً وأكثر تمثلاً، يصبح الكلام واضحاً تماماً، مهما احتوى المضمون الأول الصادر عنه من الغرابة، إذ هو أمر (القراءة) موجه إلى أمي.
فالنبي- من كل وجه- لا يبدو أنه قد استفاد توجيهاً محدداً لسلوكه المستقبل، فهو الآن يشاهد، ويشاهد فحسب.
لكن هذه المشاهدة الحسية الخالصة تترك فكره الموضوعي في حال حائرة مختلطة، فيعود مسرعاً إلى مكة، مضطرباً كما لم يكن، محطم الجسد كما لم يحدث، وهو يشعر بحاجته إلى أن يهدئ أهله من روعه، أو إلى أن يدثروه، فتدثره خديجة بعباءة، فيضع رأسه على الوسادة وينام، بينما تلاطفه بكلماتها المسلية.
ولكن إحساساً لا شعورياً يعاوده فيوقظه، وإذا برؤية حراء أمام عينيه تملي عليه أمراً واضحاً صريحاً {قُمْ فَأَنْذِرْ} [المدثر 2/ 74].
إن النبي سيدرك للمرة الأولى أهمية الظاهرة في إطار حياته الخاصة، وسيظهر بعد تأمل أثاره هذا الوحي اقتناعه الوليد، فيما يسر به إلى خديجة: " لقد أمرني جبريل أن أنذر الناس، فمنذا أدعو، ومنذا يستجيب؟ " وفي هذا التساؤل، نلمح الريبة التي ليست بالتحديد صدى ليقين لا يتزعزع، وهو اليقين الذي سنجده لديه عندما يتحقق حتى نهاية دعوته، والذي أثاره خاصة عندما فاتحه عمه أبو طالب في عرض قريش ليضع حداً لدعوته.
إنه لم يصل بعد إلى هذه الدرجة من اليقين، فاقتناعه ليس مطلقاً، وهو رهن بالظروف الخارجية للنجاح، الذي يبدو له غير محتمل في تلك اللحظة،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 152)
ومع ذلك فإن تيار الوحي لن ينقطع، وستلفت بعض الظواهر العضوية نظر النبي، فيصاحب كل وحي عنده أعراض خاصة، وسوف يحدث أصحابه- فيما بعد- بأنه سمع قبيل حدوث الظاهرة، أي قبيل نزول الوحي، دوياً مؤذناً، شبيهاً أحياناً بدوي النحل عندما ينطلق من خليته، وأحياناً أخرى أكثر رنيناً حتى كأنه صلصلة جرس.
ومن ناحية أخرى استطاع أصحابه أن يلاحظوا كما نزل الوحي، شحوباً مفاجئاً، يتبعه احتقان في وجه النبي (1) وهو نفسه يدرك ذلك، ولذا يأمرهم بأن يلقوا على وجهه ستراً (2) كما طرأت الظاهرة، ألا يعني هذا الاحتياط أن هذه الظاهرة كانت مستقلة عن إرادة النبي صلى الله عليه وسلم، حق يصبح عاجزاً مؤقتاً عن أن يغطي وجهه بنفسه، وهو يعاني حالة متناهية الإيلام، كما روت السيرة.
لقد تعجل بعض النقاد حين ألموا بهذه الدلائل النفسية فعدّوها أعراضاً للتشنج، هذا الرأي يشتمل خطأ مزدوجاً حين يتخذ من هذه الأعراض الخارجية مقياساً يحكم به على الظاهرة القرآنية في مجموعها. ولكن من الضروري أن نأخذ في اعتبارنا قبل كل شيء الواقع النفسي المصاحب، الذي لا يمكن أن يفسره أي تعليل مرضي.
وأكثر من ذلك، فإن الأعراض العضوية نفسها ليست خاصة بحالة التشنج التي تحدث شللا ارتعاشياً (إن صح التعبير) عند الفرد المحروم مؤقتاً من قواه العقلية والجسمية.--------------------------------------------
(1) عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: " كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أنزل عليه الوحي كرب لذلك. وترتد وجهه، وفي رواية نكس رأسه ونكس أصحابه رؤوسهم، فلما سري عنه رفع رأسه".
(2) جاء في البخاري، كتاب (26) (العمرة) - 10 - باب (يفعل في العمرة ما يفعل في الحج) ما يفيد أنه صلى الله عليه وسلم كان يستر بثوب حين ينزل عليه الوحي، وأن عمر رضي الله عنه رفع طرف الثوب لينظر السائل إلى الرسول وهو في حاله تلك (ف).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 153)
فإذا نظرنا إلى حالة النبي، وجدنا أن الوجه وحده هو الذي يحتقن، بينما يتمتع الرجل بحالة عادية، وبحرية عقلية ملحوظة من الوجهة النفسية، ليستخدم ذاكرته استخداماً كاملاً خلال الأزمة نفسها، على حين يمّحي وعي التشنج وذاكرته خلال الأزمة، فالحالة بناء على هذه الملاحظات ليست حالة مرض كالتشنج.
ونضيف أيضاً أن الأعراض الجسمية التي رويت عن النبي لا تظهر إلا اللحظة التي تعتريه فيها الظاهرة القرآنية، وفيها وحدها، أي في اللحظة الخاطفة للوحي.
هذا التلازم الملحوظ بين ظاهرة نفسية في أساسها، وحالة عضوية معينة، هو الطابع الخارجي المميز للوحي.
فمن المحتم أن يكون للنبي في مجموع هذه الأحداث الشخصية موضوع للتفكير، على الأقل في بداية دعوته، من أجل عقله الموضوعي، فما كان له أن يتغافل عن هذه السلسلة من الأحداث الملحوظة كقياس ظاهري خاص بحالته، مهما كانت غير كافية لإصدار حكم نهائي، أو تأسيس اقتناع.
ولتثبيت هذا الاقتناع النهائي، سيمدنا القرآن بمقياس مكمل للمقياس الأول، وبأساس للاقتناع والحكم النهائي لدى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
مقياسه العقلي
إن (محمداً) أمي، ليس لديه من معرفة البشر سوى ما يمكن أن يمنحه له وسطه الذي ولد فيه.
وفي هذا الوسط الفروسي الوثني البدوي، لا مجال مطلقاً للمشكلات الاجتماعية والغيبية (الميتافيزيقية)، فإن معارف العرب عن الحياة الاجتماعية
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 154)
والفكرية لدى الشعوب الأخرى ليست بذات قيمة، إذا ما رجعنا إلى الشعر الجاهلي الذي يعد مصدراً قيما لمعلومات في هذا الموضوع.
فمحمد في ذهابه إلى عزلته في غار حراء، لم يكن لديه سوى ذلك المتاع العادي من الأفكار الشائعة في وسطه البدائي.
ثم تأتي الفكرة الموحى بها فتقلب هذه المعرفة الضئيلة المحاطة بسياج مزدوج من الجهل العام، والأمية الخاصة عند محمد.
ومن الواجب أن نتصور في كلمة {اقرأ} وهي الكلمة الأولى للوحي، تأثيرها الصاعق على النبي لأنها لا تعني شيئاً بالنسبة له، إذ هو أمي. وهذا الأمر الملزم يحدث بطبيعة الحال انقلاباً في كيانه، لأنه يزلزل فكرة الأمي عن نفسه، فيجيب متهيباً: (ما أنا بقارئ). ولكن … أي صدمة مذهلة تصيب فكره الموضوعي؟!. فإذا كان النبي قد تخلقت لديه نواة الاقتناع عقب الملاحظات الأولى المذكورة، فإن هذه الصدمة العقلية لن تبدد شكوكه مرة واحدة، إذ عندما يأمره الصوت في المرة التالية (أن ينذر)، سيتساءل قلقاً ((منذا الذي يؤمن بي؟)) وفي هذا السؤال نلمح مفاجأة الشيء غير المتوقع، وحيرة الاقتناع.
وفضلاً عن ذلك فإن الوحي سينقطع فترة من الزمن، وسنجد أنه يتمناه، بل يريده، بل يناديه مستيئساً، ولا من مجيب.
هنا يجد (محمد) نفسه في أقسى لحظات أزمته الأدبية التي عرفها في غار حراء (1). وهنا يتعاظم شكه، وقد كان يسيراً، فيشكو حيرته لزوجه الحانية،--------------------------------------------
(1) من حديث عائشة قالت: "وفتر الوحي فترة حتى حزن النبي صلى الله عليه وسلم فيما بلغنا حزناً غدا منه مراراً كي يتردى من رؤوس شواهق الجبال، فكلما أوفى بذروة جبل لكي يلقي منه نفسه تبدى له جبريل فقال: (يا محمد إنك رسول الله حقاً) فيسكن لذلك جأشه وتقر نفسه" رواه البخاري 12 كتاب التعبير ط المطبعة البهية. (المترجم)
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 155)
وإذا بها تحاول أن تعزيه بكلمات لا تبعث في قلبه العزاء … وأخيراً وبعد عامين ينزل الوحي، فيأتيه بالكلمة العليا الوحيدة التي هي بلسم الشفاء … كلمة الله. لقد أشرقت أسارير النبي، إذ هو يملك منذ الآن البرهان الأدبي والعقلي على أن الوحي لا يصدر عن ذاته، ولا يوافيه طوع إرادته، فلقد بدا له عصياً لا يمكن أن يخضع له، كما لا تخضع له أفكار الآخرين وكلماتهم. ولديه الآن برهان موضوعي إلى أقصى درجة على صحة اقتناعه الجديد.
هذا الانتظار الحزين، ثم ما تلاه من ابتهاج مفاجئ كانا- في الواقع- الظرفين النفسيين المناسبين لتلك الحالة من الفيض العقلي، لم تعد تخطر معه ظلال الريبة والشك.
والحق أن الشك الذي عاناه النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي اضطره إلى أن ينكب على حالته الخاصة، ويواصل تفكيره ومعالجته التي ستنتهي باليقين النهائي.
وفي هذا التحول نرى أثر التربية السامية، التي تعين رسول الله على أن يتحقق تدريجياً في نفسه من حقيقة الظاهرة القرآنية، يعينه على ذلك تكيف مستمر لضميره الواعي، وكأنما أريد إعداده منهجياً للاقتناع الضروري اللازم لدعوته، فأبلغه الوحي منذ البداية خصائص هذه الدعوة العظمى، كما تدل عليها الآية:
{إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا}! [المزمل 73/ 5].
وإن صدق هذه الإرادة العليا التي تملي تلك الكلمة ليتجلى أمام عينيه شيئاً فشيئاً، فإذا بشكه يخلي مكانه للاقتناع الجديد، ثمرة الفكرة الناضجة المستغرقة، وهو اقتناع يتجلى في محاوراته الأولى مع قريش، لقد تبدلت حال نفسه، فأصبح يثق في ذاته، وينزل الوحي لكي يعكس على نظرنا حاله النفسية الجديدة، ويؤكد هذا الاقتناع الظافر بقوله:
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 156)
{وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى … مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى … } [النجم 53/ 1، 2، 3، 4، 11، 12، 13].
لم يعد لدى النبي أدنى شك أدبي أو عقلي، فإن الحكم الصادق هو الذي يهديه، وهذا النوع من الحكم لا يحول الشك المنهجي الذي عاناه، إلى شك مقصود لذاته. إذ أن الحقيقة العلوية للوحي تفرض نفسها فرضاً على العقل الوضعي. فكل ما يراه وما يسمعه وما يشعر به وما يفهمه، يتفق الآن مع حقيقة واضحة تماماً في ذهنه، جلية في عينيه هي: الحقيقة القرآنية.
وأكثر من ذلك، فإن إدراكه في هذا النطاق سيزداد ويتسع كلما تابع الوحي آياته البليغة، تلك التي تكون الكتاب الروحي الذي أحس به مطبوعاً في قلبه في غار حراء، وإن هذا الاقتناع العقلي ليزداد رسوخاً كما ازدادت الهوة عمقاً في عينيه بين ظنون (الإنسان) وما يجري على لسان (النبي).
وسيتابع الوحي نزوله بسور القرآن سورة سورة، فتتزاحم في وعيه الحقائق التاريخية والكونية والاجتماعية، التي لم يسبق أن سجلت في صفحة معارفه، بل حتى في معارف عصره، ومناحي اهتمامه.
هذه الحقائق ليست مجرد تعميمات غامضة، ولكنها معلومات محددة تضم تفاصيل هامة عن تاريخ الوحدانية.
فقصة يوسف المفصلة، مثلاً، أو التاريخ المفصل لهجرة بني إسرائيل لا يمكن اعتبارهما مجرد اتفاق عارض، بل يجب حتما أن يأخذا لدى (محمد) صلى الله عليه وسلم صفة الوحي العلوية.
ولنا أن نتساءل كيف استطاع أن يدرك الاتفاق العجيب لهذا الوحي مع ما ورد من التفاصيل التاريخية في التوراة … ؟
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 157)
لقد كان يكفي محمداً لاقتناعه الشخصي أن يلاحظ أن مثل هذا التفصيل غير المتوقع، والذي غاب عن الأعين في طيات التاريخ ليس بذي طابع شخصي، دون أن يستخدم فعلاً أساساً للموازنة، حتى يحكم على الفكرة الموحى بها، ومدى تصديقها لما ورد في التوراة.
فكان عليه أن يلاحظ أن أخبار الوحي تنزل عليه من مصدر ما، فمن هو هذا المصدر؟ صار إذن من الضروري أن يحتل هذا السؤال مكانه في العملية العقلية التي يستقي منها النبي إدراكه الثابت، واقتناعه الشخصي. ولقد جاءت إجابته عن هذا السؤال بعد مقابلة باطنية بين فكرته الشخصية وبين الحقيقة المنزلة، وكان بحسبه أن يعقد هذه المقابلة لكي يحل مصدر هذه الأخبار المنزلة، خارج ذاته وخارج مجتمعه، فما كان لديه أي التباس في هذا، فخارج معلوماته لم يكن يستطيع أن يجد الحقيقة القرآنية عند أي مصدر إنساني.
و (محمد) صادق مع قومه، وهو قبل ذلك صادق مع نفسه، فدراسته الواعية لحالته الغريبة يجب أن تكون نوعاً من الدرس الباطني القرآني، لتقضي هذه الدراسة على أي شك يخايل عينيه، ما دام يمكنه أن يجريها على أساس منهجين مختلفين، الأول: ذاتي محض يقتصر على ملاحظته وجود الوحي خارج الإطار الشخصي، والثاني: موضوعي يقوم على الموازنة الواقعية بين الوحي المنزَّل وما ورد من التفاصيل المحددة في كتب اليهود والنصارى مثلاً.
وكأنما كان الوحي- أحياناً- يعلمه هذا المنهج الأخير الموضوعي عندما لا يكون الأمر أمر اقتناعه هو- لأنه اقتنع منذ زمن طويل- بل أمر تأسيس وتربية للذات المحمدية، ولا سيما عندما يجادل المشركين عن عقيدته، أو وفود النصارى الآتية من أطراف الجزيرة، كوفد نجران الذي أتاه ليناقش معه عقيدة التثليث.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 158)
وفي هذا يحدثه الوحي صراحة:
{فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ} [يونس 94/ 10].
يحدثنا المفسر جلال الدين السيوطي فيقول: إن النبي عقب على ذلك قائلاً: "لا أشك ولا أسأل" (1).
فمن هذا نرى أن النبي كان يمكنه أن يكتفي بالمقابلة الباطنية المشار إليها آنفاً، على الأقل فيما يتصل باقتناعه الشخصي. ولكن كان عليه أيضاً أن يشبع حاجة الآخرين إلى الاقتناع، فكأنما قد استخدم لذلك المنهج الثاني عندما كان يتصدى في إحدى المناظرات العامة، لتحقيق قيمة الوحي بصفة موضوعية بالنسبة لحقيقة مكتوبة في الكتب السابقة.
وتلك- على ما نظن- المناسبة التي نزلت من أجلها سورة يوسف، فكما قرر الزمخشري: نزلت هذه السورة المكية عقب نوع من التحدي الذي جابهه به علماء بني إسرائيل، لقد سألوه صراحة عن قصة يوسف، فنزلت (2) ولكنها إذا كانت قد أجابت على تحدٍّ صادر عن أحبار اليهود أو غيرهم، فإنها لم تكن لتحسم النزاع إلا بمقابلة دقيقة بين نصوص التوراة وقصص القرآن.
ولا شك أن النبي لم يكن في نفسه مهتماً بمثل هذه المقابلة، التي تتيح له فرصة الموازنة الموضوعية بين الوحي والتاريخ الثابت في كتب بني إسرائيل.--------------------------------------------
(1) أخرجه عبد الرزاق وابن جبير عن قتادة.
(2) ذكرنا فيما بعد سبباً آخر للنزول في معرض التدليل على أنها نزلت جملة واحدة، وهو لا يتنافى مع ما ذكر هنا في سبب النزول الذي استند إليه المؤلف. (المترجم).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 159)
ولعل هذه الفرصة لم تكن الوحيدة التي لجأ فيها إلى الموازنة الفعلية، التي تقدم في كل مرة عنصراً جديداً لقياس اقتناعه العقلي.
وأخيراً، فإن صوغ هذا الاقتناع، يبدو أنه قد سار طبقاً لمنهج عادي حين ضم- من ناحية- الملاحظات المباشرة للنبي عن حالته، ومن ناحية أخرى مقياساً عقلياً يستقي منه اقتناعه، وهو يجول بعقله في دقائق ملاحظاته.
إن علم الدراسات الإسلامية الذي يتناول هذه الدراسات في عمومها بفكر مغرض، لم يعالج مشكلة هذا الاقتناع الشخصي، على الرغم من أنها في المقام الأول من الأهمية لتفهم الظاهرة القرآنية، إذ هو يمثل مفتاح المشكلة القرآنية حين نضعها على البساط النفسي للذات المحمدية.
وغني عن البيان أنه لكي يؤمن (محمد)، ويستمر على الإيمان بدعوته يجب أن نقرر حسب تعبير (أنجلز) أن كل وحي لابد أن يكون قد (مَرّ بوعيه) (1) واتخذ في نظره صورة مطلقة، غير شخصية، ربانية في جوهرها الروحي، وفي الطريقة التي تظهر بها.
ومحمد صلى الله عليه وسلم قد حفظ- بلا أدنى شك- اعتقاده حتى تلك اللحظة العلوية، حتى تلك الكلمة الأخيرة:
" نعم … في الرفيق الأعلى".
…--------------------------------------------
(1) فردريك انجلز. (لودفج فرباخ ونهاية الفلسفة الكلاسيكية الآلمانية) [ص:38] الطبعة الاجتماعية- باريس يقول: " عند الإنسان المنعزل تمر كل القوى المحركة لنشاطه بعقله لكي تتحول إلى عوامل ملزمة لإرادته تدفعه إلى العمل والنشاط".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 160)
مقام الذات المحمدية في ظاهرة الوحي
- اقرأ.
- ما أنا بقارئ!؟
هذا الحوار الفريد الذي يستهل بالنسبة لهذا العالم العهد القرآني، يمنحنا اليوم عنصراً ثميناً في الدراسة النفسية التحليلية لظاهرة الوحي.
ولا غرو، فهو الحوار الوحيد الثابت تاريخياً، والذي تجيب فيه الذات المحمدية بوضوح، وبمقاطع صوتية، على الصوت الذي سيبلغها قريباً دعوتها.
هل هذا اختلاط و (هلوسة)؟
إن الظاهرة التي ندرسها هنا، في حالتها الأولى، مرئية مسموعة، وذلك بغض النظر عن كل ما جاء بعد ذلك من الأحداث التاريخية التي ستستغرق عشرين عاماً؛ فالاختلاط العقلي الذي من هذا النوع إنما يحدث في هوامش النوم. ويطلق على الاختلاط الذي يحدث عندما يغشى النوم الذات الواعية، أي بين اليقظة والنوم ( Hallucination Hypnagogique) ؛ ويطلق على الاختلاط الذي يحدث عندما تخرج هذه الذات من النوم؛ أي بين النوم واليقظة ( Hallucination Hypnopompique)
ولقد قرر علم النفس العلاجي أن الحالتين كلتيهما لا تصيب الأشخاص الأسوياء- كما هو شأن النبي- لوجود سبب حسي هو ترتيل أصوات مسموعة. تلك هي حالتنا، فقد تكرر السبب الحسي في الحوار المذكور ثلاث مرات.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 161)
وعلى هذا، فلو فرض أن الاختلاط أو (الهلوسة) لم تزل بتأثير الجزء الأول من الحوار، فإنها لا يمكن أن تبقى بعد الصدمة الصوتية الأولى، أي خلال المرتين الأخريين اللتين سيبقى تفسيرهما معلقاً: وهكذا، دون أن نتسرع في الحكم على طبيعة الظاهرة نفسها، لا يمكن على أية حال أن نفسرها بالاختلاط العقلي.
ولو أننا تناولنا الأمر من ظاهره فسنجد أن هذا الحوار يحدد- منذ البداية- الوضع النسبي للذات المحمدية في الخطاب القرآني، فتوضع هذه الذات منذ الوحي الأول في مقام المخاطب المفرد، وسينزل الوحي في الواقع على ذات مخاطبة، تؤديه واسطة عن الذات المتكلمة، تستعمل هنا مباشرة اللغة الإلهية لتأمر بالقراءة أمياً، لا يتخيل نفسه قارئاً، وهو لهذا قد اضطرب وأجفل.
وكل ما يهمنا هنا هو معرفة ما إذا كانت هذه الذات المخاطبة، وتلك الذات المتكلمة يمكن أن تجتمعا نفسياً في ذات واحدة، هي ذات (محمد).
ومن الواجب أن نذكر- أولاً- مدى التباعد الرئيسي البين في الحوار، بين الذات المتكلمة الآمرة الحازمة، والذات المخاطَبة المضطربة المجفلة. فهذا الإجفال يعكس طبيعياً لدى النبي- الذي يعرف أنه لا يعرف القراءة- الشعور والفكرة اللذين يعرفهما عن نفسه؛ فإجابته السلبية الخاشعة- ولكنها القاطعة- هي النهاية الطبيعية لعملية نفسية تنبثق عن هذه الفكرة التي يدرك موضوعيتها تماماً: فكرة أميته.
ألا يمكن أن يفهم أن هذا الأمر الصارم- الذي أجفل منه هذا الأمي- قد ضرب صفحاً عن هذه الفكرة الموضوعية فأنكرها؟ إن هذا التباعد يصور لنا - على أية حال- عملية نفسية أخرى مختلفة تماماً عن الأولى، ولكنها متحدة معها في الزمن، لأن كلتيهما تتلاقى وتتقاطع مع الأخرى في اللحظة نفسها. عندما تأمر الذات المتكلمة فتجفل الأخرى وقد انقلب حالها.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 162)
فهل يمكن أن نتصور هذا الاتحاد الزمني لعمليتين متباعدتين في ذات واحدة تنطوي على شخصيتي الحوار؟
إن هاتين الحالتين- التباعد الجوهري والاتحاد الزمني- متعارضتان سواء تصورناهما في مجال واحد للذات، أم في مجالين مختلفين هما: الشعور وما وراء الشعور.
فهناك بالضرورة تعدد في (الذوات) في حوارنا، وهو تعدد لا يمكن أن تضمه وحدة نفسية.
فنحن مضطرون لهذا أن نقرر ازدواج الذات، كما يحدث في أي حوار عادي، وبين هاتين الذاتين اللتين تتحاوران، تنجلي الذات المحمدية بوصفها شاهداً واعياً ومؤرخاً صادقاً للواقع الذي نحلله.
ومع ذلك، فهذه هي المرة الوحيدة التي ستحدد فيها هذه الذات موقفها بالنسبة للظاهرة القرآنية الغريبة، هذه هي المرة الوحيدة التي ستحتل فيها- عن قصد- وضعاً واضحاً وإرادياً في مواجهة الذات المتكلمة، تلك التي تأمر أمياً مشدوهاً أن يقرأ، محدثة بذلك خروجاً عن المألوف، يبدو لأول وهلة غير معقول.
وسنجد فيما بعد وإلى النهاية، أن الذات المحمدية لن تتحدث مع الذات المتكلمة حين تخاطبها، وهذا الصمت- في ذاته- جدير بالملاحظة، لأنه يسجل إدراك الرسول صلى الله عليه وسلم النهائي أمام الظاهرة، التي سيقف منها منذ ذلك الحين موقف التسليم. وستظل ذاته دائماً صامتة في الخطاب القرآني، الذي لن يذكر الأحداث الخاصة في تاريخه. فلن نجد أي صدى لآلامه وخاصة عندما يفقد أكرم زوجة وأفضل عمٍّ، ومع علمنا بما كان لديه من الحنو البنوي تجاه هاتين الشخصيتين.
هذه الملاحظات عن انعدام الطابع الشخصي في الخطاب القرآني، الذي
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 163)
لا يرد فيه الضمير المحمدي إلا بصورة المفرد المخاطب، يمكن أن نزيدها وضوحاً. فهناك في الواقع آيات يلفت انتباهنا إليها صورتها الغريبة، لما تمثل فيها الذات المحمدية من دور فريد.
وهاك مثلاً على ذلك، قوله تعالى:
{هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ .. } [سورة يونس 22/ 10]
ففي هذه الآية نجد أن الانتقال غير العادي من ضمير (كم) إلى ضمير (هم) جدير بالملاحظة، لأنه لا يمكن أن يكون خطأ نحوياً، إذ لا يمكن أن يتصور في ذلك الأسلوب الأدبي الكامل الذي يعد البرهان العظيم على دعوة النبي صلى الله عليه وسلم، فلو كان في الآية خطأ لكان تصحيحه بعد قليل أمراً ضرورياً وسهلاً وممكناً.
فإذا لم يقع هذا من النبي الذي كان يقرأ القرآن، لنفسه ولصحابته، فإنه يستتبع ألا يكون الخروج على القاعدة المطردة خطأ عنده، وهو يشهد بأن (محمداً) لم يكن لديه أي مقدرة على التصرف في النص القرآني.
وفضلاً عن ذلك، فلسنا نعالج هنا هذه المسألة في صورتها الأدبية، وإنما نعالجها من الوجهة النفسية التحليلية. فنحن نلاحظ في هذا الخروج عن المألوف أن الذات المحمدية تتمثل في وضوح وعلى التوالي في دورين مختلفين، فهي مخاطب مقصود مباشرة داخل في ضمير المخاطبين الذين يتوجه إليهم الخطاب، ثم إنها تصير شاهداً غير مقصود مباشرة، موضوعاً بصفة طارئة أمام مشهد عبر عنه القرآن بضمير الغائبين، هذا الانتقال غير المتوقع يستتبع حالتين نفسيتين لا يمكن أن تنتج الثانية منهما إلا من الأولى، أو هي نفسها هذا الحل، إذا ما تمثلنا ذلك في ذات معينة، هي هنا ذات محمد.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 164)