ومن الفوائد: جواز طلب المرأة الطلاق إذا لم ترض دين زوجها، مثل: أن تتزوج به على أنه رجل مستقيم ثمَّ يتبين أنه رجل غير مستقيم إما لعدم اهتمامه بالصلاة أو لشربه الخمر أو لغير ذلك، فلها في هذه الحال طلب الطلاق لسوء دينه، ولكن يجب أن نعلم أن في هذا تفصيلاًَ فإنها إذا كرهت دينه إما أن يكون مرتدًا فحينئذ ينفسخ النكاح شاءت أم أبت لحق الله، مثل: أن يترك الصلاة! ! فإذا ترك الصلاة نهائيًا فهنا تحتاج إلى أن تطالب، لماذا؟ لأن النكاح ينفسخ بمجرد ردَّته حَّتى يعود إلى الإسلام قبل انقضاء العدة، فإن عاد إلى الإسلام بعد انقضاء العدة فقد اختلف العلماء في هذا: هل يعاد العقد من جديد أو هي بالخيار إن شاءت رجعت إليه بلا عقد وهذا هو الصحيح، الصحيح إذا ارتد الزوج فإن النكاح ينفسخ بدون فاسخ، ثم إن رجع إلى الإسلام قبل انقضاء العدة فهي زوجته ولا خيار لها وإن انقضت العدة قبل أن يعود إلى الإسلام فهي بالخيار على القول الصحيح؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم رد ابنته زينب إلى أبي العاص بن الربيع بعد ست سنوات، أما المشهور من المذهب فإنه إذا انقضت العدة فلا رجوع إلا بعقد جديد.
ومن فوائد الحديث: أن من الحزم أن يحتاط الإنسان لما يتوقعه من مكروه لقولها: "ولكني أكره الكفر في الإسلام"، فخافت من هذا فاحتاطت واستعدت للوقاية من هذا الشر.
ومن فوائد الحديث: صراحة الصحابة رجالاً ونساء؛ لأن امرأة ثابت بن قيس أقدمت على هذا الفعل الذي قد يستحيي منه كثير من النساء.
ومن فوائده: أنه لا يلام الإنسان إذا فعل مثل هذا الفعل، وإن كان قد ينتقد، ولكن ما دام الشارع قد جعل له هذا الفعل فإنه لا يلام عليه، إلا أنه ما يخالف المروءة من الأفعال والحركات لا ينبغي للإنسان اللبيب أن يتجرأ عليها.
ومن فوائد الحديث: أن المرأة إذا طلبت الفسخ من زوجها لسبب فللزوج أن يطالب بالمهر الذي أعطاها لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "أتردين عليه حديقته؟ "، ولو كانت تملك الفسخ لمجرد كراهتها لزوجها لم يعرض النبي صلى الله عليه وسلم ذلك فدعا بزوجها وفسخ النكاح، لكن لابد أن يعوَّض الزوج عمَّا أخذ منه، أما إذا لم يعوَّض فهذا فيه شيء من الجور.
وقوله: "أتردين عليه حديقته؟ " ما ترون لو طلب الزوج زيادة على المهر الَّذي أعطاها؟ هل يملك ذلك أو لا يملك؟ في هذا قولان لأهل العلم القول الأول: أنه يملك ذلك لأن الحق له ولأن زوجته سوف تأخذ من يديه فله أن يمتنع إلا بعوض أكثر مما أعطاها؛ ولأنه ربما يكون قد تزوجها في وقت كانت المهور فيه قليلة، والآن المهور كثيرة، فإذا لم يزد على المهر الذي أعطاها لم يجد زوجة واستدل هؤلاء الجماعة بقوله تعالى: {فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به} [البقرة: 229].
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 655)
و"ما" هذه اسم موصول، واسم الموصول عام فيشمل القليل والكثير، وذهب بعض العلماء إلا أنه لا يزيد على ما أعطاها؛ لأن المهر الَّذي أعطاها أخذ عوضه في الحقيقة وهو استحلال الفرج واستمتاعه ولهذا قال النَّبي صلى الله عليه وسلم: "فلها المهر بما استحل من فرجها". ولأن في حديث امرأة ثابت أن الرسول قال: "خذ الحديقة ولا تزدد"، قلنا: هذا فيه خلاف بين العلماء؛ منهم من قال: إنه يجوز أن يطلب زيادة على ما أعطاها، واستدل بقوله تعالى: {فلا جناح عليهما فيما افتدت به}.
و"ما" اسم موصول من صيغ العموم، فيشمل كل ما تفتدي به من قليل وكثير، ومنهم من قال إنه لا يزيد على ما أعطاها، ويقول: إن الآية لا دلالة فيما على ما ذكر، أي: على جواز طلب الزيادة، ووجه ذلك: أن الله قال: {ولا تحل لكم أن تأخذوا مما أتيتموهن شيئًا إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت} أي: مما أتيتموهن، فالآية آخرها معطوف على أولها، فيكون المعنى: فلا جناح عليهما فيما افتدت به مما آتاها، وعلى هذا فيكون أعلى شيء أن يأخذ ما أعطاها فقط، ولا شك أن المروءة تقتضي ألا يطلب الزيادة، ولهذا توسط الإمام أحمد في هذه المسألة فقال: إنه يكره أن يأخذ زيادة على ما أعطاها ولا يحرم، وهذا هو أعدل الأقوال أن نقول: إنه يحرم عليه أن يأخذ أكثر مما أعطى، ولكن يكره له ذلك؛ لأن فيه شيئًا من الظلم والجور، وأما كونه لا يأثم لو أخذ أكثر فلأن الإنسان ربما يتعلق بالمرأة ويحبها ويخشى إن فاتته أن يتأثر بنفسه وبأن المهور قد تكون زادت وقد يكون بلغ السن قدرًا لا يقبله أكثر النساء؛ فلهذا نقول: إن طلب الزيادة لا يصل إلى درجة التحريم، ولكن القول بأنه مكروه لا بأس به، وقد علمتم من القواعد التي قرأتموها أن المكروه تبيحه الحاجة والحاجة دون الضرورة.
ومن الفوائد: أن النَّبي صلى الله عليه وسلم أولى بالمؤمنين من أنفسهم لأنه هو الَّذي عرض على المرأة أن ترد الحديقة، وعرضه عليها أن ترد الحديقة يقتضي أنها إذا ردت حصل لها مطلوبها.
ومن فوائد الحديث: وجوب الخلع على الزوج إذا طلبت المرأة ذلك وردت عليها المهر، استدل هؤلاء لهذا بقوله صلى الله عليه وسلم: "اقبل الحديقة وطلِّقها تطليقه"، قالوا: والأصل في الأمر الوجوب؛ ولأن هذا- أعني: عدم قبوله- يستلزم ضرراً على المرأة، ودفع الضرر عن المسلم أو رفعه واجب، وقد فعل ذلك بعض فقهاء الحنابلة كما نقله عنهم صاحب الفروع قال بعض قضاتنا ألزموا الزوج بالطلاق في هذه الحال، ولاشك أن القول بإلزامه بالطلاق في هذه الحال قول قوي، لا يقال: إن الطلاق لمن أخذ بالساق، فلا يمكن أن نلزمه إذا كانت الأمور جارية على
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 656)
مجراها الطبيعي، أما إذا خيف أن المرأة تقتل نفسها أو تحرق نفسها أو تجني على أحد أو تكفر بعد الإسلام فلا شك أن هذه الحالات توجب أن يلزم الزوج بأن يطلق ولا خسارة عليه إذا ردّ عليه مهره؛ لأن بعض النساء تقول لأهلها: "أنا إذا أجبرتموني على هذا الرجل سوف أقتل نفسي" وفعلاً وقع، فمثل هذه الحال لا يمكن أن تستقيم حَّتى لو أنها بقيت مع الزوج فهل تعيش معه عيشة سعيدة؟ أبدًا لا هو ولا هي؛ لأنه سيبقى معها في شقاق ومعارضات لا نهاية لها، أما المشهور من المذهب فإنه لا يلزم ويشار عليه ويبين له الأمر فإن أجاز وإلا ترك.
ومن فوائد الحديث: أن حرف الجواب يغني عن الجملة لقوله: "أتردين عليه حديقته؟ "، قالت: "نعم"، ولهذا إذا قيل للرجل: أطلَّقت امرأتك؟ قال: "نعم" طلقت، أعتقت عبدك؟ قال: "نعم" عتق، أوقفت بيتك؟ قال: "نعم صار وقفًا، أقبلت البيع؟ قال: "نعم" فقد قبل البيع.
ومن فوائد الحديث: مشورة ولي الأمر على أحد الخصمين أو على أحد المتداعيين بما يراه أنه أفضل وأصلح، ولقوله: "اقبل الحديقة وطلِّقها تطليقه"؛ لأن بقاءه معها وهي على هذه الحال لاشك أنه ضرر عليه وعليها، هذا إذا قلنا: إن الأمر هنا للإرشاد، أما إذا قلنا: إنه للإلزام فيستفاد منه إلزام الزوج بالخلع؛ يعني: بالمخالعة إذا كرهت المرأة البقاء معه وأعطته ما دفع إليها، وإلي هذا ذهب بعض أهل العلم وقالوا للقاضي أن يلزم الزوج بالخلع إذا لم تستقم الحال.
ومن فوائد الحديث: أنه إذا كان الشقاق من طرف واحد فلا حاجة إلى إقامة الحكمين، والحكمان إنما يكونون فيما إذا كان الشقاق من الطرفين لقوله تعالى: {وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكمًا من أهله وحكمًا من أهلها إن يريدًا إصلاحًا يوفق الله بينهما إن الله كان عليمًا خبيرًا} [النساء: 35]. وهنا الشقاق من طرف واحد وهو الزوجة، أما الزوج فهو يريدها.
ومن فوائد الحديث: أن الخلع يصح أن يقع بلفظ الطلاق لقوله: "طلِّقها تطليقه"، وإذا وقع بلفظ الطلاق فهل يكون خلعًا؛ يعني: حكمه حكم الخلع فلا يحسب من الطلاق ولا رجعة فيه، أو هو إذا وقع بلفظ الطلاق كان طلاقًا؟ في هذا للعلماء قولان:
الأول: أن الخلع فسخ مطلقًا سواء وقع بلفظ الطلاق أو بلفظ الخلع أو بلفظ الافتداء فإنه يكون فسخًا وإذا كان فسخًا؛ فإنه لا ينقص به عدد الطلاق ولا يكمل به عدد الثلاث، فإذا كان طلَّقها مرتين من قبل ثمَّ خالعها فإنها لا تبين منه بينونة كبرى؛ لأن الخلع فسخ وليس بطلاق وإلى هذا ذهب شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وقال: إن الخلع فسخ سواء وقع بلفظ الخلع أو الفسخ أو الافتداء أو الطلاق أو غير ذلك، وأيد كلامه بأن النبي صلى الله عليه وسلم جعل عدَّة امرأة ثابت بن قيس حيضه، ولو كان طلاقًا لكانت عدتها ثلاث حيض، وأيد قوله أيضًا بأن العبرة في الألفاظ بمقاصدها، فهو وإن قال: طلَّقها فالمراد المخالعة، والعبرة في الألفاظ بالمقاصد دون الألفاظ وعلل ذلك أيضًا بأن
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 657)
هذا ما روي عن عبد الله بن عباس الَّذي قال فيه النَّبيّ صلى الله عليه وسلم: "اللَّهمَّ فقِّهه في الدين وعلِّمه التأويل"، فإن ابن عباس قال: "كل ما أجازه المال فهو خلع وليس بطلاق".
وذهب بعض العلماء إلى العكس من ذلك، وقالوا: إن الخلع طلاق بأي لفظ كان، حتى لو وقع بلفظ الخلع فإنه طلاق، ولكن هذا القول ضعيف للغاية؛ لأنه لو كان الخلع طلاقًا بكل لفظ لكان الطلاق أربعًا لا ثلاثًا، كيف ذلك؟ لأن الله تعالى قال: {الطلاق مرتان فإمساك بمعروٍف أو تسريح بإحسانٍ ولا يحل لكم أن تأخذوا مما أتيتموهن شيئًا إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به} [البقرة: 229].
فهذا ثالث ثمَّ قال: {فإن طلقها فلا تحل له من بعد حَّتى تنكح زوجًا غيره} [البقرة: 230]. فهذا رابع، فالقول بأن الخلع طلاق بأي لفظ كان قول ضعيف جدًا؛ والقول بأن الخلع فسخ بأي لفظ كان وهو مقابل للقول الَّذي ذكرت أقوى منه.
بقي قول ثالث: أنه إن وقع بلفظ الطلاق وإن وقع بلفظ الخلع أو الفسخ أو الافتداء فهو فسخ، وهذا هو المشهور من المذهب، ويؤيد هذا قوله: "طلِّقها تطليقه"، وهذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعل هذا الفراق طلاقًا ولكنه أمره أن يطلقها: "طلقها تطليقه"، هذا القول قول وسط بين القولين، لكنه يعكر على هذا القول أن النَّبي صلى الله عليه وسلم جعل عدتها حيضه، والطلاق عدته ثلاث حيض لقوله تعالى: {والمطلَّقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء} [البقرة: 228]. ولكن ربما يقول قائل: الطلاق الذي تتربص فيه المرأة ثلاثة قروء هو الطلاق الذي فيه رجعة لقوله تعالى: {والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر وبعولتهن أحق بردهن في ذلك} [البقرة: 228]. أي: في ذلك الزمن الَّذي هو ثلاثة قروء ولا يكونوا البعول أحق بردهن إلا في الطلاق الرجعي والخلع طلاق بائن ويمكن أن نقول إنما جعل النَّبيّ صلى الله عليه وسلم عدة المختلعة حيضه واحدة؛ لأنه لا رجعة للزوج عليها فلا فائدة من تطويل العدة عليها فلتكن العدة حيضه واحدة، وهذا القول وجيه جدًا أيضًا، وإلى هذا ذهب شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في المطلقة ثلاثًا قال: إن المطلقة ثلاثًا عدتها حيضه؛ لأنه لا رجوع لزوجها عليها إلا أنه علق القول بذلك على أن لا يكون خلاف الإجماع، وقد ثبت أنه لا إجماع في المسألة أي لم يجمع العلماء على أن المطلقة طلاقًا بائنًا تعتد بثلاث حيض، وعلى هذا
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 658)
فيكون قوله: "أن من لا رجعة لزوجها عليها فعدتها حيضه"؛ لأنه يحصل بها المقصود من العلم ببراءة الرحم وينتفي بها المشقة على الزوجة من تطويل العدة.
الخلاصة: الخلع إما أن يقع بلفظ الخلع أو الفداء أو الافتداء أو الفسخ فيكون فسخًا، وما معنى قولنا: يكون فسخًا؟ أنه لا يعطى حكم الطلاق فلا يحسب من الطلاق ولا تبين به المرأة بينونة كبرى إذا كان قد طلق قبله مرتين، وإذا وقع بلفظ الطلاق فهل يكون فسخًا؟ في ذلك ثلاثة أقوال: فمن العلماء من يقول: يكون فسخًا؛ لأن العبرة في الألفاظ بمقاصدها، ويؤيده أيضًا أن الرسول جعل عدَّة المختلعة حيضه واحدة، ويؤيده ما روي عن ابن عباس من أن كل ما كان بعوض فهو فسخ، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية.
والقول الثاني: أنه إذا كان بلفظ الطلاق فهو طلاق؛ لأن لفظ الطلاق صريح فيه؛ ولأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: "طلِّقها تطليقه"، وإن وقع بلفظ الخلع أو الفسخ أو الفداء أو الافتداء فهو فسخ، وهذا هو المشهور من المذهب.
القول الثالث: أن الخلع طلاق بكل حال وإن وقع بلفظ الخلع وهذا القول أضعف الأقوال.
ومن فوائد الحديث: أنه ينبغي لأهل العلم أن يرشدوا العامة إلى الطلاق المشروع؛ حيث قال: "طلِّقها تطليقه"؛ لأن الطلاق السُّني الموافق للسنة ما كان واحدة، فإن طلَّق ثنتين فهو مكروه، وإن طلَّق ثلاثًا فهو حرام؛ يعني: إذا قال لزوجته: أنت طالق هذا طلاق سنة، إذا قال: أنت طالق أنت طالق فهذا مكروه، إذا قال: أنت طالق أنت طالق أنت طالق فهذا حرام، وذهب شيخ الإسلام ابن تيمية على أن ما زاد على الواحدة فهو حرام، فالثنتان عنده حرام، وقوله: أصح؛ لأنه ليس بعد السُّنة إلا البدعة، وكل بدعة ضلالة، والفقهاء يرون قوله: "أنت طالق أنت طالق" أنه طلاق بدعة، فالاقتصار على الكراهة فيه نظر، والصواب أن الطلاق الزائد على الواحدة حرام، لكن إن كان ثلاثًا فإنه تبين به المرأة على المشهور عند العلماء، وإن كان اثنتين فإنها لا تبين به، والصحيح أنها لا تبين بالثلاث، وأنه إذا طلَّق ثلاثًا بدون أن يتخلل الطلقات رجعة فإنه واحدة؛ يعني: لو قال: أنت طالق أنت طالق أنت طالق فهي واحدة، وإذا قال: أنت طالق أنت طالق فهي واحدة؛ إلا إذا تخللهما رجعة بأن قال: أنت طالق ثم راجعها، وبعد يومين قال: أنت طالق ثم راجعها، وقال بعد يومين أو ثلاثة: أنت طالق فهنا تحسب كل واحدة طلقة منفردة.
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 659)
ومن فوائد الحديث: أن المختلعة عدَّتها حيضه؛ لقوله: "فجعل النَّبي صلى الله عليه وسلم عدتها حيضه"، ووجه ذلك: أنه لا رجعة للزوج عليها فلا فائدة من تطويل العدَّة، بل تطويل العدة فيه مضرة على الزوجة، فإنه ربما يؤدي إلى أن تبقى في ثلاث حيض سنة كاملة إذا كانت ممن لا يحيض إلا بعد أربعة أشهر فمعنى ذلك أنها تبقى اثني عشر شهرًا.
ومن فوائد الحديث: بيان سبب طلب امرأة ثابت بن قيس للخلع؛ لقوله: "كان دميمًا".
ومن فوائد: شدة بغض امرأة ثابت له؛ لقولها: "ولبصقت في وجهه".
ومن فوائد الحديث: أن الخوف من الله يحمل على محاسن الأخلاق؛ لأن مخافة الله منعتها من البصاق في وجهه.
ومن فوائد الحديث: أن البصاق مكروه وعدوان، وهو عند بعض الناس أشد من الضرب، يعني: لو ضربت الرجل كان أهون عليه من البصاق في وجهه، ولهذا نهي النَّبي صلى الله عليه وسلم عن بصاق المصلَّي قبل وجهه؛ لأن هذا ينافي الأدب مع الله الَّذي أنت بين يديه، بل رأى نخامة في جدار المسجد من الإمام فعزل الإمام عن إمامته لقبح فعله.
ومن فوائد الحديث: أن هذا الخلع أول خلع وقع في الإسلام، كما أن الظهار الَّذي وقع في صدر سورة "قد سمع" أول ظهار في الإسلام، ولا تنسوا ما قسمناه في أول الباب من أن الخلع من الأجنبي له أقسام أربعة: أن يكون لمصلحة الزوج، أو مصلحة الزوجة، أو مصلحتهما، أو الإضرار بالزوج أو بالزوجة أو بهما أو لمصلحة الباذل للعوض.
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 660)
فتح ذي الجلال والإكرام بشرح بلوغ المرام ط المكتبة الإسلامية (ابن عثيمين)القسم: شروح الحديث
الكتاب: فتح ذي الجلال والإكرام بشرح بلوغ المرام
المؤلف: محمد بن صالح العثيمين
تحقيق وتعليق: صبحي بن محمد رمضان، أم إسراء بنت عرفة بيومي
الناشر: المكتبة الإسلامية للنشر والتوزيع
الطبعة: الأولى، 1427 هـ - 2006 م
عدد الأجزاء: 6
أعده للشاملة: فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية)
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
تاريخ النشر بالشاملة: 3 شعبان 1438
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 2487)
7 - باب الطلاق
تعريف الطلاق لغة وشرعًا:
"الطلاق" لغة: اسم مصدر طلق؛ لأن المصدر من طلق تطليق واسم المصدر طلاق، واسم المصدر هو: ما دل على معنى المصدر ولم يتضمن حروفه، وهو كثير، ومنه: سلام من التسليم كلام من التكليم طلاق من التطليق.
و"الطلاق" في الاصطلاح: حل قيد النكاح أو بعضه، وكلمة بعضه معطوفة على أي شيء؟ معطوفة على "قيد" فيكون على بعض قيده؛ وذلك لأن الطلاق قد يكون بائنًا تبين به المرأة ولا تحل إلا بعد زوج، وقد تكون غير بائن، يعني: طلاقها يكون دون الثلاث، فهذا حل لبعض القيد وليس حلًّا للقيد؛ وذلك لأن الزوج في هذه الحال يمكنه أن يراجع حكم الطلاق يدل عليه قول الله تعالى: {للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر فإن فاءوا فإنَّ الله غفور رحيم * وإن عزموًا الطلاق فإنَّ الله سميع عليم} [البقرة: 226 - 227]. {فاءوا}: يعني: رجعوا في أيمانهم {فإن الله غفور رحيم}.
وهذا حث على الرجوع؛ لأن كل إنسان يطلب المغفرة والرحمة ل {وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم} وهذا فيه شيء من التهديد، يعني فإنه يسمع ما يعزمون به وهو الطلاق ويعلم أحوالهم، والآية تشير إلى أن الطلاق غير محبوب إلى الله عز وجل، من الذين يؤلون من نسائهم؟ هو الرجل يحلف على زوجته ألا يطأها إما دائمًا أو مدة تزيد على أربعة أشهر، فيقال لهذا الرجل: إما أن ترجع لزوجتك وتكفر عن يمينك وهذا هو الأفضل لقوله: {فإن الله غفور رحيم} وإما أن تطلق وهذا هو المفضول المرجوح لقوله: {وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم}، أما من السنة فالدليل على أنه غير مرغوب فيه ما رواه في الحديث القادم.
1025 - عن ابن عمر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أبعض الحلال عند الله الطلاق". رواه أبو داود، وابن ماجه، وصحَّحه الحاكم، ورجَّح أبو حاتم إرساله.
والمرسل من قسم الضعيف. هذا الحديث نشرحه على أنه مقبول، قوله: "أبغض الحلال إلى الله الطلاق"، "أبغض": اسم تفضيل، والبغض ضد المحبة، والحلال ما أحله الله، والطلاق عرفنا معناه. فالحديث يدل على أن من الحلال ما هو مبغوض إلى الله عز وجل، وأن أبغضه الطلاق وذلك
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 3)
لما فيه من منافاة الأمر بالنكاح؛ لأن الأمر بالنكاح بإيجاد الزوجات والطلاق حل للزوجات وإبعاد عنهن فهو منافٍ لمقصود الشرع من طلب النكاح.
ذكر المفاسد المترتبة على الطلاق:
• يترتب على الطلاق مفاسد كثيرة:
منها: أنه قد يكون بين الزوجين أولاد فإذا طلقها تشتت الأولاد، واختلفت عليهم الحياة وصاروا مذبذبين لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء.
ومنها: أنه ربما تكون المرأة فقيرة وأهلها فقراء ويكون الزوج في حال النكاح كافيًا لها، فإذا طلقها صارت عالة على الناس وضاقت عليها الدنيا بما رحبت.
ومنها: أن الزوجة إذا طلقت فإن الرغبة تقل فيها حتى وإن لم يكن معها أولاد فكيف إذا كان معها أولاد وحينئذٍ تبقي عانسًا ليس لها من يتزوجها وهذه مضرة عليها.
ومنها: فوات ما يترتب على الإنفاق من الزوجات من الأجر والثواب والخلف العاجل من الله عز وجل، ومفاسده كثيرة لو أردنا أن نتتبعها ولهذا كان مبغوضًا إلى الله عز وجل مع أنه أحله، وإحلاله- سبحانه وتعالى للطلاق؛ لأن الحاجة قد تدعو إليه.
ولكن هذا الحديث في سنده اختلاف بين العلماء: هل هو مرسل أو متصل، وفي معناه أيضًا شيء من النكارة؛ لأن الحلال لا يمكن أن يكون مبغوضًا إلى الله إذ لو أبغضه الله عز وجل بما أحله، من الذي يكره الله عز وجل على أن يشرع للعباد أو يحل للعباد ما يبغضه ولو صح الحديث لكانت هذه العلة في المتن يمكن أن تتلافى، بأن يفهم البغض على عدم المحبة يعني لا يحبه لكن لا يبغضه فيكون إطلاق البغض هنا على انتفاء المحبة، هذا لو صح الحديث وإذا لم يصح فقد كفينا إياه.
ولهذا أنا أحب منكم عندما يستدل عليكم مستدلٌّ بالقرآن أن تبحثوا عن المعنى هل هو يؤيد ما ذهب إليه أم لا، أما إذا استدل عليكم بالسنة والآثار فطالبوه أولًا بصحة النقل؛ لأنه إذا عجز عن الصحة بطل دليله، ولا نحتاج أن جادله في المعنى، فإذا صح النقل فحينئذ، جادله في المعنى، وهذا هو دأب أهل العلم في المناظرة والمجادلة، وهو دأب صحيح وطريق سليم، ويذهب إليه شيخ الإسلام رحمه الله كثيرًا في منهاج السنة في الرد على الرافضة، يقول: أول ما نطالبكم به بيان صحة النقل أثبتوا الأصل ثم نتفاهم على الفرع، المعنى أيضًا يقتضي أن الطلاق غير مرغوب فيه للأسباب التي ذكرناها، وأظن ذكرنا أربعة في هذا الحديث، إذا صح دليل على أن الأصل في الطلاق الكراهة. وقد قسم أهل العلم الطلاق إلى خمسة أقسام، وقالوا: إنه من الأشياء التي تجري فيها الأحكام الخمسة وهي الوجوب والتحريم والكراهة والاستحباب
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 4)
والإباحة، فمتى يجب؟ يجب في الإيلاء إذا آلى الإنسان ألا يجامع زوجته، فإننا نطالبه إما بالطلاق وإما بالفيئة بالرجوع، إذا أبى الفيئة ألزمناه بالطلاق وجب عليه أن يطلق، ويحرم للبدعة، يعني إذا كان في حيض أو في طهر جامع فيه فهو حرام لقوله تعالى: {يأيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن} [الطلاق: 1] أي: طلقوهن في زمن تبدأ فيه العدة، أي: في الوقت الذي تبتدئ فيه العدة طلقوهن، يستحب لتضرر الزوجة بالبقاء مع الزوج، يعني إذا كان لمصلحة الزوجة ودفع الضرر عنها فهو مستحب لما فيه من الإحسان إليها، فيدخل في عموم قوله تعالى: {وأحسنوا إن الله يحب المحسنين} [البقرة: 195].
فإذا رأينا أن الزوجة تتضرر في بقائها مع الزوج وهي تطالبه بالطلاق، قلنا له: جزاك الله خيرًا طلقها أحسن إليها، الرابع: الإباحة إذا دعت الحاجة إليه فهو مباح ودعاء الحاجة إلى الطلاق له أسباب، إما معيشية وإما اجتماعية أو غير ذلك، المهم متى دعت الحاجة إليه فهو مباح، والخامس: الكراهة وهي فيما عدا ذلك؛ لأنها الأصل فما خرج عن الكراهة فلا بد له من سبب.
فإذا قال قائل: أنتم قلتم إنه مباح للحاجة هل هذا ينطبق على القاعدة الأصولية؟ فالجواب: نعم، لأن القاعدة الأصولية أن المكروه تبيحه الحاجة، ما هي القاعدة؟
وكلُّ ممنوعٍ فللضَّرورة … يباح والمكروه عند الحاجة
حكم طلاق الحائض
1026 - وعن ابن عمر رضي الله عنه: "أنه طلَّق امرأته وهي حائضٌ في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأل عمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك؟ فقال: مره فليراجعها، ثمَّ ليمسكها حتَّى تطهر، ثمَّ تحيض، ثم تطهر، ثمَّ إن شاء أمسك بعد، وإن شاء طلَّق قبل أن يمسَّ، فتلك العدَّة الَّتي أمر الله أن تطلَّق لها النِّساء". متَّفقٌ عليه.
جملة "وهي حائض": في محل نصب على الحال من "امرأة"، والحيض: معروف هذا الدم الطبيعي الذي يعتاد الأنثى في أيام معلومة، قال أهل العلم: وقد خلقه الله تعالى لغذاء الولد ولهذا إذا حملت المرأة انقطع حيضها، "فسأل عمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك"، يعني: عن طلاقها وهي حائض، وهذا السؤال يحتمل أنها حال غريبة أن يطلق وهي حائض وأنه من العادة عندهم
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 5)
ألا يطلق الرجل امرأته وهي حائض؛ لأن هذا السؤال لا بد له من سبب وإلا لسكت عمر وأجرى الأمور على ما هي عليه.
وإنما قررنا ذلك لئلا يحتج محتج على وقوع الطلاق في زمن الحيض لكون النبي صلى الله عليه وسلم لا يستفصل المطلقين وترك الاستفصال في مقام الاحتمال ينزل منزلة العموم بالمقال، وسيأتي ذلك في بيان حكم طلاق الحائض، فسأل عمر عن ذلك فقال: "مره فليراجعها" يعني: قل له راجعها، واللام في قوله: "فليراجعها" لام الأمر؛ ولهذا جزم الفعل بها وسكنت بعد الفاء، لأن لام الأمر تسكن بعد الفاء وثم والواو {من كان يظن أن لن ينصره الله في الدنيا والأخرة فيمدد بسببٍ إلى السماء ثم ليقطع فلينظر} [الحج: 15]. {ثم ليقضوا تفثهم "مره فليراجعها ثم يمسكها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر"، قوله: "فليراجعها" هل المراد بالمراجعة: المراجعة اللغوية، أو المراجعة الشرعية؟ على قولين للعلماء، فمنهم من قال: مراجعة هنا: المراجعة الشرعية، وهي لا تكون إلا بعد ثبوت الطلاق؛ لأن المراجعة الشرعية إعادة المطلقة على ما كانت عليه قبل الطلاق، ومن العلماء من قال: هي المراجعة اللغوية التي معناها إرجاع المرأة إلى ما كانت عليه أو ردها إلى بيتها وعليه الأول جمهور العلماء وعلى الثاني شيخ الإسلام ابن تيمية ومن وافقه في ذلك.
وسيأتي الخلاف في هذه المسألة وهي من أكبر مسائل الخلاف وأخطرها، ولهذا سوف نقرأ زاد المعاد بعدما ننهي شرح الحديث لأنه مهما "ثم يمسكها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر"، يردها ويمسكها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر، وفي هذه الحال لا يجامع، بل يتركها بدون جماع فعلي، هذا لا بد أن تكمل الحيضة التي وقعت فيها الطلاق ثم الطهر الذي بعدها ثم الحيضة الثانية، فإذا جاء الطهر الثاني فهو بالخيار، ولهذا قال ثم إن شاء أمسك بعد وإن شاء طلق، "أمسك" يعني: أمسكها عنده ولم يطلقها، و"طلق" يعني: طلاقًا جديدًا أو طلق الطلاق الأول، ينبني على الخلاف في المراجعة السابقة إن كانت مراجعة شرعية يعني كانت بعد وقوع الطلاق الأول فالطلاق هذا طلاق ثان، وإلا فالطلاق هو الأول، يعني ثم شاء طلق أي كرر الطلاق، ولكن يقول: قبل أن يمس أي قبل أن يجامع؛ لأنه لو جامعها بعد طهرها من الحيض وجب عليه أن ينتظر حتى تحيض ثم تطهر ثم يطلق، إذ إنه لا يجوز للرجل أن يطلق زوجته في طهر جامعها فيه.
يقول: "فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء"، "فتلك" المشار إليه ما سبق من الكلمات أو الحكم "العدة التي .. إلخ"، وهنا يقول: "تلك العدة التي أمر"، وأنث الإشارة باعتبار المشار إليه وهو الخبر، ولهذا قال العلماء: إذا جاء اسم الإشارة بين مذكر ومؤنث فلك الخيار
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 6)
بين أن تذكره اعتبارًا بما سبق أو تؤنثه لما لحقه، فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء في أي آية؟ ، في سورة النساء القصيرة، تسمى عند السلف بسورة النساء القصيرة، وسورة النساء الطويلة التي بعد آل عمران، هذه سورة النساء القصيرة لأن أكثر ما فيها من الأحكام يتعلق بالنساء، المهم أنها سورة الطلاق: {يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن} [الطلاق: 1]. وحينئذٍ تكون عدتهن أن يطلقهن في طهر لم يجامعها فيه، إلا أن تكون حاملًا، فإن كانت حاملًا، فليس لطلاقها ستة ولا بدعة كل طلاقها سنة يعني إذا طلق الحامل ولو كان جامعها قبل قليل فالطلاق سني ليس بدعيًّا، ومن قال من العلماء: إنه لا سنة ولا بدعة لحامل المعنى أن البدعة لا تتصور فيها. وإلا فإن طلاقها لا شك طلاق سنة لأنه طلق للعدة.
? ? ? ? - وفي روايةٍ لمسلم: "مره فليراجعها، ثمَّ ليطلِّقها طاهرًا أو حاملًا".
الفرق بين هذه الرواية وما سبق أن قوله: "فليطلقها طاهرًا" يدخل فيها ما إذا طلقها بعد طهرها من الحيضة التي وقع الطلاق فيها، يعني: الرواية الأولى المتفق عليها "مره فليراجعها .... إلخ".
وهذه الرواية "فليطلقها طاهرًا أو حاملًا": يقتضي أنه إذا طلقها في الطهر الذي عقب حيضها الذي وقع فيه الطلاق فهو طلاق جائز، لأنه يصدق عليها أنه طلقها وهي طاهر وهذه المسألة اختلف فيها العلماء فمنهم من قال: إن قوله "طاهرًا" مطلق فيحمل على ما سبق أي: طاهرًا بعد الحيضة الثانية، ومنهم من قال: إن انتظاره إلى الحيضة الثانية سنة، يعني: إلى الطهر الثاني بعد الحيضة الثانية سنة، وأما انتظاره إلى الطهر الأول بعد الحيضة التي وقعت فيها الطلاق فهو واجب، في حمل اختلاف الروايتين على اختلاف الحكمين، ولو قيل: إن كان عامدًا فإنه يعاقب بتطويل الأمر عليه فلا يؤذن له في الطلاق إلا بعد الحيضة الثانية، وإن كان غير عامد فإنه يرخص له في الطلاق في الطهر الأول.
لو قيل بهذا لكان جيدًا لكن هذا القول يمنع من أن قصة ابن عمر واحدة وهو إما هذا وإما هذا يعني ليس هذا حكمًا مستقلًّا غير مبنيٍّ على سبب، لو كان الأمر كذلك لكان الذي قلته هذا وجهًا، لكن القصة واحدة وحينئذ لا بد من الترجيح، فهل نرجح رواية مسلم ونقول: إنه يجوز أن يطلقها في الطهر الذي يعقب الحيضة التي وقعت فيها الطلاق، أم لا بد من طهر ثم حيض ثم طهر.
الرواية الأولى متَّفقٌ عليها، وهذه في مسلم وطريق الترجيح أن المتفق عليه مقدم على ما انفرد به أحدهما، أي: البخاري ومسلم، ثم إن في الرواية الأولى زيادة علم وتفصيل يقول: "مره فليراجها، ثم يمسكها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر"، فالأقرب أن تقول: إنه لا يحل الطلاق إلا بعد الحيضة الثانية على ذكر هذا الحديث.
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 7)
- وفي روايةٍ أخرى للبخاريِّ: "وحسّبت تطليقة".
"حسيب": فعل ماضٍ مبني للمجهول يعني: لا يعرف فاعله "حسبت" من الذي حسبها؟ هل حسبها الرسول صلى الله عليه وسلم أو حسبها ابن عمر أو حسبها من روي عن ابن عمر أم من؟ يقول بعضهم: إن هذه الرواية مدرجة ليست من أصل الحديث، وإنما أدرجها بعض الرواة تفقهًا منه؛ لقوله: "مره فليراجعها … إلخ" ولهذا جاء في رواية أبي داود بسند صحيح: "ولم يرها شيئًا ردها"، ما معنى: "ولم يرها شيئًا، ؟ يعني: لم يعتبرها، وقال الذين يقولون بوقوع الطلاق في الحيض: وإن قوله: "ولم يرها شيئًا" يعني: لم يرها شيئًا موافقًا للشرع، ولكن لا شك أن هذا خلاف ظاهر اللفظ.
1028 - وفي روايةٍ لمسلمٍ: قال ابن عمر: "أمَّا أنت طلَّقتها واحدةً أو اثنتين؛ فإنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرني أن أراجعها، ثمَّ أمسكها حتَّى تحيض حيضةً أخرى، ثمَّ أمهلها حتَّى تطهر ثمَّ أطلِّقها قبل أن أمسَّها وأمَّا أنت طلَّقتها ثلاثًا، فقد عصيت ربَّك فيما أمرك به من طلاق امرأتك".
"يخاطب رجلًا يقول … إلخ" يعني: إذا كنت طلقتها واحدة أو اثنتين فلك أن تراجعها، "فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرني .... إلخ"، وذلك لأن المطلق مرة واحدة له أن يراجع والمطلق مرتين له أن يراجع ودليل ذلك قوله تعالى: {الطلاق مرتان فإمساك بمعروفٍ … } الآية.
وظاهر هذه الرواية "أو اثنتين" أن الطلاق الواحدة والثنتين جائز وليس كذلك، فإن الثنتين إما مكروهتان أو محرمتان؛ لأن فيهما استعجال البينونة؛ لأن الرجل إذا طلق مرة بقي له ثنتان وإذا طلق مرتين بقي له واحدة، فيكون مستعجلًا البينونة حارمًا نفسه ما أعطاه الله. يقول: "وأما أنت طلقتها ثلاثًا فقد عصيت ربك .. إلخ"، "ثلاثًا" ليس المراد: الطلقة الثالثة؛ لأن هذا جائز، لكن مراده: طلقتها ثلاثًا فقلت: أنت طالق ثلاثًا، أو قلت: أنت طالق أنت طالق أنت طالق؛ "فإنك قد عصيت ربك … إلخ"؛ وذلك لأن الطلاق إنما يكون مرة واحدة ثم مرة أخرى ثم مرة ثالثة بعد رجعة أو عقد جديد.
في هذا الحديث فوائد: أولًا: أن الأحكام قد تخفى على أهل العلم وذلك لخفاء التحريم الطلاق في الحيض على ابن عمر وعلى عمر. ومنها: أنه يجوز للإنسان أن يسأل عن فعل غيره أي عن حكمه ودليل ذلك أن عمر سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن فعل ابن عمر ولكن هذا يقيد بما إذا كان يسأل يريد أن ينصح صاحبه، أما إذا كان يريد أن يشمت به فهذا لا يجوز.
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 8)
ومن فوائد الحديث: جواز الاستنابة في إبلاغ الحكم الشرعي لقوله: "مره فليراجعها"، وعلى هذا فإذا استناب المفتي شخصًا آخر وقال له: قل للجماعة هذا حلال أو هذا حرام؛ فإنه يجوز، ولكن هل يقول المستنيب: قال فلان كذا، أو يجزم بالحكم؟ الثاني: وإن شاء الأول؛ يعني: له أن يجزم بالحكم، وله أن يقول: قال فلان كذا، وعلى هذا فعمر هل قال له: إن النبي صلى الله عليه وسلم أمرني أن آمرك بمراجعتها، أو قال: راجعها؟ يجوز هذا وهذا، لكن الذي يظهر- والله أعلم- أنه الثاني أنه قال: "راجعها".
ومن فوائد الحديث: تحريم الطلاق في الحيض؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر برده.
ومن فوائد الحديث: أن المحرم لا ينفذ شرعًا لقوله: "مره فليراجعها" هذا هو الذي يظهر، أي: أن طلاق ابن عمر لم ينفذ في حال الحيض، ولذلك أمر النبي صلى الله عليه وسلم بردها؛ ويشهد لهذا قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: "من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد"، فإنا نسأل هل الطلاق في الحيض عليه أمر الله ورسوله؟ وسيكون الجواب: لا؛ فإذا كان لا، قلنا: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "من عمل عملًا … إلخ. فإذا قال قائل: إن قولكم هذا يرده قوله: "فليراجعها"، والمراجعة لا تكون إلا بعد طلاق. قلنا: كلمة "فليراجعها" تحتمل معنيين: أحدهما: ما ذكرت بأنه لا رجعة إلا بعد الطلاق، والثاني: أن المراد بها: المراجعة اللغوية؛ أي: ردها إلى نكاحها وهذا لا يلزم منه الوقوع دليل ذلك- أي: دليل أن المراجعة يراد بها ردها للأول لا أنها مراجعة شرعية قوله تعالى: {فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجًا غيره فإن طلقها فلا جناح عليهما أن يتراجعا} [البقرة: 230]. أي: على الزوجة والزوج الأول أن يتراجعا، ومن المعلوم أن الرجعة هنا غير ممكنة؛ لأنه حال بينها وبين الطلاق نكاح رجل آخر. إذن فالمراجعة لما كانت تحمل معنيين سقط الاستدلال بها على تعيين أحدهما إلا بدليل وإذا رجعنا للدليل قلنا إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من عمل … إلخ" وهذا عمل ليس عليه أمر الله ورسوله فيكون مردودًا، وأيضًا لو أمرناه أن يراجعها واحتسبنا الطلاق لزم من ذلك أن تضيق على المطلق؛ لأنه سيكون مطلقًا مرتين؛ وأيضًا لأن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يستفصل هل هي الطلقة الأولى أو الثانية أو الثالثة بل أمر بالرد مطلقًا ومعلوم أنها لو كانت الثالثة لم تصح المراجعة الشرعية؛ لأنها لا تحل له حتى تنكح زوجًا غيره ولا سبيل له إلى الرجعة، فلما لم يستفصل وجب أن يحمل على أن المراد: المراجعة اللغوية.
ومن فوائد الحديث: أن من طلق زوجته في حيض لزمه أن ينتظر إلى ما بعد الحيضة الثانية.
ومن فوائد الحديث: أنه لا يجوز أن يطلق زوجته في طهر جامعها فيه لقوله: "إن شاء طلق قبل أن يمس".
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 9)
ومن فوائد الحديث: أن السنة تفسر القرآن لقوله: "فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء". فإن قال قائل: ما وجه كون هذه هي العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء.
قلنا: وجه ذلك أنه إذا طلقها في حيض فإن الحيضة التي وقع فيها الطلاق لا تحسب من العدة فيكون طلق لغير عدة، هذا واضح في الطهر الذي جامعها نقول كذلك هو لم يطلق لعدة متيقنة صحيح أنها تبدأ العدة من حين ما طلق لكنها عدة غير متيقنة كيف ذلك؟ لأنها قد تحمل من هذا الجماع فتكون عدتها بوضع الحمل وقد لا تحمل فتكون عدتها بالإقراء؛ أي: بالحيض، ونحن إلى الآن لم نتبين أنها حامل أو غير حامل يتبين ذلك إذا حاضت أو ينشأ الحمل ويتبين.
ومن فوائد الحديث: أنه يجوز للإنسان أن يطلق الحامل ولو جامعها"؛ لأنه إذا طلق الحامل طلق لعدة من حين ما يطلق تبدأ في عدتها، وأما ما اشتهر عند العامة من أن طلاق الحامل لا يقع فهذا لا أصل له ولا صحة له، ولا قال به أحد من أهل العلم.
ومن فوائد الحديث: أنه لو طلق من لا تحيض لكونها صغيرة أو آيسة فإنه لا حرج عليه ولو كان قد جامعها لماذا؟ لأنها تبدأ في العدة من حين الطلاق، الصغيرة التي لا تحيض ليس لها عدة بالحيض والآيسة كذلك عدتهما بالأشهر، إذا كانت العدة بالأشهر فإنها تبتدئ من حين الطلاق وعلى هذا دعونا نحصر إذا طلقها حائضًا أو في طهر جامعها فيه ولم يتبين حملها فهذا حرام، إذا طلقها حاملًا أو في طهر لم يجامعها فيه فهذا وهو طلاق سنة، إذا طلق من لا تحيض فهو طلاق سنة ولو كان قد جامعها؛ لأنه من حين يطلق تشرع في العدة وكذلك إذا طلق الآيسة التي بلغت سنًّا لا تحيض معه فهو طلاق سنة وتشرع في العدة من حين الطلاق.
حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم في تحريم طلاق الحائض والنَّفساء والموطوءة في طهرها، وتحريم إيقاع الثلاث جملة.
في "الصحيحين": أن ابن عمر رضي الله عنه طلق امرأته وهي حائض على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسأل عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "مره فليراجعها ثم ليمسكها حتى تطهر ثم تحيض، ثم تطهر، ثم إن شاء أمسك بعد ذلك، وإن شاء يطلق قبل أن يمس، فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء".
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 10)
- ولمسلم: "مره فليراجعها، ثم ليطلقها طاهرًا أو حاملًا".
- وفي لفظ: "إن شاء طلقها طاهرًا قبل أن يمس، فذلك الطلاق للعدة كما أمره الله تعالى".
- وفي لفظ للبخاري: طمره فليراجعها ثم ليطلقها في قبل عدتها".
- وفي لفظ لأحمد"، وأبي داود، والنسائي، عن ابن عمر رضي الله عنه: قال: طلَّق عبد الله بن عمر امرأته وهي حائض، فردها عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يرها شيئًا، وقال: "إذا طهرت فليطلق أو ليمسك".
وقال ابن عمر رضي الله عنه: قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم "يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهنَّ} {الطلاق: 1]. في قبل عدتهن.
فتضمن هذا الحكم أن الطلاق على أربعة أوجه: وجهان حلال، ووجهان حرام:
فالحلالان: أن يطلق امرأته طاهرًا من غير جماع، أو يطلقها حاملًا مستبينًا حملها.
والحرامان: أن يطلقها وهي حائض، أو يطلقها في طهر جامعها فيه هذا في طلاق المدخول بها، وأما من لم يدخل بها، فيجوز طلاقها حائضًا وطاهرًا، كما قال تعالى: {لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضةً} [البقرة: 236].
وقال تعالى: {يا أيها الذين ءامنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدةٍ تعتدونها} [الأحزاب: 49].
وقد دل على هذا قوله تعالى: {فطلقوهنَّ لعدّتهن} [الطلاق: 1].
وهذه لا عدة لها، ونبه عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: "فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء"، ولولا هاتان الآيتان اللتان فيهما إباحة الطلاق قبل الدخول، لمنع من طلاق من لا عدة له عليها.
وهذا يقتضي أن لا طلاق إلا لعدة والتي لم يدخل بها فليس لها عدة لكنه صرَّح بأنه من لم يدخل بها فإنه يجوز طلاقها. إذن {فطلقوهنّ لعدّتهن} هذا فيمن لها عدة يجب أن تطلق للعدة ومعنى طلَّق للعدة: أن تطلَّق لعدة متيقنة تشرع فيها من حين الطلاق؛ لأن اللام للتوكيد كقوله تعالى: {أقم الصلوة لدلوك الشمس} [الإسراء: 78]. أي: عند دلوكها، ولا يمكن أن يكون طلاق تشرع فيه عدة متيقنة إلا إذا طلقها وهي طاهر من غير جماع أو إذا طلقها وهي حامل؛ لأنه إذا طلقها وهي حامل شرعت في العدة فورا وإذا طلقها طاهرا من غير مسيس من غير جماع شرعت في العدة في الحال ولهذا إذا كانت آيسًا لا تحيض يجوز أن يطلقها ولو كان قد جامعها لماذا؟ لأنها تشرع في العدة في الحال وعدتها ثلاثة أشهر وكذلك الصغيرة التي لم
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 11)
تحض بعد والآيسة والحامل ومن طلِّقت في طهر لم تجامع فيه. كل هؤلاء طلاقهن جائز طلاق سنة.
وفي سنن النسائي وغيره: من حديث محمود بن لبيد، قال: أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن رجل طلق امرأته ثلاث تطليقات جميعًا، فقام غضبان، فقال: "أيلعب بكتاب الله وأنا بين أظهركم؟ "، حتى قام رجل، فقال: يا رسول الله، أفلا أقتله.
وفي "الصحيحين": عن ابن عمر رضي الله عنه، أنه كان إذا سئل عن الطلاق قال: "أما أنت إن طلقت امرأتك مرة أو مرتين"، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرني بهذا، وإن كنت طلقتها ثلاثًا، فقد حرمت عليك حتى تنكح زوجًا غيرك، وعصيت الله فيما أمرك من طلاق امرأتك.
فتضمنت هذه النصوص أن المطلقة نوعان: مدخول بها، وغير مدخول بها، وكلاهما لا يجوز تطليقها ثلاثًا مجموعة، ويجوز تطليق غير المدخول بها طاهرًا وحائضًا.
وأما المدخول بها، فإن كانت حائضًا أو نفساء، حرم طلاقها، وإن كانت طاهرًا، فإن كانت مستبينة الحمل، جاز طلاقها بعد الوطء وقبله، وإن كانت حائلًا لم يجز طلاقها بعد الوطء في طهر الإصابة، ويجوز قبله، هذا الذي شرعه الله على لسان رسوله من الطلاق، وأجمع المسلمون على وقوع الطلاق الذي أذن الله فيه، وأباحه إذا كان من مكلف مختار، عالم بمدلول اللفظ، قاصد له.
هذه القيود للمتفق عليه أولًا إذا كان "من مكلف" فإن كان من صغير ففي وقوع الطلاق منه خلاف، والمذهب إذا كان يعقل الطلاق وإذا كان من مجنون لا يقع الطلاق؛ لأنه لا يعقل، الثاني: "مختار" ضده المكره لا يقع منه الطلاق لقوله صلى الله عليه وسلم: "لا طلاق في إغلاق"، والثالث: "عالم بمدلول اللفظ"، فإن كان لا يعلم كرجل أعجمي قال لزوجته: أنت طالق وهو لا يعرف معنى طالق، أو رجل عربي قال لزوجته بلغة غير عربية ما معناه: أنت طالق، فإنه لا يقع الطلاق، لماذا؟ لأنه لا يعلم مدلوله ما يدري ما معنى أنت طالق، الرابع: "قاصد له" فإن لم يقصد فإنه لا يقع الطلاق لو قال لزوجته أنت طالق ولم يقصد الطلاق فإنه لا يقع ولكنه يقع حكمًا، يعني: عند التحاكم نلزمه به؛ لأن النية أمر باطن لا يعلم وهنا ينبغي أن يقسم قول القائل: أنت طالق إلى ثلاثة أقسام القسم: الأول: أن ينوي الطلاق فيقع الطلاق ولا إشكال فيه، الثاني: أن ينوي غير الطلاق بأن ينوي بقوله: أنت طالق أي من قيد أي لست مربوطة فهذا لا يقع الطلاق ولا إشكال فيه، الثالث: ألا يقصد هذا ولا هذا يكون كلمة خرجت من لسانه ولا يقع لا هذا ولا هذا
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 12)
أيضًا لا يقع منه الطلاق لكن لو حاكمته المرأة ورجعنا إلى القاضي فإن القاضي يحكم بالطلاق اعتبارًا بظاهر اللفظ لئلا يقع التلاعب من أهل الفسق يطلق ألف مرة ويقول ما أردت الطلاق.
فإذا قال قائل: إذا كان الحكم يقع عليه الطلاق وليس لنا إلا الظاهر فهل يجب على المرأة أن تحاكم الزوج لإيقاع الطلاق أو لا يحل لها أن تحاكم الزوج خوفًا من أن يكون صادقًا؟
فالجواب على هذا أن نقول: يجب أن ننظر إلى هذا الزوج إن كان عند الزوج تقوى لله وخشية له وأنه لا يمكن أن يدَّعي أنه لم يرد الطلاق إلا وهو صادق فهنا لا يحل لها أن تحاكمه لأنها إذا حاكمته سوف يفرق بينهما وهي زوجته وإن كان الرجل من المتهاونين الذين لا يبالون وليسر له همٌّ إلا أن يشبع رغبته فيجب عليها أن تحاكمه من أجل أن يحكم القاضي بالطلاق ويفرق بينهما.
وقول المؤلف: وأما المدخول بها فإن كانت حائضًا أو نفساء، حرم طلاقها، أما الحائض فلا شك في تحريم الطلاق لما جرى من قصة ابن عمر فإن الرسول تغيظ فيه ورده، لكن إذا كانت نفساء ففي تحريم طلاقها نظر وفي عدم وقوعه أيضًا نظر؛ لأن من طلقها وهي نفساء فقد طلقها للعدة، النبي صلى الله عليه وسلم علَّل التحريم؛ لأنه مخالف للعدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء والنفساء إذا طلقها زوجها فقد طلقها للعدة لأنها تشرع في العدة من حين أن يطلقها كما لو طلق الآيسة والصغيرة التي لا تحيض لأنها تشرع في العدة من حين الطلاق فالظاهر لي أنا أن طلاق النفساء لا يحرم وأنه يقع؛ لأن المطلق قد امتثل أمر الله في قوله: {فطلقوهنّ لعدَّتهن} فهذه النفساء تشرع في العدة من حين الطلاق ويبقى حتى يأتيها الحيض ثلاث مرات بخلاف من طلقها في الحيض، فإذا طلقها في الحيض فإن الحيضة التي وقع فيها الطلاق لا تحسب من العدة فيكون قد طلق في غير العدة لأنها لا تحسب من العدة فهذا هو الفرق.
المحرم من الطلاق:
واختلفوا في وقوع المحرم من ذلك، وفيه مسألتان:
المسألة الأولى: الطلاق في الحيض، أو في الطهر الذي واقعها فيه.
المسألة الثانية: في جمع الثلاث، ونحن نذكر المسألتين تحريرًا وتقريرًا، كما ذكرناهما تصويرًا، ونذكر حجج الفريقين، ومنتهى أقدام الطائفتين، مع العلم بأن المقلد المتعصب لا يترك من قلده ولو جاءته كل آية، وأن طالب الدليل لا يأتم بسواه، ولا يحكم إلا إيام، ولكل من
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 13)
الناس مورد لا يتعداه، وسبيل لا يتخطاه، ولقد عذر من حمل ما انتهت إليه قوام، وسعى إلى حيث انتهت إليه خطاه.
فأما المسألة الأولى: فإن الخلاف في وقوع الطلاق المحرم لم يزل ثابتًا بين السلف والخلف، وقد وهم من أدعى الإجماع على وقوعه، وقال بمبلغ علمه، وخفي عليه من الخلاف ما اطلع عليه غيره، وقد قال الإمام أحمد: من ادعى الإجماع، فهو كاذب، وما يدريه لعل الناس اختلفوا.
كيف والخلاف بين الناس في هذه المسألة معلوم الثبوت عن المتقدمين والمتأخرين؟ قال محمد بن عبد السلام الخشني: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي، حدثنا عبيد الله بن عمر، عن نافع مولى ابن عمر، عن ابن عمر رضي الله عنه أنه قال في رجل طلق امرأته وفي حائض، قال ابن عمر، لا يعتد بذلك، ذكره أبو محمد أبن حزم في "المحلى" بإسناده إليه".
وقال عبد الرزاق في "مصنفه": عن ابن جريج، عن ابن طاوس، عن أبيه أنه قال: كان لا يرى طلاقًا ما خالف وجه الطلاق، ووجه العدة، وكان يقول: وجه الطلاق: أن يطلقها طاهرًا من غير إجماع وإذا استبان حملها.
وقال الخشني: حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا همام بن يحيى، عن قتادة، عن خلاس بن عمرو أنه قال في الرجل يطلق امرأته وهي حائض: قال: لا يعتد بها قال أبو محمد ابن حزم: والعجب من جرأة من ادعى الإجماع على خلاف هذا، وهو لا يجد فيما يوافق قوله في إمضاء الطلاق في الحيض أو في طهر جامعها فيه كلمة عن أحد من الصحابة- رضي الله عنهم غير رواية عن ابن عمر قد عارضها ما هو أحسن منها عن ابن عمر، وروايتين ساقطتين عن عثمان وزيد بن ثابت رضي الله عنه، إحداهما: رويناها من طريق ابن وهب عن ابن سمعان عن رجل أخبره أن عثمان بن عفان رضي الله عنه كان يقضي في المرأة التي يطلقها زوجها وهي حائض أنها لا تعتد بحيضتها تلك، وتعتد بعدها بثلاثة قروء، قلت: وابن سمعان هو: عبد الله بن زياد بن سمعان الكذاب، وقد رواه عن مجهول لا يعرف، قال أبو محمد: والأخرى من طريق عبد الرزاق، عن هشام بن حسان، عن قيس بن سعد مولى أبي علقمة، عن رجل سماه، عن زيد بن ثابت أنه قال فيمن طلق امرأته وهي حائض: يلزمه الطلاق وتعتد بثلاث حيض سوى تلك الحيضة.
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 14)
قال أبو محمد: بل نحن أسعد بدعوى الإجماع هاهنا لو استجزنا ما يستجيزون، ونعوذ بالله من ذلك، وذلك أنه لا خلاف بين أحد من أهل العلم قاطبة، ومن جملتهم جميع المخالفين لنا في ذلك أن الطلاق في الحيض أو في طهر جامعها فيه بدعة نهى عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم مخالفة لأمره، فإذا كان لا شك في هذا عندهم، فكيف يستجيزون الحكم بتجويز البدعة التى يقرون أنها بدعة وضلالة، أليس بحكم المشاهدة مجيز البدعة مخالفًا لإجماع القائلين بأنها بدعة؟ قال أبو محمد: وحتى لو لم يبلغنا الخلاف، لكان القاطع على جميع أهل الإسلام بما لا يقين عنده، ولا بلغه عن جميعهم كاذبًا على جميعهم.
قوله: "لكان القاطع .... إلخ". "القاطع": اسم كان، "وكاذبًا" خبره، معناه: أن الذي يقطع بالإجماع يكون كاذبًا على جميع الناس، والمسألة لم يرو فيها إلا عن عثمان بهذا السند الضعيف وزيد بن ثابت فكيف يدَّعى الإجماع بأنه يقع وابن حزم يقول: نحن أسعد بدعوى الإجماع هاهنا لو استجزنا ما يستجيزون، ما هو الذي يستجيزون؟ دعوى الإجماع.
قال المانعون من وقوع الطلاق المحرم: لا يزال النكاح المتيقن إلا بيقين مثله من كتاب، أو سنة، أو إجماع متيقن، فإذا أوجدتمونا واحدًا من هذه الثلاثة رفعنا حكم النكاح به، ولا سبيل إلى رفعه بغير ذلك، قالوا: وكيف والأدلة المتكاثرة تدل على عدم وقوعه، فإن هذا طلاق لم يشرعه الله تعالى ألبتة، ولا أذن فيه، فليس من شرعه، فكيف يقال بنفوذه وصحته؟
قالوا: وإنما يقع من الطلاق ما ملكه الله تعالى للمطلق، ولهذا لا يقع به الرابعة؛ لأنه لم يملكها إياه، ومن المعلوم انه لم يملكه الطلاق المحرم، ولا أذن له فيه، فلا يصح، ولا يقع.
قالوا: ولو وكل وكيلًا أن يطلق امرأته طلاقًا جائزًا، فطلق طلاقًا محرمًا، لم يقع؛ لأنه غير مأذون له فيه، فكيف كان؟ ! إذن المخلوق معتبرًا في صحة إيقاع الطلاق دون إذن الشارع، ومن المعلوم أن المكلف إنما يتصرف بالإذن، فما لم يأذن به الله ورسوله لا يكون محلًّا للتصرف ألبتة.
قالوا: وأيضًا فالشارع قد حجر على الزوج أن يطلَّق في حال الحيض أو بعد الوطء في الطهر، فلو صح طلاقه لم يكن لحجر الشارع معنى، وكان حجر القاضي على من منعه التصرف أقوى من حجر الشارع حيث يبطل التصرف بحجره.
قالوا: وبهذا أبطلنا البيع وقت النداء يوم الجمعة؛ لأنه بيع حجَّر الشارع على بائعه هذا الوقت، فلا يجوز تنفيذه وتصحيحه.
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 15)