الحركة النبوية
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 83)
الحركة النبويّة
إن الدراسة الموجزة، لا تؤدي إلى فهم الظاهرة الدينية المعقدة، لأن لها مظاهر متنوعة ومتعددة في مختلف البيئات الإنسانية، ولقد قامت نظريات غريبة عن طبيعة هذه الظاهرة وتاريخها. فالمؤلفون المعاصرون يحاولون شرحها في ضوء تفسير تاريخي مجرد، تبعاً لمنهج (ديكارت) الذي يرجع كل شيء إلى معيار أرضي.
كذلك قرر (شوريه) Shurré مؤلف كتاب (كبار الواصلين) Grands Initiés أن الفكرة الدينية ظلت سراً تحفظه صدور بعض أولئك الواصلين، يكشفه بعضهم لبعض، من جيل إلى جيل، بواسطة انكشاف باطني، تضل ذكراه مع ما يحتوي من سر ية في أعماق التاريخ.
هذه الفكرة البسيطة تزيد في تعقيد موضوع سبق أن قررنا أنه معقد، وهم يدَّعون مع ذلك أنهم إنما أرادوا توضيح أركانه بهذا الفرض الخاطئ المضحك؛ وهو الفرض الذي يزعم حدوث انكشاف دوري للسر الديني، بواسطة جمعية سرية غامضة يرأسها بعض (اللاأمات) في أحد جبال التبت البعيدة!! …
ولم يعبأ (شوريه) في نظريته هذه بالتفسير التاريخي للسلسلة التي تربط مثلاً حدثين مختلفين تماماً، كالبوذية والإسلام، ولم يعبأ أيضاً بأن يعرض علينا في هذه الحالة القاسم المشترك الذي كان من المفروض أن يعكسه ضمير (بوذا) من ناحية، وضمير بدوي كمحمد صلى الله عليه وسلم من ناحية أخرى.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 85)
وإنه ليبدو حقاً أن تعقيد الظاهرة الدينية قد أضل الأفكار الديكارتية، وأننا ما زلنا- بلا شك- مزعزعين أمام المشكلة التي تشتمل على ربط أحداث متباينة، كمذهب وحدة الوجود والشرك والوحدانية في نطاق واحد.
ولقد لاحظنا في الفصل السابق ضرورة وضع فرض هو التسليم بوجود (الله)، وسنبحث هنا واقعاً خاصاً هو (التوحيد) الذي قدم لنا برهانه الأسمى على ألسنة الأنبياء، وبذلك أصبح فيصلاً في مجموع الظاهرة الدينية.
والواقع أن تتابع ديانات التوحيد دليل يمكن فحصه دائماً من الناحية الاعتقادية فحصاً يقوم على أساس النقد، ويتمثل هذا التتابع في ظهور النبوة وجميع المظاهر الأدبية والروحية التي تصحبها.
ومنذ (إبراهيم) عليه السلام تتابع أفراد مدفوعون بقوة لا تقاوم، جاؤوا يخاطبون الناس باسم (حقيقة مطلقة) يقولون إنهم يعرفونها معرفة شخصية، وخاصة، بوسيلة سرية هي الوحي.
ويقول هؤلاء الرجال إنهم مرسلون من (الله) ليبلغوا كلمته إلى البشر، هؤلاء الذين لا يستطيعون أن يسمعوها مباشرة.
وخصوصية هذا الوحي ومضونه، هما الأمارتان الميزتان المثبتتان لرسالة النبي. هذا إلى أنها هي السمة المميزة للنبوة، وهي الحقيقة الجوهرية في مذهب التوحيد وبرهانه الواقعي.
***
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 86)
مبدأ النبوة
إن مبدأ النبوة يعرض نفسه بفضل شاهده الوحيد- النبي- بوصفه ظاهرة موضوعية مستقلة عن الذات الإنسانية التي تعبر عنه.
والمشكلة على وجه التحديد هي معرفة ما إذا كان الأمر يتعلق بأشياء ذاتية محضة، أو بظاهرة موضوعية كالمغناطيسية مثلاً؛ إن وجود المغناطيسية ينكشف لنا بواسطة الإبرة الممغنطة التي تجسم لنا كماً وكيفاً الحقائق النوعية؛ لكننا لا نستطيع ملاحظة ظاهرة النبوة إلا من خلال شهادة النبي، وفي محتويات رسالته المتواترة المنزلة، فالأمر يتعلق إذن بمشكلة نفسية من ناحية وتاريخية من ناحية أخرى، ولنا أن نلاحظ أولاً وقبل كل شيء أن بعث نبي ما ليس حدثاً فرداً، ليكون غريباً نادراً، بل هو على العكس من ذلك ظاهرة مستمرة تتكرر بانتظام بين قطبين من التاريخ، منذ إبراهيم إلى محمد صلى الله عليه وسلم. واستمرار ظاهرة تتكرر (1) بالكيفية نفسها، يعدّ شاهداً علمياً يمكن استخدامه لتقرير مبدأ وجودها؛ بشرط التثبت من صحة هذا الوجود بالوقائع المتفقة مع العقل، ومع طبيعة المبدأ.
ومن المعلوم بناء على وجهة نظر (هيجل) - التي تعتمد على ملاحظة الظواهر- أننا إذا وجدنا حالة نبوية خاصة لا تفسر شيئاً ولا تثبته، فإن تكررها في ضل بعض الشروط يبرهن على الوجود العام للظاهرة بطريقة علمية، ويبقى علينا أن نبحث في ماهية هذا التكرار، لكي نستخلص من صفاته الخاصة القانون العام الذي يمكن أن يسيطر على الظاهرة في جملتها. فليس هناك من--------------------------------------------
(1) يتصل بهذا المعنى الآية الكريمة: {قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ} [الأحقاف 9/ 46].
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 87)
سبب وجيه لكي نسلم مقدماً بالنبوة بالممعادلة الشخصية (1) للنبي، وهو يقرر أن الأمر يتعلق أو يمكن أن يتعلق بالأعصاب الثائرة، والخيال الشاطح، والفكر الذي أزاغته ظواهر ذاتية محض.
إن حياة الأنبياء وتاريخهم يمنعاننا من أن نعدهم مؤمنين مندفعين دون تعقل وبكل بساطة، إلى الخوارق والمعجزات، أو أن نحكم بأنهم معتوهون بأصل خلقتهم، اختلت عقولهم وبصائرهم بنقائص مزمنة؛ فهم يمثلون- على العكس- الإنسان في أسمى حالات كماله البدني والخلقي والعقلي، وشهاداتهم الإجماعية تحظى في نظرنا بالثقة التي تستحقها. وإذن فمن الواجب في المقام الأول أن نلجأ إلى هذه الشهادة لكي نثبت القيمة التاريخية للوقائع التي نخضعها لنقدنا، ثم يبقى علينا أن نحلل مجموع هذه الوقائع في ضوء العقل المتحرر من ربقة الشك المطلق الذي لا هدف له.
ولذا فسنحاول أن نبحث حالة النبي (أرمياء) الذي اخترناه من أجل الضمانات التاريخية، التي تخول كتابه وتاريخه الشخصي قيمة الحقيقة الموضوعية، والواقع أن البروفسور (مونتيه، Montet) قد توصل في دراسته للوثائق الدينية إلى تجريد الكتاب المقدس من كل صفات الصحة التاريخية، فيما عدا كتاب (أرمياء) (2)، ومع ذلك فنحن نريد أن نتحاشى مساوئ النقد الحديث للكتاب المقدس، الذي يبدو لنا أنه قد أخطأ في فهم طبيعة الموضوع بهذا التعميم المفرط للشك الديكارتي، والذي يؤدي غالباً إلى تفسير متعسف للحقائق النفسية التي هي الأساس في هذا الموضوع.--------------------------------------------
(1) المعادلة الشخصية هي مجموعة من الطاقات والإمكانيات الشخصية تكون (الأنا). (المترجم)
(2) تضم الحركة النبوية الإسرائيلية سبعة عشر نبيا منهم أربعة أكابر هم: أشعياء وأرمياء وحزقيال ودانيال، وقد قيل لهم ذلك لأنهم ذوو أسفار أكبر من أسفار غيرهم. وقد وزعت نبوتهم على أربعة قرون بعثوا خلالها في أعقاب بعض (830 - 435 ق. م) وأولهم (يونى ويوئيل) (830 ق. م). وآخرم (ملاخى) (435 ق. م). ثم جاء بعده (يوحنا المعمدان) الذي ظهر على إثره المسيح عليه السلام. ((المترجم))
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 88)
ادعاء النبوة
إن التعميم الؤسف الذي وصفناه قد أدى إلى وضع (مبدأ النبوة) بين مجموعة ظواهر نفسية تدرس تحت اسم (الظواهر الباطنة) Phènomènes Pneumaiques، ويبدو لنا أن هذا التعميم منسوب إلى المصدر العبري خاصة، لأن النقد الحديث يستقي منه أسانيده عن الموضوع.
هذه الأسانيد هي في الواقع الخطوطات الإسرائيلية في القرنين السابع والسادس قبل الميلاد، وهي التي كانت مصدراً للمعلومات الرئيسية عن الحركة النبوية.
على حين أن هذه الحقبة من التاريخ الإسرائيلي لم تكن فترة ارتقاء روحي، بل هي الأخرى فترة تدهور خلقي وديني، ناتج عن الاضطرابات الاجتماعية والسياسية، وهذا التدهور هو على وجه التحديد موضوع دعوة الأنبياء منذ (عاموس) Amos ومعاصريه (ميخا) Michée و (هوشع) Osée الذين لم يأتوا ليعلنوا وعد البشارة والغفران، بل ليبلغوا وعيد العقوبة والبلاء.
وتفسير ذلك من وجهة نظر التاريخ هو أنه حدث في ذلك العصر أمران هامان هما: هبوط درجة (رب العالمين) إلى مجرد إله قومي- من ناحية-، ودخول كثير من الشعائر والطقوس الآشورية الكلدانية في العبادة من ناحية أخرى، حتى أصبحت الشمس تتمتع بتقديس حار في بيت المقدس، فقد كان هناك (رجال يعبدون الشمس المشرقة، وفي أيديهم غصن، بالقرب من هيكل الرب نفسه) كما يقول مؤرخو تلك الفترة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 89)
ولكن إذا كان المستوى الروحي قد انحط تبعاً لهذا التلفيق والتأميم لفكرة الإله الواحد، فإن النشاط الديني الذي التزمته طقوس العبد أو نمّته، كان يغذي في روح إسرئيل المتصوفة حمية واندفاعاً تمسك الإسرائيليون بمظاهرهما العامة على أنهما أجزاء مكلة للحركة الدينية.
فقد تكاثر الكهان والعرافون وأهل الكشف في بيت المقدس، وكانوا موضع احترام الشعب أو خوفه، لما خصهم به من المقدرة الخارقة. ولا كان من الضروري إطلاق اسم على هؤلاء الذين يحظون بهذا الاحترام، فقد أطلق عليهم جميعاً اسم (الأنبياء) نظراً لعدم وجود مصطلح اشتقاقي مناسب لهم (1).
ونحن نعرف في إفريقيا الشمالية مثالاً لتطور المفردة ذات المعنى الأصلي االخاص إلى مضمون عام، فإن لفظ (المرابط) كان يطلق في الأصل على عضو في إحدى جمعيات الأخوة الدينية العسكرية، الذي كان من مهمتهم السهر على حدود (دار الإسلام)، وما حدث لهذه اللفظة فيما بعد معروف (2).
وعلى كل حال فإن الاستعمال الدارج لهذا اللفظ لم يقتصر على الاستعمال الشعبي، فقد كان له أيضاً حق التطرق إلى الأدب الديني في هذا العصر. وكان يطلق خاصة على الموظف الكهنوتي المكلف رسمياً بالتبشير في العهد.--------------------------------------------
(1) جاء في الحاشية على الجزء الثاني من الكتاب المقدس طبعة اليسوعيين صفحة 863 ((يطلق النبي عند اليهود على كل كاتب ملهم فيدخل في ذلك (موسى وصموئيل). أما في عرف الكنيسة فيراد به من صدق عليه وصف النبوة من جهة معناها الوضعي أي الإنباء اليقين بحوادث آتية لا يمكن أن يهتدى إليها بأسبابها ومقدهاتها بمجرد استدلال العقل)). (المترجم)
(2) قصد بلفظ (مرابط) في التاريخ أحد معان ثلاثة على التوالي فهو في البداية كان المعنى المذكور ثم أطلق عنواناً على الدولة المعروفة في تاريخ المغرب والأندلس ثم أخيراً صار عنواناً على الدراويش أهل ((الزردة)) أي الولائم المعتادة في أذكار المتصوفة الآن. (المترجم)
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 90)
وسيطلق لفظ (النبي) أيضاً على كاهن الإله (بعل)، كما يلاحظ ذلك في كتاب (يونان) أو يونس. وعندما جاء الأنبياء مثل (عاموس وأرمياء) ليقلبوا هذا المجتمع البدعي بصرخاتهم وتنبؤاتهم المروعة التي خلقت جواً مضطرباً، وأستحوذ على الجماهير لون من المحاكاة أو التقليد تبعاً للموقف الجديد، بدأ جميع (الأنبياء) في التنبؤ، كلٌّ من ناحيته، وبذلك نشأت حركة التنبؤات المزعومة، فوجدنا كلا الوجهين: رجل الدعوة الصادق ومدعي النبوة، يتطوران معاً في تاريخ هذه الحقبة التي منحت إقبالها أحياناً لنبي مدّعٍ هو (حنانيا)، بينما تصاممت عن الدعوة اليائسة المروعة للنبي (أرمياء).
وعلى كل، فإن هذا العصر قد خلط بين شخصيتين متميزتين، وغالباً متخاصتين، وتمثلان تيارين مختلفين للفكر متعارضين غالباً.
ولقد تجلى هذا الخلط في التعميمات المفرطة في الدراسات الحالية للظاهرة النبوية، وهي التعميمات التي تقحم الصفات الخاصة بالنبي في نموذج مطرد هو: (العراف). ومن خلال هذا النموذج يريد النقد الحديث أن يكشف حقيقة النبوة التي سبق أن اعتبرها ظاهرة ذاتية، وهو بذلك يعطل منذ البداية دراسة الظاهرة حين يؤكد (أن ما يراه العراف ويسمعه في حالات انجذابه وغيبوبته رهن بشخصيته، وربما يكون هذا ثمرة ناضجة في اللاشعور، من تأملاته ومن أحواله الدينية السابقة، ومن ميوله الداخلية المتعمقة في وجوده كله، التي تتجلى حينئذ أمام ضميره كأشياء تبدو له خارجة عنه).
هذا النص يهدف بوضوح إلى جعل النبوة من المجال الذاتي للنبي، دون أن يهتم بشهادة هذا الأخير الذي يؤكد بكل قوة أنه يرى ويسمع موضوعه خارج مجاله الشخصي.
***
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 91)
النبي
لو أتيح لعلماء الطبيعة أن يحملوا قطعة من الحديد على الكلام عندما تكون متعرضة للتأثير المغناطيسي، لأسعدهم دون ريب أن يسألوها عن مجموعة من المعلومات الخاصة بحالتها الباطنة، بدلاً من أن تتحول معلوماتهم آخر الأمر- كما هو الواقع- إلى فروض لا يبرهن عليها الحساب بشكل قاطع.
ومع ذلك فإن النبي (ذات) يمكن أن تحدثنا عن حالتها الداخلية، ويمكن أن تبرهن عليها: أولاً لاقتناعه وتحققه الشخصي، وثانياً من أجل ما يسمى بالاقتصاد الخارجي، أو السياسة الخارجية لرسالته.
فإذا حدث أن جاءت نبوة فيجب أولاً أن تعد سبباً يثير الاضطراب في ذات إنسانية، ويدفعها دفعاً لا سبيل إلى مقاومته نحو رسالة ما، لا تتضح دوافعها وأهدافها بوصفها حقائق محددة لهذه الذات.
ولهذا فإن معرفة النبي الظاهرة أساس لأية دراسة نقدية للموضوع، فيونس وأرمياء ومحمد عليه الصلاأة والسلاأم أفراد أرادوا أولاً أن يتملصوا طواعية من دعوة النبوة فقاوموا، ولكن دعوتهم استولت عليهم أخيراً، فمقاومتهم تدل على التعارض بين اختيارهم والحتمية التي تطوق إرادتهم، وتتسلط على ذواتهم، وفي هذه الدلائل قرينة قوية للنظرية الموضوعية عن الحركة النبوية.
***
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 92)
أرمياء
هذا هو أنصع مثال يمكن استخلاصه من الحركة النبوية الإسرائيلية ليعرض علينا الأفكار العامة عن النبوة، وعن نفسية النبي.
ولقد سبق أن اتخذنا الصحة التاريخية المقررة لكتاب هذا النبي أحد بواعث اختيارنا لحالته.
وهناك باعث آخر هو أننا نريد أن نعقد موازنة علمية بين النبوة وادعاء النبوة. ولقد سبق أن بيّنا مصير كلمة (النبي) في الآداب الدينية الإسرائيلية في القرنين السابع والسادس قبل الميلاد. وإذن فإذا كان هناك مقياس يسمح بالتمييز بين نوعين من الفكرة الدينية في ذلك العصر متمثلين في أرمياء وحنانيا، فهو استمرار فكرة التوحيد خلال الحركة النبوية كلها، منذ (عاموس) إلى (أشعياء الثاني). ويتميز النبي الموحى إليه عن منافسه المحترف، بمقاومته العنيفة ضد الألوهية القومية، التي صارت لب العقيدة الشعبية، فجميع الاتجاهات الخلقية للنبي الموحى إليه قائمة على أساس الفكرة المتسلطة الملازمة: فكرة إله واحد عام، يريد النبي أن يثبت فرائضه الخاصة في شعائر قومه.
ولم تكن آيات الوعيد المرعب، وإنذارات السيطرة الخارجية والتهديد بهدم المعبد، إلا توابع لهذه الفكرة على الرغم من أنها كانت أكثر إثارة لاهتمام الشعب، كما هي اليوم أكثر إثارة لاهمام النقد الحديث بكل أسف.
وفي مقابل ذلك يقف مدعي النبوة موقف أحد الانتهازيين الذين يتبعون
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 93)
التيار الشعبي، فهو بهذا لا أثر له أخلاقياً وليس ملهماً، بل إن موقفه تجاه عقائد عصره هو موقف المبالغة في التساهل تساهلاً يصل إلى درجة التملق والملاينة. ومع ذلك فإذا لم يكن هناك مجال للحديث بعد محمد صلى الله عليه وسلم عن الحركة النبوية بمعنى الكلمة في التاريخ الديني للإنسانية، فقد استمرت حركة ادعاء النبوة في الظهور في جميع العصور وفي كل مكان تقريباً. فهناك كثير من المنقذين في الهند، وهناك الأب الرباني في أمريكا قبل سنوات الحرب، كما ظهر (الباب) في فارس، فمتى ميزنا بين هاتين الوظيفتين: النبوة وادعاء النبوة، بناء على صفاتهما التاريخية ومبادئهما الفلسفية، فبديهي أن نميز بين العاملين اللذين يؤديانهما، وهما النبي ومدعي النبوة؛ فمهمة الأول في سماتها الخالصة: أن لها مبدأ وثيق الصلة بالأفكار العامة للحركة النبوية، ولها زمن يتناسب مع عرض هذا المبدأ وتبليغه، وهذه حالة (عاموس) الذي عاد يرعى كباشه في (تكوا) (1) في هدوء بعد تبليغ دعوته وتحذيراته المروعة. على حين لا يبشر مدعي النبوة بمبدأ شخصي بالمعنى الصحيح، بل يكتفي إما بأن يطنب في شرح رسالة النبي، وإما بأن يبشر بنوع من المعارضة في مقابل رسالة النبي: فعندما حمل أرمياء النير الرمزي، وبالغ في إنذاره بالتشاؤم، جاء حنانيا المتنبئ ليحطم هذا النير ويبشر بالتفاؤل، حتى أثّر على النبي المتشائم نفسه مؤقتاً؛ هذه الموازنة الموجزة تبين تياري الفكرة الدينية، والرجلين اللذين يعبران عنها، وهكذا نرى الأسباب التي توجب عدم الخلط بينهما.
…--------------------------------------------
(1) قرية اندثرت من قرى فلسطين.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 94)
الظاهرة النفسية عند أرمياء
لقد قدم لنا (أرمياء) على الظاهرة النبوية شهادة من أقيم الشهادات وأصرحها، فقد أورد تفصيلاً وصفياً ذا أهية قصوى لسلوكه الخاص حيال الظاهرة، وأشركنا في تأملاته المرة أحياناً، تلك التأملات التي توحي بها إليه حالته، فقال: ((لقد صرت محور سخرية طيلة النهار، فالجميع يهزؤون بي، لأني كلما تكلمت وجدتني مضطراً لأن أصرخ، وأعلن الجبروت والخراب؛ لقد صارت كلمة الله بالنسبة لي مصدر عار واستهزاء مستمر، فإذا قلت: لم أعد أذكره، أو أتكلم باسمه، وجدت في قلي كالنار المضطرمة المستكنة في عظامي، فأحاول أن أطفئها، ولكني لا أستطيع)) (1).
وإذن فـ (أرمياء) يرسم بطريقة ما الخطوط الداخلية لذاته، ونحن نجد في وصفه هذا ثلاثة عناصر مترتبة متميزة:
أولها: الاحتراق العميق لمشاعره المضطربة، من جراء الاستهزاء الذي يلقاه.
وثانيها: إرادته أن يتخلص من دعوته، بامتناع ناتج عن تأمل وإعمال فكر.
وثالثها: عنصر ثابت يبدو أنه يطبع هذه الحالة النفسية كلها، ويطوق إرادة ذات النبي، وهو الذي يشير إليه ما يجده في قلبه (كالنار المضطرمة).
هذا العنصر الأخير هو الذي نعده العنصر الجوهري في الحالة الداخلية للنبي،--------------------------------------------
(1) أنبياء بني إسرائيل ص 192 - 193 بالفرنسية لـ (أندريه لودز).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 95)
إذ هو يحدد بصفة نهائية سلوكه في المستقبل، وهذا السلوك يعد قطعاً جوهر حياة النبي. ولنا أن نعد هذا العنصر عاملاً دائماً مطلقاً عند النبي، فإن (أرمياء) كان يستطيع أن يعطينا سمات أخرى لذاته متمثلة في أحوال أخرى للضمير، ربما لا نصادف فيها عوامل (الحساسية) و (الميل إلى الامتناع)، وإنما نلقى (النار المضطرمة) نفسها مسهمة في عوامل نفسية جديدة، تحذف من السلوك الأساسي للنبي في النهاية.
ولنأخذ على ذلك مثلاً: حينما جاء (حنانيا) (ليحطم الطوق الخشبي الذي كان في عنق النبي) قائلا: (هاك ما قال الله، وسأحطم هكذا نير ملك بابل) .... لقد أجابه (أرمياء) في براءة وحسن طوية مدفوعأ بمحض اختياره: (آمين .... حقق الله ما تقول).
ثم لم يروه عدة أيام ينشر دعوته، ومع ذلك فإنه لم يلبث أن ظهر في الأماكن العامة وليس معه هذه المرة طوق خشب، بل طوق من حديد، إمارة على تصميمه القاطع النهائي على الاستمرار في دعوته العابسة.
وأياً ما كانت الأسباب النفسية التي حتمت هذا التوقف المؤقت لنشاط النبي، فإنه مما له دلالته الكبرى أنه عاد أخيراً إلى رسالته.
فالعنصر الدائم الذي وصفناه ينفي أخيراً ودائماً جميع العوامل النفسية عند النبي، ذلك العنصر الذي ينظم له نهائياً سلوكه في المستقبل. فهذا العامل له إذن بعض القهر بالنسبة لذات (أرمياء)، إذ هو ينتصر تماماً على مقاومته، فيذل حساسيته، وينفي ثقته الشخصية في تنبؤ (حنانيا)، وإن كانت تلك إلى أجل. وهذا العامل هو الذي قمع ألمه عندما وضعه كاهن المعبد في (الفلقة) بتهمة التحريف، قمع ألمه قمعاً محا لديه الغريزة الأولية للمحافظة على النفس، عندما كبدته تنبؤاته المشؤومة أن يلقى به ذات يوم في (الجب) حتى كاد يهلك.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 96)
إلى جانب هذا القهر الذي رأيناه في الإطار النفسي للنبي، والذي يقهره على قضائه بصورة لا تقاوم، يجب أن نضم قهراً من نوع آخر، ذلك الذي يتجلى في أحكام (أرمياء) على أحداث عصره. والحق أن النبي قد حكم على هذه الأحداث على نحو يختلف تماماً عن أحكام معاصريه، وطريقته الفذة في النظر إلى الأشياء صدقتها الأحداث بشكل عجيب.
هل يجب أن تعزى هذه (النظرة العميقة) إلى مواهب شخصية، أي إلى مقدرة هائلة على الاستنتاج، وذوق نقدي نادر لمجرى التاريخ؟!
إن النقد الحديث يفسر لغز النبوة بهذه الطريقة، حين يخص الأنبياء بهبة معينة، تخول لهم الحكم العميق على التاريخ، ولكن يبدو أن هذا الرأي العقلي (المنكر للوحي) قد فاته أن ما ينقص (أرمياء) - مثلاً- بصفة موضوعية هو الأساس العقلي لأحكامه على أحداث التاريخ. وأكثر من ذلك، فإن الأنبياء باعتبارهم مصادر لنبوءاتهم لم يرجعوا إلى منطق الأحداث، بل لقد تجاوزوا هذا المنطق. ولهذا يظهرون أحياناً في نظر معاصريهم بمظهر عدم الاتساق في التفكير، فإن هؤلاء المعاصرين يبرهنون بطريقة أكثر اتفاقاً مع العقل ويجعلون لنظراتهم أساساً مستمداً من أحداث التاريخ.
ولنأخذ مثلاً: حالة الإسرئيليين أثناء أسرهم ببابل. لقد كانوا يأملون العودة القريبة إلى وطنهم. وهم ينظرون- في دهشة وأمل- ارتقاء حاميهم (إميل مردوخ Emel Mardoukh) على العرش، فقد كان ارتقاؤه غير متوقع!! أي شيء يمكن أن يكون مطابقاً للعقل أكثر من أمل كهذا؟. وكان ملك بابل في ذلك الوقت قد انتهج فعلاً (سياسة يهودية جديدة) يإطلاق سراح (جيكونياس Jeconias) ملك (جودا Juda) الأسير الذي أصبح الجليس المبجل لمعتقه. فالأمل إذن كان المنطق بعينه!!.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 97)
لكن (أرمياء) قد ذهب منذ البداية إلى نقيض هذا الأمل الذي حقر من شأنه بمواعظه التشاؤمية، فقد حذر الأمة من نير أقسى. ولقد صدق التاريخ بطريقة عجيبة تشاؤم (أرمياء) الرهيب، فقد هلك (مردوخ) في الواقع مقتولاً.
ويمكن أن يقال: إن المفاجآت قد صدقت تشاؤم النبي، ولكن لا يمكن القول: إنه قد تنبأ بالصدفة. ومع ذلك فإن هذا التشاؤم لم يبدأ في الدعوة النبوية بـ (ـأ رمياء) المعاصر للأحداث، فمنذ (عاموس) وصوت الأنبياء يردد النذير فوق رأس الأمة اليهودية: (فليهدم بيت المقدس Delunda est jérusalem) حسب تعبير (لودز A.Lods) ، فلم يفعل (أرمياء) إلا أن شدد عليهم النذير، ورأى وقوعه فعلاً.
***
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 98)
خصائص النبوة
وهكذا تسمح دراسة حالة (أرمياء) بوضع صفات تحدد بوجوه مختلفة، وبطريقة موضوعية مبدأ النبوة، فهناك:
أولاً: صفة القهر النفسي الذي يقصي جميع العوامل الأخرى للذات، بإلزام النبي في النهاية بسلوك معين ودائم.
وثانياً: حكم فذ على أحداث المستقبل، يمليه نوع من القهر الذي ليس له أي أساس منطقي.
وثالثاً: استمرار مظاهر السلوك النبوية، وتماثلها الظاهر والخفي عند جميع الأنبياء.
هذه الصفات المميزة، لا يمكن أن تلقى ببساطة تفسيراً نفسياً، قائماً على الحوادث التي تخضع لها ذات النبي، تلك الذات التي يبدو أنها لا تبرز هنا إلا في مجرد صورة مترجم مرهف الحس- متمنع أحياناً- لظاهرة مستمرة تلزمه بقانونها، كما ألزمت ذوات جميع الأنبياء، كما يثبت المجال المغناطيسي، اتجاه جميع الإبر الممغنطة.
فمن الصعب أن نفسر ظاهرة- هذا وصفها- تفسيراً ذاتياً شخصياً. فهناك لغز فسره النقد- المولع بإرجاع كل شيء إلى أفكار ديكارت مهما كلف الأمر- تفسيراً عجيباً هو: أن النبي شخص مزدوج، مزود بذاتين تسأل إحداهما الأخرى، وتتأثر بانكشافاتها!
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 99)
ولكنهم لم يهتموا بتحديد موضع هذه الذات الثانية في الفرد، الذي يعده علم النفس التحليلي منقسماً إلى ميدانين: اللاشعور، والشعور. فهل الذات الثانية موضعها الشعور أو اللاشعور؟ أو كلا المجالين في وقت واحد … ؟.
لم يقل أحد شيئاً كهذا. وهل هذا يستدعي منا فرضا آخر؟
فإذا كانت الذات الإنسانية الواحدة لا تقدم تفسيراً كافياً للظاهرة، فلن يتحقق هذا بمزاوجة هذا الكيان النفسي أو تضعيفه، لكي يقدّم للظاهرة تفسير أفضل.
وحينئذ يبدو أنه لم يعد هناك تفسير آخر ممكن إلا أن نضع الظاهرة خارج الذات، ومستقلة عنها استقلال المغناطيس عن الإبرة.
ومما يدعم هذا الرأي: شهادة الأنبياء على أنفسهم، تلك الشهادة الوحيدة، والمباشرة على الظاهرة، فقد وضعوها بالإجماع خارج كيانهم الشخصي.
فإذا صلح هذا الرأي لأن يكون فرضاً، فإن هذا الفرض لن يكون أقل صحة من افتراض النقد الحديث.
وهذا هو الفرض الذي نريد أن نجعله- أساساً- ختام هذا الفصل، محتفظين بالتوسع فيه خاصة في الفصول التالية.
***
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 100)
أصول الإسلام
بحث المصادر
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 101)
أصول الإسلام
بحث المصادر
في دراسة نقدية للإسلام، لا نستطيع أن نغفل أهمية فحص الوثائق المدونة أو التاريخية، التي يمكن أن تلقي ضوءاً على الظاهرة القرآنية. على أن هذه المشكلة التاريخية قد حلت بالنسبة للإسلام بصفة استثنائية: فهو الوحيد من بين جميع الأديان الذي ثبتت مصادره منذ البداية، وعلى الأقل فيما يختص بالقرآن. ولقد امتاز القرآن الكريم بميزة فريدة هي أنه تنقل منذ أربعة عشر قرناً، دون أن يتعرض لأدنى تحريف أو ريب، وليست هذه حال العهد القديم (التوراة)، الذي لم تعترف له بالصحة الدراسة النقدية للشراح المحدثين، فيما عدا واحداً من كتبه هو كتاب (أرمياء) (1).
وليس العهد الجديد (الإنجيل) بأسعد حالاً، فقد ألغى مجمع أساقفة (نيقية) كثيراً من أخباره، مما زرع الشك حول ما تبقى منه، وهو (الإنجيل).
وهذا الأخير بدوره لا يعد الآن من الصحاح: لأن النقد أثبت أنه قد (وضع) بعد المسيح بأكثر من قرن، أي بعد عصر الحواريين الذين تنسب إليهم التعاليم المسيحية.
وعلى هذا فإن شكوكاً كثيرة تحوم حول القضية التاريخية للوثائق اليهودية والمسيحية.--------------------------------------------
(1) (مونتيه Montet) ( تاريخ الكتاب المقدس) طبعة جنيف.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 103)
هذا التحديد الكامل للنص القرآني على عهد النبي نفسه، يعد ظاهرة جديرة بالملاحظة من وجهة علم الاجتماع وعلم النفس بخصوص الوسط العربي في العصر المحمدي. فتلك نقطة جوهرية تستحق البحث والوقوف أمامها، إذ ليست هنا مشكلة تدوين بالنسبة للقرآن، كما هو الأمر بالنسبة للكتاب المقدس؛ وهي أيضاً مؤيدة بحقائق التاريخ التي ينبغي أن نلفت إليها انتباه القارئ ليلاحظ هو أيضاً توافق واقع التاريخ مع هذه الآية القرآنية {وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [يوسف 12/ 12]، ومع ذلك فإن لهذا (الحفظ) تاريخه: فكلما كان الوحي يتنزل، كانت آيات القرآن تثبت في ذاكرة الرسول وصحابته، وتسجل فوراً بأيدي أمناء الوحي، فقد كانوا يستخدمون من أجل ذلك كل ما يصلح للكتابة كعظام الكتف أو قطع الجلد … الخ ..
حتى إذا قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم كان القرآن محفوظاً في الصدور، مدوناً في الصحف، فكان من الممكن كما دعت الحاجة موازنة الآيات بعضها ببعض، ولا سيما حين يعرض اختلاف من نوع صوتي أو لهجي.
وفضلاً عن ذلك فسنجد أن هذه الموازنة تحدث مرتين، والطريقة التي نفذت بها هي في ذاتها حدث فذ في تاريخ الصناعة العقلية الإنسانية، فللمرة الأولى تتجلى صفات الطريقة المنهجية في عمل عقلي، كما تتجلى الدقة التي هي الآن وقف على التفكير العلمي.
فقد اختار الخليفة أبو بكر الصديق رضي الله عنه لجنة يرأسها زيد بن ثابت، الذي كان أميناً للوحي على عهد الرسول، كتبت القرآن منظماً لأول (1) مرة. ويبدو ان زيدا أحجم أولا عن القيام بهذه المهمة لأمرين:--------------------------------------------
(1) المقصود هنا أن الكتابة المنظمة للقرآن لم تحدث إلا على عهد أبي بكر، أما ترتيب الآيات والسور فقد كان توقيفاً من جبريل للنبي صلى الله عليه وسلم حين كان يعارضه بالقرآن وخاصة بعد حجة الوداع. (المترجم)
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 104)