امرأة قبيلية لشخص غير قبيلي زوجها أبوها ورضيت بذلك فجاء أعمامها يتحاكمون إلى الشيخ القاضي فقال لهم: لا بأس أنا أفسخ النكاح، ولكن بشرط أن تلزموا بالإنفاق عليها مدى الحياة وهو قاضٍ ذكي يعرف أنهم لن يلتزموا بذلك، تناظروا فيما بينهم وإذا الإنفاق عليها سيكون متعباً لهم، فقالوا: لا، فقال: ارجعوا وراءكم، وهذه لاشك أنها ذكاء من القاضي لعلمه أنهم لن يلتزموا، أما لو علمنا أنهم سيلتزمون لقلنا: إنكم ليس لكم حق، وسيذكر المؤلف (رحمة الله) ما يتعلق بهذا الأمر. وأما قوله: «الخيار» فيعني به: خيار العيب، وأعلم أن الخيار في النكاح له سببان بل أكثر: السبب الأول: العيب، يعني: أن يجد أحد الزوجين صاحبه معيباً، هذا واحد، الثاني: فوات صفة مشروطة مثل أن يشترط الزوج أن تكون الزوجة بكراً فيتبين أنها ثيب، أو أنها جميلة فيتبين أنها غير جميلة، المهم: فوات صفة مشروطة، السبب الثالث: ما سيذكره المؤلف من إسلام أحد الزوجين وما أشبه ذلك، فهذا الخيار إما سببه عيب في المرأة أو فوات صفة مشروطة يكون لمن له حق الخيار إن شاء فسخ النكاح وإن شاء أمضاه. هل هناك خيار شرط اختلف العلماء هل يثبت خيار الشرط في النكاح أو لا؟ فمنهم من قال: إنه يثبت بناء على أنه يشترط عند العقد أن لكل واحد منهم الفسخ لمدة ثلاثة أيام أو أربعة أيام، فمن العلماء من قال: يصح، ومنهم من قال: لا يصح، قال: لأنه إن كان خياراً للزوج فهو مستغن عنه بماذا؟ بالطلاق، يطلق بلا خيار، وإن كان الخيار للزوجة فإن الزوجة ناقصة في عقلها ودينها ربما إذا حصل من زوجها أدنى كلمة قالت: اخترت الفسخ فهدمت النكاح هذا هو الواقع، كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك قال: «إنك لو أحسنت إلى أحداهن الدهر كله ثم رأت منك سيئة واحدة قالت ما رأيت منك خيراً قط»؛ فلهذا لا يصح لها الخيار. والذي نرى في هذه المسألة التفصيل، وهو أنه إذا كان الخيار لغرض مقصود فلا بأس مثل أن تقول إن طاب لي سكنه في هذا البيت فذاك وإلا فلي الخيار، ثم تنزل على قوم يؤذونها مثلا نزلت على أناس عندهم إخوة متعددون كل واحد منهم له زوجة، كل زوجة لسانها أطول من ذراعها ويتعبون هذه المرأة فقالت له: أنا أشترط لنفسي أنه إذا لم يطب لي المسكن فلي الخيار هذا جائز؛ لأنه لغرض مقصود ليس خيارا مطلقاً بل هو خيار لغرض مقصود. إذن خيار عيب، خيار فوت صفة مشروطة، خيار شرط.
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 515)
حكم زواج العرب الأحرار بالموالي:
958 - عن ابن عمر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «العرب بعضهم أكفاء بعض، والموالي بعضهم أكفاء بعض، إلا حائكاً أو حجاماً». رواه الحاكم، وفي إسناده راوٍ لم يسم، واستنكره أبو حاتم.
-وله شاهد عند البزار عن معاذ بن جبل بسند منقطع.
العرب إذا أطلق فالمراد بهم: العرب المستعربة؛ لأن هناك عرباً عاربة؛ يعني: من الأصل هم عرب، فبنو إسماعيل عرب مستعربة؛ لأن لغة إسماعيل لغة إبراهيم غير عربية، ثم لما نزل جرهم مكة وهم من عرب عاربة استعربت ذرية إسماعيل، فصاروا العرب المستعربة، يعني: الذين تلقوا العربية من جديد وهم أفضل من العرب العاربة؛ لأنهم من سلالة الأنبياء، ولأن فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أشرف بني آدم. يقول: «العرب بعضهم أكفاء بعض» حتى لو كانوا من قريش، بنو تميم وغيرهم أكفاء، فالهاشمي والتميمي وغيرهم من آل البيت كلهم أكفاء، الموالي من هم؟ الذين أعتقوا، جمع مولى وهو العتيق، «بعضهم أكفاء بعض»، فالمولى كفء للمولى والعربي كفء للعربي. «إلا حائكاً أو حجاماً»، الحائك هو صانع الحياكة الغزل والنسيج، لأن هذه المهنة عند العرب مهنة ممقوتة، يعني: مزرية للإنسان، والحجام كذلك، الحجام مصاص الدماء، والحجامة في الزمن السابق وإلى الآن عبارة عن شرط مكان معين في البدن ثم توضع فيه ما يسمى بالقارورة، ولها أنبوبة دقيقة يمصها الحجام حتى يبرز الدم وتفرغ هذه القارورة من الهواء، وإذا تفرغت من الهواء وقد ضغط عليها على المكان فإنها تبقى لاصقة ثم تفرغ الهواء يستوجب سحب الدم، فإذا امتلأت من الدم سقطت ثم يعيدها مرة ثانية حسب ما يراه، الحجام عند العرب ذو مهنة حقيرة مزدراة فلا يكون الحجام كفؤا لبنت البزار بائع الأقمشة ولا لبنت الصائغ بائع الذهب، الصانع صاحب الكير كذلك هذا إن صح الحديث، ولكن الحديث استنكره أبو حاتم؛ وذلك لأن هذه الصنائع المزرية تكون مزرية عند قوم غير مزرية عند آخرين، ثم قد تكون مزرية في زمن غير مزرية في زمن آخر، ربما الحجامة فيما سبق على هذا الوجه الذي شرحناه آنفا وتكون الحجامة بوسائل جديدة لا يقربها الحاجم ولا يمص الدم ويكون بعيداً عما يزدريه الناس به.
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 516)
قال: «وفي إسناده راوٍ لم يسم» إذن فهو مبهم مجهول، وحديث المجهول مجهول مردود لا يصح. إذن هذا الحديث نأخذه فوائده، وبعدئذ إذا تبين أنه باطل بطلت فوائده. هذا الحديث يدل على أن العرب بعضهم لبعض أكفاء ولو كانت القبائل بعضها مع بعض أشرف: يعني: لو كان بعض القبائل أشرف من بعض فإن العرب كلهم أكفاء بعض. فيستفاد من ذلك أيضا: أن ما يفعله بعض المنتسبين لآل البيت في وقتنا الحاضر من كون الهاشمي لا يزوج إلا هاشمية منكر لا أصل له من الشرع، ولهذا تجد النساء عندهم عانسات وتجد الشباب في ضيق، لأن الشاب في عاداتهم لا يمكن أن يتزوج غير هاشمية أو غير امرأة من آل البيت والشابات أيضا لا يمكن أن يزوجن بغير هاشمي أو من آل البيت، ويحصل بهذا شر كثير مع أن هذا القول ليس له أصل، آل النبي صلى الله عليه وسلم لاشك أن لهم خصائص، لكن ليس من خصائصهم ألا يتزوجوا من أحد وألا يتزوج منهم أحد. وظاهر هذا الحديث: أن العرب أكفاء لبعض مطلقاً، ولكن لابد أن نلاحظ ما أسلفناه في مقدمة البحث وهو كفاءة الدين، فالعربي الكافر ليس للعربية المسلمة مهما كان حتى لو كان الكافر من أهل الكتاب، لو فرضنا أن عربيا تنصر وأراد أن يأخذ امرأة مسلمة، قلنا: لا، ليس لك ذلك، هنا إشكال أورده بعض النصارى قالوا: الإسلام ليس فيه عدالة، لماذا؟ قال: لأنه يجيز لأهله أن يتزوجوا بالنصرانية ولا يجيز النصراني أن يتزوج بمسلمة وهذا جوز؟ هذه شبهاتهم التي يأتون بها، يقال: إن هذا أورد على بعض طلبة العلم فقال: الجواب على هذا سهل؛ لأن المسلم يؤمن بمحمد وعيسى، والنصراني لا يؤمن إلا بعيسى، هو يتزوج امرأة نصرانية؛ لأنه يؤمن برسولها ولا يمكن أن نزوجها رجلاً لا يؤمن برسولها. ومن فوائد الحديث: أن الموالي بعضهم لبعض أكفاء، فهل يؤخذ منه أن المولى لا يكون كفؤا للعربي؟ قد يؤخذ، وقد لا يؤخذ، وقد لا يؤخذ، استمع إلى قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنثَى} [البقرة: 178]. ومعلوم أن العبد يقتل بالحر مع أن الله تعالى يقول: {الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ}، ولو قتل العبد حراً لقتل، صحيح لو قتل الحر عبدا لكان عند كثير من العلماء لا يقتل، وإن هناك خلاف في المسألة، فإن بعض العلماء يقول: إذا قتل الحر عبداً قتل به، ويستدلون بالعمومات وبأدلة أخرى تأتي في باب القصاص. -- أن الحائك ليس كفؤاً لغير الحائك لقوله: «إلا حائكاً»، وأن الحجام ليس كفؤا لغير الحجام لقوله: «أو حجاماً» وإذا قلنا: هذا الحديث ضعيف سقطت هذه الفوائد إلا ما شهدت له النصوص الأخرى ككفاءة الدين مثلاً.
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 517)
ثم قال: «وله شاهد عند البزار بسند منقطع» فما الفائدة؟ هذا الشاهد قد نقول: هذه شهادة غير مقبولة، لأنه إسناد منقطع لانقطاع السند، من هذا المنقطع؟ قد يكون من الكذابين ما ندري، الأول رواية لم يسم، والثاني سنده منقطع، أين قوة هذا بهذا، ثم إن أبو حاتم (رحمة الله) استنكره إما عن طريق المتن وإما عن طريق السند.
959 - وعن فاطمة بنت قيس رضي الله عنها، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها: «أنكحي أسامة». رواه مسلم. فاطمة بنت قيس من صميم العرب، وأسامة بن زيد بن حارثة أصله عربي، لكنه مولى جرى عليه الرق ووهبت خديجة زيداً للرسول صلى الله عليه وسلم وولده أسامة، أعتقه الرسول فكان له الولاية عليه وعلى ذريته، لأن الإنسان إذا أعتق صارت ولايته له ولاية ذريته أيضا، فأعتقه الرسول صلى الله عليه وسلم وكان أسامة بن زيد مولى لكنه مولى كان النبي صلى الله عليه وسلم يحبه ويحب أباه مع أنه مولى وأكرمه في حجة الوداع إكراماً لم ينله أحد من العرب أردفه خلفه قبل أن يردف الفضل بن العباس؛ لأنه أردف أسامة في سيره من عرفة إلى مزدلفة، وأردف الفضل بن العباس في سيره من مزدلفة إلى منى المدى قريب والإرداف متأخر، فإرداف أسامة أطول من إرداف الفضل وأيضاً أقدم، قدمه الرسول صلى الله عليه وسلم على كل العرب، أسامة رضي الله عنه أمر النبي صلى الله عليه وسلم فاطمة أن تتزوجه، لأن فاطمة جاءت تستشيره في ثلاثة خطبوها: أسامة بن زيد، والثاني: أبو جهم، والثالث: معاوية بن أبي سفيان، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: «أما أبو جهم فضراب للنساء». وفي رواية: «فلا يضع العصا عن عاتقه» فقيل: إنه لا يضع العصا عن عاتقه لكثرة أسفاره، لأن العصا يحتاج إليها المسافر ليضرب الإبل، وقيل: لا يضع العصا ليضرب النساء وهذا الذي تفسره الرواية الثاني: «ضراب للنساء»، والضراب للنساء غير مرغوب عند النساء، وقال في معاوية: «صعلوك لا مال له» يعني: فقير. وقال: «انكحي أسامة»، قالت: «فنكحت أسامة واغتبطت به» أي: صار غبطة ببركة مشورة الرسول صلى الله عليه وسلم. فإن قال قائل: كيف يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «معاوية صعلوك لا مال له» وهو لا يدري فلعله يكون ذا مال، وفعلا كان ذا مال ماذا صار؟ صار خليفة من أكبر الخلفاء الذين يتباهون بالدنيا؟ فنقول في الجواب عن هذا: إنه يؤخذ منه فائدة مهمة جداً وهي أن العبرة في الأمور
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 518)
بالمنظور منها لا بالمنتظر، أنت غير مكلف بأمر غيبي، أنت مكلف بشيء بين يديك، ومن هنا نعرف جواباً لسؤال يقع كثيراً: يخطب الرجل امرأة ملتزمة وهو غير ملتزم وتحب أن تتزوج به وتقول: لعل الله أن يهديه على يدي، وهذا عمل بمنتظر ما ندري، المنظور الذي أمامنا أنه غير ملتزم فإذا قالت: لعل الله أن يهديه على يدي، قلنا: ولعل الله أن يضلك على يديه كله متوقع، وكونك تضلين على يديه أقرب من كونه يهدي على يديك، لأن المعروف أن سلطة الرجل على المرأة أقوى من سلطتها عليه، وكم من إنسان يضايق الزوجة لما يريد حتى يضطرها إلى أن تقع فيما يريد دون ما تريد، وهذا شيء مشاهد مجرب، أهم شيء عندي أن نعرف أن الإنسان مكلف بما ينظر لا بما ينتظر، ويتفرع على هذه القاعدة المفيدة: لو أن ولياً لمال اليتيم رأى أن من المصلحة أن يشتري له عقاراً، لأن العقارات في ارتفاع، فاشترى له عقارا بخمسمائة ألف وبعد سنتين أو ثلاث نزل إلى مائة ألف، فهل نقول لهذا الرجل: أنت فرطت؟ نعم، لأن الإنسان ليس له إلا النظر في الحاضر، أما المستقبل فأمره إلى الله، ولو أن الإنسان نظر إلى الاحتمالات التي يمكن أن تكون في المستقبل ما فعل شيئا لكن الحمد لله: {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا}. ومن فوائد الحديث: أنه يجب للمستشار أن يذكر العيوب فيمن استشير فيه وهو إذا فعل ذلك يكون مأجوراً مثاباً على ذلك ثواب الواجب، لا يقول: أنا لا أريد أن أقطع رزقه، نقول: لا بأس اقطع رزقه ما دام في هذا نصيحة لأخيك المسلم فأنت مأجور. ومن فوائد الحديث: خبرة النبي صلى الله عليه وسلم بأصحابه؛ لأن هذه مسائل دقيقة، والرسول صلى الله عليه وسلم له مشاغل كثيرة إمام رسول قائد مبلغ، كل الأمة شئونها متعلقة به ومع ذلك لا يخفي عليه كثير من أحوالهم، يعرف النسب ويعرف الأحوال، وسبحان الذي ألهمه. ويتفرع على هذه الفائدة: أنه ينبغي للإنسان أن يكون خبيراً بأهل زمانه؛ لأنه قد يحتاج إلى هذه الخبرة، وإذا احتاج إليها ثم سأل عنها فربما لا ينصح له بإعطاء الحقيقة، وكم من إنسان سأل عن شخص فجعلوه فوق الثريا وهو تحت الثرى، لاسيما في عصرنا الحاضر يوجد ناس يبيعون ذممهم بكل رخيص تسأله عن فلان يقول: ما شاء الله قانت آناء الليل ساجداً وقائماً، حسن الأخلاق وهو يناضح الريح ويهوشها إذا هبت، يعني: ينبغي ولاسيما الذي يتولى أمور الناس أن يكون عالماً بأحوالهم. ومن فوائد الحديث: أنه يجوز للحرة أن تنكح المولى، الدليل: أن الرسول صلى الله عليه وسلم أشار عليها وهي حرة من قبائل العرب أن تتزوج أسامة بن زيد وهو من الموالي، وهذا مما يدل على أن الحديث الأول منكر كما قال أبو حاتم؛ لأنه خالف الأحاديث الصحيحة. ومن فوائد الحديث: أن الأخلاق والدين مقدمة على غيرها؛ لأن أسامة رضي الله عنه أقوى وأنفع بالنسبة لهذه المرأة من معاوية ومن أبي جهم.
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 519)
ومن فوائد الحديث: اعتبار المال في الترجيح لقوله: «أما معاوية فصعلوك لا مال له» ولكن يرد على هذا أن أسامة أيضا مولى والراجح من حال المولى أنه فقير، فيقال: إن هذا يجبره صلته بالنبي صلى الله عليه وسلم حتى أنه يلقب بحب رسول الله صلى الله عليه وسلم. ومن فوائد الحديث: مراعاة حسن الخلق في الخاطب لقوله: «أما أبو جهم فضراب للنساء». ومن فوائد الحديث: أنه لا حرج في الخطبة على خطبة الرجل إذا لم يعلم الخاطب، لأن هؤلاء الثلاثة خطبوها جميعا ولم يقل النبي صلى الله عليه وسلم لها: انكحي الخاطب الأول، لأن الخاطبين الاثنين قد اعتديا على حقه، بل جعل الأمر سواء. ومن فوائد الحديث: أن فاطمة قالت إنها نكحت أسامة فاغتبطت، فيؤخذ من هذا: مشورة أهل الدين والصلاح قد يكون فيها خير لمن استشار. ومن فوائد الحديث: أنه ينبغي للإنسان أن يفيد غيره فيما يرى أنه أعلم به منه، هذا إذا أشكل عليه الأمر، وأما إذا لم يشكل فالأمر ظاهر لا يحتاج إلى مشورة.
960 - وعن أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يا بني بياضة، أنكحوا أبا هند، وانكحوا إليه» وكان حجاماً. رواه أبو داود، والحاكم بسند جيد. «بني بياضة» قبيلة من العرب، و «أبو هند» مولى من الموالي، يعني: ليس بذي قبيلة فيما يظهر، وقوله: «أنكحوا» أي: زوجوه، «وانكحوا إليه» يعني: تزوجوا من بناته، فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يزوجوه وأن يتزوجوا منه، أي: من بناته، «وكان حجاماً»، والحجام كما عرفنا سابقاً هو الذي يمارس مهنة الحجامة وهي معروفة، ووصفناها لكم فيما سبق. ففي هذا الحديث دليل على جواز إنكاح الحجام والتزوج من بناته. وفيه دليل على ضعف الحديث الأول حديث ابن عمر في قوله: «إلا حائكاً أو حجاماً»؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بني بياضة أن يزوجوا هذا الرجل وكان حجاماً.
أنواع الخيار:
961 - وعن عائشة رضي الله عنها قالت: «خيرت بريرة على زوجها حين عتقت». متفق عليه في حديث طويل.
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 520)
- ولمسلم عنها رضي الله عنه: «أن زوجها كان عبدا». وفي رواية عنها: «كان حراً». والأول أثبت. وصح عن ابن عباس عند البخاري: أنه كان عبداً. بريرة هذه مولاة مملوكة، ثم إن أهلها كاتبوها؛ أي: باعوا نفسها عليها، يعني: اشترت نفسها من أهلها على تسع أواقٍ من الفضة، الأوقية كم درهماً؟ أربعون درهماً تسع في أربعين بثلاثمائة وستين درهماً هذه قيمتها، اشترت نفسها من مالكيها بثلاثمائة وستين درهماً، ثم جاءت إلى عائشة رضي الله عنها تستعينها تطلب منها المعونة، فقالت عائشة: «إن أحب أهلك أن أعد لهم هذه الدراهم وأنقدها لهم ويكون ولاؤك لي فعلت»، فذهبت بريرة إلى أهلها وقالت لهم ذلك ولكنهم أبوا، فجاءت بريرة تخبر عائشة وكان النبي صلى الله عليه وسلم حاضراً فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: «خذيها واشترطي لهم الولاء فإنما الولاء لمن أعتق» يعني: وإن اشترطوا أن الولاء لهم فالولاء لك؛ لأنك أنت المعتقة، فاشترتها عائشة واشترطت لهم الولاء، ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم خطب وأبطل هذا الشرط وقال: «ما بال أقوام يشترطون شروطاً ليست في كتاب الله، كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرط، قضاء الله أحق وشرطه أوثق، وإنما الولاء لمن أعتق»، لما عتقت خيرها النبي صلى الله عليه وسلم أن تبقى مع زوجها أو أن تفسخ النكاح وهذا هو وجه الشاهد من الحديث اختارت رضي الله عنها أن تفسخ النكاح، وكان زوجها يحبها محبة شديدة وهي تكرهه كراهة شديدة ففسخت النكاح، فجعل زوجها يتابعها في أسواق المدينة يبكي يريد أن تبقى معه ولكنها لم ترحمه لأنها لا تحبه، ومشكل أن يبقى الإنسان مع شخص لا يحبه هذا شيء ثقيل على النفس، كما قال المتنبي: [الطويل]
(ومن نكد الدنيا على الحر أن يرى … عدوا له ما من صداقته بد)
المهم: أنه توسط بالنبي صلى الله عليه وسلم، طلب من النبي صلى الله عليه وسلم أن يشفع له عند هذه الزوجة فشفع له عند الزوجة فقالت: يا رسول الله، إن كنت تأمرني فسمعاً وطاعة، وإن كنت تشير علي فليس لي حاجة فيه، فقال: «بل أشير»، قالت: لا حاجة لي فيه، ففسخت النكاح، بقيت بريرة عند عائشة في البيت وكانت كالخادمة عندهم، في يوم من الأيام دخل النبي صلى الله عليه وسلم يريد طعاماً فقدموا له طعاماً ليس فيه لحم، فقال: «ألم أر البرمة على النار؟ »، البرمة: إناء من الفخار من الطين، فقالوا: يا رسول الله، هذا لحم تصدق به على بريرة، والنبي صلى الله عليه وسلم كان لا يأكل الصدقة لا
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 521)
الزكاة ولا التطوع، فقال: «هو عليها صدقة ولنا هدية»، فجاءوا به فأكل منه، فهذه من بركات هذه المرأة أنه حصل للأمة هذه السنة العظيمة أن من قبض شيئاً ومَلَكه فله أن يُملكه من لا يحل له تملكه، هذه قاعدة مفيدة، هذا لأن التحريم إنما جاء من حيث الكسب، أما ما كان محرماً لعينه فهذا لا يحل لأحد، لو أن شخصاً ملك خمراً وأراد أن يهبها لأحد قلنا: هذا حرام، لو أن شخصاً سرق مال شخص وأراد أن يهبه لأحد، قلنا: هذا حرام، لأنه محرم لعينه إلا إذا رضي صاحب المال، أما المحرم للكسب فإن هذا يتبع السبب إن كان السبب مباحاً فهو حلال وإن كان غير مباح فهو حرام، الشاهد من هذا أنها خيرت. وقوله: «ولمسلم … » إلخ فهذه روايات مختلفة أولاً: أن زوجها كان عبداً، هذه رواية، رواية أخرى: «كان حراً» رواية مؤيدة للأولى أنه كان عبداً وهذا أرجح أنه كان عبداً، ومن ثم اختلف العلماء من أجل اختلاف هذه الروايات، هل إذا عتقت الأمة تحت حر يكون لها الخيار؟ على قولين لأهل العلم، أما إذا كانت تحت عبد فالخيار لها واضح، لأنها إذا عتقت وهو عبد صارت أعلى منه، لأنها صارت حرة وهو عبد، فلما صارت أعلى منه قلنا: لكِ الخيار الآن أن تبقي مع من هو دونك أو أن تفسخي النكاح لكن إذا عتقت تحت حر، وهل يمكن للأمة أن تتزوج حراً؟ نعم بالشرطين اللذين ذكرهما الله تعالى: {وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلًا أَن يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُم بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ فَانكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنكُمْ} [النساء: 25]. ثلاثة شروط:
الأول: أنه لا يستطيع مهر الحرة.
الثاني: أن تكون الأمة مؤمنة لا كتابية ولا غير كتابية.
الثالث: أن يخاف العَنَت، فإذا تزوج الحر جارية بهذه الشروط ثم عتقت عتقها سيدها فهل لها الخيار؟ نقول: في هذا قولان لأهل العلم منهم من قال: إنه لا خيار لها؛ لأن غاية ما حصل أنها ارتقت إلى مرتبة توازن الزوج فلا خيار لها، وهذا هو الأرجح، ومنهم من قال: لها الخيار، واستدل ببعض ألفاظ هذا الحديث أن زوج بريرة كان حراً، وعلل ذلك بأنه إنما ثبت لها الخيار، لأنها ملكت نفسها ومن حين زوجت وهي أمة زوجها سيدها، ولكن يقال في الرد على هذا التعليل: إذا كان زوجها سيدها باختيارها ورضاها فإنه لا ضرر عليها هي لم تكره،
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 522)
يقولون: إذا كان زوجها برضاها واختيارها فإن الغالب أنها تختار الفسخ. قلنا: هذا صحيح لكن غير الغالب وارد، قد تتزوجه راضية به ثم بعد ذلك تريد أن تفارقه لسوء خلقه أو لسبب من الأسباب، على كل حال القول الراجح أن الأمة إذا عتقت تحت زوجها فإن كان حراً فلا خيار لها وإن كان عبداً فلها الخيار. يستفاد من هذا الحديث: أن الأمة إذا عتقت كان لها الخيار أن تبقى مع زوجها أو أن تفسخ العقد، ماذا تقولون في رواية أنه كان حراً؟ شاذة، لماذا؟ لأنها مخالفة لما هو أرجح.
حكم من أسلم وتحته أختان:
962 - وعن الضحاك بن فيروز الديلمي، عن أبيه رضي الله عنه قال: «قلت: يا رسول الله، إني أسلمت وتحتي أختان، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: طلق أيتهما شئت». رواه أحمد، والأربعة إلا النسائي، وصححه ابن حبان، والدارقطني، والبيهقي، وأعله البخاري. هذا الحديث لو ثبتت العلة التي أشار إليها البخاري (رحمة الله) فإنه ينطبق على القواعد الشرعية، هذا رجل أسلم وتحته أختان ومن المعلوم أن الجمع بين الأختين حرام لا يجوز، إذن لابد من أن يحتار إحداهما، فهل نقول: إن عقد الأولى هو الصحيح والعقد على الثانية باطل وليس له إلا الأولى، أو نقول: إن الثاني هو الصحيح، أو نقرع بينهما؟ نقول: الخيار له، إن شاء أخذ الأولى وإن شاء أخذ الثانية، وإنما كان الخيار له ولم نقل: إن النكاح الأول هو الصحيح؛ لأن الثاني وارد عليه لأنه تزوج الثانية في حال كفره، يعني: قبل أن يلتزم بأحكام الإسلام فلذلك كان نكاحه إياها صحيحاً، أما الآن وقد أسلم فإن موجب المنع قائم، لأنه الآن قد جمع بين أختين فلابد أن يفرق فيقال: اختر أيتهما شئت، ولفظ الحديث يقول: «طلق أيتهما شئت»، وظاهر الحديث أنه إذا طلق واحدة منهما فهذا يعني أنه اختار الثانية التي لم تطلق، وهو كذلك، لكن الفقهاء رحمهم الله قالوا: إذا طلق واحدة فقد اختارها فيلزمه أن يفسخ الثانية يقولون: لأنه لا طلاق إلا بعد نكاح، فإذا طلق فقد اختارها تبقى الثانية يجب أن يفسخ النكاح، مثاله: رجل أسلم وتحته زينب وفاطمة فطلق زينب من التي اختارها الآن؟ على كلام الفقهاء زينب، ولكن الحديث أولى نقول: إذا طلق إحداهما فإن طلاقه علامة على عدم اختياره لها كيف يطلق من اختارها؟ ! ويكون هذا الطلاق بمعنى الفسخ، فالصواب ما دل عليه الحديث من أنه إذا طلق إحداهما فهذا اختيار للباقية.
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 523)
يستفاد من هذا الحديث: أن عقود أنكحة الكفار صحيحة، وأنه لا يبحث عنها إلا إذا كان موجب المنع قائماً حين الإسلام فيجب المنع، ولنضرب لهذا أمثلة: تزوج كافر أخته؛ لأن المجوس يرون جواز نكاح الأخوات والأمهات والبنات، فهذا مجوسي تزوج أخته ثم أسلم حين تزوجه بها يعتقد أن النكاح صحيح ونحن لا نتعرض له قبل الإسلام لأنه يرى أنه صحيح، ثم أسلم هل يجب أن نفرق بينهما؟ نعم، لماذا؟ لأن المانع قائم هي لا تزال أخته فيجب أن يفرق بينهما. مثال آخر: رجل تزوج أخت زوجته وهو كافر ثم ماتت الزوجة الأولى ثم أسلم؛ النكاح الأول عقده صحيح باعتبار اعتقاده، فنقول: الآن تبقى الزوجة. مثال الثالث: رجل تزوج مطلقته ثلاثاً قبل أن تنكح زوجاً غيره وهو كافر ثم أسلم هل المانع باقٍ؟ ساقٍ مثل أخته. مثال رابع: رجل تزوج امرأة في عدتها وهو كافر انقضت عدتها ثم أسلم؟ تبقى؛ لأن المانع قد زال، انتهت العدة فهي الآن تحل له؛ إذن الضابط انظر هل هي تحل له في حال إسلامه أو لا؟ إن كانت تحل له فلا تسأل عن العقد، تزوج امرأة وهي محرمة ثم أسلم بعد أن حلت إحرامها؟ لا يصح العقد بإجماعه؛ لأن المحرمة مسلمة ولا تحل لكافر، على كل حال ما هو الضابط الآن إن كانت الآن لو عقد عليها لصح النكاح فإنها تبقى، وإن كان لو عقد عليها لم يصح النكاح فإنها لا تبقى.
حكم من أسلم وتحته أكثر من أربعة:
963 - وعن سالم، عن أبيه: «أن غيلان بن سلمة أسلم وله عشر نسوة، فأسلمن معه، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يتخير منهن أربعاً». رواه أحمد، والترمذي، وصححه ابن حبان، والحاكم، وأعله البخاري، وأبو زرعة، وأبو حاتم. هذا يشبه الأول، وسالم هو ابن عبد الله بن عمر، «عن أبيه» يعني: عبد الله بن عمر رضي الله عنه أعله البخاري وهؤلاء الجماعة بأن الحديث غير محفوظ ولكنه في الحقيقة جار على القواعد الشرعية، هذا رجل كان كافراً وقد تزوج على عشر نسوة والشرع لا يجيز إلا أربعة فلما أسلم وأسلمن معه أمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يختار منهن أربعاً، يعني: ويفارق البواقي، من يختار من الأربع الأوليات أو الأخريات؟ يختار من شاء الأوليات أو الأخريات أو المتوسطات ما يريد المهم ألا تكون مبقياً على أكثر من أربع.
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 524)
ففي هذا الحديث فوائدها منها: أن عقد النكاح إذا كان فاسداً وقد تم في عهد الكفر فإنه لا يحكم بفساده، وجه ذلك: أنه لو حكم بفساده لقال النبي صلى الله عليه وسلم: فارق الست الأخيرات، لأن ما زاد على أربع يعتبر فاسداً. ومن فوائده: أنه إذا أسلم وقد زال المانع فإنه يبقي على نكاحه؛ لماذا؟ لأن هؤلاء النساء لا يحرمن بأعيانهن إنما يحرم أن يجمع أكثر من أربع، فإذا فارق ستاً مثلا زال المانع. ومن فوائد الحديث: أنه لا يجوز للإنسان أن يجمع أكثر من أربع نسوة، ويؤيده قوله تعالى: {فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ} [النساء: 3]. ولو كانت الزيادة على أربع جائزة لقال: فانكحوا ما شئتم أو ما طاب لكم من النساء ولم يقيد، فكونه سبحانه وتعالى قيد دليل على أنه لا يجوز للرجل أن يجمع أكثر من أربع. فإن قيل: أليس النبي صلى الله عليه وسلم جمع أكثر من أربع؟ فالجواب: بلى قد جمع النبي صلى الله عليه وسلم أكثر من أربع مات عن تسع، ولكن هذا من خصائصه، وقد خصه الله عز وجل في مسائل عديدة في النكاح لا تحل لغيره، والله عز وجل له أن يخص من شاء من عباده، ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم أبيح له أكثر من أربع نسوة لا من أجل الطرب والشهوة ولكن من أجل المصالح العظيمة التي تترتب على زيادة النساء عنده، ويدل على هذا أنه صلى الله عليه وسلم لم يتزوج بكراً قط إلا عائشة، كل اللائي تزوجهن ثيبات إلا عائشة، وهذا يدل على أن تزوج الرسول صلى الله عليه وسلم ليس الغرض منه مجرد قضاء الوطر ولو كان كذلك لكانت البكر أحسن والنبي صلى الله عليه وسلم يعلم هذا، وقد قال لجابر حين سأله: «هل تزوجت؟ » قال: نعم، قال: «أبكر أم ثيباً» قال: ثيباً، قال: «فهلا تزوجت بكراً تلاعبك وتلاعبها، وتضاحكك وتضاحكها» قال: يا رسول الله، إن لي أخوات يحتجن إلى رعاية فاخترت الثيب، فهذا يدل على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلم قال: «إن البكر أحسن من الثيب»، ومع ذلك لم يتزوج من النساء إلا ثيباً ما عدا عائشة، فزواجه صلى الله عليه وسلم من أجل المصالح التي تترتب على تعدد النساء وهذا يظهر لمن تأمله.
رد من أسلمت إلى زوجها إذا أسلم:
964 - وعن ابن عباس رضي الله عنه قال: «رد النبي صلى الله عليه وسلم ابنته زينب على أبي العاص بن الربيع بعد ست سنين بالنكاح الأول، ولم يحدث نكاحاً». رواه أحمد، والأربعة إلا النسائي، وصححه أحمد والحاكم.
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 525)
965 - وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: «أن النبي صلى الله عليه وسلم رد ابنته زينب على أبي العاص بنكاح جديد». قال الترمذي: حديث ابن عباس أجود إسناداً، والعمل على حديث عمرو بن شعيب. هذا الحديث موضوعه إذا أسلمت المرأة قبل الزوج أو أسلم الزوج قبل المرأة، فإذا أسلمت المرأة قبل الزوج فإنه ينتظر، فإن أسلم الزوج في العدة فهي زوجته، وإن انتهت العدة ولم يسلم تبين انفساخ العقد من حين إسلامها، دليل ذلك قوله تعالى: {فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ} [الممتحنة: 10]. وهي الآن قد أسلمت وزوجها كافر، فإذا انقضت عدتها فقد انقطعت العلاقة بينهما فتنفصل، أما إذا أسلم قبل أن تعتد فإنها زوجته يقر على نكاحها، وبناء على ذلك لو لم يكن هناك دخول ولا خلوة فأسلمت الزوجة فإنه ينفسخ العقد بمجرد إسلامها، لماذا؟ لأنه لا عدة، مثاله رجل عقد على امرأة -وهما كافران- ثم أسلمت قبل أن يدخل بها ويخلو بها، فهنا ينفسخ النكاح بمجرد الإسلام، لأنه ليس هناك عدة حتى ينتظر فيها إسلامه بل ينفسخ النكاح في الحال، إذن إذا أسلمت المرأة فإنها إن كان ذلك قبل الدخول والخلوة ينفسخ النكاح بمجرد الإسلام وإن كان بعد الدخول أو الخلوة فإنه ينتظر، فإن أسلم الزوج قبل انتهاء العدة فهي زوجته وإن لم يسلم حتى انقضت العدة انفسخ النكاح، أسلمت في أول يوم من شهر محرم وقد حصل الدخول أو الخلوة نقول: انتظري حتى تحيضي ثلاث مرات، فإن أسلم الزوج قبل أن تحيضي ثلاث مرات فأنت زوجته، وإن حضتي ثلاث مرات قبل أن يسلم الزوج تبين انفساخه من حين إسلامك، هذا هو رأي جمهور العلماء، لو كان بالعكس أسلم الزوج قبل أن تسلم المرأة قبل الدخول أو الخلوة؟ فيه تفصيل، إن كانت كتابية فإن العقد لا ينفسخ، لماذا؟ لأن الكتابية تحل للمسلم فالنكاح غير باطل، وإن كانت غير كتابية فإنه ينفسخ النكاح، هذا إذا كان قبل الدخول والخلوة، أما إذا كان بعد الدخول أو الخلوة فإننا ننتظر إن أسلمت الزوجة وهي غير كتابية فهي زوجته، وإن لم تسلم تبين انفساخ النكاح من حين أسلم زوجها -هذه القاعدة-، وهذا الحكم هو ما اختاره جمهور العلماء، وذهب بعض العلماء إلى أن المرأة إذا انتهت عدتها قبل إسلام زوجها ملكت نفسها فإن أسلم زوجها بعد العدة فهي بالخيار، والفرق بين القولين: أنه إذا انتهت العدة قبل إسلام الزوج ليس لها خيار يتبين انفساخ النكاح ولا يمكن أن ترد إليه إلا بعقد، وأما على القول الثاني فإنها تخير إذا انتهت العدة إن شاءت ردت إليه بغير عقد وإن شاءت استمرت على الفراق وتزوجت زوجاً آخر وإن
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 526)
شاءت تزوجته بعقد على هذا القول تخير بين أمور ثلاثة، إما أن ترجع إلى زوجها بدون عقد، أو ترجع إليه بعقد، أو لا ترجع إليه لا بعقد ولا بغيره هذا بعد انتهاء العدة، ولننظر إلى الحديثين اللذين ذكرهما المؤلف لنطبقهما على القولين: قال: «بعد ست سنين» يعني انقضت عدتها، ولم يحدث نكاح، يعني: لم يجدد العقد، وهذا الحديث يشهد للقول الثاني أنها إذا انتهت العدة قبل إسلام الزوج فلها الخيار إن شاءت، فهي قد ملكت وإن شاءت رجعت إلى زوجها بعقد، وإن شاءت رجعت إلى زوجها بغير عقد، ولهذا رد النبي صلى الله عليه وسلم ابنته إلى العاص بغير عقد، وهذا الذي اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم على أن انتهاء العدة فاصل بين كونها لها الخيار أو ليس لها الخيار؛ لأنه لو أسلم قبل انقضاء العدة فليس لها الخيار فهي زوجته، ممكن أن نعرف أن القولين اتفقا فيما إذا أسلم قبل انقضاء العدة كيف اتفقاهما؟ أنها زوجته وليس لها الفسخ، وإن أسلم بعد انتهاء العدة فعلى القول الأول لا تحل له إلا بعقد وعلى القول الثاني تخير هذا حاصل الخلاف في هذه المسألة، أبو العاص بن الربيع أسلم بعد ست سنين ورد النبي صلى الله عليه وسلم ابنته زينب، وهذه المرأة توفيت في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وكان لها بنت صغيرة تحمل باليد، فجاءت والنبي صلى الله عليه وسلم يصلي بالناس فحملها وهو يصلي بالناس إذا قام حملها وإذا سجد وضعها، قال بعض أهل العلم: وإنما كان ذلك الفعل حين موت أمها كان البنت تصيح فأراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يسكتها؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كما نعلم أحسن الناس خلقاً حتى إن ابنه الحسن والحسين يأتي إليه وهو ساجد يصلي بالناس فيركب على ظهره فيطيل النبي صلى الله عليه وسلم السجود ويعتذر للجماعة بأن ابنه ارتحله، يعني: جعله راحلة له كما يفعل الصبيان الآن، على كل حال: هذا الرجل أثنى عليه النبي صلى الله عليه وسلم مرة ثناء عظيماً على المنبر لمناسبة وهي أن الرسول حدث أن علي بن أبي طالب يريد أن يتزوج بنت أبي جهل على فاطمة فخطب الناس وقال: «إن فاطمة بضعة مني يريبها ما رابني» ولقد حدثت أو كما قال «إن ابن أبي طالب يريد أن يتزوج بنت أبي جهل والله لا تجتمع بنت رسول الله وبنت عدو الله عند رجل واحد» ثم عدل رضي الله عنه عن الزواج إن صح أنه هم بذلك، ثم أثنى على أبي العاص بن أبي الربيع، لأنه حدثه فصدقه ووعده فوفى له، وهذا منقبة لأبي العاص، الحاصل: أن الرسول صلى الله عليه وسلم رد إليه ابنته بالعقد الأول ولم يحدث نكاحاً. أما الحديث الثاني حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده اختلف المحدثون فيه هل هو من قبيل المرسل، يعني: المنقطع أو من قبيل المتصل، والصحيح أنه من قبيل المتصل، وأن
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 527)
العلماء من المحدثين والفقهاء يستدلون بحديثه كما نقل ذلك البخاري (رحمة الله) والعلة التي أعل بها نفاها أهل العلم من أهل التحقيق، وما أكثر ما يستدل الفقهاء بحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، حتى إن بعض المحدثين قالوا: إن حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده كحديث مالك عن نافع عن ابن عمر، يعني: أنه من أصح الأسانيد، لكن الصحيح أنه لا يبلغ إلى هذا الحد وليس بالضعيف كما ذكره بعضهم، يقول الترمذي: حديث ابن عباس السابق أجود إسناداً، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم ردها ولم يحدث نكاحاً، ولكن يقول: العمل على حديث عمرو بن شعيب، يعني: العمل عند العلماء، لأن هذا قول الجمهور أنها لا ترد على زوجها إذا أسلم بعد انقضاء العدة إلا بعقد جديد. خلاصة ما في هذا البحث: أولاً: إذا أسلمت المرأة قبل الزوج فإن كان قبل الدخول انفسخ النكاح وإن كان بعده انتظرنا حتى تنتهي العدة، فإن أسلم قبل انتهاء العدة فهي زوجته تبقى معه، وإن أسلم بعدها لم تحل له إلا بعقد جديد على رأي جمهور العلماء، وعلى الرأي الثاني تخير بين أن تبقى على نكاحها الأول أو تنكحه بعقد جديد هذا إذا أسلمت المرأة، أما إذا أسلم الزوج فإننا ننظر إذا كانت الزوجة كتابية فهما على نكاحهما؛ لأن الزوج المسلم يجوز له ابتداء أن يتزوج كتابية، وإن كانت غير كتابية فإن كان قبل الدخول انفسخ النكاح وإن كان بعده ننتظر حتى تنتهي العدة، فإن انتهت انفسخ النكاح، وإن أسلمت الزوجة قبل انتهاء العدة فهي زوجته. يستفاد من هذين الحديثين: أن المرأة إذا أسلمت قبل زوجها فإن لها أن ترجع إليه ولو بعد العدة على حديث ابن عباس بلا عقد وعلى حديث عمرو بن شعيب لا ترجع إلا بعقد. فإن قال قائل: لماذا لا نسلك طريق الترجيح ونقول: إن حديث عمرو بن شعيب دل على إحداث عقد فهو مثبت والأول نافٍ؟ والقاعدة إذا تعارض مثبت ونافٍ تقدم المثبت على النافي؛ لأن معه زيادة علم. نقول في الجواب على هذا التعارض: لابد فيه من التكافؤ، وإذا كان حديث ابن عباس أجود إسناداً فلا تعارض؛ لأن الأجود إسناداً مقدم، ولهذا ذكرت لكم أنه اختاره شيخ الإسلام وابن القيم.
من أسلم وهو أحق بزوجته:
966 - وعن ابن عباس رضي الله عنه قال: «أسلمت امرأة فتزوجت، فجاء زوجها، فقال: يا رسول الله، إني كنت أسلمت، وعلمت بإسلامي، فانتزعها رسول الله صلى الله عليه وسلم من زوجها الآخر، وردها إلى زوجها الأول». رواه أحمد، وأبو داود، وابن ماجه. وصححه ابن حبان، والحاكم. هذا له علاقة بالحديثين السابقين، وهو أن هذه المرأة أسلمت فأسلم زوجها وعلمت
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 528)
بإسلامه، لكنها تزوجت رجلاً آخر، فردها النبي صلى الله عليه وسلم إلى زوجها الأول، لماذا؟ لأنها باقية على نكاحها الأول وقد علمت بإسلامه فأقدمت على أن تتزوج شخصاً وهي في حبال شخص آخر، ولهذا انتزعها النبي صلى الله عليه وسلم من زوجها الثاني وردها إلى الزوج الأول. يستفاد من هذا الحديث: أن المرأة إذا تزوجت شخصاً وهي في حبال زوج آخر فإن النكاح لا يصح، وجه ذلك: أن النبي صلى الله عليه وسلم انتزعها من الثاني وردها إلى الأول. ومن فوائد الحديث: إنه إذا تزوج رجل امرأة بشبهة، أي: شبهة عقد يظنه صحيحاً وهو فاسد فإنه ليس عليه حد ولا عقوبة، وجه ذلك: أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يحد الزوج الثاني ولم يحد الزوجة أيضا، فكل عقد حصل فيه شبهة فإنه كالعقد الصحيح، ولو فرضنا أنها حلمت من الزوج الثاني فهل يكون أولادها أولا ذا للأول أو الثاني؟ يكونوا للثاني؛ لأن الوطء هذا حصل بشبهة. وفي هذا الحديث إشكال من بعض الوجوه وهي أن النبي صلى الله عليه وسلم قبل الزوج الأول إنه أسلم وعلمت بإسلامه فكيف حكم النبي صلى الله عليه وسلم بمجرد قوله؟ والجواب عن هذا أن نقول: إنها لم تنكر لما ادعى زوجها ذلك فحكم النبي صلى الله عليه وسلم بمقتضي دعوى زوجها الأول؛ لأنها لم تنكره.
فسخ النكاح بالعيب:
مر علينا أنواع الخيار إلا خيار العيب وهو ما سيأتي في هذا الحديث:
967 - وعن زيد بن كعب بن عجرة، عن أبيه قال: «تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم العالية من بني غفار، فلما دخلت عليه ووضعت ثيابها، رأى بكشحها بياضاً، فقال النبي صلى الله عليه وسلم ألبسي ثيابك والحقي بأهلك، وأمر لها بالصداق». رواه الحاكم، وفي إسناده جميل بن زيد وهو مجهول، واختلف عليه في شيخه اختلافا كثيراً. «العالية» علم على امرأة اسمها العالية، وبنو غفار قبيلة عربية معروفة، وضعت ثيابها، لأنها ليس عندها إلا زوجها، و «الكشح» ما بين الخاصرة والضلع. وقوله: «بياضاً» يعني: بهقاً أو برصاً، البهق والبرص كلاهما داءان جلديان، لكن البرص أشد بياضاً من البهق، وكلاهما مما تنفر الطباع منه، وإذا طبقنا هذا الحديث على ما عرفناه من مصطلح الحديث تبين أنه ضعيف، ما سببه؟ جهالة الراوي، ثانياً: الاضطراب، الاختلاف الكبير في شيخه، لكن لننظر هل هذا الحديث لما ضعف سنداً هل هو ضعيف متناً أو تشهد الأدلة لصحته؟ يقول: «تزوج العالية فلما دخلت عليه وضعت ثيابها»، وضع الثياب أمام الزوج ليس به بأس، وذلك لأن الزوج والزوجة يجوز لكل واحد منهما أن ينظر إلى الآخر في جميع بدنه، إذن هذا
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 529)
لا يخالف الأصول، حتى إن الرسول صلى الله عليه وسلم يغتسل هو وعائشة من إناء واحد تختلف فيه أيديهما، وهذا يدل على جواز تعري المرأة والرجل أمام الآخر. وقوله: «رأى بكشحها بياضاً … » إلخ. هذا أيضا لا ينافي الأصول، لأن أمره بلباس ثيابها يدل على لازم ذلك وهو أنه لا يريدها، وقوله: «الحقي بأهلك» هذا كناية عن الطلاق كما مر علينا أن الرجل إذا قال لزوجته: الحقي بأهلك ونوى به الطلاق صار طلاقاً، إذن هذا لا يخالف الأصول، «وأمر لها بالصداق» أيضا لا يخالف الأصول؛ لأن الرجل إذا خلا بامرأته بعد العقد وجب لها الصداق كاملا. من فوائد الحديث: أن المرأة هي التي تدخل على الزوج، ولهذا يقال: تزف إليه امرأته، وعادة الناس اليوم أن الزوج هو الذي يدخل على امرأته، ولكن هذا لا يخالف السنة؛ لأن الظاهر أن هذه من أمور العادات وليست من أمور التعبد، فإذا كانت من الأمور العادية رجع فيها إلى العرف ما لم يخالف الشرع. ومن فوائده: جواز تعري الزوجة أما زوجها وكذلك الزوج أما زوجته وهذا جائز بنص القرآن، قال الله تعالى: {وَاَلَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلَّا عَلَى أَزْوَاجهمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانهمْ فَإِنَّهُمْ غَيْر مَلُومِينَ} [المؤمنون: 6، 5]. فإن هذا يشمل حفظ الفرج من الفاحشة ومن النظر أيضاً. ومن فوائد الحديث: أنه لا حرج على الإنسان إذا رأى بامرأته عيباً خلقيا أن يفارقها لا يقال: إن هذا العيب الخلقي من الله ولا يمكنها أن تتخلى عنه؛ لأننا نقول الإنسان إذا لم يشته الطعام فإنه لا يجبر على أكله، كذلك إذا كان لا ترتاح نفسه إلى هذه الزوجة فلا حرج عليه. فإن قال قائل: في هذا كسر لقلبها؛ لأنها تكون حينئذ مصابة من وجهين: الوجه الأول: ما فيها من العيب، والوجه الثاني: فراق الزوج. قلنا: هذا من المصائب، والمصائب التي تصيب الإنسان هي بنفسها مكفرات للذنوب، ثم إن صبر الإنسان واحتسب الأجر على الله صار فيها ثواب الصبر، فهي على كل حال المصائب إذا صبر الإنسان عليها فإنها تكفر الذنوب ثم إن احتسب الأجر على الله صارت ثواباً، فنقول لهذه المرأة التي أصيبت بما أوجب أن يفارقها الزوج: أنت أصبت بأمر الله وقدره، فلك الأجر اصبري واحتسبي. ومن فوائد الحديث: الاستدلال باللازم على الملزوم لقوله: «ألبسي ثيابك» فهذا من ملزوم كونه مفارقاً لها. ومن فوائد الحديث: أن قوله: «ألحقي بأهلك» من ألفاظ الفراق، ولكن هل نقول: إن هذا طلاق أو كناية عن ألفاظ الطلاق؟ يحتمل إن نظرنا إلى السبب وهو العيب قلنا: إنه كناية عن
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 530)
الفسخ، وإن نظرنا إلى أمر النبي صلى الله عليه وسلم لها بالصداق قلنا: إن هذا من الطلاق، لأن اختياره الطلاق يدل على أنه أرادها ولكنه لا يطيق العيش معها فطلقها، ولكن ربما يقول قائل: إننا نحملها على أنها للفسخ ويكون أمر النبي صلى الله عليه وسلم لها بالصداق من باب الكرم وإن كان لا يجب عليه؛ لأنها ضرته ولكن هذا من باب الكرم وما أكثر كرم النبي صلى الله عليه وسلم فهاهو مع جابر بن عبد الله اشترى منه الجمل وأعطاه الجمل والدراهم، إذن الأمر بالصداق إن كان بناء على أن قوله: «ألحقي بأهلك» طلاق فالأمر فيه ظاهر؛ لأنه طلاق بعد الخلوة، والطلاق بعد الخلوة موجب للصداق كاملاً، وإن كان المراد بقوله: «ألحقي بأهلك» الفسخ ففيه إشكال؛ لأن الزوج إذا فسخ عقد نكاح المرأة من أجل العيب رجع في الصداق، يعني: أخذ الصداق الذي هو بدل، فنقول في الجواب على الإشكال: إن هذا من باب كرم النبي صلى الله عليه وسلم. على تقدير صحة الحديث يؤخذ منه: أن البرص أو البهق ينفسخ به النكاح وهو كذلك، فإذا وجد الزوج بامرأته برصاً فله الفسخ، وإن وجدت فيه هي برصاً فلها الفسخ، ولا فرق بين أن يكون هذا البرص في داخل الثياب أو في خارج الثياب بدليل أن الرسول رأى هذا البياض في كشحها في داخل الثياب، لا يقول قائل: إن الذي داخل الثياب مستور وإنه لا يظهر، نقول: لكن شعور الزوج أو الزوجة بهذا العيب يوجب تقزز النفس وكراهيتها، والحديث أصل في ثبوت الخيار في العيب، وإذا ثبت الخيار بالعيب فإن الزوج قد بذل مهراً، فإذا فسخ من أجل العيب هل يضيع مهره؟ لا، نقول: المهر إن كان بعد الدخول أعطى المهر ثم رجع به الزوج على من غره، من الذي غره؟ الولي المباشر إلا إذا كان الولي غير عالم بالعيب فيرجع به على المرأة هذا إذا كان الصداق قد تقرر بالدخول، أما إذا علم بالعيب قبل أن يدخل بها يفسخ وليس لها شيء؛ لأنها غرته وخدعته. الخلاصة: إن كان الفسخ للعيب قبل الخلوة والدخول فلا مهر، وإن كان بعد الدخول أو الخلوة فلها المهر، ويرجع به الزوج على من غره وهو الولي، لأنه المباشر، فإن لم يعلم الولي رجع به على المرأة فإن لم تعلم المرأة مثل إن كان برص في ظهرها ولم يخبرها أحد به فلا شيء له؛ لأنه لم يخدع ولم يعز. هذه القاعدة في مسألة الفسخ بالعيب.
*ولكن ما هو العيب الذي يفسخ به هل هو محدود أو معدود؟ أولا: اختلف العلماء في الفسخ بالعيب؛ فمن العلماء من قال: لا فسخ، ويقال للزوج: إن رضيت بها معيبة وإلا طلقتها، المشكل إذا كان العيب في الزوج، فقالت المرأة: أنا لا أريده، يقولون: تصبر وتحتسب هذا من البلوى، وهذا مذهب الظاهرية أنه لا فسخ بعيب؛ لماذا؟ قالوا: لأن الآثار الواردة في الفسخ بالعيب ضعيفة لا ينبني عليها الحكم الشرعي، وقياس النكاح على
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 531)
البيع غير صحيح، لماذا؟ لأن الظاهرية لا يرون القياس فهو عندهم باطل، وبتاء على هاتين المقدمتين ينتفي الفسخ بالعيب؛ لأن الآثار إذا كانت ضعيفة والقياس باطل ما عندنا دليل، لكن جمهور العلماء خالفوهم في هذا وقالوا: بل العيب مسوغ للفسخ سواء كان في الزوج أو في الزوجة، وقالوا: إن هذه الآثار إذا لم يصح كل واحد منها على انفراد فإنها بالمجموع تصح، ثانيا: القياس على العيب إذا كان الإنسان لو اشترى حماراً فوجد فيه عيباً فله رده والحمار يركب فكيف بالمرأة تبقى معه يجد فيها عيباً تزوج امرأة فإذا أذناها مقطعة وأصابعها مقطعة وصماء وعمياء بكماء كيف هذا؟ نقول: هذا ليس له خيار، ولو وجد الإنسان عيب في حماره قلنا: لك الخيار! ! ثم نقول: العيب منافٍ لمقتضى الزوجية؛ لأن الله قال: {وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً} [الزومر: 21]. وكيف تكون المودة مع عيب ينفر منه الإنسان ويود ألا يراه في حياته، أين المودة وأين السكن؟ فلهذا كان إيماء النص والآثار والقياس الصحيح كلها تدل على ثبوت فسخ النكاح بالعيب، يبقى النظر هل العيوب معدودة أو محدودة؟ قال بعض العلماء: إنها معدودة أربعة خمسة عشرة، وقال آخرون: بل هي محدودة، وهذا القول هو الصحيح، فلنتتبع الآثار التي ذكرها المؤلف.
968 - وعن سعيد بن المسيب، أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: «أيما رجلٍ تزوج امرأة فدخل بها، فوجدها برصاء، أو مجنونة، أو مجذومة، فلها الصداق بمسيسه إياها، وهو له على من غره منها». أخرجه سعيد بن منصور، ومالك، وابن أبي شيبة، ورجاله ثقات. «البرص» معروف، و «المجنونة» فاقدة العقل، و «المجذومة» أي: المصابة بالجذام، وقيل: هو الطاعون أو غيره، لكنه مرض معدٍ وقاتل، ولهذا قال العلماء: يلزم الإمام أن يعزل الجدماء في مكان خاص لئلا يعدو وأظن أنه يوجد الآن نوع من المستشفيات تسمى بالعزل -الحجر الصحي-؛ إذن نقول: كم عيباً؟ ثلاث. «فلها الصداق بمسيسه» أي: بجماعة إياها، لأن الدخول بالمرأة، يعني: الجماع، والخلوة غير الدخول، «وهو» الضمير يعود على المهر، «له»: أي: للزوج «على من غره منها»، إذن نقول للزوج الذي تزوج امرأة ودخل بها ووجد بها أحد هذه العيوب الثلاثة: أعطها الصداق وارجع به على من غرك وهو الولي لأنه المباشر، فإن كان الولي فقيراً فلا رجوع له على المرأة، بل
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 532)
على هذا الولي متى أغناه الله أخذه منه، وفي قوله: «وهو له على من غره» إيماء إلى أن الولي إذا لم يكن غاراً، بل هو جاهل بالعيب فإنه يرجع على المرأة؛ لأنها حينئذ هي التي غرت.
969 - وروى سعيد رضي الله عنه أيضاً: عن علي نحوه، وزاد: «وبها قرن، فزوجها بالخيار، فإن مسها فلها المهر بما استحل من فرجها». «القرن» هو عبارة عن ورم يكون في فرج المرأة فيمنع الوطء، ومعلوم أن ما يمنع الوطء ينافي مقصود النكاح؛ لأن الوطء من أعظم مقاصد النكاح، وهذا الأثر إذا أضيف إلى الذي قبله كم عيباً الآن ذكره المؤلف؟ أربعة وهي: البرصاء، المجنونة، المجذومة، وكذا القرناء، أي: التي بها قرن. هناك عيوب أخرى لم يذكرها المؤلف ألحقها بعض العلماء وجعلوها محصورة في شيء معين، ولكن الصحيح أنها غير محصورة، وأن العيب كل ما ينفر أحد الزوجين عن صاحبه خلقة، وقولنا: «خلقة» احترازاً من الخلق فلو وجدها سريعة الغضب، أو وجدته سريع الغضب، فهذا ليس بعيب، لكن إذا كان خلقة، العمى عيب، الصمم عيب على القول الصحيح، الخرس عيب، العرجاء عيب، ولكن العرج البين، مقطوعة الأصابع والأذن عيب، القدم عيب، ننزل هذا على القاعدة إذا وجد هذا العيب قبل الدخول ففسخ فليس لها شيء إذا وجده بعد الدخول أو الخلوة فلها المهر، ويرجع به على من غره، إذا كانت هي التي وجدت في الزوج هذا إن كان بعد الدخول تفسخ ولها المهر، لكن إذا كان قبل الدخول ففسخت فقال بعض العلماء: ليس لها مهر لا نصف ولا كل، لأن الفرقة جاءت من قبلها، وقال آخرون: بل لها نصف المهر؛ لأن الفراق قبل الدخول إذا كان من قبل الزوج فللزوجة نصف المهر كما قال تعالى: {وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ} [البقرة: 237]. أيهما أرجح؟ هل نقول: إن هذا الفسخ من قبلها لها مهر أو من قبله فلها المهر، قال بعض العلماء: إنه من قبلها؛ لأنها لو شاءت لصبرت عليه، وقال آخرون: بل من قبله؛ لأنه غرها، وهذا القول هو الصحيح، فهي فسخت بسبب، ولا تطيق البقاء مع هذا الرجل المعيب.
حكم العنين:
970 - ومن طريق سعيد بن المسيب رضي الله عنه أيضا قال: «قضى به عمر رضي الله عنه في العنين، أن يؤجل سنة». ورجاله ثقات.
«العنين» هو الذي لا يقوى على الجماع، لأنه لا ينتشر معه مثل هدبة الثوب، العنين يؤجل سنة هلالية كاملة من أجل أن تمر به الفصول الأربعة، لأن الرجل قد يضعف عن الجماع في
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 533)
فصل دون فصل، فإذا مرت به الفصول الأربعة ولم يقو على الجماع دل ذلك على أن فيه آفة وعيباً فلهذا أجله عمر سنة هلالية وليست شمسية، لأن المعتبر في الشرع الأهلة، قال الله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنْ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالحَجِ} [البقرة: 189]. وقال بعض الفقهاء: يؤجل سنة شمسية؛ لأنه لا تكمل الفصول إلا باعتبار السنة الشمسية، الفصول الأربعة تدور على الشمس وليس على القمر، فإذا كان العلة أن تمر به الفصول فقال: لابد أن تكون السنة الشمسية فإذا كانت هلالية نقص الفصل الرابع عشرة أيام، على كل حال: الخلف سهل، ولكن العنة تحدث أو متى ثبت وطؤه مرة واحدة فلا عنة؟ قال بعض العلماء: متى ثبت أنه وطأ هذه المرأة مرة واحدة فلا عنة، لكن القول هذا ضعيف، والصواب أن العنة ربما تحدث ولكن إذا حدثت فإما أن نعلم عدم رجوع القدرة على الوطء، وإما أن نؤمل الرجوع، مثال ذلك: رجل أصيب بحادث وكان قادراً على الجماع قبل الحادث، ولما أصيب بالحادث صار لا يستطيع الجماع، هنا حدثت العنة، فنقول: على القول الراجح لها أن تفسخ، فإن قال الأطباء: إن العجز عن الوطء الآن يمكن أن يزول ويقدر فيما بعد سنة مثلاً، فإن هذه العنة لا توجب الفسخ لأنه ينتظر زوالها. مسألة: هل العقم عيب أو ليس بعيب؟ هذا أيضا مما اختلف فيه العلماء؛ فقال بعض العلماء: إن العقم عيب، يعني: إذا كان الزوج لا يولد له أو كانت الزوجة لا تلد، فإن هذا عيب يوجب الفسخ، وقال بعضهم: العقم ليس بعيب، ولكن إن اشترط الولادة صار العقم فوات صفة مشروطة، والأخير هو المذهب والأول هو الصحيح، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، واستدل لهذا القول بأن من أعظم مقاصد النكاح الولادة؛ ولهذا تجد الزوج أو الزوجة يذهبان كل مذهب من أجل الدواء لحصول الولد؛ ولأن العلماء رحمهم الله قالوا: إنه يحرم العزل عن المرأة بدون إذنها؛ لماذا؟ لأن لها حقاً في الولادة، والعزل في الغالب يمنع الولادة، فالصواب أن العقم عيب، ولكن لو أراد الإنسان أن يخرج من الخلاف فماذا يصنع؟ يشترط يقول: إن بان أنها عقيمة، أو تقول هي: إن بان أنه عقيم فلي الفسخ، فحينئذ يثبت الفسخ قولاً واحداً، ووجه ذلك: ثبوت الاشتراط أولاً.
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 534)