فقوله صلى الله عليه وسلم: «من أعطى في صداق امرأة سويقًا» السويق هو الحب المحمص محموص يطحن ويثرد ويؤكل سواء كان من البر أو الشعير أو الذرة أو من أي حب كان، وقوله أو تمرًا معروف وقوله: «سويقًا» نكرة في سياق الشرط فتكون للعموم يعني قليلًا كان أو كثيرًا وقوله: «فقد استحل» أي حل له فرجها ولكن المؤلف أشار إلى ترجيح وقفه على جابر بن عبد الله رضي الله عنهما وتعلمون أن الموقوف ما كان منتهي سنده الصحابي أي ما أضيف إلى الصحابي ولم يثبت له حكم الرفع وهذا الذي ذكره هل نحكم له بالرفع؟ الجواب: لا؛ لأنه مما للاجتهاد فيه مجال وإذا كان للاجتهاد فيه مجال وهو قول صحابي فلا يحكم له بالرفع؛ لاحتمال أنه قاله تفقهًا أما الشيء الذي لا مجال للاجتهاد فيه ولم يكن الصحابي معروفًا عن الأخذ عن بني إسرائيل فهذا له حكم الرفع.
يستفاد من هذا الحديث أو الأثر إن لم يصح رفعه: أن الصداق يصح بكل قليل وكثير، يؤخذ من قوله: «سويقًا» حيث جاءت نكرة في سياق الشرط.
ومن فوائده: أن الصداق يصح بالطعام فلا يشترط أن يكون من النقدين الذهب والفضة لقوله: «سويقًا أو تمرًا».
ومن فوائده: أن المرأة لا تحل إلا بصداق لقوله: «فقد استحل» ولكن نظرًا إلى أنه ليس الغرض المعاوضة في عقد النكاح فإن النكاح يصح بلا تسمية مهر بخلاف البيع فإنه لا يصح حتى يعلم الثمن والفرق بينهما أن المقصود والغاية من البيع والشراء هو المعاوضة والربح فلابد أن يكون الثمن والمثمن معلومين لئلا يحصل التنازع أما المقصود بالنكاح فهو شيء وراء المال وهو ما يحصل من المصالح العظيمة في النكاح وليس الغرض المعاوضة فلهذا صح بدون تسمية مهر لكن لابد منه فعقد النكاح من وجه أصعب من البيوع والبيوع من وجه أصعب من النكاح، البيوع يصح أن أعطيك الشيء هبة دون أن أبيعه عليك والنكاح لا يصح إلا للنبي صلى الله عليه وسلم من هنا كان النكاح أصعب وأضيق، البيوع لا تصح إلا محررة الثمن والمثمن أي معلومة والنكاح يصح بدون تسمية المهر ويرجع في ذلك إلى مهر المثل وحينئذٍ نقول المهر له ثلاث حالات أن يعين، أن يسكت عنه، أن يشترط نفيه، فإذا عُين فلا إشكال، وإذا سكت عنه وجب مهر المثل وإذا شُرط نفيه فقد اختلف العلماء في ذلك على قولين:
القول الأول: أن النكاح لا يصح وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يقول لأننا لو صححنا النكاح مع شرط نفي المهر لكان هذا هو الهبة.
والقول الثاني: أن النكاح صحيح والشرط فاسد وحينئذٍ يجب لها مهر المثل ولكن قول شيخ الإسلام أقوى وبناء عليه نقول لابد من تجديد العقد إذا سمي المهر يعني نلزمه بأن يفرض المهر أو يلغوا شرط نفيه ويعيدوا العقد من جديد.
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 595)
991 - وعن عبد الله بن عامر بن ربيعة، عن أبيه رضي الله عنه: «أن النبي صلى الله عليه وسلم أجاز نكاح امرأةٍ على نعلين». أخرجه الترمذي وصححه، وخولف في ذلك.
«أجاز» أي حكم بجوازه أو أجاز أي نفذ وكلاهما صحيح لأنه إذا أجاز شرعًا صار نافذًا وقوله: «على نعلين» هنا أطلق النعلين ولكنهما لابد أن يكونا معلومين عند الزوجين أما نحن فلا يهمنا أن يكون النعلان معلومتين أم لا؟ المهم أن الرسول صلى الله عليه وسلم أجاز على نعلين، معنى «خولف» أي لم يوافق على التصحيح وعلى كل سواء صح الحديث أم لم يصح فإن النعلين من المال وقد قال الله تعالى: {أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ} [النساء: 24] وعلى هذا فلو تزوج امرأة على نعلين فالنكاح صحيح ولو تزوجها على خمار فصحيح وعلى درع فصحيح المهم إذا تزوجها على أقل شيء يتمول فالنكاح صحيح.
ومن فوائد الحديث: أنه يدل على جواز المهر القليل لأن النبي صلى الله عليه وسلم أجازه.
ويستفاد منه أيضًا: أن إقرار النبي صلى الله عليه وسلم حكم يستدل به.
992 - وعن سهل بن سعدٍ رضي الله عنه قال: «زوج النبي صلى الله عليه وسلم رجلًا امرأةً بخاتمٍ من حديدٍ». أخرجه الحاكم، وهو طرفٌ من الحديث الطويل المتقدم في أوائل النكاح.
سبق هذا في حديث الواهبة نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم ولكن إذا تأملنا الحديثين وجدنا أن بينهما فرقا وهو أنه يقول: «زوجه بخاتم من حديد» والذي في الصحيحين أنه قال له: «التمس ولو خاتمًا من حديد» ولم يجد فزوجه على ما معه من القرآن فإن كانت القصة واحدة كما هو ظاهر كلام ابن حجر صار معنى زوجه أي: أجاز له أن يتزوج على خاتم من حديد لقوله: «التمس ولو خاتمًا» أما عقد النكاح الذي حصل فإنه زوجه على ما معه من القرآن.
يستفاد من هذا الحديث: جواز المهر بالقليل لأن الخاتم من الحديد قليل.
ويستفاد منه: جواز لبس الحديد لأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما أجاز أن يكون الخاتم من الحديد مهرًا من أجل أن يلبس ويتحلى به.
وفيه أيضًا: الإشارة إلى تضعيف حديث النهي عن التحلي بالحديد وتعليل ذلك بأنه حلية أهل النار ولهذا حكم بعض المحققين على حديث النهي عن التختم بالحديد بالشذوذ لأنه خالف ما هو أرجح.
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 596)
فإن قال قائل: الذي معنا أن الرسول صلى الله عليه وسلم أجاز الخاتم من حديد وقد يلبس وقد لا يلبس.
قلنا: لا يمكن أن يصنع خاتمًا من أجل أن يلقى في الأرض ولا يلبس لابد أن يلبس.
993 - وعن علي رضي الله عنه قال: «لا يكون المهر أقل من عشرة دراهم». أخرجه الدارقطني موقوفًا، وفي سنده مقالٌ.
هذا الحديث موقوف على علي رضي الله عنه، وعليٌّ هو أحد الخلفاء الراشدين الذين يؤخذ بقولهم ويهتدى بهديهم ولكن الحديث لا يصح لأن فيه راويًا يضع الحديث وحديث الوضاعين حكمه مردود وعلى هذا فلا يساوي هذا الحديث فلسًا ولا عبرة به لكن مع ذلك أخذ به بعض العلماء وقال إن المهر لا يصح أقل من عشرة دراهم، ولكنه مردود؛ لأن هذا الأثر لا يصح وبأن عموم قوله تعالى: {أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ} [النساء: 24] يشمل العشرة وما دونها ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال للرجل: «التمس ولو خاتمًا من حديد» وبأنه أجاز نكاح امرأة على نعلين وبأنه بين أن ما أعطى امرأة سويقًا أو تمرًا فقد استحل وهذه الأحاديث ويعضدها عموم الآية.
تقليل الصداق:
994 - وعن عقبة بن عامرٍ رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خير الصداق أيسره». أخرجه أبو داود، وصححه الحاكم.
«الصداق» هو المهر، وبين النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث أن خيره أيسره، يعني: أسهله وأخفه؛ وذلك لأن فيه إعانة على الزواج فإنه إذا كانت الصدقات يسيرة كثر الزواج، وأيضًا من بركة اليسير: أنه سبب لإحسان العشرة بين الزوجين لأن الرجل إذا أصدق امرأته مهرًا كثيرًا صار كلما تذكر هذا المهر تكدر وشانت نفسه وصار يعاشر المرأة معاشرة سيئة إذا علم أن هذه المرأة [مهرها سهل] فإن نفسه تطيب وتطمئن لها، ومن بركة الصداق الميسر أنه يكون سببًا لفض النزاع بدون مشقة لو حصل نزاع بين الرجل وزوجته وكان المهر يسيرًا سهل عليه أن يطلقها أو يفارقها وسهل على أهله المخالعة إذا طلب الخلع بمهره الذي أعطاها لكن إذا كان المهر كثيرًا - ولنفرض أن المهر أربعون ألفًا - صار كلما همَّ أن يطلقها ويريحها من سوء العشرة تذكر كثرة المهر فأمسكها ثم إن قدر أنه أراد المخالعة وطلب من أهلها أن يعطوه المهر فقد يشق عليهم ولهذا صدق هذا الحديث: «خير الصداق أيسره»، وأيضًا فيه مصلحة اجتماعية
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 597)
وهي إقبال الناس على الزواج إذا كانت المهور ميسرة؛ ولهذا نجد الآن الناس في حال سيئة بالنسبة للصداق وكثرته تجد الواحد من الناس يذهب إلى بلاد بعيدة من أجل أن يحصل على زوجة ثم تحصل بعد ذلك المشاكل التي لا نهاية لها.
995 - وعن عائشة رضي الله عنها: «أن عمرة بنت الجون تعوذت من رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أدخلت عليه - تعني: لما تزوجها - فقال: لقد عذت بمعاذٍ، فطلقها، وأمر أسامة يمتعها بثلاثة أثوابٍ». أخرجه ابن ماجه، وفي إسناده راوٍ متروكٌ.
- وأصل القصة في الصحيح من حديث أبي أسيدٍ الساعدي.
هكذا ساق المؤلف رحمه الله هذا الحديث عن عائشة وقال: إن فيه راويًا متروكًا، وفي المصطلح أن الراوي المتروك هو من أتهم بالكذب وهو على اسمه متروك لا تقبل روايته، وعجبًا من المؤلف رحمه الله حيث ساق الحديث من هذه الرواية التي ذكر أن فيها راويٍا متروكًا وترك الرواية التي في صحيح البخاري من حديث عائشة، وهو نفسه رحمه الله ذكرها في باب الطلاق، وهذا مما يدل على أن الإنسان مهما بلغ في العلم والحفظ فإنه معرض للنسيان ومعرض للخطأ، والمهم: أن في هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أسامة فمتعها بثلاثة أثواب وقد قال صلى الله عليه وسلم: «إني لأخشاكم لله وأتقاكم له»، ولهذا لما استعاذت بالله منه تركها مع أنه تزوجها عن رغبة، لكنه صلى الله عليه وسلم يفضل ما يراه الله عز وجل على رغبة نفسه.
ومن فوائد الحديث: أنه ينبغي لمن استعاذ منه بالله أحد أن يعيذه، وقد جاء الأمر في ذلك صريحًا «من استعاذكم بالله فأعيذوه». ولكنه يشترط لذلك ألا يستعيذ بالله من أمر واجب عليه يلزم به؛ لأننا نعلم أن من استعاذ بالله من أمر واجب عليه يلزم به أن الله لا يعيذه، فلو أن رجلًا أمرناه بصلاة الجماعة وعزمنا عليه فقال: أعوذ بالله منكم فإننا لا نعيذه لماذا؟ لأننا نعلم أن الله لا يعيذ من ترك واجبًا، ولو رأينا رجلًا يريد أن يشرب خمرًا فمنعناه فقال أعوذ بالله منكم، فإننا لا نعيذه أيضًا؛ لماذا؟ لأننا نعلم أن الله لا يعيذ من أراد أن يفعل محرمًا وهكذا القاعدة لكن من استعاذ بالله في أمر من حقوقنا نحن أو في أمر مباح فإننا نعيذه بذلك لأنه إنما لجأ واضطر إلى الله فينبغي ألا نحول بينه وبين من لجأ إليه وهو الرب العظيم.
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 598)
ومن فوائد الحديث: أن الطلاق له كنايات؛ لأن قوله هنا: «فطلقها» تعبير عن قوله: «الحقي بأهلك» فإن الرسول صلى الله عليه وسلم قال لها لما استعاذت منه بالله: «الحقي بأهلك»، وكنايات الطلاق كل لفظ يحتمل الطلاق وغيره فهو كناية ولا يقع به الطلاق إلا بنية الطلاق فقول الإنسان لأهله: «الحقي بأهلك» يحتمل أنه أراد الطلاق، أو أراد أن تلحق بهم للزيارة أو أراد أن تلحق بهم ليطفئ نار غضبه حتى يهدأ لئلا يقع بينهما ما يكره أو ما أشبه ذلك ويحتمل أنه أراد الطلاق، فنقول: إن نوى الطلاق صار طلاقًا، وإن لم ينوه لم يكن طلاقًا؛ وذلك لأن اللفظ يحتمل الطلاق وغيره، فلا يتعين الطلاق إلا بالنية واختلف العلماء هل ظاهر الحال يعين المعنى أو لا؟ يعني: لو قال هذه الكلمة أو غيرها من الكنايات في حال غضبه، فإن دلالة الحال تدل على أنه أراد الطلاق مع أنه يحتمل أنه لم يرده لكن ظاهر الحال يدل على أنه أراد الطلاق، وكذلك لو قالت: طلقني، فقال: الحقي بأهلك، ولم ينو شيئًا هل يقع الطلاق أو لا؟ نقول: ظاهر الحال أنه أراد الطلاق؛ لأنها سألت الطلاق فقال: «الحقي بأهلك» مع أن فيه احتمالًا أنه لم يرد الطلاق، وأنه قال: فارقي كلمة زجر، وهي عندنا الآن في عرفنا كلمة فارقي كلمة زجر، فيحتمل أنه أراد زجرها ويُحتمل أن قوله: «الحقي بأهلك» يعني: يريد أن تذهب إلى أهلها لتطيب نفسها ويذهب غضبها.
أقول: اختلف العلماء فيما إذا كان ظاهر الحال يدل على إرادة الطلاق هل يقع الطلاق؟ في هذا للعلماء قولان: الأول: أنه يقع الطلاق اعتبارًا بظاهر الحال، والقول الثاني: أنه لا يقع إلا بالنية؛ لأن الأصل أن العصمة باقية وأن الزوجة زوجته حتى يقوم دليل بيِّن على إرادة الطلاق، ومن القواعد المقررة أن اليقين لا يزول بالاحتمال، وما هو اليقين هنا؟ العصمة وبقاء النكاح، فلا يزول بالاحتمال، إذن نقول: القول الراجح أنه لا يكون طلاقًا إلا بالنية، وقال بعض العلماء: يكون طلاقًا ما لم ينو غيره يكون طلاقًا عملًا بظاهر الحال إلا أن يريد غيره إن أراد غيره لم يكن طلاقًا لقوله صلى الله عليه وسلم: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى»، وهذا القول ربما يرجح عند المحاكمة يعني إذا أتوا إلى القاضي فالقاضي يقول أنا ليس لي إلا الظاهر وظاهر الحال يقتضي أنه أراد الطلاق أما إذا كان فيما بين الزوج والزوجة وقال لها: أنا لم أرد الطلاق وصدَّقته في ذلك فلا يقع الطلاق، وسيأتي المزيد في باب الطلاق.
ومن فوائد الحديث: أن المطلقة تمتع لقوله: «أمر أسامة» أو «أمر أسيد بن حضير» كما في الرواية الأخرى، على كل حال: المطلقة تمتع، والمتعة نوعان: متعة واجبة ومتعة غير واجبة؛ أي: سنة، فالمتعة الواجبة هي ما وجب بالطلاق قبل الدخول والخلوة إذا لم يسم لها صداقًا؛ لأنه إن سمى لها صداقًا وجب لها نصف الصداق، وإن دخل أو خلا وجب لها مهر المثل وإن
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 599)
لم يسم صداقًا فإذا طلق ولم يسم صداقًا قبل الدخول والخلوة فالمتعة واجبة، قال الله تعالى: {لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ} [البقرة: 236]. فأوجب حتى على الفقير، هذه نقول: إنها متعة واجبة، المتعة المستحبة ما كانت بالطلاق بعد الدخول أو الخلوة لأنه بالدخول أو الخلوة يجب المهر إما المعين إن كان معينًا وإما مهر المثل إن لم يكن معينًا، فإذا طلقها بعد الدخول أو الخلوة فإنه يشرع أن يمتعها لكن أكثر العلماء على أن هذه المتعة سنة ليست واجبة ويرى بعض العلماء أنها واجبة ودليل هذا قوله تعالى: {وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ} [البقرة: 241]. وهذا القول اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله فيما أظن؛ لأن الآية صريحة، والنظر يقتضي وجوب ذلك؛ لماذا؟ لأن طلاق المرأة كسرها كما قال النبي صلى الله عليه وسلم، وإذا كان كسرها فالذي ينبغي للإنسان أن يجبر هذا الكسر بشيء من المال وإن كان بعض النساء لا يفدي، زوجها عندها الدنيا كلها، لكن على كل حال الإنسان إذا اضطر إلى الطلاق وطلق فإنه يجب عليه أن يمتعها حقًّا على المتقين، هذه المتعة التي وقعت من النبي صلى الله عليه وسلم هل هي من باب الواجب أو من باب المستحب؟ الثاني؛ لأنه بالخلوة استقر المهر، ولكننا ذكرنا فيما سبق أن هذه المسألة فيها خلاف؛ لأن المجمع عليه هو الجماع هو الذي يستقر به المهر، والخلوة واللمس والتقبيل وما أشبهه فيه خلاف، وذكرنا رواية عن أحمد انه إذا استباح منها ما لا يستباح إلا بالعقد وجب المهر؛ وسبق الكلام في هذا، المهم أن نقول: أما على قول من يرى أن المهر لا يستقر إلا بالجماع فإن هذه المتعة من باب الواجب، وأما على قول من يرى أنه يستقر بالخلوة فهذه المتعة من باب المستحب إلا على القول الثاني الذي يقول كل مطلقة يجب لها متعة فيكون من باب الواجب، فالمتعة المستحبة التي بعد الدخول أو الخلوة في رأي لبعض العلماء أنها واجبة، وعلى هذا الرأي تكون المتعة واجبة لكل مطلقة، فإن كانت قبل الدخول أو الخلوة فهي عوض عما تستحق من المهر، وإن كان بعده فهي جبر لخاطرها، والذي يترجح أن المتعة واجبة لكل مطلقة؛ لأن الآية واضحة: {وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ} [البقرة: 241] لكنها ليست كالأولى، الأولى: {عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ} [البقرة: 236]، والثانية على الموسع ما أراد المتعة التي بعد الدخول والخلوة؛ لأن الله قال: {مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ} [البقرة: 241] والمقتر ليس عليه شيء؛ لأنه معسر فلا يلزمه شيء.
* * * *
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 600)
4 - باب الوليمة
"الوليمة" على وزن فَعيلة، بمعنى: مَفعُولة، من أولم إذا جمع، وأصلها الاجتماع على الشيء، لكنها نُقلت من هذا المعنى العام إلى الاجتماع على الطعام للعُرس وهي ما يُصنع من الطعام أياماً من العرس، وتكون من الزوج وقد تكون من أولياء المرأة وقد تكون منهم جميعاً.
حكم الوليمة ووقتها:
996 - عن أنس بن مالك رضي الله عنه: «أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى على عبد الرحمن بن عوف أثر صُفرةٍ فقال: ما هذا؟ قال: يا رسول الله، إني تزوجت امرأة على وزن نواةٍ من ذهب. قال: بارك الله لك، أولم ولو بشاةٍ». متفق عليه، واللفظ لمسلم.
عبد الرحمن بن عوف من المهاجرين، ولما قدم المدينة آخى النبي صلى الله عليه وسلم بينه وبين رجل من الأنصار، وكان الأنصار رضي الله عنهم من شدة إيوائهم للمهاجرين يعرض الرجل منهم إحدى زوجتيه على المهاجر الذي جعل أخاً له فعرض عليه الأنصاري إحدى زوجاته فأبى رضي الله عنه، وقال: دُلني على السوق فدله عليه، فباع واشترى وأغناه الله عز وجل، ولهذا كان عبد الرحمن بن عوف من أغنى الصحابة، تزوج فرأى عليه النبي صلى الله عليه وسلم أثر صُفرة، يعني: أثر طيب، والطيب -كما نعلم- يكون أصفر كالزعفران وكدهن العُود وغيره من بعض الأطياب، فقال: «ما هذا؟ » ، فقال: كذا وكذا، سؤال النبي صلى الله عليه وسلم لا يقال: إنه سؤال عما لا يعنيه؛ لأن النبي يعنيه حال أصحابه كلهم، وأيضًا فلعله وقع في قلب النبي صلى الله عليه وسلم أن الرجل تزوج فأراد أن يتأكد، وإلا فمن المعلوم أنك إذا رأيت على الإنسان أثر طيب فإنه ليس من الحسن أن تسأله ما هذا؟ أو لم؟ أو ما أشبه ذلك لأن هذا تدخل فيما لا يعنيك لكن تجيب على هذا بأمرين الأول أن النبي صلى الله عليه وسلم يعنيه حال أصحابه كلهم، والثاني لعله وقع في قلب النبي صلى الله عليه وسلم أنه تزوج فأراد أن يتأكد أما على الأول فلا يشارك النبي صلى الله عليه وسلم أحد، وأما على الثاني فلا بأس إذا وقع في قلبك شيء من أخيك وأردت أن تتأكد فلا حرج أن تسأل لأن هذا مما يعنيك.
فقال: «إني تزوجت امرأة على وزن نواة من ذهب» ولم يعين المرأة؛ لأنه لا حاجة لذلك، وقوله: «على وزن نواة» النواة هي ما يكون في جوف التمر، ويسمى في لغة أهل القصيم العبس، هذه النواة، وهذا هو ظاهر الحديث، وقال بعض العلماء: إن النواة معيار للذهب كالمثقال وشبهه، ولكن الأول هو الظاهر قال: «فبارك الله لك» دعَا له بأن يبارك له في أهله الذين تزوجهم، «أو لم
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 601)
ولو بشاة» ، «أولم» يعني: وليمة طعاماً تدعو إليه الناس ولو بشاة، يعني: ولو كان بشيء قليل كالشاة، والشاة قليلة بالنسبة للغني، أما بالنسبة للفقير فإنها كثيرة.
ففي هذا الحديث: دليل على اعتناء النبي صلى الله عليه وسلم بأصحابه وسؤاله عن أحوالهم، ويؤخذ هذا من سؤال النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الرحمن بن عوف.
ومن فوائد الحديث: جواز ذكر الشيء وإن لم يسأل عنه من أجل إطلاع صاحبك على ما عندك لقوله: «على وزن نواة من ذهب» لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يسأل عن المهر وإنما سأل عن سبب الصُفرة التي عليه.
ومن فوائد الحديث: أنه يجوز للرجل أن يتطيب بالطيب الذي يظهر لونه وأنه لا حرج في ذلك، وقد ذكر أهل العلم أنه ينبغي للرجل من الطيب ما ظهر ريحه لا ما ظهر لونه، وأن المرأة بالعكس تتطيب بما ظهر لونه لا ما ظهر ريحه، لأن المرأة يحصل منها الفتنة إذا ظهر منها رائحة الطيب ولكن اللون يعطيها نوعاً من الجمال، ومعلوم أنها لن تكشف هذا الجمال إلا لزوجها ونسائها ومحارمها.
ومن فوائد الحديث: أنه قد جرت العادة بأن المتزوج يتطيب، وذلك لأن الطيب من الأعمال الطيبة ومن الأعمال التي ترغب الرجل في أهله والمرأة في زوجها.
ومن فوائد الحديث: جواز تقدير الذهب بما يختلف إذا كان الأمر مقارباً لقوله: «على وزن نواة من ذهب» ، ومعلوم أن النواة يختلف لكنه يختلف اختلافاً متقارباً.
ومن فوائد الحديث مشروعية الدعاء للمتزوج بالبركة؛ لقوله «بارك الله لك» ، والبركة هي الخير الكثير الواسع، مأخوذة من البركة وهي مقر الماء الكثير الكبير.
ومن فوائد الحديث: جواز الاقتصار على بعض الدعاء المشروع وهو «بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير» فهنا اقتصر النبي صلى الله عليه وسلم على بعض الدعاء ولا بأس بذلك.
ومن فوائد الحديث: أن الأمر في هذه الأمور واسع، فلو قال: «بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير» فحسن، ولو قال: «بارك الله لك» فحسن، ولو قال: «الله يبارك لك» فحسن، ولو قال: «مبروك الزواج» فحسن، وإن كان بعض الناس يقول: إن "مبروك" من بركة الناقة، يعني: بُروك البعير لأن بركة الناقة فعل متعد، والفعل المتعدي لا يصاغ منه اسم المفعول إلا بواسطة، ولهذا كان من علامة الفعل المتعدي: صحة صوغ اسم المفعول منه، فـ"جاء" مثلاً لا يمكن أن تصوغ منه اسم المفعول إلا متعديًا بحرف الجر، مثل: "جيء إليه" المهم أن كلمة "مبروك" عند العامة سواء صحت لغة أو لم تصح فإن معناها: الدعاء بحلول البركة فيما حصل له، ولكن الصحيح أن هذه الكلمة "مبروك" لا تصح لغة، وإن كان قد جرى استعمالها على ألسنة العامة،
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 602)
والخلاصة أن نقول: إن "مبروك" دعاء حسن من حيث أنه دعاء بالبركة عند العامة، ولكنها كلمة لا تصح بالنظر إلى قواعد العربية.
ومن فوائد الحديث: مشروعية الوليمة لقوله: "أولم ولو بشاة"، وذهب بعض أهل العلم إلى أن الوليمة واجبة، واستدل لذلك بأن الأصل في الأمر الوجوب ولكنها واجبة بقدر يسر المرء وعسره.
ومن فوائده: حرص الشرع على إظهار النكاح، لأن الوليمة لاشك أنها سبب لظهور النكاح ومعرفة الناس به ولهذا أمر بها.
ومن فوائده: أن أقل الوليمة للغني شاة، ولاسيما إذا كان وسط مجتمع فقير لقوله: "ولو بشاة"، وذهب بعض العلماء إلى أن "لو" هنا للتكثير، وأن أكثر ما يكون من الوليمة الشاة، ولكن هذا نظراً لأن هذا خروج بها عن معناها اللغوي ولكن نقول: كل امرئ بحسبه، الغني له حكم، والفقير له حكم، ذكر بعض إخواننا نكتة على هذا وقال: إن الناس أزالوا النقط في قوله: "ولو بشاة" فصارت ولو بشاةٍ، يعني: الشاهي، وكان هذا زمن الناس في فقراء لا يولمون، لا يدرى عن تزوج الرجل إلا إذا تحدث الناس به فيما بعد، فكان بعض الإخوان من طلبة العلم يقول: إن الناس قد حكموا نقط "الشاة" ولو بشاه، لكن انعكست الحال الآن صارت الولائم يسرف فيها إسرافاً كبيراً بالغاً، حتى إن الإنسان ليولم بما يكفي لمائتي نفر ولا يحضر إلا خمسون نفراً فيحصل بهذا فساد للمال وإضاعة له، والناس الآن غالبهم ولله الحمد في غنى عن الطعام، ولهذا ينبغي لنا نحن معشر طلبة العلم أن نبين للناس أن الإسراف في هذا الأمر لا ينبغي وأنه ربما يكون فيه مضرة، أما المضرة المالية فظاهر، وأما المضرة الاجتماعية ربما يكون في هذا إحراج لبعض الناس، فإن بعض الناس -إن لم أقل أكثر الناس- لا يأتون إلى هذه الولائم إلا مجاملة فلو أن الناس اقتصروا على وليمة سهلة يسيرة بقدر أقاربهم القريبين وأصحابهم الخواص لكان أحسن، لكن المشكلة أن الناس إذا جروا على شيء اتهمه ما ينقص عنه بأنه بخيل ثم تصيح المرأة، تصيح أمها، يصيح أقاربها، لماذا؟ بنت فلان لها كذا ونحن ليس لنا شيء لابد أن يكون الذبائح وغيره، ولكن الذي ينبغي أن الناس ينظرون في هذه المسألة نظرة حد ويقللون منها بقدر ما تقتضيه الحال أو ما تقتضيه الحاجة.
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 603)
شروط إجابة الدعوة إلى الوليمة:
997 - وعن ابن عمر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا دعى أحدكم إلى الوليمة فليأتها». متفق عليه.
-ولمسلم: «إذا دعا أحدكم أخاه فليجب، عُرساً كان أو نحوه».
قوله: «إذا دُعي أحدكم إلى الوليمة» ما هي الوليمة؟ الطعام المصنوع بمناسبة العرس سواء كان ليلة الدخول أو قبلها أو بعدها، وحديث عبد الرحمن بن عوف يدل على أن الوليمة تكون بعد الدخول، فكل ما يصنع أيام العرس يسمى وليمة، وقوله: «فليأتها» اللام هنا للأمر، أي فليأت إلى الوليمة ولا يتأخر، والأصل في الأمر الوجوب، وسيأتي ما يؤكد ذلك.
قال: ولمسلم: «إذا دعا أحدكم أخاه فليجب .... إلخ» ، وأخو أحدنا هو المسلم، وأما الدُمي والمعاهد والمستأمن فإنه لا يجب إجابته، بل تكون مكروهة أو محرمة حسب ما تفضي إليه من الشر والفساد.
وقوله: «فليجب، عُرساً كان أو نحوه» العُرس معروف، "أو نحوه" أي: مما يسن فيه الوليمة، وأما ما لا يسن فيه الوليمة فإنه يدخل في الدعوات العامة التي تستحب الإجابة إليها، وليعلم أن الدعوات إما أن تكون إلى محرم أو إلى مكروه أو إلى مباح أو إلى مشروع، فإن كانت إلى محرم فالإجابة محرمة، أو إلى مكروه فالإجابة مكروهة، أو إلى مباحة فالإجابة مباحة، لكن تستحب لما يترتب عليها من الإلفة وجبر الخاطر ونحو ذلك، أو إلى مشروع فهي مشروعة وقوله: "إلى الوليمة فليأتها" ظاهر الحديث العموم، ولكنه مقيد كما سيأتي -إن شاء الله- وهي أن تكون في أول مرة، فإن كانت في الثانية أو في الثالثة فإنه لا تجب الإجابة، الثاني: ألا يكون في مكان الدعوة منكر، فإن كان فيه منكر فإن الإجابة لا تجب إلا إذا كان قادراً على تغييره فإن الإجابة تجب لوجهين: الوجه الأول: الدعوة، والثاني: إزالة المنكر، فإن كان لا يقدر على تغييره لكنه سوف يكون في مكان آخر غير الذي فيه المنكر مثل أن يون صاحب الوليمة قد أعد مكانين: مكاناً فيه العزف وآلات اللهو والغناء المحرم، ومكاناً خالياً من ذلك، فهل تجب الإجابة؟ يقول العلماء في هذه المسألة: يخير بين الإجابة وعدمها، وإذا كان كذلك
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 604)
فيجب أن ينظر إلى المصلحة إن كانت المصلحة في الإجابة أجاب، وإن كانت المصلحة في عدم الإجابة فلا يجب.
*إذن نقول شروط إجابة الدعوة:
يشترط ألا يكون في مكان الدعوة منكر، فإن كان فيه منكر نظرنا إن كان لا يقدر على تغييره حرمت الإجابة، وإن كان يقدر وجبت الإجابة، من وجهين، أما إذا كان المنكر ليس في المكان الذي دعيت إليه وإنما في مكان آخر وإنما هو مصاحب للوليمة فقد قال العلماء: إنه يخير، وعلى هذا فتقول: انظر ما فيه مصلحة، إن كانت المصلحة في الحضور فاحضر وإلا فلا تحضر.
الثاني: يشترط أن يكون الداعي مسلماً، فإن كان غير مسلم لم تجب الإجابة.
الثالث: يشترط ألا يكون مبتدع بدعة تلحقه بالفساق أو الكفار، فإن كان مبتدعاً كذلك فإنه لا يجاب لما في ذلك من تعزيز جانبه ورفع معنوياته.
الرابع: يشترط ألا يكون المال حراماً، فإن كان المال حراماً فإنه لا يجوز له الإجابة مثل: أنا أعلم أن هذا الرجل الذي دعاني إلى الوليمة قد سرق الغنم التي ذبحها فهنا لا تجوز الإجابة، أما إذا كان مما يتعامل بالحرام فإن الإجابة جائزة وليست بواجبة ولا حراماً، ودليل ذلك: أن النبي صلى الله عليه وسلم أجاب دعوة اليهودي، وأكل من الشاة التي أهدتها له المرأة اليهودية مع أن المعروف عن اليهود أنهم كانوا يأخذون الربا ويأكلون السُحت، ففرق بين أن يكون الشيء محرماً بعينه أو محرماً بكسبه، فالمحرم بعينه لا يجوز لك أن تأكله، مثاله: أنا أعلم أن هذا الرجل سرق الغنم أو سرق الطعام وطبخه فهذا لا يجوز أن أجيبه، لأنني سوف آكل حراماً بعينه، الحرام بكسبه مثل أن يكون الداعي ممكن يتعامل بالربا أو بالغش أو بالكذب فهنا الإجابة جائزة ليست حراماً ولا واجبة، ولكنه إذا كان في عدم إجابته مصلحة بحيث يتوب عما هو عليه فحينئذٍ يتعين عدم الإجابة، لأن لدينا قاعدة في المباح كل مباح يكون مباحاً في حد ذاته، لكن إذا كان وسيلة إلى واجب صار واجباً أو إلى محرم صار محرماً أو مستحباً صار مستحباً أو مكروهاً صار مكروهاً، لأن المباح تتعاوره الأحكام الخمسة بحسب ما يكون وسيلة له.
الخامس: أن يكون ذلك في أول مرة، فإن كان قد أولم ثم أعاد الوليمة أو أعاد المرة الثالثة فإن هذا لا تجب إجابته، كما سيأتي في الأحاديث في غير الوليمة.
هل إجابة الداعي واجبة؟ في هذا خلاف بين العلماء؛ فالظاهرية يرون أن إجابة الدعوة واجبة إذاً تمت الشروط التي ذكرناها، وغيرهم يرى أنها ليست بواجبة ولكنها مستحبة بخلاف وليمة العُرس.
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 605)
بقى علينا شرط يمكن أن تجعله شرطاً سادساً وهو ألا يلحق المدعو ضرر، فإن لحقه ضرر فإن الواجب يسقط، لأنه إذا كانت الطهارة بالماء وهي شرط لصحة الصلاة إذا تضرر بها الإنسان سقطت عنه فما بالك بهذه!
998 - وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «شر الطعام الوليمة: يمنعها من يأتيها، ويُدعى إليها من يأباها، ومن لم يُجب الدعوة فقد عصى الله ورسوله». أخرجه مسلم.
"شر" مبتدأ، و"طعام الوليمة" خبره، ويجوز العكس أن يكون "طعام الوليمة" مبتدأ، و"شر" خبره مقدم، "يمنعها من يأتيها" أي: يمنع منها من أن يأتيها وهم الفقراء، "ويدعى إليها من يأباها" وهم الأغنياء، "ومن لم يُجب الدعوة فقد عصى الله ورسوله".
قوله صلى الله عليه وسلم: «شر الطعام طعام الوليمة» ليس هذا على إطلاقه بل هو مقيد بما ذكره بعده وهو «يمنعها من يأتيها ويدعى إليها من يأباها» أي: الوليمة التي لا يُدعى إليها إلا الأغنياء ويمنع منها الفقراء فهي شر الطعام، وأما الوليمة التي يتمشى فيها الإنسان على ما جاءت بها السنة فهي خير الطعام، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم أمر بها، وأقل أحوال الأمر الاستحباب، وما كان مستحباً لا يمكن أن يُوصف بأنه شر، إذن فقوله: «شر الطعام طعام الوليمة» المراد الوليمة التي يدعى إليها الأغنياء ويترك الفقراء.
في هذا الحديث فوائد منها: وجوب إجابة الدعوة إلى الوليمة، لقوله: «ومن لم يجب فقد عصى الله ورسوله».
ومن فوائده: أن أمر النبي صلى الله عليه وسلم أمر من الله لقوله: «فقد عصى الله ورسوله» ونحن لا نرى في القرآن أن الله أمر بإجابة الدعوة في الوليمة، وإنما الذي أمر الرسول صلى الله عليه وسلم فيكون أمر الرسول من أمر الله عز وجل.
ومن فوائد الحديث: جواز قرن الرسول صلى الله عليه وسلم مع الله في الأحكام الشرعية، لقوله: «فقد عصى الله ورسوله» ، وأمثلته كثيرة، بخلاف الأمور الكونية المتعلقة بالربوبية فإنه لا يجوز أن يقرن الرسول باسم الله بحرف يدل على الاشتراك، ولذلك لما قال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم: ما شاء الله
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 606)
وشئت قال: «أجعلتني لله نداً؟ » ، أما الأمر الشرعي فهو كثير في القرآن: {وأطيعوا الله والرسول} [آل عمران: 132]. {ومن يعص الله ورسوله} [الجن: 23]
حكم عدم إجابة الصائم لدعوة الوليمة:
999 - وعنه رضي الله عنه قال: قال رسول لله صلى الله عليه وسلم: «إذا دُعِيَ أحدكم فليُجب: فإن كان صائماً فليصلََّ، وإن كان مفطر فليطعم». أخرجه مسلم أيضًا.
قوله: "وعنه" أي: عن أبي هريرة رضي الله عنه وقوله صلى الله عليه وسلم: "إذا دُعِيَ" ولم يبين النبي صلى الله عليه وسلم ماذا دُعِيَ إليه، وعلى هذا فيكون مطلقاً، أي: غير مقيد بالدعوة إلى وليمة العُرس، وقوله: "فليُجب" أي: فليجب الداعي، واللام للأمر، وسكنت لأن القاعدة أن لام الأمر إذا جاءت بعد الفاء والواو وثم فإنها تسكن وفيما عدا ذلك تُكسر، أما لام التعليل فإنها تكسر دائماً، حتى لو جاءت بعد الواو وثم والفاء، قال الله تعالى: {ليكفروا بما آتيناهم وليتمتعوا} [العنكبوت: 66].
ولا يجوز أن نقول: "وليتمتعوا"؛ لأن اللام في قوله {وليتمتعوا} لو كانت للأمر لسكنت، قال الله تعالى: {فليمدد بسببٍ إلى السماء ثم ليقطع فلينظر} [الحج: 15]. وقال تعالى: {ثم ليقضوا نفثهم وليوفوا نذورهم وليطوفوا} [الحج: 29].
وهنا قال: "فليجب" على القاعدة.
«فإن كان صائماً» أي: المدعو «فلُيصَلََّ» أي: فليدع، وليس المعنى: فليصل الصلاة المعهودة.
فإذا قال قائل: كيف نحملها على الدعاء مع أن الصلاة المطلقة في لسان الشارع تحمل على الصلاة الشرعية.
قلنا: لقرينة لفظية ومعنوية، أما اللفظية، فلأن الحديث رواه أبو داود بلفظ: «فإن كان صائما فليدع» ، وهذا مفسر لقوله: «فلُيصَلََّ» ، ولا يحتمل بعد هذا التفسير النبوي أن يكون المراد بها الصلاة الشرعية.
فإن قال قائل: هل لهذا نظير أن تأتي الصلاة في النصوص الشرعية بمعنى الدعاء.
قلنا: نعم مثل قوله تعالى: {خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم} [التوبة: 103]. ليس المراد: أن تصلي عليهم صلاة الجنازة بل المراد: أن تدعو لهم، وقد فعل النبي صلى الله عليه وسلم ذلك فكان إذا أتاه القوم بصدقاتهم، قال: «اللهم صل على آل فلان» والقرينة المعنوية أنه لا
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 607)
علاقة بين الصلاة الشرعية وبين كون هذا المدعو صائماً، ثم يقول قائل: كيف يؤمر بالصلاة في هذه الحال بحضرة الطعام وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا صلاة بحضرة طعام»؛ إذن يتعين أن المراد بالصلاة: الدعاء.
«وإن كان مفطراً فليطعم»: فليأكل وليشرب، وقوله: «فليطعم» يشمل الأكل والشرب لأن الشرب يسمى طعاماً، قال الله تعالى: {فمن شرب فليس مني ومن لم يطعمه فإنه مني} [البقرة: 249]. وقوله: «فإن كان صائماً» ظاهره الوجوب، لكن قال:
1000 - وله من حديث جابر رضي الله عنه نحوه: وقال: «فإن شاء طعم وإن شاء ترك».
لكن من الذي إن شاء طعم وإن شاء ترك؟ الصائم، وإن كان ظاهر كلام المؤلف أنه يريد به المفطر من أجل أن يصرف الأمر في قوله: «فليطعم» إلى الاستحباب لا إلى الوجوب.
ففي هذا الحديث لم يبين النبي صلى الله عليه وسلم ما يدعو به، فيدعو بالدعاء المناسب، مثل أن يقول: زادكم الله، أنعم الله عليكم، غفر الله لكم، المهم أن يكون منه دعاء مناسب.
فيستفاد من هذا الحديث: أولاً: وجوب إجابة الدعوة، لقوله: «فليجب» ، وظاهر الحديث أنه عام لكل دعوة، وبهذا أخذ الظاهرية، وقالوا: إنه يجب على من دُعي أن يجيب بالشروط التي أشرنا إليها من قبل، وجمهور العلماء على أن الإجابة في غير العرس سنة وفي العرس واجبة، ولكن التفريق ليس بظاهر، إنما الظاهر وجوب الإجابة في الدعوة، لاسيما إذا كان يترتب على عدم الإجابة مفسدة مثل أن يكون الداعي من الأقارب أو من الأصدقاء الذين إذا لم تجبهم فسروه بتفاسير أخرى.
ومن فوائد الحديث: أن الإجابة واجبة حتى للصائم الذي لا يأكل لقوله: «فإن كان صائماً فليصل … » إلخ.
ومن فوائد الحديث: أنه إذا كان صائماً فلا يأكل بل يدعو، ولكن إذا رأى أن في ترك الأكل مفسدة فالأفضل أن يأكل، وإلا فالأفضل أن يبقى على صومه، ولاسيما إذا كان قال للداعي: إنه صائم، ويمكن أن يحضر الإنسان إذا كان صائماً ويجلس مع الناس ويكون خادماً لهم، كيف يكون خادماً؟ يقرب لهم الطعام، يقطع لهم اللحم، إذا كان الطعام حاراً يروح عليه بالمروحة، يضع يده في الطعام ثم يعها على رأس ركبته، ويتحدث كأن الذي ألهاه عن الأكل الحديث، المهم: أن الإنسان يستطيع أمام الناس أن يخفي صومه.
ومن فوائد الحديث: أن المشروع لمن كان مفطراً أن يطعم لقوله: «فليطعم» ، وأنه لا ينبغي أن يحضر الناس إلى الدعوة ثم لا يأكلون.
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 608)
واختلف العلماء في الأمر بالطعم: هل هو للوجوب أو لا؟ فقال بعضهم: إنه للوجوب، لظاهر الأمر، ولأن الرجل إنما صنع الطعام من أجل أن يأكل، ولو أنه دعا عشرين نفراً إلى طعام الوليمة ثم قدمها ثم جلس فقال لهم: تفضلوا، قالوا: ما نبغي، يقول: أنا حضرته لكم، قالوا: لا نأكل نحن أجبنا ويكفي، لعد ذلك نوعاً من السفه، وربما إن كان أحمق يضرب كل واحد سوطاً ويقول: اخرجوا، ثم يتساءل ما معنى أن أدعو الناس للطعام ليأكلوا؟ ولهذا قال بعض العلماء: إن الأمر للوجوب لظاهر الحديث ولأن في ترك الأكل مفسدة، ولو قيل بأن الأكل فرض كفاية، يعني: لا فرض عين إلا أن يكون ترك الأكل سبباً لمفسدة مثل أن يكون بين الداعي وبين تارك الأكل عداوة وقطع صلة فهنا يتعين الأكل.
فإن قال قائل: ألا يصرف الوجوب قوله صلى الله عليه وسلم: «فإن كان صائماً فليصل» ، لأنه لو كان الأكل واجباً لم تعارضه السنة؟ هذا يدل على أن الأمر ليس للوجوب لأنه لو كان واجباً لكان الصائم يجب عليه أن يفطر ليأكل، لكن لا يمنع أن يكون فرض كفاية يحصل الفعل من بعضه.
وقوله صلى الله عليه وسلم: «إن كان مفطراً فليطعم» يظهر من التقسيم أن يُراد بالصوم صوم النفل، لأن الغالب أن صوم الفرض يشترك فيه الناس كلهم صائمون، وإن كان يوجد أمثلة كثيرة وقرائن كثيرة بأن يكون الصوم واجباً على شخص كفارة مثلاً أو قضاء دون الآخرين.
وقوله: «إن شاء طعم وإن شاء ترك» يعني: الصائم، ولكن أيهما أفضل؟ ينبغي مراعاة المصلحة، إذًا كانت المصلحة في الفطر أفطر وإن كانت في البقاء على الصوم بقى على صومه ما لم يكن الصوم واجباً، فإن كان الصوم واجباً فإنه لا يجب أن يأكل بل يجب أن يبقى على صومه؛ لأن القاعدة الشرعية: أن من شرع في عبادة واجبة وجب عليه إتمامها إلا لعذر شرعي يُبيح له قطعها.
أيام الوليمة:
1001 - وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «طعام الوليمة أول يوم حق، وطعام الثاني سنة، وطعام يوم الثالث سمعة، ومن سمع سمع الله به». رواه الترمذي واستقربه، ورجاله رجال الصحيح، وله شاهد عن أنس عند ابن ماجه.
هذا الحديث -من حيث السند- فيه نظر، وإن كان المؤلف رحمه الله قال إن رجاله رجال
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 609)
الصحيح وقد أشار البخاري في صحيحه إلى ضعفه حيث ذكر الإيلام بثلاثة أيام أو سبعة أو نحو ذلك، لكن على تقدير صحته يكون النبي صلى الله عليه وسلم قد قسم الوليمة إلى ثلاثة أقسام: الأول: وليمة حق، والثاني: وليمة سنة، والثالث: وليمة سمعة، أما وليمة الحق فهي التي تكون في أول اليوم، وظاهره أن المراد بالحق هنا الوجوب فيكون دالاً على ما دل عليه حديث أنس في قصة عبد الرحمن بن عوف: «أولم» ، وأما الوليمة في اليوم الثاني فسنة وليست بواجبة، وأما الوليمة في اليوم الثالث فسمعة، وقد توعد النبي صلى الله عليه وسلم من صنعها سمعة في قوله: «ومن سمع سمع الله به» تنبني هذه الوليمة على حكم إقامة الوليمة، ففي اليوم الأول تجب الإجابة، وفي اليوم الثاني تسن الإجابة، وفي اليوم الثالث تكره أو تحرم الإجابة.
وهذا الحديث أيضًا إذا صح فلعله يحمل على الحالة الوسطى من حال الناس؛ لئلا يكلف الإنسان نفسه بما ليس بمشروع، ولأن الغالب أن الذي يفعل ذلك يريد أن يكمل نفسه فتكون في اليوم الثالث سمعة، أما الإنسان الغني فإنه لا يسمع ولا يهمه قد يؤلم أربعة أيام أو خمسة أيام ولا بعد ذلك سمعة في حقه، الذي يعد سمعة في حقه هو الإنسان الفقير وهو الذي يُقال: إنه زاد في هذا من أجل أن يقال: إن فلاناً غني أو ما أشبه ذلك.
التحذير من مشاركة الرياء للعبادة:
وفي الحديث: «من سمع سمع الله به» ، وهذه الجملة ثبتت عن الرسول صلى الله عليه وسلم: «ومن راءى راءى الله به» ، فيه التحذير من أن يكون الإنسان مُسمعاً بعمله، أي: يقصد بعمله أن يسمعه الناس من أجل أن يمدحوه، لأن هذا نوع من الرياء، والرياء إذا شارك العمل قلبه إلى عمل حرام فاسد لا يُقبل، لقوله تعالى في الحديث القدسي: «أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً معه فيه غيري تركته وشركه».
وقد قسم العلماء رحمهم الله مشاركة الرياء للعبادة إلى قسمين: القسم الأول: أن يكون مصاحباً للعبادة من أولها، ففي هذا القسم لا تصح العبادة، لأنه ليس فيها شيء خالص لله هي من أولها رياء فلا تصح، والقسم الثاني: أن يطرأ على العبادة بعد أن بدأ بها خالصة لله طرأ عليه الرياء، فهذا إن دافعه وأعُرض عنه فالعبادة صحيحة؛ لأن هذا بغير اختياره وبغير إرادته وهو الآن يدافعه كأنما يدافع العدو فصلاته صحيحة ولا يؤثر ذلك في أجره شيئاً لأنه مجاهد وإن
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 610)
استمر فيه بإرادته فإنه ينظر إن كانت العبادة ينبني آخرها على أولها فسدت العبادة كالصلاة، فإذا طرأ عليه الرياء في الركعة الأخيرة ولم يدافعه بل قبله واستلذه فإن الصلاة تبطل؛ لأنه إذا بطل آخرها بطل أولها وإن كانت العبادة لا ينبني آخرها على أولها بل آخرها منفصل عن أولها فإن ما وقع فيه الرياء لا يصح وما كان خالصاً يصح.
مثال ذلك: رجل عنده مائة ريال أعدها للصدقة فتصدق بخمسين منها بدون رياء ثم طرأ عليه الرياء في الخمسين الباقية فهنا تكون الخمسون الأولى صحيحة مقبولة، وتكون الخمسون الثانية باطلة؛ لأن المفسد حصل فيها وهي لا تنبني على أولها، بمعنى: أنه يمكن أن يصح الأول دون الآخر والآخر دون الأول.
بقى علينا في القسم الأول أنه لو شارك العبادة من أولها نحن ذكرنا أنها تبطل إلا أنه يُستثنى من ذلك ما إذا دافعه وعالج نفسه فإنه لا يضره؛ لأن هذا بغير اختياره ويتعلق بهذا بحث يسأل عنه الناس كثيراً وهي أن بعض الناس يخشى من الرياء في عباداته فيأتيه الشيطان ويقول أنت إذا صليت فقد راءيت، إذا طلبت العلم فقد راءيت، إذا تصدقت فقد راءيت، كثيراً ما يأتي الشيطان للإنسان فما دواء هذا؟ دواء هذا أن تعرض عن ذلك وأن تتناساه وكأن شيئاً لم يكن، لأنك إن أنخذلت أمامه لم يبق عليك الشيطان عبادة إلا أفسدها عليك، ولكن استمر وتعوذ من الشيطان وابق على ما أنت عليه، لأنه في النهاية سيزول عنك الوسواس الذي يلقيه الشيطان عليك.
صفة ولائم النبي صلى الله عليه وسلم لبعض زوجاته:
1002 - وعن صَفية بنت شيبة رضي الله عنها قالت: «أولم النبي صلى الله عليه وسلم على بعض نسائه بمدين من شعير». أخرجه البخاري.
«مُدَّين من شعير» ، المُدَّان النبويان نصف صاع، لأن الصاع النبوي أربعة أمداد ثم إن الصاع النبوي بالنسبة إلى الصاع العرفي عندنا ينقص الخمس وخمس الخمس هذا بالنسبة عندنا هنا في القصيم، وعلى هذا فيكون المد النبوي بالنسبة إلى صاعنا خمساً كيف ذلك؟ يقول لنا مشايخنا: إن الصاع النبوي زنته بالبر الجيد ثمانون ريالاً فرنسياً، وصاعنا زنته بالبر الجيد مائة وأربعة، إذا نُسبت الثمانين إلى مائة وأربعة يكون أربعة أخماس ويكون النقص خمسا وربع خمس أربعة من عشرين، وعلى هذا فتقول: إن المدين من الشعير بالنسبة للصاع العُرفي يعتبران خمسي صاع.
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 611)
فيُستفاد من هذا الحديث: أن الوليمة تصح بأدنى من الشعير، وأن قول الرسول صلى الله عليه وسلم لعبد الرحمن بن عوف: «أولم ولو بشاةٍ» يعني: أكثر ما يُولم وليس أقل كما زعم بعض أهل العلم، حيث ذهبوا إلى أن أدنى الوليمة هي الشاة، نقول: هذا غير صحيح، لأن قوله: «أولم ولو بشاة» يعني: أدنى شيء وليست هي أكثر شي، يستفاد من كونها أدنى شيء ليس على سبيل الوجوب بل يجوز أن يولم الإنسان بما هو أدنى منها ويلاحظ في ذلك حال المولم إن كان غنياً قلنا: أولم ولو بشاة، وإن كان دون ذلك قلنا أولم بما تستطيع وتقدر عليه.
ومن فوائد الحديث: مشروعية الإيلام، لكن هل يكون على سبيل الوجوب أو الاستحباب؟ نقول: هذا فعل من رسول الله صلى الله عليه وسلم، والفعل المجرد محمول على الاستحباب، لكن وجوب الوليمة يؤخذ من أدلة أخرى.
1003 - وعن أنس رضي الله عنه قال: «أقام النبي صلى الله عليه وسلم بين خيبر والمدينة ثلاث ليالٍ يُبنى عليه بصفية، فدعوت المسلمين إلى وليمته، فما كان فيها من خبز ولا لحم، وما كان فيها إلا أن أمر بالأنطاع فبسطت، فألقي عليها التمر، والأقط، والسمن». متفق عليه، واللفظ للبخاري.
قوله: «أقام النبي صلى الله عليه وسلم بين خيبر والمدينة» ، خيبر اسم لمكان فيه مزارع وبيوت وقلاع لليهود، يبعد عن المدينة نحو مائة ميل من جهة الشمال الغربي، وهو معروف، فتحه النبي صلى الله عليه وسلم في السنة السادسة، وطلب منه اليهود أن يبقيهم فيه على أن يكون لهم نصف الثمرة وله نصف الثمرة، فأقرهم على ذلك، لكنه أقرهم على ذلك ما شاء الله أو ما شاء النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة، وفي خلافة عمر أجلاهم من خيبر؛ لأنهم اعتدوا على عبد الله بن عمر وأساءوا إلى الصحابة فطردهم عمر.
وقوله: «يُبنى عليه بصفية» ، صفية بنت حيي بن أخطب وهي من ذرية هارون بن عمران فعمها موسى عليه الصلاة والسلام، وحيي بن أخطب أبوها من زعماء اليهود، فاصطفاها النبي صلى الله عليه وسلم لنفسه جبراً لقلبها؛ لأن كون أبيها رئيساً لو أنها صارت إلى أحد من الصحابة لكان في هذا كسر لخاطرها، فأراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يجبر قلبها فاصطفاها لنفسه.
وقيل: «يبنى عليه بصفية» كيف سُمي هذا بناء وهي مملوكة؟
نقول: لأن النبي صلى الله عليه وسلم عتقها صداقها، إذن فهي زوجة من أمهات المؤمنين، وقوله: «يبنى عليه بها» ، البناء: نصب الخيمة ونحوها، وكان النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك اليوم قد بُني عليه خيمة يدخلها هو وأهله.
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 612)
وقوله: «ثلاث ليالٍ» يراد بها: الليالي والأيام، والعرب تطلق الأيام وتريد بها الأيام والليالي، وتطلق الليالي ويراد بها الليالي والأيام، إلا إذا وجد قرينة، مثل: «صم ثلاثة أيام» ، فهنا الليل لا يدخل قطعاً، لكن {واذكروا الله في أيامٍ معدودات} [البقرة: 203]. يدخل فيها الليالي.
وقوله: «فدعوت المسلمين إلى وليمته» يعني: أنه طلبهم، وكان الرسول صلى الله عليه وسلم أكرم الناس، فكان أنس يدعو من لقيه هلم إلى وليمة النبي صلى الله عليه وسلم «فما كان فيها من خبز ولا حلم» ، يعني أنها وليمة بسيطة، يعني: خفيفة يسيرة ليس فيها خبز ولا لحم، «ومن خبز ولا لحم» أظننا أننا لا نشط في إعرابها أن "مِن" زائدة، وأن «خبز» اسم كان، والأصل: فما كان فيها خبز ولا لحم، «وما كان فيها إلا أن أمر بالأنطاع» جمع نطع وهي الجلود، "فبسطت": يوضع عليها الطعام.
وقوله: «فألقى عليها التمر والأقطِ والسمن» ، ظاهر الحديث: أن كل واحد على حدة، والأقط هو اللبن المجفف، السمن معروف، التمر معروف، هل المعنى: أن الأقط موضوع في إناء، والسمن في إناء، والتمر في إناء أو أنها مخلوطة؟ يُحتمل، لكن الظاهر المعروف عند العرب أنها مخلوطة يُخلط السمن والأقط والتمر ويُوضع على النار حتى يسخن ثو يؤكل، وهو من ألذ الأكلات التمرية، وربما يجعل بدل الأقط الدقيق، وهذا هو المعروف عند الحضر فهم لا يعرفون الأقط، لأنه قليل عندهم، فيجعلون بدل الأقط دقيقاً، ويسمى حَيساً، لأنه يحاسي بعضه مع بعض.
على كل حال: هذه وليمة الرسول صلى الله عليه وسلم على زوجته صفية، وفي الأول: «مُدَّين من شعير» ، إذن الوليمة تختلف بحسب الحال.
يستفاد من هذا الحديث: جواز الدخول على المرأة في السفر لدخول الرسول صلى الله عليه وسلم على صفية بين المدينة وخيبر.
ومن فوائده: أنه ينبغي أن يُبنى خيمة خاصة للزوج وأهله، لفعل الصحابة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ومن فوائد الحديث: أنه لا ينبغي الحياء أن يبنى للإنسان خيمة خاصة من بين القوم إذا كان ذلك من أجل الزواج، قد يستحيي بعض الناس ويقول كيف أختص وحدة بخيمة؟
فنقول: لست أشد حياء من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومع ذلك بُني له خيمة أمام الناس ولا حرج أن يخبر الإنسان الناس: بأنه قد تزوج، كما لا بأس أن يبنى له خيمة يبني بها بأهله.
ومن فوائد الحديث: جواز التوكيل في الدعوة للوليمة لقول أنس: «فدعوت المسلمين إلى وليمته».
ومن فوائد الحديث: أن ولائم الرسول صلى الله عليه وسلم ليست ولائم صعبة، بل بحسب الحال، فمرة أولم بمدين من شعير.
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 613)
ومن فوائد الحديث: إشارة أنس بن مالك إلى أنه لا ينبغي الإسراف في الولائم لقوله: «فما كان فيها من خبز ولا لحم».
1004 - وعن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا اجتمع داعيان، فأجب أقربهما باباً، فإن سبق أحدهما فأجب الذي سبق». رواه أبو داود، وسنده ضعيف.
"إذا اجتمع داعيان … إلخ"، يعني: إذا دعاك رجلان دعوة واحد فأجب أقربهما باباً؛ لأن أقربهما باباً أقربهما جواراً، فإن سبق أحدهما فأجب الذي سبق؛ لأنه أحق، ولكن كيف يتصور أن يجتمع داعيان بلا سبق؟ داعيان وكلا رجلاً واحداً فقالا ادع لنا فلاناً، فذهب الرجل الوكيل للرجلين وقال للمدعو إن فلاناً وفلاناً يدعوانك، على كل حال: قد يبدو للإنسان أن تصويرها صعب ولكن ليست بتلك الصعوبة، على كل حال: إذا سبق أحدهما يجاب أقربهما باباً، وقد علل النبي صلى الله عليه وسلم في حديث آخر: «فإن أقربهما باباً أقربهما جواراً». وحينئذ يشكل علينا إذا اجتمع الداعيان أقربهما باباً قد يكون أبعدهما جواراً، مثاله: جاري الذي ليس بيني وبينه إلا الجدار بابه بعيد بجانب البيت الطريق الذي يبعد عني، ورجل آخر بيني وبينه بيت لكن بابه أقرب، من نجيب؟ إن نظرنا إلى قوله: «أقربهما باباً» قلنا: هذا أقرب باباً؛ وإن نظرنا إلى قوله: «فإن أقربهما باباً أقربهما جواراً» قلنا: إن النبي صلى الله عليه وسلم لاحظ قرب الجوار، والغالب أن الباب يكون في البيت، فإذا كان البيت أقرب صار الباب أقرب.
هذه المسألة تحتاج إلى تحرير إذا كان أحدهما أقرب جواراً وأبعد باباً فهل نعتبر قرب الجوار ولو بعد بابه أو نعتبر قرب الباب؟
حكم الأكل في حالة الاتكاء:
1005 - وعن أبي جحيفة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا آكل متكئاً». رواه البخاري.
قال: «لا آكل متكئاً» الاتكاء هو الاعتماد، وهو على نوعين: اعتماد على اليد، واعتماد على الظهر، واعتماد على اليد إما اليمنى أو اليسرى يستلزم أن يكون البدن مائلاً إلى أحد الشقين، والاعتماد على الظهر لا يستلزم ذلك، لكنه يدل على أن الإنسان سوف يستريح استراحة
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 614)