2 - باب عشرة النساء
«العشرة» معناها: المعاشرة، وهي المعاملة بين الشخصين يكون بينهما صلة فيعاشر أحدهما الآخر، وهي أن المعاشرة بين الزوجين مرجعها إلى العرف، لقوله تعالى: {عَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [النساء: 19]. ولقوله: {وَلَهُنَّ مِثلُ الَّذِي عَلَيهِنَّ بِالمَعرُوفِ} [البقرة: 228]. فالمعاشرة هي المعاملة مع كل اثنين بينهما ارتباط كالأصحاب والأزواج، والمعاشرة بالمعروف أمر واجب أمر الله به فقال: {عَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [النساء: 19] والحكمة تقتضيه؛ لأن المعاشرة بالمعروف توجب الألفة ودوام الارتباط بين المتعاشرين، أما إذا نبى كل واحد منهما عن المعاشرة بالمعروف فإن الأمر سيكون خطيراً، وسوف تحدث الفرقة لا محالة إلا أن يريد الله عز وجل الإصلاح بينهما، من المعاشرة بالمعروف أن يستمتع الرجل بزوجته حيث أمره الله، وذلك أن يأتيها في قلبها في غير الحيض والعبادة الواجبة مثل: الصيام والإحرام.
حكم إتيان المرأة في دبرها:
971 - عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ملعون من أتى امرأة في دبرها». رواه أبو داود، والنسائي واللفظ له، ورجاله ثقات، ولكن أعل بالإرسال. كيف نعرب «ملعون»؟ خبر مقدم، وذلك لأنه إذا كان المقدم وصفاً فإنه يكون خبراً إن طابق في الإفراد ولم يعتمد على استفهام ونحوه، هذه قاعدة في النحو، فإن قوله: «ملعون من أتى»، مثل: «قائم زيد»، «قائم» خبر مقدم، وزيد مبتدأ مؤخر، أما إن اعتمد على استفهام أو نحوه فإنه يكون مبتدأ وما بعده فاعل مثل أن تقول: «أقائم زيد؟ » فقائم مبتدأ وزيد فاعل أغنى عن الخبر، ويجوز أن تعربه مبتدأ وخبر كما سبق أولاً، أما إذا كان هذا الوصف وما بعده مختلفين، مثل أن يكون الوصف مفرداً وما بعده مثنى أو جمعاً فإنه يتعين أن يكون الوصف مبتدأ وما بعده فاعل سد مسد الخبر، مثل أن تقول: «قائم الزيدان»، فهنا نقول: «قائم» مبتدأ و «الزيدان» فاعل، ولا يمكن أن تقول: قائم خبر مقدم، لأنه يشترط في الخبر أن يكون مطابقاً للمبتدأ وهنا لا مطابقة. إذن «ملعون» خبر مقدم، و «من أتى» «من» مبتدأ مؤخر، واللعن هو الطرد والإبعاد عن رحمة الله، وأول من لعن -فيما نعلم- إبليس حيث قال الله تعالى: {وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ} [ص: 78]، {وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ} [الحجر: 35]. {لَعْنَتِي} يعني نفسه عز وجل، اللعنة إما أن تقول: اللام للعموم، يعني: اللعنة مني ومن غيري، أو أن اللعنة مني وتكون «أل» هنا للعهد الذهبي. وقوله: «امرأة» هنا نكرة في سياق الإثبات فهي مطلق وليست عاماً؛ لأن النكرة لا تكون
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 535)
للعموم إلا إذا كانت بعد نفي أو نحوه، وقوله: «امرأة» المراد: زوجته أو ما ملكت يمينه؛ وذلك لأن الشرع لا يؤلف الحكم على الحرام، فلا يقول قائل: من أتى امرأة من زوجة أو مملوكة أو أجنبية لا؛ لأن من أتى امرأة أجنبية فهو زان، والزنا من كبائر الذنوب المتفق عليها، وقوله: «في درها» الدبر معروف. يستفاد من هذا الحديث: أن إتيان المرأة في دبرها من كبائر الذنوب، ولهذا رتب عليه اللعنة. ومن فوائده أيضاً: التحذير من إتيان المرأة في الدبر، وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم رتب عليه اللعنة تحذيراً للأمة. ومن فوائده: بيان الحكمة العظيمة في تحريم هذا الشيء وجعله من الكبائر؛ وذلك لأنه يحصل به مفسدة ويفوت به منفعة، المفسدة التي تحصل هي أن الإنسان يطأ زوجته في محل الأذى والقذر؛ لأن الدبر محل الأذى والقذر فيتلوث ذكره بهذا القذر والنتن والرائحة الكريهة هذه تفوت به مصلحة وهي أن النطفة التي ينزلها في هذا المحل لو أنزلها في المحل الذي جعله الله لها لحصل بذلك ولد، أما هذا فإنه يذهب هباء فلذلك كان تحريم وطء المرأة في دبرها موافقاً للحكمة تماماً. وقوله: «أعل بالإرسال»، والإرسال يطلق على معنيين عند أهل الحديث المعنى الأول: ما سقط منه الصحابي، أي: ما رفعه التابعي إلى النبي صلى الله عليه وسلم، والثاني: أن المرسل من قطع إسناده، يعني: الذي لم يتصل إسناده مطلقاً، لكن إذا قالوا: مرسل ومنقطع تعين أن المرسل ما سقط منه الصحابي أي ما رفعه التابعي أو الصحابي الذي لم يسمع من النبي صلى الله عليه وسلم.
972 - وعن ابن عباس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا ينظر الله إلى رجل أتى رجلاً أو امرأة في دبرها». رواه الترمذي، والنسائي، وابن حبان، وأعل بالوقف. قوله: «لا ينظر الله» أي: نظر رحمة ورأفة، وليس المراد به: النظر العام، لأن الله سبحانه وتعالى لا يخفى عليه شيء ولا يغيب عن بصره شيء. وقله: «لا ينظر الله إلى رجل أتى رجلاً» هذا بناء على الغالب، وإلا فلو أتى من ليس برجل؛ أي: شخصا لم يبلغ؛ لأن الرجل اسم للبالغ، فلو أن رجلاً أتى من دون سن البلوغ
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 536)
لثبت له هذا الحكم، وقوله: «أو امرأة في دبرها» كذلك لا ينظر الله إليه ولو كانت امرأته، لأن هذا نوع من اللوطية. ففي هذا الحديث يقول المؤلف: إنه أعل بالوقف يعني: بعض الرواة رواه موقوفاً، أو أن بعض الحفاظ قال: إنه موقوف، وسبق لنا أن الإعلال بالوقف ليس بعلة إلا إذا كان الرافع غير ثقة، أما إذا كان الرافع ثقة فالصحيح أن الوقف ليس بعلة، ولو أن أحدا أعله بالوقف قلنا: هذه العلة غير قادحة، وأظننا قد عرفنا الفرق بين الرفع والوقف، الرفع ما نسب إلى النبي صلى الله عليه وسلم، والوقف ما نسب إلى الصحابي، ونحن نقول: إذا قال أحد الحفاظ: إنه موقوف على الصحابي ابن عباس فالجواب عن ذلك من وجهين:
الوجه الأول: أن الإعلال بالوقف ليس بعلة إذا كان الرافع ثقة؛ لأن الرفع معه زيادة علم ووجه الزيادة أن سند الموقوف ينتهي إلى الصحابي وسند المرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم فهذه زيادة، ثم نقول: إن الصحابي أحيانا يسند الحديث إلى النبي صلى الله عليه وسلم إذا قصد الرواية ولابد أن يسنده إذا قصد الرواية، وأحيانا يقول الحديث من عند نفسه إذا قصد الحكم فيسمعه السامع ولم يسمعه قبل مرفوعاً إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فيظنه موقوفاً. وهذا الحديث نقول: إنه حتى لو ثبت أنه موقوف على ابن عباس فإن مثل هذا لا يقال بالرأي فيثبت له حكم الرفع، لأن الوعيد بأن الله لا ينظر لا يمكن أن يأتي به ابن عباس من عند نفسه، فيثبت له حكم الرفع. فإن قال قائل: أنتم لا تحكمون بالرفع في قول الصحابي المعروف بالأخذ عن بني إسرائيل، وابن عباس عرف بالأخذ عن بني إسرائيل؟ فالجواب عن ذلك أن نقول: هذا في أمور الغيبيات، أما في الأحكام الشرعية فإن ابن عباس وإن كان قد أخذ عن نبي إسرائيل ما أخذ في الترغيب والترهيب لا يمكن أن يأخذ عن بني إسرائيل ما يتعلق بالأحكام الشرعية؛ لأن هذا يقتضي شرع شيء في الشريعة المحمدية مأخوذ عن بني إسرائيل، ومثل هذا لا يمكن أن يقدم عليه ابن عباس رضي الله عنه فمثلا لو أن ابن عباس أراد أن يسند الحديث إلى الرسول لابد أن يبلغ الرسول صلى الله عليه وسلم، وأحيانا يريد أن يبين الحكم الشرعي فهنا ربما يقوله من عند نفسه فيسمعه من يرويه عنه فيظنه من قوله فيرويه موقوفاً، ثانياً: قلنا: إن هذا الحكم لا مجال للرأي فيه، فلو فرض أن منتهاه ابن عباس فإن مثله لا يقال بالرأي وحينئذ يثبت له حكم الرفع فإن أورد علينا شخص أن ابن عباس ممن عرف عن الأخذ عن بني إسرائيل، ونحن نقول: إن قول الصحابي يثبت له حكم الرفع إذا لم يعرف بالأخذ عن بني إسرائيل، فالجواب: أن هذا حكم شرعي ليس فيما يتعلق بالترغيب والترهيب.
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 537)
في هذا الحديث فوائد: أولاً: إثبات النظر لله؛ أي: منه لقوله: «لا ينظر»، ونفي النظر عن هؤلاء يدل على ثبوت النظر لغيرهم؛ لأنه لو انتفى النظر عن الجميع لم يكن لتخصيص هؤلاء فائدة، وقد استدل الأئمة بمثل هذا ففي قوله تعالى: {كَلَاّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ} [المطففين: 15]. استدل الأئمة على أن الأبرار يرون الله، قالوا: فإنه لما حجب هؤلاء الفجار في حال الغضب دل على أن الأبرار في حال الرضا ينظر إليهم؛ لأنه لو كان الحجب من هؤلاء ومن هؤلاء لم يكن لتخصيص هؤلاء فائدة. ومن فوائد الحديث: أن إتيان الرجل الرجل من كبائر الذنوب، وجهه: أنه أثبت عليه الوعيد، وكل ذنب رتب عليه الوعيد فإنه من كبائر الذنوب، كل ذنب رتب عليه حد في الدنيا فهو من كبائر الذنوب، كل ذنب تبرأ النبي صلى الله عليه وسلم من فاعله فهو من كبائر الذنوب، وأحسن ما حدث به الكبيرة ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية: من أن ما رتب عليه عقوبة خاصة فهو من الكبائر، وذلك أن المنهيات تارة ينهى عنها ويقال إنها حرام فقط، وتارة تقرن بعقوبة خاصة إما في الدنيا وإما في الآخرة.
مسألة في حد إتيان الرجل الرجل:
ولم يذكر في هذا الحديث حد إتيان الرجل الرجل، لكن قال قوم من أهل العلم: فيه التعزيز دون الحد، وقال آخرون: فيه حد الزنا، فالمحصن يرجم وغير يجلد، وقال آخرون: بل يقتل الفاعل والمفعول به بكل حال، سواء كان محصنا أم غير محصن. وقال آخرون: ليس فيه حد ولا تعزيز! وهذا من غرائب الأقوال، يقولون: اكتفاء بالرادع الطبيعي وقاسوا ذلك على من شرب البول وشرب الخمر، فمن شرب الخمر يجلد، ومن شرب البول لا يجلد، قالوا: اكتفاء بالرادع الطبيعي ليس أحد من الناس يشرب البول لكن كثيرا من الناس يشرب الخمر، فجعل فيه عقوبة من أجل أن تردع الناس عن شرب الخمر، ولكن هذا القول لا يصح، بل هو من أبطل الأقوال، فنحن لا نسلم أن من شرب البول لا يعزر، بل نرى أنه يجب أن يعزر؛ لأن شرب البول حرام وإذا كان الإنسان لا تردعه طبيعته وفطرته فتردعه العصا والسوط، وكل معصية ليس فيها حد ففيها التعزير؛ إذن إذا بطل الأصل بطل الفرع، ثم على تقدير التسليم أن شرب البول ليس فيه شيء فإنه لا يصح القياس؛ لأن شرب البول لا يمكن لأي إنسان أن يميل إليه، وأما إتيان الذكر الذكر فهذا يمكن أن يميل إليه الإنسان، وهاهم قوم لوط أمة كلهم ابتلوا بهذا الشيء فصاروا يأتون الذكران من العالمين، ويذرون ما خلق لهم ربهم من أزواجهم، لما
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 538)
انتهكوا الحرام جعل الله في قلوبهم كراهة النساء فصاروا يتركون الأزواج ولو كن من أحسن النساء ويأتون الفاحشة؟ ! إذن ما هو القول الراجح؟ أنه يقتل الفاعل والمفعول، أولاً: لأن ذلك جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال: «من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به» وهذا حديث صححه كثير من الأئمة. ثانياً: أنه نقل إجماع الصحابة على قتل الفاعل والمفعول به، وقد حكي إجماعهم شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره، إلا أن الصحابة اختلفوا كيف يقتل، فقال بعضهم: بالسيف، وقال بعضهم: بالرجم، وقال بعضهم: يلقى من أعلى شاهق في البلد ثم يتبع بالحجارة، وقال بعضهم: بل يحرق كما جاء ذلك عن أبي بكر وغيره من الخلفاء، والأصح أنه يقتل بما يرى الإمام أنه أنكى وأعظم، إما بالإحراق، وإما بالإلقاء من أعلى شاهق، وإما بالرجم، المهم الذي يرى أنه أنكى وأعظم ردعاً للناس يفعله؛ لأن هذه الفاحشة خبيثة توجب أن تجعل ذكور البشر بمنزلة الإناث فينقلب الذكور إناثاً ولا يمكن التحرز منها، كيف إذا رأيت ذكراً مع ذكر أن تقول: من هذا الذي معك؟ لكن ذكر مع أنثى ممكن أن يحترز الناس منه، فالمهم: أن القول الراجح أنه يجب على ولي الأمر أن يقتل الفاعل والمفعول به لكن يشترط البلوغ والعقل والاختيار، فإن كان دون البلوغ فإنه لا يقتل ولكن يعزر، كما يعزر ابن عشر في ترك الصلاة، ومن كان مجنوناً فلا يقتل، ومن أكره على ذلك فإنه لا يقتل إذا كان مفعولاً به وإذا كان فاعلاً مثل أن يأتيه رجل يكون مثل المرأة ويطلب منه أن يفعل به ويقول إما أن تنفذ ما قلت وإما أن أقتلك ومعه سلاح، لكن الفقهاء رحمهم الله يقولون: لا يمكن الإكراه على الوطء؛ لأنه لا وطء إلا بانتشار، ولا انتشار مع الإكراه، لأن المكره لا ينتشر ذكره، لأنه خائف، ولكن هذا أيضاً ليس بصحيح؛ لأنه إذا ابتلي فربما يحصل ذلك منه؛ لأن النفس أمارة بالسوء، ربما إذا أكره حتى صار لا يبقى إلا الفعل ينسى الإكراه ويحصل منه هذا الشيء، على كل حال: المكره على الفعل سواء كان فاعلاً أم مفعولاً به ليس عليه حد، لكن لابد من ثبوت الإكراه، قال: «أو امرأة في دبرها» هذا الشاهد. يستفاد من هذا الحديث: أن من أتى امرأة في دبرها فإن الله لا ينظر إليه، وعلى هذا فيكون إتيان المرأة في دبرها من كبائر الذنوب، ولكن إذا أتى امرأة في دبرها فهل ينفسخ النكاح؟ قلنا: لا ولكن للزوجة أن تطالب بالفسخ، لأن هذا من سوء العشرة، أما من عرف به، يعني: يفعله باستمرار فقد قال شيخ الإسلام يجب أن يفرق بينه وبين امرأته؛ لأن هذه معصية، ولا تجوز المعاشرة منهما على هذا الوجه.
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 539)
هذا الحديث يعتبر شاهداً للحديث الذي قبله؛ لأن كلا منهما يدل على الوعيد فيمن أتى امرأته في دبرها، وعلى هذا فيكون شاهداً للحديث الأول مقوياً له ولم يذكر عن أحد من الأئمة أنه أجاز وطء المرأة في دبرها، وما يروى عن الشافعي (رحمة الله) في ذلك فقد أنكره أصحابه وكذبوه، وكذلك ما يروى عن مالك فقد أنكره أصحابه وكذبوه، والمروي عنهم محمول على ما إذا أتى الإنسان امرأة في قبلها من دبرها، وما سوى ذلك فإنه لا يصح، وقد ذكرنا فيما سبق من أنه يمكن أخذ تحريم هذا من تحريم الوطء في الحيض لقوله تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى} [البقرة: 222]. والأذى الذي في الدبر أشد وأخبث من الأذى الذي في القبل حال الحيض.
الوصية بالنساء:
973 - وعن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذي جاره، واستوصوا بالنساء خيراً، فإنهن خلقن من ضلع، وإن أعوج شيء من الضلع أعلاه، فإن ذهبت تقيمه كسرته، وإن تركته لم يزل أعوج، فاستوصوا بالنساء خيراً». متفق عليه، واللفظ للبخاري.
-ولمسلم: «فإن استمتعت بها استمتعت وبها عوج، وإن ذهبت تقيمها كسرتها، وكسرها طلاقها». «من» هذه شرطية، جوابها «فلا يؤذي جاره»، وقوله «من كان يؤمن بالله» الإيمان في اللغة عند أكثر المعرفين له: التصديق، ولكن شيخ الإسلام ابن تيمية نظر في هذا وقال: إنه لا يصح أن يكون بمعنى التصديق، لأن التصديق لا يساوي الإيمان في التعدي واللزوم، والغالب أن الفعل لا يكون بمعنى الفعل إلا إن ساواه في التعدي واللزوم، ولهذا يقال: صدقته ولا يقال: أمنته، إذن فهما مختلفان، لكن قد أقر به وآمن به، ولأن الإقرار أخص من مطلق التصديق فهاهو أبو طالب مصدق برسالة النبي صلى الله عليه وسلم يقول عن نفسه: [الكامل]
(ولقد علمتم أن دين محمد … من خير أديان البرية دينا)
ويقول: [الطويل]
(ولقد علموا أن ابننا لا مكذب … لدينا ولا يعني بقول الأباطل)
إذن هو مصدق لكنه غير مقر ولا معترف؛ ولهذا لم يكن مؤمناً، فتبين بهذا أنه لا يصح أن نقول إن الإيمان هو التصديق، بل الإيمان هو الإقرار بالله.
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 540)
وقوله: «بالله واليوم الآخر»، «بالله» ليست في وجود الله فقط بل هو الإيمان المستلزم للقبول والإذعان، وقوله: «اليوم الآخر» هو يوم القيامة، ووصف بالآخر؛ لأنه لا يوم بعده، وقرن الإيمان بالله واليوم الآخر؛ لأن الإيمان بالله يقتضي العمل رغبة فيما عند الله، والإيمان بالله كذلك يقتضي العمل خوفاً من عقاب الله ورغبة فيما عنده، «اليوم الآخر» فيه الجزاء، والإيمان بالله فيه الحث وبعث الهمة على العمل، فيكون الإنسان لديه أمران: الأمر الأول باعث على العمل، والأمر الثاني مانع من المخالفة، وهو الإيمان باليوم الآخر، ولهذا يقرن الله بينهما كثيراً في القرآن الكريم. قال: «فلا يؤذ جاره» بحذف الياء على أن «لا» ناهية وبإثباتها على أنها نافية، والأذية دون الضرر، فإذا نهى عن الأذية فالضرر من باب ألوى، يعني: يتأذى بأقل القليل حتى بدخان الوقود -وقود النار- وبالأصوات وبغيرها، أي أذية. وقوله: «جاره» الجار هو: من جاورك وقرب منك، وحده بعض العلماء بأربعين داراً من كل جانب، وقال بعض العلماء: يرجع في ذلك إلى العرف، لأن الحديث الوارد في ذلك لا يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولو صح لكان فيصلاً ولكنه لم يصح، وعلى هذا فيرجع إلى العرف وهذا أقرب؛ لأننا لو قلنا: إن الجار أربعون داراً في كل جانب ولاسيما في وقتنا هذا الذي تجد فيه البيوت واسعة جداً لكان نصف البلد حاراً للإنسان أو أكثر لكن العبرة بالعرف. «واستوصوا بالنساء» يعني: اقبلوا الوصية بهن، يقال: وصيته فاستوصى أي: قبل، وقوله: «خيراً» يعني: اقبلوا بعن وصية الخير، والذي أوصانا بها الرسول صلى الله عليه وسلم، «فإنهن» هذه الجملة تعليل للحكم وهو الأمر بالاستيصاء، قال: «فإنهن خلقن من ضلع»، ويجوز من ضلع والفتح أشهر، فما هو الضلع؟ الضلع هو ضلع آدم، فإن آدم عليه الصلاة والسلام لما أراد الله أن يجعل له زوجة نام نومة فخلقها الله من ضلعه الأصغر هكذا جاء في الآثار والله أعلم، لكن الثابت أنها خلقت من ضلع، قال: «وإن أعوج شيء في الضلع أعلاه»؛ ولهذا المرأة ما تتحمل وضعفها الاعوجاج، قال: «فإن ذهبت تقيمه كسرته، وإن تركت الضلع لم يزل أعوج». إذن لا يمكن الانتفاع به إلا إذا كان أعوج، ثم كرر قبول الوصية في قوله: «فاستوصوا بالنساء خيراً». ولمسلم: «فإن استمتعت بها استمتعت وبها عوج» وهذا معنى قوله: «وإن تركته لم يزل
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 541)
أعوج» «وإن ذهبت تقيمها كسرتها، وكسرها طلاقها»، فرواية مسلم بينت معنى الكسر وهو الطلاق. من فوائد الحديث: التحذير من أذية الجار لقوله: «فلا يؤذي جاره»، ووجه التحذير: أن الحديث يدل على أن أذية الجار ينتفي بها الإيمان. ومن فوائد الحديث: أن أذية الجار من كبائر الذنوب؛ وذلك لأن انتفاء الإيمان عن سائر المعصية وعيد وعقوبة فينطبق عليها إثم أو حد الكبيرة، ويؤيد ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: «والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن من لا يأمن جاره بوائقه». يعني: ظلمه وغشمه. ومن فوائد الحديث: إثبات اليوم الآخر، يتفرع على هذه الفائدة: أن من آمن بالله واليوم الآخر فسيحمله إيمانه على اجتناب المعاصي خوفاً من عذاب ذلك اليوم. ومن فوائد الحديث: كمال الدين الإسلامي، حيث أوصى بالضعيف خيراً، قال: «فاستوصوا بالنساء خيراً»، ولاشك أن النساء ضعيفات في العقل والدين كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب بلب الرجل الحازم من إحداكن». وأنت إذا تأملت الدين الإسلامي وجدته قد أوصى بكل ذي ضعف، فقد أوصى بالأيتام، وأوصى بالفقراء، وأوصى بأبناء السبيل، كل ذلك لأن أمثال هؤلاء يحتاجون إلى رأفة ورعاية. ومن فوائد الحديث: بيان ما من الله به على الأمة من مخالفة عادات جاهلية، فإنهم في الجاهلية كانوا يؤذون النساء يئودونهن أحياء، وفي الميراث لا يورثونهن، يقولون: الميراث لمن يركب الخيل ويذود عن الحياض والمرأة ليست كذلك، ولهذا قال الله تعالى: {لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا} [النساء: 7]. ومن فوائد الحديث: حسن تعليم الرسول صلى الله عليه وسلم وذلك بضرب الأمثال؛ لأن الأمثال المحسوسة تقرب المعاني المعقولة، وجه ذلك: أن الرسول صلى الله عليه وسلم شبه المرأة بالضلع، والضلع معروف للجميع أنه أعوج، فإن ذهب الإنسان يقيمه كسره، وإن استمتع به استمتع به على عوج. ومن فوائد الحديث: أن النساء خلقن من ضلع لقوله صلى الله عليه وسلم: «فإنهن خلقن من ضلع». ومن فوائد الحديث: أن الإنسان يرجع إلى أصله، بل إن شئت عمم أن كل مخلوق يرجع إلى أصله؛ لأن قول الرسول «إنهن خلقن من ضلع» يبين أنهن ما دام خلقن من شيء أعوج فستكون عوجاء ولهذا نهى الشارع عن أكل لحوم كل ذي ناب -السباع- لماذا؟ لئلا يتأثر الإنسان بطبيعة السبع فيكون محباً للعدوان؛ ولهذا أيضا رجع إبليس إلى أصله، حيث قال: {خَلَقْتَنِي مِن نَّارِ} فصار
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 542)
معه الطيش والعلو؛ لأن النار بطبيعتها تطلب العلو ولكنه علو غير منظم لسان خارج من هنا ولسان خارج من هنا … إلخ. ومن فوائد الحديث: أنه ينبغي للرجل أن يصبر على عوج المرأة، لقوله صلى الله عليه وسلم: «إن تركته لم يزل أعوج فاستوصوا بالنساء خيراً» وهذا حث من الرسول صلى الله عليه وسلم على أن نستمتع بها على عوجها: إذا غضبت أرضيها، وإذا لقتني بوجه عابس ألاقيها بوجه منبسط؛ لأنك لو قابلتها بمثل ما تعاملك به طال الشجار والنزاع والسب والشتم، وربما يطلق ولا يجد من يفتيه بأن طلاقه لا يقع، حينئذ تكون المشاكل، والإنسان العاقل يستطيع أن يرضي المرأة؛ لأن المرأة ترضى بكل كلمة، ولاسيما من الزوج ترضيها وكل كلمة تغضبها، وينبغي مثلا بعض النساء يكون عندها غيرة عظيمة حتى إذا رأته يكرم أمه جعلت الأم بمنزلة الضرة وصارت تكره الأم وتسبها عنده حتى لو كان له أصحاب من الرجال قامت تتكلم في الرجال هذا فيه وهذا فيه وهو من أطهر الناس، لكن الغيرة، فمثل هذه كيف أعاملها؟ أعاملها على قدر عقلها وأطمئنها وأذكر هذا الشيء وأقول: لا ينبغي أن تضعي نفسك في هذا الموضع تتعبين، فيستمتع بها على عوج. ومن فوائد الحديث: شدة الطلاق على المرأة لقوله صلى الله عليه وسلم: «كسرها طلاقها» وصدق النبي صلى الله عليه وسلم فإن طلاق المرأة لا شك كسر لها، وينبغي لنا في هذا الجانب أن نطالع هدي النبي صلى الله عليه وسلم في معاملته لأهله وزوجاته كيف يرضي الجميع، كيف كان يسابق عائشة على الأقدام، وكان يسترها حتى تنظر الحبشة وهو يلعبون في المسجد، فينبغي لطالب العلم أن يجمع مثل هذه الأشياء حتى يبرزها للناس؛ لأن من الناس من يجعل المرأة بمنزلة الخادم يهينها ويتعبها وربما يخدش كرامتها بسب أبيها وأمها، كل هذا موجود عند الناس وهو خلاف هدي النبي صلى الله عليه وسلم قولاً وفعلاً.
نهي المسافر عن طروق أهله ليلاً:
974 - وعن جابر رضي الله عنه قال: «كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة، فلما قدمنا المدينة، ذهبنا لندخل. فقال: أمهلوا حتى تدخلوا ليلاً -يعني: عشاء- لكي تمتشط الشعثة، وتستحد المغيبة». متفق عليه.
-وفي رواية البخاري: «فإذا أطال أحدكم الغيبة، فلا يطرق أهله ليلاً». قال: «في غزوة» ولم يعين الغزوة، وعدم تعيينها لا يضر، لأن المقصود الحكم، وهذا يقع كثيراً في الأحاديث يقول: «قال رجل»، «كنا في غزوة»، «كنا في سفر»، والغالب أن تعيين هذا
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 543)
المبهم لا يحتاج إليه؛ لأن المقصود الحكم، ربما يحتاج إليه ليعرف هل هذا ناسخ أو لا؟ لكنه ليس ضرورياً في أكثر الأشياء. يقول: «فلما قدمنا المدينة ذهبنا لندخل»، «قدمنا» أي: قاربنا بدليل قوله: «ذهبنا لندخل»؛ وذلك لأنه لا يتحقق القدوم إلا بالدخول، فلما قال: «ذهبنا لندخل» علمنا أن المراد يقوله «قدمنا» أي: قاربنا، وقد سبق لنا مراراً أن اللغة العربية يطلق فيها الفعل على إرادته أو على قربه، وهذا من سعة اللغة، فقال «أمهلوا» أي: انتظروا وأعطوا أهلكم مهلة، «حتى تدخلوا ليلاً» يعني: عشاء، يعني: ليس ليلاً في آخر الليل أو في وسط الليل، بل في أول الليل، لأن العشاء يكون في أول الليل عند مغيب الشفق الأحمر، ثم علل قال: «لكي تمتشط الشعثة وتستحد المغيبة»، الشعثة: التي صار رأسها أشعث، لأن المرأة إذا لم يكن عندها زوج لا تهتم بنفسها ولا تتجمل، اللهم إلا ذهبت إلى زيارة أحد من الناس، فإذا كان الزوج عندها وكانت تحبه فإنها لاشك سوف تتجمل له في شعرها وثيابها أو غير ذلك، وإن كانت لا تحبه فالأمر بالعكس إذا كان رأسها ممشوطاً وأحست بقدومه شعثته، إذا كان ثياب لا بأس بها غيرتها، على كل حال: الغالب -الحمد لله- على النساء أنهن يرغبن في أزواجهن وإذا أحست أنه سيقدم فإنها تمتشط، والاستحداد معناه: إزالة ما ينبغي إزالته من الشعر كالإبط والعانة ويلحق بذلك الأظفار وشبهها، المهم: أنها تزيل ما ينبغي إزالته من الشعور، كل ذلك من باب التجمل لزوجها والتنظف له. وفي رواية للبخاري: «إذا أطال أحدكم الغيبة» وهذا تصريح بما يفهم من الحديث الأول عن طريق اللزوم، لأن قوله: «لكي تمتشط الشعثة» يدل على أن الغيبة طويلة أدت إلى شعث المرأة، وكذلك «تستحد المغيبة» يدل على طول الغيبة، ولكن لا شك أن ما دل باللفظ أدل مما دل على سبيل اللزوم، فيكون تصريح البخاري بهذه الرواية تصريح بما يفهم من طريق اللزوم من اللفظ الأول، قال: «فلا يطرق أهله ليلاً»، الطارق هو الآتي ليلاً، ومنه قوله تعالى: {وَالسَّمَاء وَالطَّارِقِ} [الطارق: 1]. النجم الذي يظهر في الليل، فالآتي ليلاً هو الطارق، ومعنى «يطرق أهله ليلاً» كلمة «ليلاً» من باب التوكيد؛ لأن الطرق هو الإتيان ليلاً، وربما يطلق الطرق على مطلق الإتيان، وعلى هذا فيكون قوله: «ليلاً» من باب التأسيس وليس من باب التوكيد، لأننا إذا جعلناه من باب التوكيد صار يعني أنه يمكن الاستغناء عنه، وإذا جعلناه من باب التأسيس فإنه لا يستغني عنه، وإذا فرضنا أنه لا يكون الطرق إلا ليلاً: نقول إن ذكر التوكيد هنا لإزالة الاحتمال، وما هو الاحتمال؟ احتمال أن يكون الطرق هو الإتيان نهارا. يستفاد من هذا الحديث: أن من هدي النبي صلى الله عليه وسلم مشاركته في الغزوات هو نفسه يشارك في الغزوات لقوله: «كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة»، وقد شارك صلى الله عليه وسلم في تسع وعشرين غزاة قاتل فيها صلى الله عليه وسلم.
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 544)
ومن فوائد الحديث: حسن رعاية النبي صلى الله عليه وسلم لأمته بحيث بلغت إلى هذا الحد إلى أن يعلمهم كيف يدخلون على أهليهم. ومن فوائد الحديث: أن من هدي الصحابة أن المرأة تتجمل لزوجها بإزالة الشعث والتنظيف؛ لقوله: «لكي تمتشط الشعثة وتستحد المغيبة». ومن فوائد الحديث: جواز كون الإنسان أشعث؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال ذلك مقرراً له، وإلا لكان ينهى عن هذا ولكنه وإن كان جائزاً فالأولى للإنسان ألا يكون كذلك إذا رآه إنسان نفر منه، لأن بعض الناس مثلا يتخذ الشعر ولكنه باتخاذه الشعر يجعل الشعر أشعث أغبر إذا رأيته ربما تهرب منه وهذا لا ينبغي، كان النبي صلى الله عليه وسلم يتخذ الشعر ولكنه يرجله حتى إنه يروى عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من كان له شعر فليكرمه»، وهذا خلاف ما يرويه العامة من قولهم: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أكرموا اللحى وأهينوا الشوارب»، والنبي صلى الله عليه وسلم لم يقل هكذا، ولهذا قال بعض الفسقة: أكرموا اللحى، فنقول: سمعاً وطاعة نكرمها بحلقها؛ لأن بقاء الشعر عليها يلوثها فتطهيرها أحسن هذا إكرام. أقول: إن الباطل قد يبني عليه باطل، هم لما قالوا هذا الكلام قالوا: إذا كان الرسول قال: هكذا فسمعاً وطاعة، وهذا إكرام اللحى، ولكن نقول: هذا الحديث باطل ولا يجوز نسبته إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وغاية ما روي أنه قال: «من كان له شعر فليكرمه»، يعني: بالترجيل والتنظيف حتى لا يبقى الشعر مغبر يكون سبباً لتولد الهوام، فالحاصل: أن الرسول صلى الله عليه وسلم أقر هذه الحال لكنها مع ذلك [لا تترك] فإن الله جميل يحب الجمال؛ فكون الإنسان يترك نفسه هكذا هذا أمر غير مقبول. ومن فوائد الحديث: مراعاة حال الأهل ألا يأتيهم الإنسان على غرة ويكونون على حال يتقزز منه، بل الذي ينبغي للإنسان أن يأتي أهله وهم في هيئة توجب المودة والمحبة وانظر إلى حكمة الشارع كان النبي صلى الله عليه وسلم يأمر أهله إذا أراد مباشرة الحائض يأمرهم أن يتزروا؛ لماذا؟ لئلا يرى منها ما يكره من آثار الدم فكان النبي صلى الله عليه وسلم يأمر عائشة فتتزر فيباشرها وهي حائض لئلا يرى منها ما تكره النفس فينطبع في نفسه التقزز منها. ومن فوائد الحديث: أن الإنسان ينبغي له إذا أطال الغيبة ألا يطرق أهله ليلاً ما لم يتقدم خبر منه لهم، فإن تقدم خبر منه لهم فلا بأس، يعني: مثلاً لو قال: سأقدم البلد في الرحلة التي تأتي في
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 545)
الساعة الواحدة فهذا جائز؛ لأنه سوف يكونون مستعدين له متهيئين له، والمحظور كل المحظور هو أن يأتيهم على حال غير مرغوب فيها.
النهي عن إفشاء الرحل سر زوجته:
975 - وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن شر الناس منزلة عند الله يوم القيامة: الرجل يفضي إلى امرأته وتفضي إليه، ثم ينشر شرها». أخرجه مسلم. الشر ضد الخير، وشر هنا اسم تفضيل، لكنه حذفت منه الهمزة، وأصله شراً، وكذلك «خير» أصله أخير. فإذا قال قائل: ما الفرق بين قول الإنسان: هذا شر ويريد أنه من الشر، وهذا خير ويريد أنه من الخير وبين قولنا: إن خير وشر اسم تفضيل؟ نقول: الفرق بينهما: أنه إذا كان هناك مفضل ومفضل عليه، فخير وشر اسم تفضيل مثل قوله تعالى: {أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا} [الفرقان: 24]. من أصحاب النار، أما قوله تعالى: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ} [الزلزلة: 7 - 8]. فهذا ليس اسم تفضيل؛ لماذا؟ لأنه لا يوجد مفضل ومفضل عليه. «شر الناس منزلة عند الله» هذا من باب التفضيل، إذن هناك فاضل ومفضول، «الرجل» خبر إن، «وشر» اسمها. وهنا يقال: أين الهمزة في قوله: «شر»؟ فيقال: إنها حذفت تخفيفاً كما حذفت الهمزة من لفظ الجلالة «الله» وأصلها: «إله» وكما حذفت من «الناس» وأصلها: «أناس»، والعرب أحياناً يحذفون للتخفيف من الكلمات، ولاسيما الكلمات التي يكثر استعمالها، وقوله: «شر الناس»، كلمة «الناس» من ألفاظ العموم ولكنه قد يراد بها الخصوص، أي: أنه لا يراد بها العموم من الأصل، وهنا نفرق بين العام المخصوص والعام الذي أريد به الخصوص، العام المخصوص يكون المتكلم قد أراد العموم أولاً ثم يخرج بعض أفراده من الحكم مثلاً: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ} [النساء: 11]. «أولاد» هذه عام خرج بالسنة من خالف دين أبويه، لأنه لا يرث، نسمى أولادكم هنا عام مخصوص، لأنه أريد عمومه ثم
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 546)
مخصوص، أما العام الذي أريد به الخصوص فهو من الأصل لم يرد فيه العموم إنما أريد به الخاص، ولهذا لا يستثنى منه بخلاف الأول العام المخصوص يدخله الاستثناء، والعام الذي أريد به الخصوص لا يدخله الاستثناء؛ لأنه لم يرد به العموم من الأصل، ومن ذلك قوله تعالى: {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ} [آل عمران: 173]. «الناس» عام أريد بها خاص؛ لأن ليس كل الناس من مشارق الأرض ومغاربها جاءوا يخبرون النبي صلى الله عليه وسلم بأن الناس قد جمعوا له، والمراد بالناس الثانية: خاص ليس كل الناس قد جمعوا؛ إذن هذا عام أريد به الخاص، والفرق أن العام المخصوص أريد به أولاً العموم ثم أخرج بعض الأفراد، والعام المراد به الخصوص لم يرد به العموم أصلاً وإنما أريد به ذلك المعنى الخاص، فهنا قوله صلى الله عليه وسلم: «إن شر الناس عند الله» لا شك أنه لا يراد به العموم، لأن هذا الذي ذكره النبي صلى الله عليه وسلم يوجد من هو شر منه، فالمشركون والملحدون والجاحدون أشر من هذا، فهو إذن عام أريد به الخصوص. إذن ما المراد به؟ أي: شر الناس في إفشاء السر من يفضي هذا السر المذكور، وليس على سبيل العموم حتى على رواية: إن من شر الناس لا يراد به العموم، وإلا من شر الناس الذين من هذا الجنس الذين يفشون السر. وقوله: «عند الله منزلة يوم القيامة» يعني: إذا كان يوم القيامة فإن الناس درجات عند الله كما قال تعالى: {هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ} [آل عمران: 163]. فهذا الذي ذكره النبي صلى الله عليه وسلم يكون عند الله من شر الناس منزلة، وقوله: «الرجل» هذه خير «إن»: لأن الراجح من أقوال النحويين أن النواسخ تعمل في المبتدأ أو الخبر، أما النواسخ التي تنصب الجزأين فالأمر ظاهر، «ظن وأخواتها» تنصب جزأين، وأما التي ترفع أحد الجزأين فهذه بعض العلماء يقول: ما بقي على الرفع فليس للأداة فيه عمل كخبر «إن» واسم «كان»، وما تغير فهو الذي أثر فيه العامل، ولكن الصحيح أنه يؤثر في الجميع؛ إذن «الرجل» خبر «إن». «الرجل يفضي»، الإفضاء قال بعض العلماء: هو الجماع، وقال آخرون: بل هو الخلوة ولو بغير جماع، يقال: أفضى إليه بكذا، أي: جعله أمراً خاصاً بينه وبينه، قال الله تعالى: {وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا} [النساء: 21]. وهذا المعنى الثاني أعم من الأول. وقوله: «إلى امرأته» المراد بذلك: الزوجة «وتفضي إليه ثم ينشر سرها» يعني: ينشر ما أسرت إليه في هذا الإفضاء ينشره بين الناس سواء بين عامة الناس أو بين خاصتهم حتى ولو كان عند أبيه أو أمه فإن هذا يدخل في الحديث. في هذا الحديث فوائد: أولاً: تحريم هذا العمل أن ينشر الإنسان السر الذي بينه وبين زوجته، مثل أن يقول: جامعتها على صفة كذا، أو لما جامعتها صاحت، أو ما أشبه ذلك من الأشياء
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 547)
التي يستحيا من ذكرها؛ فإن الحديث هذا يدل على تحريمها، بل يدل على أنها من الكبائر؛ لأن فيه وعيداً ويستثنى من ذلك ما دعت الحاجة إليه لبيان حكم شرعي مثل: لما سئل النبي صلى الله عليه وسلم بحضرة عائشة عن رجل يجامع زوجته ثم يكسل، يعني: لا ينزل، فقال: «كنت أفعله أنا وهذه ثم نغتسل»، هذا فيه شيء من إفشاء السر لكنه لحاجة شرعية، ثم إنه أيضاً عام ليس تفصيلياً، ولا شك أن الشيء التفصيلي أعظم من هذا، وكذلك أيضاً سأله عمر بن أبي سلمة -وهو ربيب النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن النبي تزوج أمه أم سلمة سأله عن الصائم يقبل زوجته فقال: «سل هذه» يقول لعمر: «سل هذه» يعني: أمه، فسألها فقالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك، فقال له: يا رسول الله، إنك قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، قال: «إني لأخشاكم لله وأعلمكم به»، أو قال: «بما أتقي»، والحديثان في مسلم وعلى هذا فإذا اقتضت المصلحة الشرعية أن يذكر ما لا ينشر فإن ذلك لا بأس به، جائز، أما ما يفعله على سبيل التندر والتفكه فهذا حرام. بقى أن نقول: هل المرأة مثل الرجل؟ نعم، مثل الرجل قياساً، نقول: إن القياس الجلي الذي لاشك فيه أن المرأة كالرجل وأنه لا يحل لها أن تفضي بالسر بينها وبين زوجها إلا إذا دعت الحاجة إلى ذلك، نحو: أن تستفتي عند الشيخ افرض أنها تريد أن تستفتي عن حال زوجها عند الجماع بأنه ضعيف أو ما أشبه ذلك من المسائل التي تحتاج إلى السؤال، فهنا نقول: إنه جائز لدعاء الحاجة إلى ذلك، لا يمكن أن تعرف الحق إلا بهذا، أما إذا كانت تقوله على سبيل التندر كبعض النساء يجلسن كل واحدة تصف زوجها، هذه تقول: معه مثل الثوب، والثانية تقول: شيئاً آخر فهذا لا يجوز. ومن فوائد الحديث: إن الناس درجات عند الله لقوله: «إن شر الناس عند الله»، «شر» دالة على التفضيل، وهل نأخذ من ذلك تفاضل الناس في الإيمان؟ نعم، لماذا؟ لأن منزلة الإنسان عند الله بحسب إيمانه، فيكون هذا الحديث دليل على ما ذهب إليه أهل السنة والجماعة من التفاضل في الإيماء، والذي عليه أهل السنة أن الإيمان يزيد وينقص، سبب زيادته: الطاعة، ونقصه: بالمعصية، وله أسباب أخرى ليس هذا موضع ذكرها، ومن أهل السنة من قال: إنه يزيد ولا نقول: ينقص، بل نقول: يزيد؛ لأن الله قال: {لِيَزْدَادُوا إِيمَاناً مَّعَ إِيمَانِهِمْ} [الفتح: 4]. ولكن في هذا نظر لأنها لا تتصور الزيادة إلا في مقابلة نقص، ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما رأيت من ناقصات عقل ودين». فأثبت نقصان الدين. ومن فوائد الحديث: إثبات يوم القيامة، وما هو يوم القيامة؟ هو اليوم الذي يبعث فيه
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 548)
الناس من قبورهم، وسمي بذلك؛ لأن الناس فيه يقومون لرب العالمين من قبورهم، الثاني: أنه يقام فيه القسط لقوله تعالى: {وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ} [الأنبياء: 47]. الثالث يقوم فيه الأشهاد: {إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ} [غافر: 51]. ومن فوائد الحديث: وجوب ستر ما يحصل بين المرء وزوجته وهذه تخصص مما سبق.
حقوق الزوجة على زوجها:
976 - وعن حكيم بن معاوية، عن أبيه رضي الله عنه قال: «قلت: يا رسول الله، ما حق زوج أحدنا عليه؟ قال: تطعمها إذا أكلت، وتكسوها إذا اكتسيت، ولا تضرب الوجه، ولا تقبح، ولا تهجر إلا في البيت». رواه أحمد، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، وعلق البخاري بعضه، وصححه ابن حبان، والحاكم. هذه خمسة أشياء؛ ثلاث منهيات واثنان مأمورات قوله: «قلت: يا رسول الله، ما حق؟ » من القائل؟ معاوية بن حيدة، «قلت: يا رسول الله، ما حق زوج أحدنا عليه؟ » سأل هذا السؤال لا ليعلم الحق فقط ولكن ليعلم ويطبق ويقوم به، وقوله: «زوج أحدنا»، زوج مذكر وليس فيه تاء التأنيث، والسائل رجل، وكان المتوقع أن يقول: زوجتي، ولكن زوجة لغة رديئة في اللغة العربية؛ لأن زوج يطلق على الذكر والأنثى فيقال للمرأة: زوج، ويقال للرجل: زوج، لكن العلماء في باب الفرائض قالوا: إنه يجب في باب الفرائض خاصة أن تؤنث الأنثى فنقول: «زوج» و «زوجة» من أجل الفرق بينهما عند القسمة وهذا واقع، أما في اللغة العربية فإنك تذكر الزوج سواء للأنثى أو للذكر. قال: «تطعمها إذا أكلت» يعني: لا تأكل وتدعها جائعة، وظاهر قوله: «إذا أكلت» أنك تطعمها مما تأكل، إن طيباً فطيب، وإن وسطاً فوسط، وإن رديئاً فرديء. «وتكسوها إذا اكتسيت» كذلك لا تكسو نفسك وامرأتك عريانة، بل تكسوها إذا اكتسوت. «ولا تضرب الوجه» ولم يقل: «لا تضرب» مطلقاً؛ لأن ضرب الزوج أحياناً يكون مباحاً بل مأموراً به، لكن الذي ينهى عنه هو ضرب الوجه لسببين:
الأول: أن ضرب الوجه أعظم إهانة من ضرب غيره والإنسان يجد هذا في نفسه لو ضربك إنسان على وجهك صار هذا أشد مما لو ضربك على ظهرك. الوجه الثاني: أنه ربما يتأثر الوجه بهذا الضرب فتكون مغيراً للصورة التي خلق الله -سبحانه
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 549)
وتعالى- آدم عليها، وهذا لاشك انه أعظم ضررا مما لو ضربته في ظهره، لنفرض ضربته في ظهره وانكسر ضلعه هذا يجبر ولا يتأثر لكن أنخدش وجهه يبقى هذا دائما مشوهاً ولهذا نهي عن ضرب الوجه. قال: «ولا تقبح»، يعني: لا تقبح المرأة، أي: لا تصفها بالقبح، وظاهر الحديث لا تصفها بالقبح الخِلقي أو الخُلقي، الخِلقي مثل أن يصفها بعيب في وجهها، في عينها، في أذنها، في طولها، في قصرها، هذا واحد، الثاني الخلق أن يقول أنت حمقاء، أنت مجنونة وما أشبه ذلك «لا تقبح»؛ لأن هذا التقبيح سيؤثر -ولو على المدى البعيد- في نفسيتها، وسيذكرها الشيطان هذا التقبيح دائماً. وقوله: «ولا تهجر إلا في البيت» يعني: لا تهجر زوجتك من البيت أو تهجرها تطردها من البيت إن أردت إن أردت أن تهجر فاهجر في البيت؟ الهجر يكون في الكلام لكنه محدد بثلاثة أيام ودليل ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: «لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث يلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا وخيرهما الذي يبدأ بالسلام». فإن قال: الهجر في الكلام لا يكفي، نقول: الحمد لله ليس هنا مشكلة إذا تمت ثلاثة أيام تدخل عليها وتقول: «السلام عليكم» كلما مر ثلاثة أيام سلم عليها ويزول الهجر، هذه واحدة.
ثانيا: الهجر في الطعام مثلا إذا كان من عادتك أن تتغدى مع أهلك اهجر تأديباً لها.
ثالثا: الهجر في المنام له أنواع كثيرة:
منها: ترك الجماع والمداعبة.
ومنها: أن تعطيها ظهرك عند اللزوم.
ومنها: أن تجعل لك فراشاً خاصا.
ومنها: أن تجعل لك غرفة ولها غرفة، المهم: أنه أنواع كثيرة، ويمكن أن نقول: إن الهجر إخلاف عادته، فمثلاً إذا كان عادته معها طيبة، كأن يكون يمزح معها كثيراً قد يكون من الهجر أن يهجر هذه الخصلة، ثم أعلم أن الهجر لا يجوز إلا لسبب. من فوائد الحديث: حرص الصحابة على العلم بما عليهم وما لهم لقوله: «يا رسول الله، ما حق زوج أحدنا عليه؟ ». ومن فوائد الحديث: أنه يجب على الرجل الإنفاق على زوجته طعاماً وكسوة، لقوله: «تطعمها إذا أكلت وتكسوها إذا اكتسيت».
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 550)
ومن فوائده: أن النفقة بقدر الغنى لقوله: {إذا أكلت} {تكسوها إذا اكتسبت} ، ويدل قوله تعالى: {لينفق ذو سعة من سعته ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله} [الطلاق: 7] {قدر عليه} يعني: ضيق عليه، يعني: في مقابله، فقوله: {لينفق ذو سعة}. نفهم منه أن من قدر ضيق. فإذا قال قائل: إذا أعسر الزوج بعد الغنى فهل للزوجة حق في المطالبة بالنفقة أو الفسخ؟
* فالجواب على ذلك أن فيه قولين للعلماء:
الأول: أن لها الحق في طلب الفسخ؛ لأنه لم يقم بالواجب عليه.
والقول الثاني: أنه ليس لها الحق في ذلك؛ لأن هذا شيء بغير اختياره وعموم قوله تعالى: {لا يكلف الله نفساُ إلا وسعها} [الطلاق: 7]. يدل على أن من لم يؤته شيئاً فغنه لا يكلفه والمسالة فيها للعلماء أخذ ورد ومناقشات، وسيأتي ذكرها في باب النفقات.
ومن فوائد الحديث: النهي عن ضرب الوجه بقوله: "ولا تضرب الوجه". ومن فوائده: جواز الضرب مع غير الوجه؛ لأن منطوق الحديث عن ضرب الوجه مفهومه جواز ضرب غير الوجه. فإن قال قائل: هل الإنسان مخير متى شاء ضرب زوجته؟ قلنا: لا، بل لا يضربها إلا لسبب، وقد بين الله تعالى مراتب التأديب فقال: (فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن} [النساء: 34]. فإذا جاز الضرب لوجود سبب الجواز فإنه لا يضرب الوجه.
ومن فوائد الحديث: تكريم الوجه، بحيث لا يضرب ولا يقبح ولا يتفل عليه، ولذلك لو أن أحداً تفل على وجه شخص لاستشاط غضبه ولو تفل على غترته من الخلف ربما دعاه لتنظيف الغترة، على كل حال: الشيء يختلف لو أن أحداً فعل ذلك في وجهك ما تركته إلا أن تخشى من شر أكبر.
ومن فوائد الحديث: النهي عن التقبيح المعنوي والحسي لقوله: "ولا تقبح"، وليعلم أن الأصل في النهي التحريم، وقد يراد به الإرشاد أحياناً، وقد يراد به السنية حسب ما تقتضيه القرائن والأحوال.
ومن فوائد الحديث: تحريم الهجر خارج البيت وجوازه في البيت، ولكن لا يجوز إلا لسبب، ثم إن الهجر في الكلام لا يجوز أن يزيد على ثلاثة أيام مثل قول النبي صلى الله عليه وسلم: "لا يحل لمؤمن أن يهجر أخاه فوق ثلاث، يلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا وخيرهما الذي يبدأ بالسلام".
ومن فوائد الحديث: بيان شمول الشريعة الإسلامية، وأنها لم تدع شيئاً ينفع الناس في
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 551)
معاشهم ومعادهم إلا بينته، أحياناً يكون السبب سؤال سائل أو حدث نازلة يتبين بها الحكم وأحياناً يكون ذلك بدون سبب يبتدئ النبي صلى الله عليه وسلم الحكم بدون أن يكون لذلك سبب.
جواز إتيان المرأة من دبرها في قبلها:
977 - وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: "كانت اليهود تقول: إذا أتى الرجل امرأته من دبرها في قبلها، كان الولد أحول؛ فنزلت: {نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم} [البقرة: 223]. متفق عليه، واللفظ لمسلم. "كانت اليهود"، اليهود قوم سكنوا المدينة وهو من بني إسرائيل وكانوا أشد الناس عتوا وظلماً وجهلاً وسفهاً، هؤلاء القوم الذين في المدينة كانوا ثلاث قبائل: بنو النضير، وبنو قريظة، وبنو قينقاع، وكان سبب نزولهم المدينة أنهم قرءوا عن صفة النبي صلى الله عليه وسلم وأنه يهاجر إلى أرض سبخة وجدوا ذلك في كتبهم وكانوا يؤملون أن يكون من بني إسرائيل فهاجروا إلى المدينة ونزلوا فيها وكانوا إذا كان بينهم وبن الأنصار من الأوس والخزرج كلام أو مناوشات يستفتحون عليهم فيقولون: سيبعث فينا نبي ننتصر به عليكم: {فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به} [البقرة: 89]. وردوا قوله: فكانت اليهود مندمجة مع الأنصار من الأوس والخزرج وكانوا يحدثونهم بما يحدثونهم به مما عندهم من التوراة، فكانوا يقولون: "إذا أتى الرجل … " الخ، وسموا يهوداً إما لقولهم: {إنا هدنا إليك} ، تقول: "إذا أتى الرجل امرأته من دبرها في قبلها كان الولد أحول" يعني: في مكان الحرث، لكنه لا من الوجه، ولكن من الخلف، يقول اليهود: إن الولد يكون أحول، ومن الأحوال؟ هو الذي مال سواد عينه إلى أحد الجانبين، إما إلى الأيمن وإما إلى الجانب الأيسر، والحول عيب، ومن الغرائب أن بعض الشعراء قال عند أحد الخلفاء وهو ينظر إلى الشمس وكان الخليفة أحول فقال:
(والشمس قد كادت ولما تفعل … كأنها في الأفق عين الأحول)
يعني: كادت تغيب ولما تفعل … الخ يقولون: إن الخليفة استشاط غضباً كأن هذا تعيير للخليفة، فالحاصل: أن الحول عيب، ولكن من نعمة الله علينا أننا في هذا الزمن فتح الله على الأطباء أن يعدلوا هذا الحول بعملية يجرونها ويوازنون بين جانبي العين حتى تكون العين متوسطة، والسؤال هل يجوز هذا العمل؟ يجوز بلا ضرر؛ لأنه من باب إزالة العيب، وليس من
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 552)
باب الوشم والوشر والتفليج للأسنان؛ لأن الأخير تجميل والأول إزالة عيب، فرق بين التجميل وإزالة العيب، ولهذا أذن النبي صلى الله عليه وسلم للرجل الذي قطع أنفه أن يتخذ أنفاً من ورق ثم أنتن فأذن له أن يتخذ أنفاً من ذهب، وما دمنا في هذا فإنكم ستجدون في كتب الفقهاء رحمهم الله أنه يحرم قطع البواسير، لماذا؟ لأنها في عهدهم خطر، أما الآن فأصبحت سهلة جداً وليس فيها خطورة، تجدون في بعض الكتب أنه يحرم شق البطن لخياط الفتق؛ لماذا؟ لأنه في ذلك الوقت خطر ربما ينزف دما ويموت، أما الآن فأصبح الأمر سهلاً ميسراً، تجدون في كتب الفقهاء أنه يحرم قطع الإصبع الزائدة -الإصبع السادس- لماذا؟ للخطورة، أما الآن فالأمر -ولله الحمد- سهل. وعلى هذا فنقول: الحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً، فما دام الخطر قد زال فإن هذه الأشياء التي ذكرها العلماء أنها حرام تكون مباحة جائزة.
نعود للحديث: لماذا قالت اليهود أنه يكون أحول فنزلت: {نساؤكم حرث لكم .. } تكذيبًا لليهود، ووجه كونه تكذيبًا: أن الله لما أباح أن نأتي هذا الحرث أنى شئنا دل على أنه لا عقوبة على ذلك؛ لأن كون الولد أحول عقوبة والمباح ليس عليه عقوبة. قال: "فنزلت: {نساؤكم حرث لكم} أي: محل حرث لكم، محل زراعة، كما أن الأرض حرث للإنسان يضع فيها الحب ويخرج النبات، كذلك المرأة حرث للرجل يضع فيها النطفة فيخرج الولد بإذن الله عز وجل، وقوله: {أنى شئتم} الظاهر أن "أنى" هنا ظرف مكان، أي: من حيث شئتم مقبلين ومدبرين وعلى جنب المهم أن يكون الإتيان في القبل هذا معنى الحديث. أما فوائد الحديث فهي متعددة منها: أن اليهود عندهم من الدعاوى ما لا أصل له كهذه المسألة، ولهذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم إذا حدثنا بنو إسرائيل ألا نصدقهم ولا نكذبهم، وأخبار بني إسرائيل تنقسم إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: ما شهد الشرع بصدقه الكتاب أو السنة، فهذا حق ومقبول.
والقسم الثاني: ما شهد بكذبه فهو مردود.
والثالث: ما لم يشهد بكذبه ولا صدقه، فالواجب التوقف فيه، ولكن لا حرج أن نحدث به؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أذن بذلك؛ لأن التحدث بهذا لا يضر، وقد ينفع قد يكون به مواعظ للإنسان ينتفع لكنه لا ضر؛ لأن شرعنا لم يشهد بكذبه.
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 553)
ومن فوائد الحديث: أن القرآن كلام الله عز وجل لقوله: "فنزلت"، من أي مكان نزلت؟ من فوق؛ لأن النزول إنما يكون من أعلى، فإذا كانت من فوق وهو كلام منسوب إلى الله عز وجل دل هذا على أن القرآن كلام الله، وهل هو كلامه حرفاً ومعنى، أو معنى فقط؟ حرفا ومعنى، تكلم به عز وجل بحروفه، وهل هو مسموع؟ نعم، مسموع سمعه جبريل ونقله إلى قلب النبي صلى الله عليه وسلم، ومر علينا في درس التوحيد أن من أهل البدع من يقول: إن كلام الله معنى قائم بنفسه وليس شيئًا يسمع أو يكون بالحروف، وهذا مذهب الشاعرة الذين يدعون أنهم يتبعون أبا الحسن الأشعري، وقد بين شيخ الإسلام ابن تيمية بطلان هذا المذهب من تسعين وجها في مؤلف يسمى "التسعينية"، وهي موجودة في مجموع الفتاوى القديمة، فيه من يقول: أن القرآن مخلوق، ويقول: كل كلام الله مخلوق منفصل بائن منه وليس من صفاته، وهذا مذهب المعتزلة والجهمية وهم إلى المعقول أقرب من الأشاعرة؛ لأن الأشاعرة يقولون: أن الكلام هو المعنى القائم في النفس، والمعنى القائم في النفس لا يسمى كلامًا، ثم يقولون: ما سمعه جبريل أو محمد صلى الله عليه وسلم أو ما كتبه الناس في المصاحف فهو مخلوق، المعتزلة يقولون: لا، هو كلام الله لكنه مخلوق، وهم يقولون مخلوق عبارة عن كلام الله.
ومن فوائد الحديث: أن الآيات القرآنية تنقسم إلى قسمين: قسم ابتدائي نزل ابتداء وهو أكثر آيات القرآن، وقسم سببي، أي: نزل لسبب وهذا قليل لكنه موجود والعلم بالسبب - أي: بسبب نزول الآية- له فوائد من أهمها: أنه يعين على فهم المعنى، فنحن مثلاً إذا قرأنا قوله تعالى: {إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما} [البقرة: 58]. نفهم من هذا أن الطواف بهما من قسم المباح الذي ليس فيه جناح، ولكننا إذا فهمنا السبب عرفناه المعنى، السبب أنه كان على الصفا والمروة صنمان، فكل الناس يتحرجون من الطواف بهما من أجل الصنمين، فأنزل الله عز وجل هذه الآية {إن الصفا … }. إذن نفي الجناح نفي لما يتوهمه الناس من أن الطواف بهما في حرج من أجل الصنمين، على هذا ينبغي لنا أن نعتني بمعرفة أسباب النزول، وهذا موجود -الحمد لله- من المفسرين من يذكره عند تفسير كل آية، ومن المفسرين من ألف كتباً مستقلة في بيان أسباب النزول.
ومن فوائد الحديث: أن المرأة للرجل بمنزلة أرض الحرث لقوله: {حرث لكم}. ومن فوائده: أن مسألة الجماع يرجع فيها إلى الزوج لا إلى الزوجة، بمعنى: أنه إذا أراد أن يجامع أو لا يجامع فالأمر إليه كما أن الأمر في الحرث إلى الزارع؛ ولهذا إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه فأبت أن تجيء لعنتها الملائكة حتى تصبح، لكن إذا دعته هي وأبي لم يحصل عليه هذا الإثم، نعم عليه أن يجامعها بالمعروف أو في كل أربعة أشهر مرة عند الفقهاء، يعنى:
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 554)