ليس بكفٍء لكن سيبذل دراهم كثيرة، فقال أبوها: أريد أن زوجها، وقال أولياؤها: لا، فاختصموا تشاجروا يرجعون إلى السلطان، السلطان في هذه الحال ماذا سيقول؟ يحكم بعدم التزويج والعكس بالعكس لو أن الخاطب كفء، فقال أحد الأولياء: تُزوج، وقال الثاني: لا، فالسلطان يأذن لمن قال: إنها تُزوج، فإن امتنعوا كلهم عن التزويج والخاطب كفء فإن السلطان يتولى التزويج.
ومن فوائد الحديث: الإشارة إلى أنه لا يمكن لهذه الأمة أن تبقى بلا سلطان لقوله:
«فالسلطان ولي من لا ولي له»، ووجه هذا: أنه ليست الأمة كلها لها أولياء وليست الأمة كلها تخلو من التشاجر، فإذا حصل التشاجر أو عدم الولي فمن يتولى أمور الناس إلا السلطان، ولهذا قال أهل العلم: إن نصب الإمام فرض كفاية على المسلمين عمومًا، وأنه لا يجوز للأمة أن تبقى بلا سلطان، وقال ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم: «أن من مات وليس في عنقه بيعة فإن ميتته جاهلية»، وفي رواية: «فقد خلع ربقة الإسلام من عُنقه»، وهذه المسألة يوجد بعض الناس -نسأل الله العافية- لشدة غيرتهم وقلة عقلهم يخلع بيعة الإسلام ببيعة الإمام، ويقول: أنا لا اعترف بهذا السلطان ولا أعترف بهذا الرئيس أو ما أشبه ذلك، وحينئذ يموت ميتة جاهلية أو يكون قد خلع ربقة الإسلام من عنقه فيواجه الله عز وجل وهو خال من ربقة الإسلام؛ لأنه خرج عن الجماعة، ومن شدّ شذ في النار.
اشتراط رضا الزوجة:
(939) - وَعَنْ أبي هُرَيْرَةً رضي الله عنه، أنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: «لا تُنكح الأيمُ حَتَّى تُسْتَأمَرَ، وَلا تنكح البكُرُ حَتَّى تُسْتَأذَنَ قَالُوا: يا رَسُولَ الله، وكيف إذنها؟ قَالَ: أَنْ تَسكُت». مُتفق عليه. 940
940 - وَعَن ابن عَبّاس رضي الله عنهما، أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «الثيّب أحَقُ بنفسهَا مِنْ وَليّها، وَالبكُرُ تُسْتَأمَرُ، وَإذنها سكّوتها». رواه مسْلِمُ.
- وفي لفظٍ: «ليس للولي مع الثيب أمر، واليتيمة تستأمر». رواه أبو داود، والنسائي، وصححه ابن حبان.
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 475)
941 - وَعَنْ أبي هُرَيْرَةً رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تُزَوّجَ المَرْأَةُ المرأة، وَلا
تزوج المرأة نفسها». رواه ابن ماجه، والدارقطني، ورجاله ثقات.
هذه أحاديث ثلاثة كلها تدور حول شيء واحد وهو رضا الزوجة هل هو شرط أو ليس بشرط، هذه الأحاديث تبين حكم هذه المسألة، فحديث أبي هريرة يقول صلى الله عليه وسلم: «لا تُنكح الأيم»، أي: لا تزوج حَتَّى تستأمر، والأيم هي التي فقدت زوجها، فهي التي قد تزوجت، وعبّر عنها في الحديث الثاني بالثيب؛ لأنها قد زالت بكارتها بالزوج الأول، «حَتَّى تُستأمر» أي: يؤخذ أمرها، وذلك بأن تقول: نعم زوجوني بفلان، أما البكر فقال: «لا تُنكح البكر حَتَّى تُستأذن»، فيقال: سنزوجك فلانًا، ولا نقول: هل ترغبين؟ هل توافقين؟ هل تأمرين بذلك؟ لا يقال هكذا، بل يُقال: ستزوجك فلانا، ولكن أشكل على الصحابة رضي الله عنهم كيف تستأذن يعني: كيف يكون صدور الإذن منها؟ فقال: وأن تسكت، وإنما سألوا هذا السؤال؛ لأن الغالب على البكر الحياء وأنها تخجل أن تتحدث بما يتعلق بالزواج.
فيستفاد من هذا الحديث: تحريم إنكاح الثيب حَتَّى تُستأمر لقوله: «لا تُنكح» لأنه نفي بمعنى النهي، والنفي إذا كان بمعنى النهي زاده تأكيدا، كيف ذلك؟ لأنه إذا صيغ بصيغة النفي فالنفي خبر وليس إنشاء، فكأنه يقول: إن هذا الأمر أمر مفروغ منه لا يمكن أن يقع، ولذلك قال أهل البلاغة: إن إتيان النهي بصيغة النفي أو الأمر بصيغة الخبر يكون أشد تأكيدًا، لأنه بمنزلة أن يُقال: إن المنهي عنه ضار أمرا منتفيًا، وإن المأمور به صار أمرا واقعًا، إذن التحريم أخذناه من كلمة «لا تُنكح».
فإن قال قائل: هذا نفي.
قلنا: هو بمعنى النهي.
فإن قال: ما هي البلاغة، أو ما هي الحكمة في أن يأتي النهي بصيغة النفي؟ فالجواب: لأن هذا أبلغ في التأكيد، كان المنهي عنه صار أمرا منتفيًا لا وجود له.
ومن فوائد الحديث: حكمة الشرع في التفريق بين الثيب والبكر.
ومن فوائده: مراعاة العلل والمعاني في الأحكام، ووجهه: أنه إنما فرق بين البكر والثيب، لأن البكر تستحيي غالبًا ولا تتمكن من المشاورة والائتمار فجعل لها الإذن فقط.
ومن فوائد الحديث: اشتراط الرضا من الزوجة ولو كان المزوج الأب، ووجهه: أن هذا
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 476)
النهي ليس فيه استثناء، وإذا لم يكن فيه استثناء فالأصل العموم، فالأب لا يزوج ابنته البكر إلا بإذنها ولا الثيب إلا بإذنها كغيره من بقية الأولياء.
ويُستفاد من هذا الحديث بالقياس: اشتراط رضا الزوج، وأنه لو زوج عن إكراه فإن النكاح لا يصح، وهل يمكن أن يزوج عن إكراه؟ يمكن، لأن بعض الناس يُجُبر ابنه على أن يتزوج بنت أخيه -بنت أخ الأب - ويقول: لابد، فإذا أجبره وتزوج ابنة عمه جبرا فإن النكاح لا يصح.
ما تقولون في رجل استأذن ابنته البكر قال: إن فلانا خطبك فهل نزوجك به؟ قالت: نعم أنا لا أطلب إلا مثل هذا الرجل والحمد لله الذي أرشده إلينا هل يزوجها؟ نعم من باب أولى، لكن الظاهرية يقولون: لا يزوجها، لماذا؟ لأن الرسول قال: «إذنها أن تسكت»، وهذه ما سكتت، هذه امرأة تقول: زوجوني ما نزوجها، والأخرى سكتت نزوجها، أيهما أولى؟ الأولى لو استأذنها أبوها فضحكت أو استأذنها فبكت؟ هذا يُنظر، على كل حال: العلماء اختلفوا، فبعضهم قال: إذا ضحكت فإنه ليس بإذن؛ لأنها قد تضحك تعجبًا من حال أبيها، فيكون الضحك ضحك استنكار وليس ضحك إقرار، ومنهم من قال: إن هذا إذن، لأن الضحك يدل على الانبساط والفرح والسرور فهو أبلغ من السكوت، التي بكت هل هو أقرب للمنع أو للإذن؟ الظاهر أنه للمنع أقرب لكن مع ذلك يقول الفقهاء رحمهم الله ولو ضحكت أو بكت فهو إذن، لكن يظهر أنها إذا بكت فإنها لا تريد أن تتزوج، وقد يكون البكاء من الفرح، ولكن الأقرب أنه ليس بإذن، لكن لو قال: أنت لا تبكين ماذا تقولين؟ فسكتت حينئذ يكون إذنا.
الحديث الثاني -حديث ابن عباس - قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الثيّب أحق بنفسها من وليها» يعني: أنها يُرجع إليها في النكاح، وتُشاور مشاورة دقيقة، فلا يكفي أن يُقال خطبك فلان، فهل تأذنين بالتزويج، لا، فلابد أن تُستأمر ويكشف لها الأمر، فيقال مثلاً: هو شاب أو شيخ عالم أو جاهل، غني أو فقير، ذا شرف أو ليس ذو شرف، يعني: يبين لها الأمر تمامًا؛ لأنها أحق بنفسها، ولهذا لا تزوج حَتَّى تُستأمر، أما البكر يقول: تُستأمر، أي: تُستأذن، والدليل قوله: «إذنها سكوتها»، ولم يقل: وأمرها سكوتها، بل قال: إذنها وهذا التفسير يدل على أن المراد بقوله:
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 477)
«تُستأمر» أي: تُستأذن، وإذنها سكوتها، والذي يستأذنها أبوها أو وليها غير الأب، ويكفي في البكر أن نقول: خطبك رجل كفء فهل تأذنين؟ إذا قالت: نعم صح الإذن؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما طلب إذنها، استدل بعض العلماء بهذا الحديث على أن الثيب تُزوج نفسها قال: لأنه قال: «أحق بنفسها من وليها»، «والبكر تُستأمر» يعني: تُستأذن ولكن لا دليل فيه، وذلك لأن قوله: «أحق بنفسها من وليها» هذا من باب أنه يكشف لها عن الأمر تمامًا حَتَّى تكون كأنها تشاهده عيانًا ثم بعد ذلك تأذن أو لا تأذن، وهذا الذي قُلناه وإن كان خلاف ظاهر الحديث لكنه لا يمكن الجمع بين هذا الحديث وبين ما سبق من النصوص الدالة على اعتبار الولي إلا بهذا التأويل.
وفي لفظ: «ليس للولي مع الثيب أمر واليتيمة تُستأمر»، «ليس للولي مع الثيب أمر» أي: في تزويجها، بل الأمر إليها إن شاءت أذنت وتولى العقد وليها، وإن شاءت لم تأذن، «واليتيمة تُستأمر»، واليتيمة هي التي مات أبوها ولم تبلغ، «وتُستأمر» أي: تُستأذن كما في الأحاديث السابقة، ولكن هل المراد باليتيمة هنا حقيقة اليتيمة أو المراد باليتيمة التي لم تتزوج وهي قد بلغت قريبًا؟ الثاني، وذلك لأن التي دون البلوغ لا يزوجها أحد من الأولياء؛ لماذا؟ لأن إذنها غير مُعتبر عند كثير من العلماء، وإلا بعضهم يقول: يعتبر الإذن من السنة التاسعة، لكن أكثر العلماء على خلافه، وَعَلى هذا فيكون المراد باليتيمة: البالغة القريبة البلوغ؛ لأنها هي التي يصح إذنها، أما ما قبل البلوغ فليس لها إذن مُعتبر؛ وذلك لأنها لا تعرف، صغيرة لا تعرف مصالح النكاح، فيكون إذنها كالعدم، على كل حال: هذه الأحاديث كلها تدل على أنه لابد من إذن الزوجة في إنكاحها.
ثم قال عن أبي هريرة: «لا تُزوّج المرأة المرأة … » إلخ، «لا تزوج»، عندي بالرفع، وعلى هذا فيكون نفيا بمعنى النهي، والخبر بمعنى الطلب يأتي كثيرًا سواء كان أمراً أو نهيًا، «لا تزوج المرأة المرأة» حَتَّى ولو كانت بنتها فإنها لا تزوجها ولا تزوج نفسها حَتَّى وإن كانت كبيرة عاقلة فإنها لا تزوجها، لو وكلتها امرأة أخرى جاءت امرأة إلى امرأة كبيرة في السن عاقلة رشيدة وقالت لها: قد وكلتك أن تزوجيني فزوجتها؟ لا يصح؛ لأنه إذا كان لا يصح العقد لنفسها فلغيرها من باب أولى، وهذا الحديث يضم إلى ما سبق؛ لأنه لابد من الولي في النكاح، وقد سبق الكلام عليه، وبينا أن القرآن والسنة كلاهما يدل على اشتراط الولي.
أما الفوائد فحديث أبي هريرة أخذنا فوائده.
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 478)
وحديث ابن عباس فوائده قريب من الأول: وهو أن الثيب لابد أن تأذن في النكاح على وجه ينكشف به الحال؛ لأنها أحق بنفسها.
ومن فوائده: أن اليتيمة -وهي التي لم تتزوج بعد- لابد أن تُستأمر، والمراد: تُستأذن، فيكون دالاً على ما دل عليه الحديث الأول.
ويستفاد من هذا الحديث: حكمة الشريعة في أنها تنزل كل حال ما يليق بها.
أما حديث أبي هريرة الثاني فهو أن الرسول صلى الله عليه وسلم نهى أن تزوج المرأة نفسها أو غيرها
وعلى هذا لا يكون لها ولاية ولا وكالة في عقود النكاح.
ومن فوائد الأحاديث كلها: حفظ حقوق المرأة في الإسلام خلافا لما كانوا عليه في الجاهلية حيث إنهم يُجبرون بناتهم أن يتزوجن بما يشاءون لا بما يشأن.
ومن فوائد الأحاديث كلها: مراعاة أهلية الولاية، أي: أنه لا يتولى الأمور إلا من كان أهلاً.
ومن فوائدها: الإشارة إلى قُصور المرأة، وأنها إذا كانت لا يصلح أن تكون وليّة على نفسها في التزويج فإنه لا يصح أن تكون وليّة على غيرها في الحكم والإمارة، ولهذا لا يصح أن تكون امرأة أميرة ولا يصح أن تكون قاضية، أما أن يُحكمها نساء في أمر بينهن فلا بأس، أو تكون مديرة لمدرسة نساء فلا بأس، لكن أن تكون لها إمرة على الرجال أو على العموم فإن ذلك لا يصح شرعًا؛ لأنها إذا كانت ليست أهلاً أن تزوج نفسها أو تكون وليّة على نفسها فعلى غيرها من باب أولى.
حكم الشغار:
942 - وعن نافع، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: «نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الشغار: والشغار: أ، يزوج ابنته على أن يزوجه الآخر ابنته، وليس بينهما صداق». متفق عليه.
- وَاتَفَقا مِنْ وَجْهِ آخَرَ عَلَى أَنْ تُفسير الشغار من كلام نافع.
هذا الحديث يقول ابن عمر: «نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نكاح الشغار»، كلمة «نهى»، مأخوذة من النهي، وتعريف النهي: طلب الكف عن الفعل على وجه الاستعلاء، وليس المراد بالفعل هنا ما يقابل القول، بل المراد بالفعل هنا: الإيجاد ولو كان قولاً، فلو قال الشخص لآخر: لا تقل كذا فهذا طلب الكف عن القول، لكنه نهي، إذن هو طلب الكف على وجه الاستعلاء، يعني: أن يشعر الطالب بأنه أعلى رتبة من المطلوب، حتى لو فرض بأنه أدنى رتبة في الواقع فإنه يُسمى نهيًا، كيف يشعر بأنه أعلى وهو أدنى رتبة؟ لنفرض أن رجلاً وجد أميراً ليس معه جنود
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 479)
والرجل هذا لص وجده في البر وقال له: لا تركب بعيرك، ماذا نقول؟ هذا نهي، مع أن الناهي أدنى رتبة، لكن هُوَ في نفس الأمر يرى أنه أعلى منه، ولهذا قالوا: على وجه الاستعلاء، ولم يقولوا: طلب العالي من النازل.
قوله: «نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم. لا شك أن النبي صلى الله عليه وسلم أعلى رتبة من أمته فيوجه النهي إليها، واختلف العلماء في كلمة «نهى عن كذا»، أو صيغة النهي المعروفة، يعني: أنهم اختلفوا هل قول الصحابي كقوله: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تفعلوا؟ » على قولين: القول الأول: أن قول الصحابي «نهى»، أضعف من قوله: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تفعل؟ قالوا: لأن «لا تفعل»، صريحة في النهي؛ لأن هذه هي صيغة النهي، وأما «نهى»، فهنا تعبير الصحابي عما فهمه من قول الرسول صلى الله عليه وسلم وقد يفهم من شيء ليس بنهي أنه نهي وعلى هذا فتكون أضعف، ولكن مع ذلك لها حكم النهي بالصيغة لا شك، وذلك لسببين:
السبب الأول: أن الصحابة رضي الله عنهم يعرفون النهي ليسوا عجمًا، لا يدرون النهي من الخبر.
والثاني: أن عند الصحابة من الورع ما يمنعهم من أن يقولوا: نهى مع احتمال أنه ليس بنهي، فمن قال لا: يستفاد منه النهي؛ لأنه ليس بصيغته فقوله ضعيف، بل نقول: يُستفاد منه النهي بلا شك لكن الصيغة أصرح، ولماذا قلنا: يُستفاد؟ للسببين المذكورين، وعلى هذا فإذا قال: «نهى» فهو كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم: «لا تنكحوا شغارًا».
يقول: «نهى عن الشغار»، و «الشغار»، مصدر شاغر يُشاغر شغارا، ونظيره في التصريف: قاتل يُقاتل قتالاً، إذن لابد من طرفين وهو مشتق إما من الشغور وهو الخلو، وإما من شغرَ الكلب إذا رفع رجله ليبول، ويمكن أن يُقال: لا مانع من أن يكون مشتقًا من المعنيين جميعًا؛ لأن فيه شغورا وشغراً، فلا مانع من أن يكون مشتقًا منها جميعًا. فما هو الشغار؟ فسره الراوي بقوله: «والشغار أن يُزوّج الرجل ابنته على أن يزوجه الآخر ابنته»، وهذا السياق يحتمل أن يكون من ابن عمر كما جاء ذلك، ويحتمل أنه من نافع، وقد جاء كذلك، ويُحتمل أنه من مالك الراوي عن نافع، وقد جاء كذلك، ولكنه لم يرد مرفوعًا فيما أعلم، يعنى: لم يرد أن الرسول صلى الله عليه وسلم هُوَ الذي فسر الشغار بهذا، هذه الروايات الثلاث من كلام ابن عمر أو نافع أو مالك ليس بينها تعارض في الحقيقة، لماذا؟ لأنه يجوز أن ابن عمر فسره ثم تلقاه نافع عنه، ثم كان إذا حدث بالحديث لا ينسب التفسير إلى ابن عمر يقوله من
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 480)
نفسه اعتمادًا على ما رَوَاهُ ابن عمر، وكذلك نقول بالنسبة إلى مالك مع نافع كما أنت الآن تقول: يا فلان، لا تقصد السوء فإنما الأعمال بالنيات … إلخ، هذا يُحمل على أنه من قولك لكنه من قول الرسول صلى الله عليه وسلم، فابن عمر إذا فسره ثم رواه عنه نافع ثم قاله متحدثا به لا يُقال: إن هذا يعارض أن يكون من قول ابن عمر؛ لأنه من الجائز أن يتحدث به نافع دون أن يسنده إلى ابن عمر فيسمعه سامع فيظنه من قول نافع، وكذلك نقول بالنسبة لمالك مع نافع، على كل حال: لم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم - فيما أعلم- أنه فسر الشغار بهذا، ولكن نقول: إذا فسره الصحابي فهو أعلم الناس بمراد رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأنه عاصره وفهمه ولاسيما ابن عمر رضي الله عنهما فإنه كان من أحرص الناس على حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولهذا نجد أعلم الناس بكلامه أخصهم بصحبته.
إذن نقول: لو كان هذا من تفسير ابن عمر رضي الله عنهما فإنه هُوَ المتعين لأن ابن عمر صحابي،
والصحابة أعلم الناس بمراد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
يقول: وأن يزوج الرجل … » إلخ، «يزوجه علي»، «علي» تدل على أنه مشترط، يعني: أن النكاح الثاني شرط للنكاح الأول، وقوله في الحديث: «ابنته»، هذا ليس خاصا بالبنت، بل على سبيل التمثيل، فلو زوجه أخته على أن يزوجه أخته فهو شغار، زوجه أخته على أن يزوجه ابنته شغار هذا على سبيل التمثيل، ولهذا جاءت عبارة الفقهاء رحمهم الله أن يزوجه وليته على أن يزوجه الآخر وليته وهي أعم من ابنته، لكن ابنته أوضح، لكن وليته ابحث من وليته، ولهذا غالبًا تجد عبارات السلف وكل من كان من الرسول أقرب تجدها سهلة يسيرة مبسطة تصورها سهل بخلاف عبارات المتأخرين ففيها شيء من التعقيد وإن كان فيها شيء من الشمول، لكن عبارات السلف أصلح وأوضح وأبين.
يقول: «وليس بينهما صداق»، وهو المهر، وسُمّى صداقًا؛ لأن بذله لطلب المرأة دليل على صدق الطالب المال محبوب إلى النفوس ولا يبذل المحبوب إلا للوصول إلى ما هُوَ أحب؛ لأنه لا يمكن أن يُبذل المحبوب لطلب المكروه، ولا يمكن أن يُبذل المحبوب لطلب محبوب مثله؛ لأنه يكون عبثًا، إنما لا يبذل المحبوب إلا لطلب ما هو أحب إما عينا وإما جنسا وإما وصفا، المهم: لابد أن يكون هناك مُرجحًا، ولهذا سمي الصداق صداقًا، لماذا؟ لأنه دليل على صدق الطالب كما سميت الصدقة صدّقة؛ لأنها دليل على صدق باذلها وأنه يريد ثواب الله، تصورتم الآن الشغار، يقول: زوجتك بنتي على أن تزوجني بنتك، فقال: قبلت، ثم زوّجه! هذا شغار بشرط ألا يكون بينهما صداق، ووجه النهي عنه ظاهر جدا، لأن الله تعالى قال: {وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَن تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُم} [النساء: 24]. وفرج المرأة ليس مالاً، وهذان الرجلان جعلا بضع كل واحدة من المرأتين مهرا للأخرى وهذا لا يصح، هذا وجه.
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 481)
?
الوجه الثاني: أنه لو جاز هذا لكان سببًا لإضاعة الأمانة؛ لأن الرجل ربما يزوج ابنته من ليس بكفء؛ لأنه سيزوجه ابنته فيغير الأمانة.
ثالثًا: أنه قد يؤدي إلى إكراه المرأة على الزواج؛ لأن الولي يريد أن يصل إلى غرضه وغايته
فلا يهمه رضيت أم كرهت.
الرابع: أنه يكون في الغالب سببًا للنزاع والخصومات التي لا تنتهي؛ لأن إحدى المرأتين لو فسدت على زوجها حاول زوجها أن يفسد موليته على الزوج، وهذا يقع كثيرا إذا رغبت الزوجة على زوجها مباشرة ذهب إلى ابنته عند زوجها ويفسدها عليه وهذا مُشاهد ومُجرب، فهذه أربع مفاسد كلها تدل على أن نكاح الشغار باطل لا يقره الإسلام، ولكن الحديث يدل على أنه لا يكون شغارا إلا بشرطين:
الأول: أن يكون نكاحًا مشترطًا في نكاح الأولى لقوله: «على أن يزوجه».
الثاني: ألا يكون بينهما صداق لا قليل ولا كثير، فلننظر إلى مفهوم هذين الشرطين إذا زوجه ابنته ثم زوّجه الأخر بعد ذلك ابنته بدون شرط فهذا ليس بشغار وصحيح ولا فيه إشكال، ولكن هل يجب المهر لكل واحدة أو لا؟ نعم يجب مهر المثل لكل واحدة ما دام لم يسم فإن الواجب مهر المثل.
مسألة أخرى: لو زوجّه ابنته على أن يزوجه الآخر ابنته وجعلا صدّاقًا لكل واحدة فليس بشغار، وظاهر الحديث أنه يصح ولو بأدنى صداق، وأدنى الصداق ما يصح عقد البيع عليه (شيء بربع ريال) هل يصح عقد البيع عليه؟ نعم، «التمس ولو خاتماً من حديد»، ولكن هذا ليس بمراد؛ يعنى: حتّى وإن كان هذا ظاهر الحديث فليس بمراد، وذلك بمقتضى قواعد الشريعة، لأنه إذا أعطاه درهمًا واحد فهل هُوَ جعل للمرأة مهرها الحقيقي أو صار مهرها هذا الدرهم والبضع؟ الثاني، بل البضع أكثر بكثير من الدرهم، ولهذا لابد أن نقيد بأن يكون الصداق صداق المثل، فأما إذا كان دون ذلك فإنه لا يصح؛ لأنه إذا كان دون ذلك صار بضع إحداهما جزءًا من الصداق والبضع ليس بمال، فلابد أن يقيد بأن يكون مهر المثل، وإذا كانت إحدى البنتين بكرا شابة والبنت الأخرى ثيبا عجوزاً يختلف المهر وليكن كذلك لا بأس أن الذي تزوج عجوزا ثيبا يبذل مهرا يكون لمثلها، والثاني يبذل مهرا يكون لمثلها، المهم: أن يكون مهر المثل.
هناك أيضا شرط ثانٍ لابد منه وهو رضا البنتين، وهذا يؤخذ مما سبق من الأدلة أنه لابد من رضا الزوجين في النكاح وإلا لم يصح النكاح.
لابد من شرط ثالث أيضا وهو أن يكون كل منهما كفؤا للمرأة، فإن كان غير كفء فإنه لا
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 482)
?
يصح، إذا تمت هذه الشروط فإن النكاح يكون صحيحًا، ولكن قد يورد علينا مورد فيقول: إن هذه الشروط إذا اجتمعت لا تمنع من أن يخون الولي في ولايته؛ لأنه سيحصل له زوجة، فما هو الجواب عن هذا؟ الجواب أن نقول: إنه وإن خان فإننا ما دمنا اشترطنا رضا الزوجة فإنها لن ترضي إلا بمن تريده.
فإن قال قائل: وَإِذَا تجاوزنا هذا فإنه يرد علينا المفسدة الثانية، وهو أنه إذا ساءت العشرة
في إحدى الزوجتين فإن زوجها سوف يفسد زوجة الآخر عليه فما هُوَ الجواب عن هذا؟ هذا حقيقة ليس عنه جواب إلا أن يقول قائل: إن الجواب أن الأصل عدم ذلك لكنه لا يمكن أن نقول: إن الأصل عدم ذلك، ونحن قد عللنا به النهي؛ لأننا لو قلنا: إن الأصل عدم ذلك بطل أن يكون علة للنهي وصار هناك تناقض، ولهذا ذهب بعض العلماء إلى أن نكاح الشغار لا يصح مطلقًا حَتّى ولو برضا الزوجتين، ولو يكون كل واحد منهما كفؤا لها، ولو سميا صداقا يبلغ صداق المثل، وهذا القول متجه لوجهين:
الوجه الأول: ما ثبت في صحيح مُسلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا شغار في الإسلام» وهذا عام.
والثاني: أننا في عصرنا هذا يجب التحرز من فتح الباب؛ لأنك إذا فتحت الباب ربما يسميان مهرا يقول: زوجتك بنتي بعشرة آلاف ريال على أن تزوجني بنتك بعشرة آلاف ريال ثمّ إذا تم العقد قال: أنا أب، لي أن أتملك من مال ابنتي ما شئت وسمحت عن المهر، وذاك يقول أيضا: سمحت عن المهر، وتكون النتيجة أن لا مهر، فلذلك أنا أرى سد الباب في هذا الزمن، وأنه لا يصح الشغار مطلقا وإن كان المذهب يمشون على ما شرحنا أولاً بمقتضى الحديث ولكن نظرا لفساد أهل الزمان أرى أن يُسدّ الباب مطلقًا، ولكن هنا مسائل قد وقعت ولاسيما عند البادية، ولكن حصل برضا الطرفين وبمهر وبالشروط المعروفة فهل نفتي بالمنع الذي اخترناه نظرًا لفساد أهل الزمان، أو نقول: هذا أمر جرى، وما دام يمشي على ما يقتضيه هذا الحديث فإننا نمضيه نرى هذا أيضا أنه ما قد وقع الناس منه وكان فيه مهر فإنه يمضي ولا نفرق بين الزوجين وزوجتيهما، ولا نقول: إن أولادكما ليسوا أولاً شرعيين لا إنما نقول: أنتما الآن على نكاحكم ما دام قد حصل الرضا، وأن كل واحد كفء للثاني وحصل المهر فالنكاح صحيح، لكن نمنع الابتداء ونكون
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 483)
بذلك مطبقين للقاعدة الاستدامة أقوى من الابتداء المعروفة عند العلماء، ولها فروع منها الطيب للمحرم ممنوع ابتداء وليس ممنوعا استدامة ولهذا قالت عائشة رضي الله عنها: «كنت أنظر إلى وبيص الطيب في مفارق رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو محرم».
ومن فوائد الحديث: تحريم نكاح الشغار، ودليله: النهي، والأصل في النهي التحريم؛ لأن الله يقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ} [النساء: 59]، ويقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ} [الأنفال: 24].
ومن فوائد الحديث: أنه لو عقد نكاح الشغار فإنه لا يصح، لماذا؟ لأنه منهي عنه، ولو صححنا المنهي عنه لكان في ذلك مضادة لله ورسوله، لأن الذي نهى الله عنه ورسوله يُراد منه اجتنابه والقضاء عليه، فإذا صححناه فهذا إثبات له وإبقاء عليه، ولقول النيي صلى الله عليه وسلم: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد». والمنهى عنه ليس عليه أمر الله ورسوله، بل أمر الله ورسوله على تركه واجتنابه فيكون بذلك باطلاً مردودًا.
ومن فوائد الحديث: عناية الشرع بالمرأة لحماية حقوقها لئلا تكون ألعوبة بيد الرجال، فإنه لو جاز الشغار لتلاعب الرجال بالنساء وصار الإنسان يجعل مولياته اللاتي ولأه الله عليهن ألعوبة يكتسب بها الأبضاع ويتزوج بها ما شاء من النساء، وجهه: النهي عن الشغار.
ومن فوائد الحديث: سد الشرع لجميع أبواب ما يقتضي النزاع؛ لأن نكاح الشغّار من أسباب النزاع، فإنه إذا وقع العقد شغارا وساءت العلاقة بين إحدى الزوجتين وزوجها حاول هذا الزوج أن يُفسد المرأة الأخرى على زوجها وحصل بذلك من النزاع والشقاق ما هو معلوم.
تخيير من زوجت وهي كارهة:
943 - وعن ابن عباس رضي الله عنهما: «أن جارية بكرًا أتت النبي صلى الله عليه وسلم فذكرت: أن أباها زوجها وهي كارهة، فخيرها النبي صلى الله عليه وسلم». رواه أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، وأعل بالإرسال.
«الجارية» تطلق على الأنثى الصغيرة، وتطلق على الأمة المملوكة، وتطلق على مجرد الأنثى، فلها إطلاقات بحسب السياق، ولكن الأكثر أن الجواري: النساء الصغار.
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 484)
يقول: «جارية بكرًا»، هو عطف بيان يبين أن هذه الجارية بكرا ليست ثيبا، «أتت النبيّ … » إلخ.
قوله: «زوجها وهي كارهة»، الجملة هنا حال، يعني: والحال أنها كارهة لم ترض الزواج أو لم ترض الزوج، «فخيرها رسول الله صلى الله عليه وسلم، خيرها بين أن تبقى مع الزوج أو تفسخ النكاح مع أنها بكر والولي أبوها.
وقول المؤلف على هذا الحديث: «أعِلُ بالإرسال»، العلة: وصف خفي لا يطلع عليه إلا جهابذة العلماء يوجب القدح في الحديث؛ وذلك لأن العلة إذا كانت ظاهرة فإنها تكون معلومة كل يطلع عليها مثل لو أسند الإمام أحمّد حديثًا إلى عمر بن الخطاب علة هذا الحديث ظاهرة واضحة لكن لو يأتي إنسان معاصر لشخص يسند الحديث إليه ولكنه لم يسمع منه هذا يخفى على كثير من الناس أن الرجل المعاصر لم يسمع ممن أسند الحديث إليه، ولهذا قال ابن حجر رحمه الله في شرح «نخبة الفكرة»: هذا من أغمض أنواع الحديث، يعني: أنه غامض، الإرسال علة لا شك، والذي فات فيه اتصال السند، لكن إذا روي الحديث مرسلاً تارة وموصولاً أخرى وكان الواصل ثقة فإن هذه العلة لا تقدح؛ لأن مع الثقة زيادة علم مثال ذلك: الحديث رواه أربعة (? ، ? ، 3، 4) تارة يروى الحديث بهذا السند كله أربعة رجال، وتارة يروى بسند (? -? -4) فيسقط واحد، هذه الرواية مرسلة، لكن إذا كان راوي الأولى ثقة فإن الإرسال في الثانية لا يقدح، لماذا؟ لأن معه زيادة علم، واحتمال النسيان في الرواية الثانية وارد، قد يكون الراوي الذي أرسله نسي، إذن العلة هنا غير قادحة لا على رأي الفقهاء ولا على رأي المحدثين؛
لأن له شواهد تؤيده منها ما ثبت في الصحيحين فيما سبق: «لا تُنكح البكر حَتَّى تُستأذن»، وفي رواية لمسلم صريحة: «البكر يستأذنها أبوها»، فإذا كانت لا تُنكح حَتَّى تُستأذن، فإن أنكحت بغير استئذان صار النكاح منهيًا عنه، ولكن يرد علينا إذا كان منهيًا عنه فكيف نخير المرأة؟ أفليس القاعدة أنه إذا كان منهيا عنه ألا يصح ثم إن اختارت النكاح جددنا العقد؟ فيقال: إن النهي هنا ليس لحق الله عز وجل وإنما هو لحق الآدمي، فإذا رضي الآدمي بإسقاط حقه وإمضاء العقد فإن العلة -علة النهي- تزول، ولهذا خيرها النبي صلى الله عليه وسلم ولم يفسخ النكاح.
ومن فوائد الحديث: أنه يجوز للإنسان أن يشكو والده عند القاضي في الحقوق الخاصة، مثلاً: لو أن والده أبى أن يزوجه وهو فقير وأبوه غني فله أن يرفعه للحاكم ويطالبه بتزويجه؛ لأن هذه من الحقوق الخاصة التي لابد له منها، ولو أبى أن ينفق عليه وهو فقير والأب غني فللولد أن يرفعه إلى الحاكم؛ لأن هذه من الحقوق الخاصة التي لابد للولد منها، فإذا زوّجه بواحدة
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 485)
ولم تعفه فطالب بثانية فيجب أن يزوجه وبثالثة وبرابعة، على كل حال: الحقوق الخاصة للإنسان أن يُطالب والده بها، أما ما لا يختص بذات الشخص كالديون مثلاً فإنه لا يُطالبه بها مثل أن يكون الولد قد أقرض أباه دراهم ثم طالبه بها وأبى أن يعطيه إياها فليس له أن يرفعه للحاكم، وإن فعل فإن الحاكم يقول له: «أنت ومالك لأبيك»، فتبطل الحكومة يعنى: الخصومة.
ومن فوائد الحديث: أن نكاح البكر ولو كان من الأب يرجع إليها لا إلى الأب، ووجهه:
أن النبي صلى الله عليه وسلم خيرها، ولو كان الأب يملك إجبارها لقال النبي صلى الله عليه وسلم: إنه لاحق لك مع أبيك.
ومن فوائد الحديث: جواز تصرف الفضولي وهو أن يتصرف الإنسان في حق الغير بغير إذنه، فإذا أذن له نفذ التصرف، ووجه ذلك: أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل أمر هذا النكاح -أي: نكاح الجارية التي أكرهت على الزواج- إليها، فيفهم من هذا: أنها إن أجازته نفذ، وإن لم تجزه انفسخ، فإذا كان هذا في النكاح مع خطورته ففي غيره من العقود أولى، فعلى هذا لو أن شخصا باع سيارة إنسان بلا توكيل لكنه يعرف أن هذا الرجل يرغب أن يبيع سيارته، فجاء شخص يطلب سيارة فاغتنم الفرصة فباعها عليه بدون توكيل، ثم بعد ذلك أخبر صاحب السيارة فوافق فهل العقد يصح؟ يصح، وهل يملكه المشتري من حين العقد، أو من حين الإجازة؟ الأول، من حين العقد؛ لأنه أجاز العقد السابق، وهذا يُشبه من بعض الوجوه ما مر علينا وهو إجازة الورثة للوصية أو قبول الموصين له الوصية بعد موت الموصي بمدة، فهل ينسحب الملك على ما مضى وتكون في ملك الموصى له من موت الموصي أو من قبول الموصى له؟ ذكرنا أن في هذا خلافا، وأن الذي مشى عليه صاحب «زاد المستقنع»، أن الملك يثبت من حين الموت، وأن المذهب لا يثبت إلا بالقبول.
ومن فوائد الحديث: أن الشريعة الإسلامية تأخذ للمظلوم حقه، ولو كان على أقرب الناس إليه، وجهه: أن النبي صلى الله عليه وسلم خير هذه المرأة التي زوّجها أبوها وهي كارهة؛ لأن هذا ظلم لها، من أظلم الظلم أن المرأة تُزّوج بشخص تكرهه؛ لأن هذا الشخص سيبقى شريكها في البيت وفي الأولاد، فكيف يمكن أن يُجبرها على شخص لا تريده؟ يحصل عليها من الضرر والقلق النفسي، وربما يصل أحيانا إلى حد الجنون، وبعض النساء تحاول أن تخرق نفسها أو تقتل نفسها من شدة ما وجدت من القهر، ولا شك أن هذا من الاعتداء والظلم، والشرع يرفع الظلم عن المظلوم ولو كان من أقرب الناس إليه.
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 486)
حكم من عقد لها وليان على رجلين:
944 - وعن الحسن، عن سمرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أيما امرأة زوجها ولبان، فهي للأول منهما». رواه أحمد، والأربعة، وحسنه الترمذي.
«أيُما امرأة»، هذه جملة شرطية، فعل الشرط: «زوجها»، وجوابه «فهي للأول منهما»؛ أي: من الزوجين؛ وذلك لأن عقد الولي الثاني ورد على امرأة متزوجة فلم يصح، وعلى هذا فتكون المرأة للزوج الأول الذي عقد له أولاً، والمثال واضح: امرأة لها أخوان خُطبت من أخيها الأكبر فزوجها، وخطبت من الأصغر وهو في بلد آخر مثلاً ولم يعلم أن أخاها الأكبر زوجها فزوّجها لمن تكون؟ للأول، ووجهه ظاهر، لأن عقد الثاني ورد على مزوجة فلا يصح، فإن كان الأول أخا لأب والثاني أخ شقيق فلمن تكون؟ للثاني، لأن الأول ليس له ولاية فهو أخ من أب، والثاني أخ شقيق، وإذا اجتمع أخ شقيق وأخ لأب فالولاية للأخ الشقيق؛ لأنها أقوى، إذا زوجاها معا لاثنين فإنه ينفسخ النكاحان، لماذا؟ لأنه لا يمكن فسخ أحدهما فيفسخ النكاحان، وإن زوّجاها واحدًا بعد الآخر، ولكن جهل السابق أو نسي فحينئذ يقرع؛ لأن أحد العقدين صحيح ولكنه مجهول فيقرع، فصارت الأقسام ثلاثة: القسم الأول: أن نعلم المتأخر فالنكاح للأول، والثاني: أن نعلم أنهما وقعا معا، وهذأ تصوره فيه صعوبة لكن تتميمًا للأقسام فهنا لا يصح النكاحان؛ لأنه لا مزية لأحدهما على الآخر، الثالث: أن نعلم الترتيب؛ أي: أن أحدهما قبل الآخر، لكن نجهل أو ننسى، فهنا يقرع بينهما، لماذا؟ لأننا نعلم أن أحد العقدين صحيح، وأنها الآن محبوسة على أحد الزوجين ولا يمكن أن نقول: لا نكاح، بل النكاح ثابت لأحد الرجلين فيميز أحدهما بقرعة؛ لأن العقدين إذا اجتمعا وتزاحما ولم يمكن الجمع بينهما فإنه لا يمكن استحقاق أحدهما إلا بقرعة، والقرعة تجرى في أعظم من هذا، تجرى في الأنفس، في الهلاك، لو كان الناس في سفينة في البحر وكانت السفينة مثقلة ولابد أن يلقي بعض الركاب ليسلم الباقون فإن ترك الركاب غرقوا جميعًا فهل يلقيهم جميعًا؟ لا، لأن هذا إزهاق
?
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 487)
لنفوس بريئة، إذن من نلقي؟ قال الشباب: ألقوا الشيوخ؛ لأنهم أقرب للموت، هل يصح هذا؟ لا يصح، وقال الشيوخ: ألقوا الشباب، لأن الأمهات يلدن بدلهم؟ نقول: لا هذا ولا هذا، نقول: بالقرعة كما حصل ليونس عليه الصلاة والسلام يونس ركب في فلك مشحون مملوء والى إلى الغرق إلا أن يُلقى بعض الركاب، فساهم فصارت القزعة على جماعة منهم يونس وألقي في البحر، لكن -والله أعلم- أن الذين القوا معه هلكوا، أمّا هو فقيد الله له حوتا كبيرا ابتلعه بدون مضغ أكلة جميعًا وبقي في بطنه، قال عز وجل: {فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (143) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ} [الصافات: 143، 144]. لكن صدق رسول الله: «تَعَرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة». لما كان من المسبحين عرفه الله عز وجل في الشدة فأنقذه.
في هذا الحديث فوائد منها: أنه ينبغي للأولياء إذا خطب من أحدهم أن يرد الأمر إلى الآخرين مخافة أن يقع العقد منهم بدون علم فيحصل اللبس.
وفيه أيضًا: أنه إذا عقد أحد الأولياء قبل الثاني فالحكم للأول، ولكن لابد أن يكون كل واحد منهم وليا، أما لو كان السابق غير ولي ولكنه ابن عم أو أخ لأب مع أخ شقيق فلا عبرة بعقده.
ومنها: اعتبار الأسبقية في الدين الإسلامي، ولهذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم من دعاه اثنان أن يُجيب أسبقهما، فالأولية لها مزية في الدين الإسلامي، وقد تكون الأخروية أحق أو أولى المهم أن الأولية لها الفضل.
حكم زواج العبد بدون إذن سيده:
(945) - وَعَنْ جَابر رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «أيما عبد تزوج بغير إذن مواليه أو أهله؛ فهو عاهر». رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي وصححه، وكذلك ابن حبان.
«أيَّما عبد تزوّج»، «أي»، هذه شرطية، «ما»، زائدة للتوكيد، و «تزوج»، فعل الشرط، وجملة «فهو عاهر» جواب الشرط، وقوله: «بغير إذن مواليه»، الموالي هم الذين أعتقوه في الأصل، وقد يُطلق المولى على المالك وهو المراد هنا؛ وذلك لأنه إذا أعتق ملك نفسه، لكن ما دام مملوكًا فالأمر لسيده، قال الله تعالى: {وَأَنكِحُوا الْأَيَامَى مِنكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ} [النور: 32].
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 488)
وقوله: «أو أهله»، «أو» هذه للشك من الراوي، يعني: هل لفظ الحديث بغير إذن مواليه أو
بغير إذن أهله، والمعنى واحد، إذن المراد بالموالي هنا الملاك.
وقوله: «فهو عاهر» أي: زان، وذلك لأن نكاحه غير صحيح، إذ إن العبد لا يملك أن يُزوج نفسه، ودليل ذلك في القرآن قوله تعالى: {وَأَنكِحُوا الْأَيَامَى مِنكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ} [النور: 32].
{عِبَادِكُمْ} جمع عبد وهو الذكر المملوك، فقوله: {وَأَنكِحُوا} يدل على أن العبد لا يزوج نفسه، وإنما يزوج فهو كالأيم الأنثى التي مات عنها زوجها أو فارقها، لا تُنكح نفسها، بل يُنكحها وليها، إذن فتزوج العبد بغير إذن مواليه، أي: أسياده كتزوج المرأة بغير ولي.
يُستفاد من هذا الحديث: أنه يشترط لصحة نكاح العبد أن يأذن سيده إذا أذن فهل هو يزوج نفسه أو لابد أن يزوجه السيد؟ نقول: ظاهر الحديث أنه أذن فله أن يزوج نفسه بخلاف ما إذا كانت المرأة قد أذن لها وليها أن تتزوج فليس لها أن تُزوج نفسها؛ وذلك لأن المرأة ليست أهلاً للعقد أصلاً بخلاف العبد فإنه أهل للعقد ولذلك إذا عتق زوج نفسه، فعدم تزويج نفسه ما دام مملوكا لا لعدم الأهلية ولكن لوجود مانع وهو الملك، إذن للسيد إذا أراد أن يزوج العبد طريقان الأول: أن يقول ولي المرأة: زوجت عبدك فلانا ابنتي فلانة، فيقول السيد: قبلت النكاح لعبدي، يقيد لا يقول: قبلت النكاح فقط، الصيغة الثانية: أن يقول السيد لعباده: تزوج، فيقول ولي المرأة للعبد نفسه، زوجتك بنتي فلانة، فيقول العبد: قبلت.
حكم الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها أو أختها:
946 - وعن أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يجمع بين المرأة وعمتها، ولا بين المرأة وخالتها». متفق عليه.
«لا» نافية ولكن هذا النفي بمعنى النهي: أي: لا تجمعوا بين المرأة وعمتها - يعني: في النكاح- لأن المرأة في هذه الحال تكون بنت أخي الأخرى، «ولا بين المرأة وخالتها»، لأنها تكون بنت أختها، فلا يجمع بين المرأة وعمتها ولا بين المرأة وخالتها.
هل نقول في هذه الحال: إن عمة الزوجة حرام وخالة الزوجة حرام على الزوج؟ يُعبر بعض العلماء بذلك فيقول: هذا حرام، ولكنه تحريم إلى أمد، ولكن الصحيح أنها ليست حرامًا، إنما الحرام الجمع، فنقول: هكذا اتباعًا للفظ القرآن والسنة، ففي القرآن {وَأَن تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ} [النساء: 23]. ولم يقل: وحرمت عليكم أخوات نسائكم، وفي السنة هذا الحديث، ولم يقل: حرمت عليكم عمات نسائكم وخالات نسائكم، والمحافظة على
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 489)
?
اللفظ الذي جاء في القرآن والسنة لا يولد إشكالاً، وما قاله الفقهاء رحمهم الله ولد إشكالاً، فإن بعض الناس ظن أنها -أي: أخت الزوجة أو عمتها أو خالتها- لما كانت حرامًا فإنها تكون محرمًا، والذي ظن ذلك هم العامة قالوا: مثل أم الزوجة حرام على الزوج وهي محرم، إذن أخت الزوجة محرم إلى وقت معين وعمتها محرم إلى وقت معين وخالتها محرم إلى وقت معين! ! فإذا قلنا: ليست أختها حرامًا وليست عمتها حرامًا وليست خالتها حرامًا، ولكن الحرام هو الجمع زال الإشكال، وصار توهم المحرمية غير وارد، إذن فالمحرم الجمع، إذا ضممنا هذا الحديث إلى الآية الكريمة صار النساء اللاتي يحرم الجمع بينهن ثلاثة: أخت الزوجة، وعمتها، وخالتها فقط وهذا يسير جدا.
إذا قال قائل: هل مثل ذلك أختها من الرضاع، عمتها من الرضاع، خالتها من الرضاع؟
فالجواب: نعم لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب»، فإذا حرم الجمع بين الأختين من النسب حرم الجمع بينهما من الرّضاع، وإذا حرم الجمع بين المرأة وعمتها من النسب حرم الجمع بينها وبين عمتها من الرضاع، وإذا حرم الجمع بين المرأة وخالتها من النسب حرم الجمع بينها وبين خالتها من الرضاع، خلافا إلى ما ذهب إليه شيخ الإسلام من أن أخت الزوجة من الرضاع وعمتها وخالتها لا يحرم الجمع بينهن وبين الزوجة؛ لأن عموم الحديث: ويحرم من الرضاع ما تجرم من النسبة تدخل فيه هذه الصورة، فإنه إنما حرم الجمع بين الأختين من أجل النسب، إذن يحرم الجمع بين الأختين من أجل الرضاع كما حرم الجمع بينهن من أجل النسب، وكذلك يقال في المرأة وعمتها والمرأة وخالتها، هل يجوز للإنسان أن يجمع بين زوجة رجل وبنته من غيرها؟ يجوز، لأن الذي يحرم الجمع بينهن ثلاث فقط وما عدا ذلك لا يحرم.
هل يجوز أن يجمع بين المرأة وبنتها من غير زوجها؟ يعني: مات رجل عن امرأة ثمّ تزوجها إنسان ثم جمع إليها بنتها من غيره؟ لا يجوز، لماذا؟ لأنها أم امرأته، وقد قال تعالى في المحرمات إلى الأبد: {وَأُمَّهَاتُ نِسَآئِكُمْ} [النساء: 22]، إذن بين زوجة الرجل وبنته من غيرها جائز، بين زوجة الرجل وابنتها من غيره لا يجوز حَتَّى لو طلق البنت أو ماتت لا يجوز أن يتزوج أمها؛ لأنها من المحرمات إلى الأبد، هذا الذي ذكر أحسن بكثير من قول بعض الفقهاء: كل امرأتين لو قدرت إحداهما ذكرا والأخرى أنثى لم يحل أن يتزوجها لأجل النسب أو الرضاع لا لأجل الصهر، هذا أسهل أو اللفظ القرآني والنبوي؟ القرآني والنبوي أفضل بكثير؛ لأنك تقول: الذي يحرم الجمع بينهن ثلاث فقط: المرأة وأختها، والمرأة وعمتها، والمرأة وخالتها وانتهت.
فإذا سألك سائل: هل يجوز أن يجمع بين زوجة إنسان وبنته من غيرها؟
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 490)
نقول: نعم، ومن هنا ننبه أنه ينبغي لنا أن نحافظ على الألفاظ الشرعية في مثل هذه المسائل، مثلاً عند العامة يسمون زوجة الأب: «خاله»، الآن لو تقول للعامة: يجوز أن يجمع بين بنت الرجل وزوجته قالوا: الخالة، كيف يجوز؟ أنا أقول أن الكلمات تُغيّر المعنى، ولهذا ربما يأتي واحد يقول: أبو الزوجة خالها مشكل هذا، ولهذا نهى الرسول صلى الله عليه وسلم أن تسمى صلاة العشاء العتمة، لأن هذه تسمية الأعراب وقال: «إنها في كتاب الله العشاء»، فالمحافظة على الألفاظ الشرعية أولى.
إذن الآن الحديث يدل على تحريم الجمع بين المرأة وعمتها وبين المرأة وخالتها، والصحيح: أن هذا يشمل الرضاع كما هو في النسب، إذا وقع العقد على واحدة بعد الأخرى فأي العقدين يصح؟ الأول، إذا وقع العقد عليهما جميعًا فقال: زوجتك ابنتي هاتين؟ لا يصلح العقد، لأنه لا يمكن فسخ أحدهما دون الآخر، ما الجواب عن قول صاحب مدين لموسى: {إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ} [القصص: 27]. هذا ليس فيه جمع يقول: «إحداهما»، لكن يرد عليه مسألة التعيين وقد أجبنا عنه فيما سبق، نقول: لأن موسى عين ما يريد منهما فلا إشكال فيه.
حكم خطبة المحرم ونكاحه:
(947) - وَعَن عُثْمَانَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «لا ينكح المُحرمُ، وَلا ينكح». رَوَاهُ مسْلِمُ، وَفي روايةٍ لهُ: «وَلا يخطب عليه».
948 - وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «تزوج النبي صلى الله عليه وسلم ميمونة وهو محرم» متفق عليه.
949 - ولمسلم عن ميمونة نفسها رضي الله عنها: «أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوجها وهو حلال»
هذه الأحاديث في حكم تزوج المحرم وتزويج المحرمة، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا ينكح المحرم» يعني: لا يتزوج، وهذا يشمل المرأة والرجل، فالمرأة لا يجوز أن تُنكح، والرجل لا يجوز أن ينكح، وذلك لأن الإنسان إذا نكح وهو مُحرم فلا يخلو من حالين إما أن يتعجل فيدخل بزوجته، وهذا يُؤدي إلى فساد النسك وقد قال تعالى: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} [البقرة: 196]. وإما
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 491)
أن يبقى قلبه مُعَلقا بالزوجة فيفسد عليه الإقبال على نسكه، ولهذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك، كذلك «ولا ينكح» أي: لا ينكح غيره وهذا في الولي، فإذا كان الولي محرما فإنه لا تزوج موليته ولو كانت حلالاً، ولو كان زوجها الذي تزوجها حلالاً.
وفي رواية له: «لا يخطب» يعني: لا يتقدم لشخص يخطب مُوليته ابنته أو أخته، والحكمة في ذلك: هي تعلق القلب واشتغاله بهذه الخطبة.
وقوله: «ولا يُخطب عليه» يعني: المرأة إذا كانت مُحرمة فإنها لا تُخطب، فنهى النبي صلى الله عليه وسلم
عن عقد النكاح وعن وسائله وذرائعه، الوسائل والذرائع هما الخطبة والنكاح والعقد.
ففي هذا الحديث: تحريم نكاح المحرم، يُؤخذ ذلك من قوله: «لا ينكح»، وهو إن كان بالجزم فهو نهي صريح، وإن كان بالرفع فهو نفي بمعنى النهي، وظاهر الحديث أنه ما دام مُحرمّا فالنكاح غير صحيح حتى ولو بقي عليه التحلل الثاني، مثاله: رجل كان حاجا فرمى جمرة العقبة يوم العيد وحلق حل التحلل الأول هل يجوز أن يتزوج؟ ظاهر الحديث أنه لا يجوز، ولكن القول الثاني في المذهب - وهو اختيار شيخ الإسلام-: أنه يجوز، وقال: إن قوله: «المحرم» «أل» تفيد الكمال، يعني: المحرم إحرامًا كاملاً وأما ما بعد التحلل الأول فإن المحرّم.
النساء كما جاء في الحديث: «إذا رميتم وحلقتم حل لكم كل شيء إلا النساء»، وهذا عقد وليس نساء، فلهذا ذهب شيخ الإسلام، وجماعة من العلماء وأظنه رواية عن أحمد أنه يجوز عقد النكاح بعد التحلل الأول، ولكن المشهور من المذهب أنه كالعقد قبل التحلل الأول، والذي ينبغي للمفتي في هذه المسألة أنه إذا كان ابتداء العقد فلا يُعْقد، لكن لو فرض أن أحدا قد عقد فهذا هُوَ الذي ينبغي أن يُقال فيه بالقول الثاني لصعوبة تجديد العقد؛ ولأنه ربما يكون هناك ذرية جاءوا من بعده، مثال هذا: لو أن شخصا حج ورمى وطاف وسعى ولكن لم يحلق ثم عقد النكاح قبل أن يحلق وقبل أن يفدي عن الحلق فماذا نقول؟ نقول: هذا صحيح، أما لو قال: أريد أن أعقد النكاح، قلنا له: أصبر حَتَّى تحل التحلل الثاني احتياطا وإبراءً للذمة.
من فوائد الحديث: أنه لا ينبغي للإنسان أن يأتي بما يشغله عن العبادة أو بما يكون ذريعة لإفسادها؛ من أين يؤخذ؟ من نهي المحرم عن النكاح؛ لأنه إما أن يشتغل، وإما أن يدخل فيفسد نسكه.
ومن فوائد الحديث: تحريم خطبة المخرم خاطبًا كان أو مخطوبا، لقوله: «لا يخطب» «ولا يخطب عليه».
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 492)
ومن فوائد الحديث: الإشارة إلى سد الذرائع كقوله: «ولا يخطب»، وظاهر الحديث أنه لا تجوز الخطبة تصريحا ولا تعريضا، وقد يقول قائل: إن الخطبة الكاملة هي الصريحة، وأن التعريض لا بأس به مثل أن يصادف رجل آخر وهو مُحرم ويقول مثلاً لا تفوتني ابنتك، أو أنا أرغب في مثل ابنتك، هذا يُسمى عند العلماء تعريضًا، ولكن لا شك أن الأحوط هو ألا يخطب لا تعريضًا ولا تصريحًا.
أما حديث ابن عباس فإنه يقول رضي الله عنهما: إن النبي صلى الله عليه وسلم تزوج ميمونة وهو مُحرم، ميمونة بنت الحارث، وهي خالة عبد الله بن عباس.
وقوله: «وهو محرم» جملة حالية في محل نصب من فاعل تزوج وهو النبي صلى الله عليه وسلم تزوجها وهو مُحرم بالعمرة، ولمسلم عن ميمونة نفسها التي عقد عليها النكاح أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوجها وهي حلال، ويوجد حديث آخر رواه أبو رافع رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوج ميمونة وهو حلال قال «وكنت السفير بينهما»، يعني: الواسطة، فهنا تعارض حديث ابن عباس المتفق عليه مع حديث ميمونة الذي رواه مسلم وحديث أبي رافع، فاختلف العلماء رحمهم الله في الترجيح بينهما؛ فمن العلماء من رجح حديث ابن عباس من وجه واحد فقط من حيث السند؛ لأنه متفق عليه، هناك أيضا وجه آخر: أن ميمونة خالته فهو من أعلم الناس بها، ومنهم من رجّح حديث ميمونة من ثلاثة أوجه:
الأولى: أنها صاحبة القصة، ومعلوم أن صاحب القصة أدرى بها من غيره.
الوجه الثاني: أنها يُؤيدها حديث أبي رافع وهو السفير الواسطة بينهما.
الوجه الثالث: أنه الموافق لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا ينكح المحرم»، والأصل عدم الخصوصية، فإذا كان الأصل عدم الخصوصية فإن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يتزوج وهو مُحرم؛ لأن الأصل أن الثابت للأمة ثبت له، وما ثبت له ثبت للأمة إلا بدليل، وهذا القول الثاني هو الصحيح أن النيي صلى الله عليه وسلم تزوجها وهو حلال.
فإذا قال قائل: ماذا نصنع بحديث ابن عباس؟
قلنا: ابن عباس لم يطلع على أنه تزوجها إلا بعد أن أحرم النبي صلى الله عليه وسلم فظن أنه تزوجها وهو مُحرم فروى ما بلغه ولم يبلغه قبل ذلك أنه تزوجها وهو حلال، فالصواب: أنه تزوجها وهو حلال، وابن عباس لم يطلع على ذلك إلا بعد أن أحرم، على هذا لا تثبت الخصوصية للرسول صلى الله عليه وسلم في ذلك، أي: في جواز نكاحه وهو مُحرم، أما على من رجّح حديث ابن عباس فإنه يقول: هذا من خصائص النبي صلى الله عليه وسلم، وقد خص صلى الله عليه وسلم بمسائل كثيرة في النكاح.
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 493)
شروط النكاح:
950 - وعن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن أحق الشروط أن يوفى به ما استحللتم به الفروج». متفق عليه.
«أحق» اسم تفضيل منصوب على أنه اسم «إن»، و «ما استحللتم» خبر إن، و «ما» هنا في قوله: «ما استحللتم به»، اسم موصول؛ أي: الذي استحللتم به الفروج، وقوله: «أحق الشروط أن يوفى به» يعني: أن يوفى به إذا شرط ما استحل به الفرج.
ما معنى قوله: وما استحل به الفرج»؟ لأن الزوجة أو أهلها الذين اشترطوا ذلك لم يبيحوا الفرج للزوج إلا إذا التزم بهذا الشرط، فصار توقف جل الفرج على قبول هذا الشرط، ولهذا قال: «ما استحللتم به الفروج»، وإلا فإن الفروج تستحل بالعقد، لكن الشرط في العقد كالأصل.
قوله: «إن أحق الشروط»، «الشروط» جمع شرط، والشرط يُطلق على شرط الصحة وعلى شرط اللزوم، هناك شروط للصحة هذه تسمى شرط العقد، وشروط للزوم تسمى شرطا في العقد، ولهذا يميز العلماء بين شروط النكاح والشروط في النكاح، وشروط البيع والشروط في - البيع، وشروط الوَقف والشروط في الوقف، شرط العقد مثلاً نكاحًا كان أم بيعا أم وَقُفا أو غيره شرط العقد ما تتوقف عليه صحته، بمعنى: أنه إذا فقد لم يصح العقد مثل: العلم بالمبيع وبالثمن في البيع شرط للعقد لا يصلح العقد، إلا به، الولي في النكاح شرط للعقد لا يصح العقد إلا به، الشروط في العقد ما يتوقف عليها لزوم العقد، يعني: يصح، لكن لزومه أو الالتزام به يتوقف على الشرط، لكن لو فقد الوفاء بالشرط فالعقد صحيح.
فرق آخر: شروط العقد موضوعة من قبل الشرع فلا يمكن لأحد إسقاطها، والشروط في
العقد موضوعة من قبل العاقد فلمن له الشرط أن يُسقطه.
قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «إن أحق الشروط أن يوفي به»، هل يريد شروط العقد أو الشروط في العقد؟ الثاني الشروط في العقل، والإنسان إذا اشترط في العقد شروطًا صارت هذه الشروط من أوصاف العقل ودخلت في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} [المائدة: 1].
يعني: أوفوا بأصلها ووصفها، ووصفها هي الشروط التي شرطت فيها، الإنسان يُؤمر بالوفاء بالشروط في البيع والوفاء بها قيام بالحق الواجب عليه، فهل يُؤمر بالوفاء بالشروط في النكاح؟
الجواب: نعم، يؤمر أكثر؛ لأنه قال: «أحق الشروط … إلخ». ووجه كونه أحق الشروط: أن
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 494)