قالوا: ولأنه طلاق محرم منهي عنه، فالنهي يقتضي فساد المنهي عنه، فلو صححناه لكان لا فرق بين المنهي عنه والمأذون فيه من جهة الصحة والفساد.
قالوا: وأيضًا فالشارع إنما نهى عنه وحرمه؛ لأنه يبغضه، ولا يحب وقوعه، بل وقوعه مكروه إليه، فحرمه لئلا يقع ما يبغضه ويكرهه، وفي تصحيحه وتنفيذه ضد هذا المقصود.
قالوا: وإذا كان النكاح المنهي عنه لا يصح لأجل النهي، فما الفرق بينه وبين الطلاق، وكيف أبطلتم ما نهى الله عنه من النكاح، وصححتم ما حرمه ونهى عنه من الطلاق، والنهي يقتضي البطلان في الموضعين؟
قالوا: ويكفينا من هذا حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم العام الذي لا تخصيص فيه برد ما خالف أمره وإبطاله وإلغائه، كما في والصحيح عنه، من حديث عائشة رضي الله عنه: "كل عمل ليس عليه أمرنا فهو رد" وفي رواية: "من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد". وهذا صريح أن هذا الطلاق المحرم الذي ليس عليه أمره صلى الله عليه وسلم مردود باطل، فكيف يقال: إنه صحيح لازم نافذ؟ ! فأين هذا من الحكم برده؟ !
قالوا: وأيضًا فإنه طلاق لم يشرعه الله أبدًا، وكان مردودًا باطلًا كطلاق الأجنبية، ولا ينفعكم الفرق بأن الأجنبية ليست محلًّا للطلاق بخلاف الزوجة، فإن هذه الزوجة ليست محلًّا للطلاق المحرم، ولا هو مما ملكه الشارع إياه.
قالوا: وأيضًا فإن الله سبحانه إنما أمر بالتسريح بإحسان، ولا أسوأ من التسريح الذي حرمه الله ورسوله، وموجب عقد النكاح أحد أمرين: إما إمساك بمعروف، أو تسريح بإحسان، والتسريح المحرم أمر ثالث غيرهما، فلا عبرة به ألبتة.
قالوا: وقد قال الله تعالى: {يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن" [الطلاق: 1]، وصح عن النبي صلى الله عليه وسلم المبين عن الله مراده من كلامه، أن الطلاق المشروع المأذون فيه هو الطلاق في زمن الطهر الذي لم يجامع فيه، أو بعد استبانة الحمل، وما عداهما فليس بطلاق للعدة في حق المدخول بها، فلا يكون طلاقًا، فكيف تحرم المرأة به؟ !
قالوا: وقد قال الله تعالى: {الطلاق مرتان} [البقرة: 229]. ومعلوم أنه إنما أراد الطلاق المأذون فيه، وهو الطلاق للعدة، فدل على أن ما عداه ليس من الطلاق، فإنه حصر الطلاق المشروع المأذون فيه الذي يملك به الرجعة في مرتين، فلا يكون ما عداه طلاقًا، قالوا: ولهذا كان الصحابة- رضي الله عنهم يقولون: إنهم لا طاقة لهم بالفتوى في الطلاق المحرم، كما روى ابن وهب، عن جرير بن حازم، عن الأعمش، ان ابن مسعود رضي الله عنه قال: "من طلَّق كما أمره الله
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 16)
فقد بين الله له، ومن خالف، فإنا لا نطيق خلافه" ولو وقع طلاق المخالف لم يكن الإفتاء به غير مطاق لهم، ولم يكن للتفريق معنى إذ كان النوعان واقعين نافذين.
وقال ابن مسعود رضي الله عنه أيضًا: من أتى الأمر على وجهه فقد بين الله له، وإلا فوالله ما لنا طاقة بكل ما تحدثون.
وقال بعض الصحابة- وقد سئل عن الطلاق الثلاث مجموعة-: من طلق كما أمر، فقد بين له، ومن لباس، تركناه وتلبيسه.
قالوا: ويكفي من ذلك كله ما رواه أبو داود بالسند الصحيح الثابت: حدثنا أحمد ابن صالح، حدثنا عبد الرزاق، حدثنا ابن جريج، قال: أخبرني أبو الزبير أنه سمع عبد الرحمن بن أيمن مولى عروة يسأل أبن عمر قال أبو الزبير وأنا أسمع: كيف ترى في رجل طلق أمرأته حائضًا؟ فقال: طلق ابن عمر امرأته حائضًا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسأل عمر عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: إن عبد الله بن عمر طلق امرأته وهي حائض، قال عبد الله: فردها علي ولم يرها شيئًا، وقال: "إذا طهرت فليطلق أو ليمسك"، قال ابن عمر: وقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم {يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن} في قبل عدتهن، قالوا: وهذا إسناد في غاية الصحة، فإن أبا الزبير غير مدفوع عن الحفظ والثقة، وإنما يخشى من تدليسه، فإذا قال: سمعت، أو حدثني، زال محذور التدليس، وزالت العلة المتوهمة، وأكثر أهل الحديث يحتجون به إذا قال: "عن" ولم يصرح بالسماع، ومسلم يصحح ذلك من حديثه، فأما إذا صرح بالسماع فقد زال الإشكال، وصح الحديث، وقامت الحجة.
قالوا: ولا نعلم في خبر أبي الزبير هذا ما يوجب رده، وإنما رده من رده استبعادًا واعتقادًا أنه خلاف الأحاديث الصحيحة، ونحن نحكي كلام من رده، ونبين أنه ليس فيه ما يوجب الرد.
قال أبو داود: والأحاديث كلها على خلاف ما قال أبو الزبير.
وقال الشافعي: ونافع أثبت عن ابن عمر من أبي الزبير، والأثبت من الحديثين أولى أن يقال به إذا خالفه.
وقال الخطابي: حديث يونس بن جبير أثبت من هذا يعني: قوله: "مره فليراجعها"، وقوله: "أرأيت إن عجز واستحمق؟ " قال: "فمه".
قال ابن عبد البر: وهذا لم ينقله عنه أحد غير أبي الزبير، وقد رواه عنه جماعة أجلة، فلم يقل ذلك أحد منهم، وأبو الزبير ليس بحجة فيما خالفه فيه مثله، فكيف بخلاف من هو أثبت منه؟ !
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 17)
وقال بعض أهل الحديث: لم يرو أبو الزبير حديثًا أنكر من هذا.
فهذا جملة ما ردَّ به خبر أبي الزبير، وهو عند التأمل لا يوجب رده ولا بطلانه.
أما قول أبي داود: الأحاديث كلها على خلافه، فليس بأيديكم سوى تقليد أبي داود، وأنتم لا ترضون ذلك، وتزعمون أن الحجة من جانبكم، فدعوا التقليد، وأخبرونا أين في الأحاديث الصحيحة ما يخالف حديث أبي الزبير؟ فهل فيها حديث واحد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم احتسب عليه تلك الطلقة، وأمره أن يعتد بها، فإن كان ذلك، فنعم والله هذا خلاف صريح لحديث أبي الزبير، ولا تجدون إلى ذلك سبيلًا، وغاية ما بأيديكم "مره فليراجعها"، والرجعة تستلزم وقوع الطلاق، وقول ابن عمر، وقد سئل: أتعتد بتلك التطليقة؟ فقال: "أرأيت إن عجز واستحمق"، وقول نافع أو من دونه: "فحسبت من طلاقها"، وليس وراء ذلك حرف واحد يدل على وقوعها والاعتذاد بها، ولا ريب في صحة هذه الألفاظ ولا مطعن فيها، وإنما الشأن كل الشأن في معارضتها، لقوله: "فردها علي ولم يرها شيئا"، وتقديمها عليه، ومعارضتها لتلك الأدلة المتقدمة التي سقناها، وعند الموازنة يظهر التفاوت، وعدم المقاومة، ونحن نذكر ما في كلمة كلمة منها.
أما قوله: "مره فليراجعها"، فالمراجعة قد وقعت في كلام الله ورسوله على ثلاثة معان: أحدها: ابتداء النكاح، كقوله تعالى: {فإن طلقها فلا جناح عليهما أن يتراجعا إن ظنا أن يقيما حدود الله} [البقرة: 230]. ولا خلاف بين أحد من أهل العلم بالقرآن أن المطلق هاهنا: هو الزوج الثاني، وأن التراجع بينها وبين الزوج الأول، وذلك نكاح مبتدأ.
وثانيهما: الرد الحسي إلى الحالة التي كان عليها أولًا، كقوله: لأبي النعمان بن بشير لما نحل ابنه غلامًا خصه به دون ولده: "رده"، فهذا رد ما لم تصح فيه الهبة الجائزة التي سماها رسول الله صلى الله عليه وسلم جور، وأخبر أنها لا تصلح، وأنها خلاف العدل، كما سيأتي تقريره إن شاء الله تعالى.
ومن هذا قوله لمن فرق بين جارية وولدها في البيع، فنهاه عن ذلك وردَّ البيع، وليس هذا الرد مستلزمًا لصحة البيع، فإنه بيع باطل، بل هو رد شيئين إلى حالة اجتماعهما كما كانا، وهكذا الأمر بمراجعة ابن عمر امرأته ارتجاع ورد إلى حالة الاجتماع كما كانا قبل الطلاق، وليس في ذلك ما يقتضي وقوع الطلاق في الحيض ألبتة.
وأما قوله: "أرأيت إن عجز واستحمق"، فيا سبحان الله! أين البيان في هذا اللفظ بأن تلك الطلقة حسبها عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم والأحكام لا تؤخذ بمثل هذا، ولو كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد حسبها عليه، واعتد عليه بها لم يعدل عن الجواب بفعله وشرعه إلى: أرأيت، وكان ابن عمر أكره ما إليه "أرأيت"، فكيف يعدل للسائل عن صريح السنة إلى لفظة "أرأيت".
الدالة على نوع من الرأي سببه عجز المطلق وحمقه عن إيقاع الطلاق على الوجه الذي أذن الله
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 18)
له فيه، والأظهر فيما هذه صفته أنه لا يعتد به، وأنه ساقط من فعل فاعله، لأنه ليس في دين الله تعالى حكم نافذ سببه العجز والحمق عن امتثال الأمر، إلا أن يكون فعلًا لا يمكن رده بخلاف العقود المحرمة التي من عقدها على الوجه المحرم، فقد عجز واستحمق، وحينئذٍ، فيقال: هذا أدل على الرد منه على الصحة واللزوم، فإنه عقد عاجز أحمق على خلاف أمر الله ورسوله، فيكون مردودًا باطلًا، فهذا الرأي والقياس أدل على بطلان طلاق من عجز وأستحمق منه على صحته واعتباره.
وأما قوله: "فحسبت من طلاقها"، ففعل مبني لما لم يسم فاعله، فإذا سمي فاعله ظهر وتبين، هل في حسبانه حجة أو لا؟ وليس في حسبان الفاعل المجهول دليل ألبتة، وسواء كان القائل: "فحسبت" ابن عمر أو نافعًا أو من دونه، وليسري فيه بيان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي حسبها حتى تلزم الحجة به، وتحرم مخالفته، فقد تبين أن سائر الأحاديث لا تخالف حديث أبي الزبير، وأنه صريح في أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يرها شيئًا، وسائر الأحاديث مجملة لا بيان فيها.
قال الموقعون: لقد ارتقيتم أيها المانعون مرتقى صعبًا، وأبطلتم أكثر طلاق المطلقين، فإن غالبه طلاق بدعي، وجاهرتم بخلاف الأئمة، ولم تتحاشوا خلاف الجمهور، وشذذتم بهذا القول الذي أفتى جمهور الصحابة ومن بعدهم بخلافه، والقرآن والسنن تدل على بطلانه، قال تعالى: {فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجًا غيره}، وهذا يعمُّ كل طلاق، وكذلك قوله: {والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروءٍ} [البقرة: 238]، ولم يفرق، وكذلك قوله تعالى: {الطلاق مرتان}، وقوله: {وللمطلقات متاع} [البقرة: 241]. وهذه مطلقة وهي عمومات لا يجوز تخصيصها إلا بنص أو إجماع.
قالوا: وحديث ابن عمر دليل على وقوع الطلاق المحرم من وجوه:
أحدها: الأمر بالمراجعة، وهي لمُّ شعث النكاح، وإنما شعته وقوع الطلاق.
الثاني: قول ابن عمر: "فراجعتها، وحسبت لها التطليقة التي طلقها".
وكيف يظن بابن عمر أنه يخالف رسول الله صلى الله عليه وسلم فيحسبها من طلاقها، ورسول الله صلى الله عليه وسلم لم يرها شيئًا؟ !
الثالث: قول ابن عمر لما قيل له: أيحتسب بتلك التطليقة؟ قال: أرأيت إن عجز واستحمق، أي: عجزه وحمقه لا يكون عذرًا له في عدم احتسابه بها.
الرابع: أن ابن عمر قال: وما يمنعني أن أعتاد بها، وهذا إنكار منه لعدم الاعتداد بها، وهذا يبطل تلك اللفظة التي رواها عنه أبو الزبير، إذ كيف يقول ابن عمر: وما يمنعني أن أعتد بها، وهو يرى رسول الله قد ردها عليه ولم يرها شيئا؟ !
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 19)
الخامس: أن مذهب ابن عمر الاعتداد بالطلاق في الحيض، وهو صاحب القصة، وأعلم الناس بها، وأشدهم اتباعًا للسنن، وتحرجًا من مخالفتها، قالوا: وقد روى ابن وهب في "جامعه"، حدثنا ابن أبي ذئب، أن نافعًا أخبرهم عن ابن عمر، أنه طلق امرأته وهي حائض، فسأل عمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فقال: ومره فليراجعها ثم ليمسكها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر، ثم إن شاء أمسك بعد ذلك، وإن شاء طلق قبل أن يمس، فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء وهي واحدة". هذا لفظ حديثه.
قالوا: وروى عبل الرزاق، عن ابن جريج قال: أرسلنا إلى نافع وهو يترجل في دار الندوة ذاهبًا إلى المدينة، ونحن مع عطاء: هل حسبت تطليقة عبد الله بن عمر امرأته حائضًا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: نعم.
قالوا: وروى حماد بن زيد، عن عبد العزيز بن صهيب، عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من طلق في بدعة ألزمناه بدعته"، رواه عبد الباقي بن قانع، عن زكريا الساجي حدثنا إسماعيل بن أمية الذارع حدثنا حماد فذكره.
قالوا: وقد تقدم مذهب عثمان بن عفان، وزيد بن ثابت في فتواهما بالوقوع.
قالوا: وتحريمه لا يمنع ترتب أثره وحكمه علية كالظهار، فإنه منكر من القول وزور، وهو لا محرم بلا شك، وترتب أثره عليه وهو تحريم الزوجة إلى أن يكفر، فهكذا الطلاق البدعي محرم، ويترتب عليه أثره إلى أن يراجع، ولا فرق بينهما.
قالوا: وهذا ابن عمر يقول للمطلق ثلاثًا: حرمت عليك حتى تنكح زوجا غيرك، وعصيت ربك فيما أمرك به من طلاق أمرأتك، فأوقع عليه الطلاق الذي عصى به المطلق ربه عز وجل.
قالوا: وكذلك القذف محرم، وترتب عليه أثره من الحد، ورد الشهادة وغيرهما.
قالوا: والفرق بين النكاح المحرم، والطلاق المحرم: أن النكاح عقد يتضمن حل الزوجة وملك بضعها، فلا يكون إلا على الوجه المأذون فيه شرعًا، فإن الأبضاع في الأصل على التحريم، ولا يباح منها إلا ما أباحه الشارع، بخلاف الطلاق، فإنه إسقاط لحقه، وإزالة لملكه، وذلك لا يتوقف على كون السبب المزيل مأذونًا فيه شرعًا، كما يزول ملكه عن العين بالإتلاف المحرم، وبالإقرار الكاذب، وبالتبرع المحرم كهبتها لمن يعلم أنه يستعين بها على المعاصي والآثام
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 20)
قالوا: والإيمان أصل العقود وأجلها وأشرفها، يزول بالكلام المحرم إذا كان كفرًا، فكيف لا يزول عقد النكاح بالطلاق المحرم الذي وضع لإزالته؟ !
قالوا: ولو لم يكن معنا في المسألة إلا طلاق الهازل، فإنه يقع مع تحريمه؛ لأنه لا يحل له الهزل بآيات الله، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "ما بال أقوام يتخذون آيات الله هزوًا: طلقتك راجعتك، طلقتك راجعتك" فإذا وقع طلاق الهازل مع تحريمه، فطلاق الجاد أولى أن يقع مع تحريمه.
قالوا: وفرق آخر بين النكاح المحرم، والطلاق المحرم، أن النكاح نعمة، فلا تستباح بالمحرمات، وإزالته وخروج البضع عن ملكه نقمة، فيجوز أن يكون سببها محرمًا.
قالوا: وأيضًا فإن الفروج يحتاط لها، والاحتياط يقتضي وقوع الطلاق، وتجديد الرجعة والعقد.
قالوا: وقد عهدنا النكاح لا يدخل فيه إلا بالتشديد والتأكيد من الإيجاب والقبول، والولي والشاهدين، ورضا الزوجة المعتبر رضاها، ويخرج منه بأيسر شيء، فلا يحتاج الخروج منه إلى شيء من ذلك، بل يدخل فيه بالعزيمة، ويخرج منه بالشبهة، فأين أحدهما من الآخر حتى يقاس عليه؟ !
قالوا: ولو لم يكن بأيدينا إلا قول حملة الشرع كلهم قديمًا وحديثًا: طلق امرأته وهي حائض، والطلاق نوعان: طلاق سنة، وطلاق بدعة، وقول ابن عباس رضي الله عنه: الطلاق على أربعة أوجه: وجهان حلال، ووجهان حرام، فهذا الإطلاق والتقسيم دليل على أنه عندهم طلاق حقيقة، وشمول اسم الطلاق له كشموله للطلاق الحلال، ولو كان لفظا مجردًا لغوا لم يكن له حقيقة، ولا قيل: طلق امرأته، فإن هذا اللفظ إذا كان لغوًا كان وجوده كعدمه، ومثل هذا لا يقال فيه: طلق، ولا يقسم الطلاق- وهو غير واقع- إليه وإلى الواقع، فإن الألفاظ اللاغية التي ليس لها معان ثابتة لا تكون هي ومعانيها قسمًا من الحقيقة الثابتة لفظًا، فهذا أقصى ما تمسك به الموقعون، وربما ادعى بعضهم الإجماع لعدم علمه بالنزاع.
قال المانعون من الوقوع: الكلام معكم في ثلاث مقامات بها يستبين الحق من المسألة:
المقام الأول: بطلان ما زعمتم من الإجماع، وأنه لا سبيل لكم إلى إثباته ألبتة، بل العلم بانتفائه معلوم.
وقد ذكر رحمه الله من قبل أسماء من خالف في وقوع الطلاق وقالوا: إنه لا يصح.
المقام الثاني: أن فتوى الجمهور بالقول لا يدل على صحته، وقول الجمهور ليس بحجة.
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 21)
من أين يؤخذ؟ من قوله تعالى: {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول … } [النساء: 59]. ولم يقل- سبحانه وتعالى فإن تنازعتم في شيء فخذوا بالأكثر قال: {فردوه إلى الله والرسول … } وعلى هذا لو كان عشرة في المائة وافقوا ما قال الله ورسوله والتسعون في المائة خالفوا فالحق مع العشرة.
المقام الثالث: أن الطلاق المحرم لا يدخل تحت نصوص الطلاق المطلقة التي رتب الشارع عليها أحكام الطلاق، فإن ثبتت لنا هذه المقامات الثلاث، كنا أسعد بالصواب منكم في المسألة.
وهذا الوصف هذا هو الذي اتفق عليه الفقهاء أن المطلق الشرعي لا يدخل في المجرم؛ ولهذا قالوا: إذا حلف ألا يبيع فباع بيعًا محرمًا كالخمر فإنه لا يحنث مع أن بيع الخمر يسمى بيعًا لغة لكن المطلق ينصرف إلى الشيء الصحيح وكذلك لو باع ميتةً أو خنزيرًا وما أشبه ذلك، أو مجهولًا أو فيه غرزٌ فإنه لا يدخل في قوله تعالى: {وأحل الله البيع} [البقرة: 275]. وأن المطلق في لسان الشرع يحمل على الصحيح ولا يتناول المحرم فالطلاق الذي أباحه الله عز وجل رتب عليه أحكامًا إنما يحمل على الطلاق الصحيح المباح، أما المحرم فلا تترتب عليه أحكام وهذه القاعدة متَّفقٌ عليها لكن قد يختلف العلماء في بحض مسائلها لاختلاف وجهات النظر.
فالطلاق المحرم إذا أجريناه على هذه القاعدة انطبق تمامًا على قول من يرى أنه لا يقع لأن إيقاعنا إياه شبه مضادة لله عز وجل فإن الله لم ينه عنه إلا من أجل أن نتجنبه وألا نعتد به، فإذا نحن اعتدادنا به وقلنا إنه يقع فهل انتهينا؟ ما انتهينا، بل إننا نفذنا خلاف مقصود الشرع بإعدامه وعدم الالتفات إليه، وسيذكر ابن القيم رحمه الله تتمة البحث.
فنقول: أما المقام الأول، فقد تقدم من حكاية النزاع ما يعلم معه بطلان دعوى الإجماع، كيف ولو لم يحلم ذلك، لم يكن لكم سبيل إلى إثبات الإجماع الذي تقوم به الحجة، وتنقطع معه المعذرة، وتحرم معه المخالفة، فإن الإجماع الذي ذلك هو الإجماع القطعي المعلوم.
الإجماع الذي يوجب ذلك، يعني: يوجب أن يكون حجة وأن تحذروا مخالفته هو ما جمع هذه الألفاظ: القطعي المعلوم وإذا أخذنا بهذا الإنكار نجد مسائل مجمعًا عليها إلا مسائل نادرة يسيرة، ثم إن الإجماع الذي على هذا الشكل أي أنه قطعي معلوم لا بد أن يكون فيه
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 22)
نصوص فيكون معتمدًا على هذه النصوص لكن أحيانًا يغيب عن المستدل النص أو لا يطلع عليه فيكتفي بالإجماع المعلوم القطعي ويكون هذا دليله.
وأما المقام الثاني: وهو أن الجمهور على هذا القول، فأوجدونا في الأدلة الشرعية أن قول الجمهور حجة مضافة إلى كتاب الله وسنة رسوله، وإجماع أمته.
ومن تأمل مذاهب العلماء قديمًا وحديثًا من عهد الصحابة وإلى الآن، واستقرأ أحوالهم وجدهم مجمعين على تسويغ خلاف الجمهور، ووجد لكل منهم أقوالًا عديدة انفرد بها عن الجمهور، ولا يستثنى من ذلك أحد قط، ولكن مستقلٌّ ومستكثر، فمن شئتم سميتموه من الأئمة تتبعوا ما له من الأقوال التي خالف فيها الجمهور، ولو تتبعنا ذلك وعددناه، لطال الكتاب به جدًّا، ونحن نحيلكم على الكتب المتضمنة لمذاهب العلماء واختلافهم، ومن له معرفة بمذاهبهم وطرائقهم يأخذ إجماعهم على ذلك من اختلافهم، ولكن هذا في المسائل التي يسوع فيها الاجتهاد، ولا تدفعها السنة الصحيحة الصريحة، وأما ما كان هذا سبيله، فإنهم كالمتفقين على إنكاره ورده، وهذا هو المعلوم من مذاهبهم في الموضعين.
وأما المقام الثالث: وهو دعوكم دخول الطلاق المحرم تحت نصوص الطلاق، وشمولها للنوعين إلى آخر كلامكم، فنسألكم: ما تقولون فيمن ادعى دخول أنواع البيع المحرم، والنكاح المحرم تحت نصوص البيع والنكاح، وقال: شمول الاسم للصحيح من ذلك والفاسد سواء، بل وكذلك سائر العقود المحرمة إذا ادعى دخولها تحت ألفاظ العقود الشرعية، وكذلك العبادات المحرمة المنهي عنها إذا ادعى دخولها تحت الألفاظ الشرعية، وحكم لها بالصحة لشمول الاسم لها.
البيوع" مثلنا لها مثل: بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام والغرر، أما العبادات فلو صادف يوم العيد يوم الاثنين، وقال شخص: إن النبي صلى الله عليه وسلم حثَّ على صوم يوم الإثنين فأصوم فهل يدخل في هذا؟ نقول: إن صمت لا يصح؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن صوم يوم العيد كذلك الطلاق لو طلقت في الحيض لم يقع لأن الله قال: {فطلقوهن لعدتهن}.
هل تكون" دعواه صحيحة أو باطلة؟ فإن قلتم: صحيحة ولا سبيل لكم إلى ذلك، كان قولًا معلوم الفساد بالضرورة من الدين، وإن قلتم: دعواه باطلة تركتم قولكم ورجعتم إلى ما قلناه، وان قلتم: تقيل في مواضع وترد في موضع قيل لكم: ففرقوا بفرقان صحيح مطرد منعكس،
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 23)
معكم به برهان من الله بين ما يدخل من العقود المحرمة تحت ألفاظ النصوص، فيثبت له حكم الصحة، وبين ما يدخل من تحتها، فيثبت له حكم البطلان، وإن عجزتم عن ذلك، فاعلموا أنه ليس بأيديكم سوى الدعوى التي يحسن كل أحد مقابلتها بمثلها، أو الاعتماد على من يحتج لقوله لا بقوله.
كلمة عظيمة من يحتج لقوله لا بقوله، فإذا قال الإنسان هذا قول الإمام أحمد قلنا الإمام أحمد يحتج لقوله ولا يحتج بقوله ليس أحد من البشر يحتج بقوله إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم أو من أمرنا باتباعه كالخلفاء الراشدين مثلًا.
وإذا كشف الغطاء عما قررتموه في هذه الطريق وجد عين محل النزاع فقد جعلتموه مقدمة في الدليل، وذلك عين المصادرة على المطلوب، فهل وقع النزاع إلا في دخول الطلاق المحرم المنهي عنه تحت قوله: {والمطلقات متاع}، وتحت قوله: {والمطلقات يتربصن بأنفسهنّ ثلاثة قروء}، وأمثال ذلك، وهل سلم لكم منازعوكم قط ذلك حتى تجعلوه مقدمة لدليلكم؟
قالوا: وأما استدلالكم بحديث ابن عمر، فهو إلى أن يكون حجة عليكم أقرب منه إلى أن يكون حجة لكم من وجوه:
أحدها: صريح قوله: فردها عليَّ ولم يرها شيئا، وقد تقدم بيان صحته.
قالوا: فهذا الصريح الصحيح ليس بأيديكم ما يقاومه في الموضعين، بل جميع تلك الألفاظ إما صحيحة غير صريحة، وإما صريحة غير صحيحة كما ستقفون عليه.
الثاني: أنه قد صح عن ابن عمر رضي الله عنه بإسناد كالشمس من رواية عبيد الله، عن نافع عنه، في الرجل يطلق امرأته وهي حائض، قال: لا يعتد بذلك وقد تقدم.
الثالث: أنه لو كان صريحًا في الاعتداد به، لما عدل به إلى مجرد الرأي، وقوله للسائل: أرأيت؟
الرابع: أن الألفاظ قد اضطربت عن ابن عمر في ذلك اضطرابًا شديدًا، وكلها صحيحة عنه، وهذا يدل على أنه لم يكن عنده نص صريح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في وقوع تلك الطلقة والاعتداد بها، وإذا تعارضت تلك الألفاظ نظرنا إلى مذهب ابن عمر، وفتواه، فوجدناه صريحًا في عدم الوقوع، ووجدنا أحد ألفاظ حديثه صريحًا في ذلك، فقد اجتمع صريح روايته وفتواه على عدم الاعتداد، وخالف في ذلك ألفاظ مجملة مضطربة، كما تقدم بيانه.
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 24)
وأما قول ابن عمر رضي الله عنه: "وما لي لا أعتد بها"، وقوله: "أرأيت إن عجز واستحمق"، فغاية هذا أن يكون رواية صريحة عنه بالوقوع، ويكون عنه روايتان.
وقولكم: كيف يفتي بالوقوع وهو يعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ردها عليه ولم يعتد عليه بها؟ فليس هذا بأول حديث خالفه راويه، وله بغيره من الأحاديث التي خالفها راويها أسوة حسنة في تقديم رواية الصحابي ومن بعده على رأيه.
وهذه قاعدة مضطردة عند العلماء أن العبرة بما روى لا بما رأى وذلك لأن ما رواه خبر عن معصوم وهو ممن يقبل خبره وما رآه فهو رأي قابل للخطأ وقابل للصواب فلذلك كان العبرة بما روى لا بما رأى وأظنه قد ألف بعض العلماء كتابًا سماه: "مخالفة الصحابي فيما رأى لمًا روى".
وقد روى ابن عباس حديث بريرة، وأن بيع الأمة ليس بطلاقها، وأفتى بخلافه، فأخذ الناس بروايته، وتركوا رأيه، وهذا هو الصواب، فإن الرواية معصومة عن معصوم، والرأي بخلافها، كيف وأصرح الروايتين عنه- أي: عن ابن عمر- موافقته لما رواه من عدم الوقوع على أن في هذا فقهًا دقيقًا إنما يعرفه من له غور على أقوال الصحابة ومذاهبهم، وفهمهم عن الله ورسوله، واحتياطهم للأمة، ولعلك تراه قريبًا عند الكلام على حكمه صلى الله عليه وسلم في إيقاع الطلاق الثلاث جملة.
وأما قوله في حديث ابن وهب عن ابن أبي ذئب في آخره: "وهي واحدة"، فلعمر الله لو كانت هذه اللفظة من كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قدمنا عليها شيئًا، ولصرنا إليها بأول وهلة، ولكن لا ندري أقالها ابن وهب من عنده، أم ابن أبي ذئب، أم نافع؟ ! فلا يجوز أن يضاف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لا يتيقن أنه من كلامه، ويشهد به عليه، وترتب عليه الأحكام، ويقال: هذا من عند الله بالوهم والاحتمال، والظاهر أنها من قول من دون ابن عمر رضي الله عنه، ومراده بها: أن ابن عمر إنما طلقها طلقة واحدة، ولم يكن ذلك منه ثلاثًا، أي: طلق ابن عمر رضي الله عنه امرأته واحدة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكره.
وأما حديث ابن جريج عن عطاء عن نافع، أن تطليقة عبد الله حسبت عليه، فهذا غايته أن يكون من كلام نافع، ولا يعرف من الذي حسبها، أهو عبد الله نفسه، أو أبوه عمر، أو رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ ولا يجوز أن يشهد على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالوهم والحسبان، وكيف يعارض صريح قوله: "ولم يرها شيئًا" بهذا المجمل؟ والله يشهد- وكفى بالله شهيدًا- أنا لو تيقنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي حسبها عليه، لم نتعد ذلك، ولم نذهب إلى سواه.
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 25)
وأما حديث أنس: "من طلق في بدعة ألزمناه بدعته"، فحديث باطل على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونحن نشهد بالله أنه حديث باطل عليه، ولم يروه أحد من الثقات من أصحاب حماد بن زيل، وإنما هو من حديث إسماعيل بن أمية الذارع الكذاب الذي يذرع ويفصل، ثم الراوي له عند عبد الباقي بن قانع، وقد ضعَّفه البرقاني وغيره، وكان قد اختلط في آخر عمره، وقال الدارقطني: يخطئ كثيرًا، ومثل هذا إذا تفرد بحديث لم يكن حديثه حجة.
وأما إفتاء عثمان بن عفان وزيد بن ثابت رضي الله عنه بالوقوع، فلو صح ذلك- ولا يصح أبدًا-، فإن أثر عثمان، فيه كذاب عن مجهول لا يعرف عينه ولا حاله، فإنه من رواية ابن سمعان، عن رجل، وأثر زيد: فيه مجهول عن مجهول: قيس بن سعد، عن رجل سمَّاه عن زيد، فيالله العجب، أين هاتان الروايتان من رواية عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي، عن عبيد الله حافظ الأمة، عن نافع، عن ابن عمر أنه قال: لا يعتد بها، فلو كان هذا الأثر من قبلكم لصلتم به وجلتم.
وأما قولكم: إن تحريمه لا يمنع ترتب أثره عليه، كالظهار فيقال أولًا: هذا قياس يدفعه ما ذكرناه من النص، وسائر تلك الأدلة التي هي أرجح منه، ثم يقال ثانيًا: هذا معارض بمثله سواء معارضة القلب بأن يقال: تحريمه يمنع ترتب أثره عليه كالنكاح، ويقال ثالثًا: ليسر للظهار جهتان: جهة حل وجهة حرمة، بل كله حرام، فإنه منكر من القول وزور، فلا يمكن أن ينقسم إلى حلال جائز، وحرام باطل، بل هو بمنزلة القذف من الأجنبي والرِّدة، فإذا وجد لم يوجد إلا مع مفسدته، فلا يتصور أن يقال: منه حلال صحيح، وحرام باطل، بخلاف النكاح والطلاق والبيع، فالظهار نظير الأفعال المحرمة التي إذا وقعت قارنتها مفاسدها فترتبت عليها أحكامها، وإلحاق الطلاق بالنكاح، والبيع والإجارة والعقود المنقسمة إلى حلال وحرام، وصحيح وباطل أولى.
قالوا: إن الطلاق المحرم تترتب عليه آثاره كالظهار، الظهار محرم منكر من القول وزور تترتب عليه أحكامه، قالوا: فالطلاق المحرم تترتب عليه آثاره كالظهار، ابن القيم يقول: المحرم الذي تترتب عليه آثاره ليس له إلا جهة واحدة جهة التحريم، وأما ما له جهتان: جهة حل وجهة حرمة وجهة صحة وجهة فساد؛ فهذا إن وقع على الوجه الذي يكون حلالًا صحيحًا نفذ، وإن وقع على الذي يكون حرامًا باطلًا بطل؛ لأننا لو لم نقل في ترتب أثر الظهار عليه لم يبق له حكم هو جهة واحدة فقط، كالقذف إذا قذف رجلٌ رجلًا بالزنا فحله حل القذف، ولا نقول: هذا حرام ولا يترتب عليه أثره، نقول: ليس فيه جهة حلال حتى نحمل الحلال على الصحة والحرام على البطلان وهذا واضح، ولكن عند المناظرات ولا سيما إذا كان المناظر قويًّا وصرخ في وجه صاحبه فإن الثاني يسقط في يده ويخاف ويعجز أن يأتي بالفروق الدقيقة كهذه.
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 26)
وأما قولكم: إن النكاح عقد يملك به البضع، والطلاق عقد يخرج به، فنعم، من أين لكم برهان من الله ورسوله بالفرق بين العقدين في اعتبار حكم أحدهما، والإلزام به وتنفيذه، وإلغاء الاخر وإبطاله؟
وأما زوال ملكه عن العين بالإتلاف المحرم، فذلك ملك قد زال حسًّا، ولم يبق له محل، وأما زواله بالإقرار الكاذب، فأبعد وأبعد، فإنا صدقناه ظاهرًا في إقراره، وأزلنا ملكه بالإقرار المصدق فيه وإن كان كاذبا.
وأما زوال الإيمان بالكلام الذي هو كفر، فقد تقدم جوابه، وأنه ليس في الكفر حلال وحرام.
وأما طلاق الهازل فإنما وقع؛ لأنه صادف محلًّا، وهو طهر لم يجامع فيه فنفذ، وكونه هزل به إرادة منه ألا يترتب أثره عليه، وذلك ليس إليه، بل إلى الشارع، فهو قد أتى بالسبب التام، وأراد ألا يكون مسببه، فلم ينفعه ذلك، بخلاف من طلق في غير زمن الطلاق، فإنه لم يأت بالسبب الذي نصبه الله سبحانه مفضيا إلى وقوع الطلاق، وإنما أتى بسبب من عنده، وجعله هو مفضيًا إلى حكمه، وذلك ليس إليه.
وأما قولكم: إن النكاح نعمة، فلا يكون سببه إلا طاعة بخلاف الطلاق فإنه من باب إزالة النعم، فيجوز أن يكون سببه معصية، فيقال: قد يكون الطلاق من أكبر النعم التي يفك بها المطلق الغل من عنقه، والقيل من رجله، فليس كل طلاق نقمة، بل من تمام نعمة الله على عباده أن مكنهم من المفارقة بالطلاق إذا أراد أحدهم استبدال زوج مكان زوج، والتخلص ممن لا يحبها ولا يلائمها، فلم ير للمتاحبين مثل النكاح، ولا للمتباغضين مثل الطلاق، ثم كيف يكون نقمة والله تعالى يقول: {لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن} [البقرة: 236]. ويقول: {يأيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن} [الطلاق: 1]؟ !
وأما قولكم: إن الفروج يحتاط لها، فنعم، وهكذا قلنا سواء، فإنا احتطنا، وأبقينا الزوجين على يقين النكاح حتى يأتي ما يزيله بيقين، فإذا أخطأنا فخطؤنا في جهة واحدة، وإن أصبنا فصوابنا في جهتين: جهة الزوج الأول، وجهة الثاني، وأنتم ترتكبون أمرين: تحريم الفرج على من كان حلالًا له بيقين، وإحلاله لغيره، فإن كان خطأ، فهو خطأ من جهتين، فتبين أنَّا أولى بالاحتياط منكم، وقد قال الإمام أحمد في رواية أبي طالب: في طلاق السكران نظير هذا الاحتياط سواء، فقال: الذي لا يأمر بالطلاق: إنما أتى خصلة واحدة، والذي يأمر بالطلاق أتى خصلتين حرمها عليه، وأحلها لغيره، فهذا خير من هذا.
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 27)
يعني إذا قلنا: إن الطلاق لا يقع فقد احتطنا من جهتين: من جهة أننا أبقيناها لزوجها الأول والأصل بقاء النكاح، ومن جهة أنِّا حرمناها على غيره، لكن لو أوقعنا احتطنا من جهة واحدة أننا حرمناها على زوجها لكن أحللناها لغيره وهذا انتهاك فرج، ونظير هذا طلاق السكران كان الإمام أحمد يرى أن السكران يقع طلاقه فقال: كنت أقول بوقوع طلاق السكران حتى تبينته يعني تأملته وتبين لي الأمر فرأيت أني إذا قلت بوقوع الطلاق أتيت خصلتين حرمتها على زوجها والثاني أحللتها لغيره وإني إذا قلت بعدم الوقوع أتيت خصلة واحدة وهي إحلالها لزوجها الذي هو الأصل خير من إحلالها لغير الذي هو خلاف الأصل وعلى هذا يكون الإمام أحمد رجع عن القول بوقوع طلاق السكران، ولعلكم تذكرون أننا قلنا: إن المذهب ينسب إلى الإنسان شخصيًّا وينسب إليه اصطلاحًا فما هو مذهب الإمام أحمد الاصطلاحي في هذه المسألة؟ وقوع طلاق السكران هذا هو مذهب الحنابلة لكن مذهبه الشخصي عدم الوقوع وقد صرح بالرجوع لو قال لا يقع وسكت لكان هذه رواية ثانية لكن صرح بالرجوع.
وأما قولكم: إن النكاح يدخل فيه بالعزيمة والاحتياط، ويخرج منه بأدنى شيء، قلنا: ولكن لا يخرج منه إلا بما نصبه الله سببَّا يخرج به منه، وأذن فيه: وأما ما ينصبه المؤمن عنده، ويجعله هو سببا للخروج منه، فكلا، فهذا منتهى أقدام الطائفتين في هذه المسألة الضيقة المعترك، الوعورة، المسلك، التي يتجاذب أعنة أدلتها الفرسان، وتتضاءل لدى صولتها شجاعة الشجعان، وإنما نبهنا على مأخذها وأدلتها ليعلم الغُّر الذي بضاعته من العلم مزجاة، أن هناك شيئًا آخر وراء ما عنده، وأنه إذا كان ممن كثر في العلم باعه، فضعف خلف الدليل، وتقاصر عن جني ثماره ذراعه، فليعذر من شمر عن ساق عزمه، وحام حول آثار رسول الله صلى الله عليه وسلم وتحكيمها، والتحاكم إليها بكل همة، وإن كان غير عاذر لمنازعة في قصوره ورغبته عن هذا الشأن البعيد، فليعذر منازعه في رغبته عما ارتضاه لنفسه من محض التقليد، ولينظر مع نفسه أيهما هو المعذور، وأي السعيين أحق بأن يكون هو السعي المشكور، والله المستعان وعليه التكلان، وهو الموفق للصواب، الفاتح لمن أمِّ بابه طالبًا لمرضاته من الخير كل باب.
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 28)
ولكن يبقى النظر في مسألة يتلاعب بها الناس الآن: إذا طلق الإنسان زوجته آخر طلقة من الثلاث وجاء يبحث: يقول لعلي طلقتها أول طلقة وهي حائض من أجل أن يلغي الطلقة الأولى ويبقي له طلقة لأجل أن يرجع هذا أنا لا أعتبره ولا أقبله، وأقول: ما دمت طلقت أولًا على أن الطلاق نافذ بدليل أن المرأة التي طلقتها لو انقضت عدتها وتزوجت لم تذهب إلى زوجها وتقول: أرجع لي زوجتي فهذا هو الواقع بين الناس فأنت الآن لما ضاقت بك الأمور جئت تبحث عن الطلاق هل هو في حيض أو في طهر جامعتها؟ وهذا كما قال الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبو بطين مفتي الديار النجدية في وقته قال: إن الإنسان إذا طلَّق ثلاثًا، ثم عجز عن مخارج ذهب يبحث عن عقد النكاح لعله مختل الشروط لعل أحد الشهود يشرب الدخان ولا كذا، ولا كذا لأجل أن يكون غير عدل ويكون النكاح بغير شهود فلا يكون صحيحًا وإذا لم يصح النكاح لم يصح الطلاق؛ لأن الطلاق لا يصح إلا بعد صحة النكاح، وحينئذ تكون الطلقة هذه لاغيه ويتزوجها من جديد يقول: هكذا يفعل بعض الناس يتحايلون فهذا الرجل الذي طلق زوجته قبل عشر سنوات في حيض وانقضت عدتها ثم تزوجها ثانيًا ثم طلقها في حيض أو في طهر جامع فيه، ثم انتهت عدتها ثم تزوجها بعقد جديد يشهدون الناس عليه ويحضر دون محفلًا ثم طلقها تمت الطلقات الثلاث جاء يسأل أنا طلقت الطلقة الأولى قبل عشر سنوات في حيض، طلقتها وانقضت العدة وعقدت عليها، كيف تعقد على امرأة وهي زوجتك؟ إذا كنت صادقا ففي هذه لا نفتي بأن الطلاق الأول لاغ أولًا: لأن قول الجمهور هو هذا، والثاني: أن هذا الرجل ملتزم بهذا القول، كيف الآن لما ضاقت به لحيل جاء يقول: أنا غير ملتزم وهذه من الأمور التي ينبغي للمفتي أن ينتبه لها سياسة الخلق بالحق، وهو أن الإنسان إذا ضاقت عليه الحيل ذهب يتطلب الرخص لعله يتخلص وإلا فشيء التزمت به ونحن نعلم علم اليقين أن زوجتك هذه لو تزوجت بعد انقضاء العدة ما طالبت الزوجة، فأنا على أنني أرى أن الطلاق في الحيض لا يقع إذا جاءني مثل هذه الحال أقول طلاقك نافذ وإذا كانت هذه آخر طلقة فلا رجوع؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما رد زوجة ابن عمر لأنها في عدتها ما انتهت ثم إن زمن التشريع غير الوقت الحاضر زمن الوقت الحاضر ما نعلم هل الشرع حقيقة مع الجمهور أو مع شيخ الإسلام ابن تيمية؟ لكن في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم الشرع معلوم؛ لأن
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 29)
الحاكم هو الرسول صلى الله عليه وسلم أما نحن فلا ندري من الصواب معه! وإن كنا نرجح هذا، لكن لو قيل لك: تشهد أن هذا حكم الله؟ قلت علم اليقين لا أشهد لكن هذا الذي يترجح عندي أما أن أقول هذا هو الشرع علم اليقين لا لأن استدلالي إنما هو بعمومات وتعلمون أن العام دلالته على جميع أفراده ظنية لجواز التخصيص فالمسألة نفهمها نظرية ونقول لا يقع ونفهمها تطبيقيَّا، نقول من طلق ملتزمًا بذلك ومضت مدة فإننا نمضيه لكن لو أن إنسانًا طلق الآن في حيض أو في طهر جامع فيه ثم جاء يسأل، قلنا: لا طلاق عليك ويجب أن تردها؛ لأن الطلاق غير واقع فهي زوجتك وفي عصمتك.
1029 - وفي روايٍة أخرى: قال عبد الله بن عمر: "فردَّها عليَّ، ولم يرها شيئًا، وقال: إذا طهرت فليطلِّق أو ليمسك".
قوله: "وفي رواية أخرى" ظاهر سياق المؤلف أنها في مسلم؛ لأنه قال: "وفي رواية لمسلم" ثم قال: "وفي رواية أخرى قال عبد الله: فردها عليَّ ولم يرها شيئًا"، ما معنى "ولم يرها شيئًا"؟ أي: لم يرها طلاقًا شرعيًا ولم يحتسبها طلقة هذا هو ظاهر اللفظ وهو نظير وهو نظير قول أم عطية كنا لا نعد الصفرة والكدرة بعد الطهر شيئًا أي: حيضًا معتبرًا وهكذا نقول في هذه المسألة فردها علي ولم يرها شيئًا وكلمة "ولم يرها شيئًا" مرفوعًا صريحًا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقوله- فيما سبق- "وحسبت تطليقه" فاعلها مجهول لا ندري من الحاكم؟ ولهذا رجَّح شيخ الإسلام هذه الرواية على الرواية الأولى، قال: لأن الرواية الأولى لا تقاومها لكونها مجهولة، أو لكون الحاسب فيها مجهولًا بخلاف هذا.
اختلاف حكم الطلاق ثلاثة مجموعة في عهد عمر رضي الله عنه:
1030 - وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "كان الطلاق على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكٍر، وسنتين من خلافة عمر، طلاق الثَّلاث واحدةٌ، فقال عمر: إن النَّاس قد استعجلوا في أمرٍ كانت لهم فيه أناةٌ، فلو أمضيناه عليهم؟ فأمضاه عليهم". رواه مسلٌم.
قوله: "كان الطلاق على عهد رسول الله" هذه الصيغة يعدها علماء المصطلح من المرفوع حكمًا؛ لأنها لم تنسب إلى الرسول صلى الله عليه وسلم إنما نسبت إلى عهده فهي مرفوعة حكمًا، وخلافة أبي بكر سنتان وأشهر، "وسنتين من خلافة عمر" أضافها إلى خلافة أبي بكر تكون أربع سنوات وأشهرًا، "طلاق الثلاث واحدة" الوجه النحوي أن يقال طلاق الثلاث واحدة، وتكون طلاق الثلاث بدلًا من الطلاق أو عطف بيان، يعني: كان طلاق الثلاث واحدة وما نوع هذا الطلاق
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 30)
الذي يكون واحدة هل هو قول الرجل: أنت طالق ثلاثا، أو قول الرجل: أنت طالق أنت طالق أنت طالق؟ الظاهر الثاني، يعني: طلاق الثلاث أنه قال: أنت طالق أنت طالق أنت طالق كما لو قال سبح الله ثلاثًا، يعني قال: سبحان الله ثلاثًا أو قال: سبحان الله سبحان الله سبحان الله؟ الثاني، فالظاهر أن الصيغة التي كانت معروفة هي أنت طالق أنت طالق أنت طالق فكان واحدًا وبعد ذلك تتابع الناس في هذا الأمر؛ لأن هذا الأمر كان محرمًا، ووجه التحريم: أن الإنسان إذا قال لزوجته: أنت طالق طلِّقت، فإذا قال: أنت طالق الثانية فقد طلقها لغير عدة كيف ذلك؟ لأنها الآن لم تشرع في عدة جديدة حيث إنها في عدة الطلاق، فإذا قال: أنت طالق الثالثة زاد الطين بلة، فصار متعجلًا لحدود الله؛ حيث قال: {فطلقوهن لعدتهن} وهذا طلقها الثانية لغير العدة ولهذا قال الفقهاء: أنت طالق وبعد أن حاضت حيضة قال: أنت طالق بنت على العدة الأولى ولم تستأنف العدة بالطلقة الثانية وعلى هذا فيكون قد طلقها لغير عدة فيكون عاصيًا لله، كما قال ابن عمر في الحديث السابق للرجل: "أما أنت فقد عصيت ربك … إلخ"، عمر رضي الله عنه كان حازما وكان يسوس الناس في الغالب بأشد الأمور رأى من حكمته أن يلزم الناس بما التزموا به وإن كان محرما، وله في ذلك إمام أي: إلزام بما التزموا به وإن كان منهيًّا عنه له فيه إمام وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم أين الإمامة؟ الإمامة في الوصال نهاهم النبي صلى الله عليه وسلم عن الوصال في الصوم وهو أن يقرن بين يومين فلا يفطر بينهما- نهاهم عن الوصال ولكنهم ظنوا أن نهيه رأفة بهم ورحمة فاستمروا عليه فواصل بهم يومًا ويومًا ويومًا حتى رؤي الهلال فأفطروا فقال لو تأخر الهلال لزدتكم كالمنكل لهم مع أن الوصال أصله إما حرام أو مكروه لكنه جعلهم يستمرون إلزامًا لهم بما التزموا به، فعمر رضي الله عنه قال: هؤلاء القوم الذين عصوا الله في الطلاق الثلاث ليلزموا به أنفسهم نحن نعاملهم بما التزموا به عقوبة لهم فمنعهم من استرجاع زوجاتهم إذا طلِّقوا ثلاثًا منعهم وقال ممنوع، إذا علم الإنسان أنه سيمنع من الرجوع إذا طلق الثلاث فهل يطلق؟ لا، فكان إمضاء الطلاق في عهد عمر من باب السياسة وأن الناس إذا أكثروا فينبغي أن يمنعوا من الرجوع أما إذا كانت المسألة نادرة فيمكن لهم.
إذن في الحديث كان طلاق الثلاث واحدة فقال عمر "إن الناس قد استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة" يعني: تؤدة، وتأخير كيف استعجلوا؟ هو إذا قال: أنت طالق أنت طالق أنت طالق، يعني: من الآن بت الطلاق هذا الذي يريد وكان له في ذلك أناة أن يطلق الآن مرة واحدة فيكون بالخيار إن شاء راجع وإن شاء لم يراجع هل أحد يجبره على أن يراجع؟ لا إذن لماذا يطلق ثلاثًا، يطلق واحدة ثم إن شاء راجع وإن شاء تركها إذا انقضت عدتها ملكت نفسها، فهو إذا طلق الثلاث ضيق على نفسه وكان له في الأمر سعة.
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 31)
يقول: "فلو أمضيناه فأمضاه" ما معنى "أمضاه" يعني: ألزمهم بمقتضاه بأن تكون الثلاث مبينة للزوجة لا تحل له إلا بعد زوج، وهذه المسألة مما اختلف فيه الأمة، فأكثر الأمة- ومنهم الأئمة- على أن الطلاق الثلاث ثلاث تبين به المرأة، فإذا قال: أنت طالق ثلاثًا بانت به وإذا قال: أنت طالق أنت طالق أنت طالق بانت به، لماذا؟ قالوا لأن الرجل طلق بنفسه قال: أنت طالق أنت طالق أنت طالق فكيف تقول واحدة، أيضًا عمر له سنة متبوعة: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين"، فيتبع في هذا ماذا نصنع بحديث ابن عباس؟ بعضهم طعن في سنده وبعضهم طعن في دلالته فأوله وقال إن الطلاق الثلاث واحدة في غير المدخول بها كيف لأن غير المدخول بها إذا قال: أنت طالق بانت لأنه ليس لها عدة {يأيها الذين أمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها} [الأحزاب: 49] فإذا لم يدخل عليها ولم يخل بها وقال: أنت طالق- عند آخر القاف- طلَّقت وبانت منه، فإذا قال ثلاثًا ورد على غير زوجة وكذلك إذا قال: أنت طالق أنت طالق أنت طالق بانت للأولى ولا يلحقها ما بعدها فتكون الطلقة الثانية والثالثة واردة على غير زوجة فلا تحسب فحملوه على غير المدخول بها وسبحان الله أن يكون هذا التأويل لو سألتك أيهما أكثر أن يطلق الناس بعد الدخول أو قبل الدخول؟ بعد الدخول إذن معناه: حملنا الحديث على المسائل النادرة وتركنا المسائل الكثيرة، نقول: هذه الصورة التي زعمتم أنها مدلول الحديث صورة نادرة فكيف تحملون الحديث عليها وما هذا إلا كحديث آخر حمل على النادر وهو حديث عائشة الثابت في الصحيحين "من مات وعليه صيام صام عنه وليه"؟ ! حمل عن المراد به النذر، يعني: من مات وعليه صيام نذر صام عنه وليه لو سألنا أيهما أكثر أن يكون على الإنسان صوم النذر أو صوم رمضان؟ صوم رمضان؛ لأن النذر متى يكون؟ ! ! ورمضان يتكرر كل سنة فسبحان الله! أن يحمل على النذر وهو الأمر النادر ويترك الأمر الكثير! لكن هذا سببه العلة التي أشرنا إليها فيما سبق وهي أن يعتقد ثم يستدل إذا اعتقد الإنسان ثم استدل فالله يكفيه عن التحريف والتأويل لكن إذا استدل ثم اعتقد هذا هو السليم ولهذا كان القول الصحيح في مسالة الطلاق والقول الصحيح في الصيام عن الميت أنه يكون في الصوم الفريضة الواجب بأصل الشرع والنذر وكذلك في الطلاق الثلاث الصحيح؛ لأنه لا يكون إلا واحدة وأن حمله على غير المدخول بها حمل للحديث على الأمر النادر وترك للأمر الكثير.
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 32)
ذكرنا أن طلاق الثلاث على عهد النبي صلى الله عليه وسلم واحدة وأنه لا فرق بين أن يقول: أنت طالق ثلاثًا وأن يقول: أنت طالق أنت طالق أنت طالق وذلك لأن الطلقة الثانية تقع على رجعية فلا تكون طلاقًا للعدة ولهذا لا تستأنف العدة إذا طلقها ثانية بعد الطهر الأول مثلًا تستمر، فلا يكون هذا الطلاق شيئًا فيقع طلاقًا لغير العدة وقد قال الله تعالى: {فطلقوهن لعدتهن} وهي الآن في عدة، فلو فرض أن رجلًا طلق زوجته وحاضت مرتين وبقي عليها حيضة ثم طلقها فإنها لا تستأنف العدة بل إذا حاضت الحيضة الثالثة انتهت عدتها. إذن يكون الطلاق الراجح لطلاق سابق طلاقًا لغير العدة فلا يقع وهذا السر في أن الطلاق الثلاث يحسب واحدة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وعهد أبي بكر ومعلوم أن الطلاق لغير العدة حرام فيقع مردودًا؛ ولهذا لما رأى عمر أن الناس لا ينتهون عنه إلا بأن يلزموا به ألزمهم به ومنه الإنسان من الرجوع إلى زوجته إذا طلقها ثلاثًا، وهذا الحديث صريح جدًا في أن الطلاق الثلاث إنما نفذ في عهد عمر، ولهذا قال بعض العلماء لما قيل له: إن القول بأن الطلاق الثلاث واحدة قال: هذا خلاف الإجماع فقيل له: بل الطلاق الثلاث إذا جعل ثلاثًا فهو خلاف الإجماع لأنه ما دام في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وعهد أبي بكر وسنتين من خلافة عمر كل هذه المدة وطلاق الثلاث واحدة ليس فيه خلاف. إذن فهذا هو الإجماع القديم وهذا هو الذي يجب أن يعتد به، لكن لما اجتهد عمر هذا الاجتهاد تبعه الناس وصار أرباب المذاهب على هذا وبقي الخلاف في هذه المسألة غير معروف بين الناس حتى إن شيخ الإسلام رحمه الله أوذي من جهته إيذاء كبيرًا وحبس هو وتلميذه ابن القيم رحمه الله طيف به على جمل في الأسواق يشهر به لماذا يفتي بما يخالف رأي السلطان، ولكن الحق أحق أن يتَّبع، الجمهور ليس لهم جواب على هذا الحديث جوابًا يغني من الحق شيئًا؛ فمنهم من قال: إن هذا فيمن لم يدخل بها- يقصد حديث ابن عباس- لأنه إذا طلق من لم يدخل بها مرة بانت منه ليس لها عدة لأن الإنسان إذا طلَّق امرأة لم يدخل عليها وإنما عقد عليها ثم طلقها فإنه بمجرد ما يقول هي طالق تطلق وليس لها عدة تبين منه فإذا جاء الكلمة الثانية أنت طالق وردت على أجنبية لأنها بانت منه فقالوا هذا في غير المدخول بها وهذا في الحقيقة حمل مستكره لأننا لو سئلنا أيهما أكثر الطلاق قبل الدخول أو بعد الدخول؟ بعد الدخول كيف نحمل الحديث على المسألة النادرة القليلة ونوع المسألة الكثيرة؟ ! هذا حمل مستكره وهو إلى التحريف أقرب منه إلى التأويل وقال آخرون: بأن هذا الحديث فيما إذا قصد المطلق بالجملة الثانية التأكيد؛ لأنه إذا قال: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق، وقال: أردت التوكيد لم يقع إلا واحدًا، فقالوا: إنهم كانوا يريدون بذلك التوكيد في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم وزمن أبي بكر وسنتين في خلافة عمر فلما ساءت نيات الناس وصاروا يريدون التأسيس
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 33)
ويدعون أنهم أرادوا التوكيد أمضاه عمر لسوء المقاصد والنيات وهذا أيضًا تأويل مستكره؛ لأن عمر لم يقل: أرى الناس قد فسدت نياتهم فكانوا يدعون التوكيد بما يريدون به التأسيس بل قال: "أراهم استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة" فيكون هذا التأويل تأويلًا باردًا لا فائدة منه، ونحن وأنتم إلى الآن نقول: إن من أراد توكيد الجملة الأولى بالثانية لم تقع عليه الثانية، لأن المؤكد هو المؤكد، فالجملة واحدة ولا إشكال في هذا، فتبين بهذا أن رد الجمهور لهذا الحديث لا وجه له، وأنه لا يقع الطلاق الثلاث إلا واحدة وأنه لا فرق بين قوله: أنت طالق ثلاثًا وقوله: أنت طالق أنت طالق أنت طالق؛ وذلك لأن الجملة الثانية تقع لغير العدة فتكون مردودة وهذا وجه جعل الثلاث واحدة، لو قال المطلق: أنا أردت الثانية هل تقع عليه الثانية؟ على القول الذي رجعنا لا تقع، أما إذا لم يرد الثانية وإنما قالها توكيدًا أو إحجامًا ظن أن الزوجة لم تسمع فهذا ليس فيه إشكال.
يستفاد من هذا الحديث فوائد: منها: وقوع الطلاق الثلاث يعني: أنه طلاق معتبر لكن هل يعتبر بوصفه أو يعتبر بأصله؟ يعتبر بأصله فيقع الطلاق لكن واحدة وقالت الرافضة: الطلاق الثلاث لا يقع أصلًا وأن الإنسان إذا طلق زوجته وقال: أنت طالق ثلاثًا لم يقع عليه شيء لا واحدة ولا ثلاثًا، وعلَّلوا ذلك بأن هذا الطلاق منهي عنه والمنهي عنه يكون مردودًا، أرأيتم لو باع صاعًا من البرِّ بصاعين من البرِّ هل تقولون ببطلان الزيادة وهي الصاع أو ببطلان البيع كله؟ الثاني قالوا فهذا أيضًا كذلك لا تبطلوا الثلاث فقط أبطلوا الكل؛ لأنه وقع على غير ما أمر الله به ورسوله فيكون مردودًا: "من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد"، والتحريم في الوصف وأنتم تجعلون ما عاد على الوصف كالذي عاد على الأصل وحينئذ يلزمكم أن تقولوا بآن الطلاق الثلاث غير واقع أصلًا، الحجة قوية لكن لا حجة تصادم النص، فحديث ابن عباس صريح بأنه يقع واحدة فيلغي الوصف ويبقي الأصل وإذا كان عندنا نص في المسالة بطل القياس فكم تبين لنا الآن من قول؟ ثلاثة أقوال، الرابع: أن هذا في غير المدخول بها الطلاق الثلاث يقع واحدة في غير المدخول بها ويقع ثلاثًا في المدخول بها لكن هذا لا يخرج عن قول الجمهور؛ لأن غير المدخول بها تبين بالأول ويقع ما بعده على أجنبية فهو بمعنى القول الأول وإن كان بعضهم يجعله قولًا، فعلى كل حال: نحن نقول: إن القول الراجح الذي دلت عليه السنة هو اعتبار الأصل وإلغاء الوصف فيعتبر الطلاق أصله ويلغي وصفه وهو الثلاث إذا قال: أنت طالق ثلاثًا أو يلغي ما بعد الجملة الأولى لأنه وقع على غير ما أمر الله به ورسوله فيلغي.
ومن فوائد الحديث: أن الطلاق الثلاث يكون واحدة سواء وقع بلفظ: أنت طالق أنت طالق أنت طالق أو بلفظ: أنت طالق ثلاثًا؛ لقوله: كان طلاق الثلاث واحدة.
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 34)
ومن فوائد الحديث: أن كون الطلاق الثلاث لو ادعى مدعٍ أنه إجماع قديم لكان قوله صحيحًا متوجهًا؛ لأنه مضى عليه عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وعهد أبي بكر وسنتين من خلافة عمر.
ومن فوائد الحديث: أن لولي الأمر أن يعذر بحرمان الإنسان ما يستحق، كما أن له أن يعذر بإيقاع العقوبة على من يستحق فهنا عذرهم عمر بمنعهم مما يستحقون، والذي يستحقونه المراجعة بالطلاق الثلاث، لكن منعهم لئلا يستعجلوا في أمر فيه أناة.
ومن فوائد الحديث: أن إرداف الطلاق بالطلاق سفه واستعجال؛ لقوله: "استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة" والأناة عقل وحلم، وضدها العجلة والسفه، ووجه ذلك: أن الإنسان إذا طلق زوجته واحدة هل يجبر على إرجاعها؟ لا يجبر، بل يتركها حتى تنقضي عدتها، وحينئذ تبين منه ولا تطالبه لا بنفقة ولا بغيرها فأيهما أقرب إلى العقل أن يطلقها طلاقًا يكون له فيه أناة وخيار إن شاء راجع وإن شاء لم يراجع مع أن الأمر إليه أو أن يبت طلاقها حتى يحال بينه وبينها؟ الأول.
ومن فوائد الحديث: جواز إضافة الضمير إلى النفس بصيغة التعظيم لقوله: "أمضيناه"، ولم يقل أمضيته وهذا لا بأس به خلافًا لبعض الناس الذي يقول إن الرجل إذا قال رأينا كذا يكون متكبرًا معجبًا برأيه، بل أن يقول: رأي كذا، ورأينا كذا لا سيما إذا كان حاكمًا أو قاضيًا أو ما أشبه ذلك يعني: له كلمة، لكن يشترط شرط لا بد منه وهو: ألا يقول الحامل له على ذلك الإعجاب أو الكبرياء فإن كان الحامل على ذلك الإعجاب أو الكبرياء منع من إطلاق هذا اللفظ من أجل ألا يجره ذلك من الاستمرار على مما هو عليه من الكبرياء والإعجاب، ويقول إذا خاف هذا الشرط يقول رأى كذا لو أمضيت كذا حتى يهين نفسه التي شمخت وعلت لأن الإنسان على نفسه بصيرة وهو مؤتمن عليها وأن يرعاها حق رعايتها وأن يقودها إلى ما فيه الخير وإذا رأى من نفسه أنها تميل إلى شر وإلى فساد وجب عليه أن يكبح جماحها وليعلم أن النفس الأمارة بالسوء عدوة فإذا تغلب عليها فهو كانتصاره على عدوه يكون بعد ذلك له السيطرة التامة عليها يستطيع أن يوجهها التوجيه السليم ويبعدها عن المزالق وهذه المسألة يجب على أرباب السلوك الذين يريدون تهذيب نفوسهم وتطهيرها من سوء الأخلاق أن يكون لهم السيطرة عليها وإذا كانت لهم السيطرة عليها صارت النفوس بأيديهم كالعجينة بيد العاجن من اللين والطواعية، لكن الإنسان نفسه وما هي عليه فإنه في النهاية يعجز عن كبح جماحها؛ لأنها تسيطر عليه.
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 35)