Arabic source text

📘 ফাতহু জিল জালালি ওয়াল ইকরাম বিশারহি বুলুগিল মারাম ত্বা আল-মাকতাবাতুল ইসলামিয়্যাহ (ইবনে উসাইমীন - মৃত্যু 1421 হিজরী)

📘 فتح ذي الجلال والإكرام بشرح بلوغ المرام ط المكتبة الإسلامية (ابن عثيمين - ت 1421 هـ)

📘 ফাতহু জিল জালালি ওয়াল ইকরাম বিশারহি বুলুগিল মারাম ত্বা আল-মাকতাবাতুল ইসলামিয়্যাহ (ইবনে উসাইমীন - মৃত্যু 1421 হিজরী)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
الشروط في البيع يُستحل بها الانتفاع بالمبيع، والشروط في النكاح يُستحل بها الأبضاع، واستحلال الأبضاع أخطر من استحلال التصرف في المبيع والملك أخطر بكثير، فإذا كان أخطر كان الوفاء بالشروط المشروطة فيه أولى وأحق ولهذا يقول: «إن أحق الشروط … إلخ».
«الفروج»، جمع فرج، والمراد به: الفروج التي أحل الله، وهي فروج النساء.
بالنسبة للشروط في النكاح في قوله: «إن أحق الشروط أن يُوفى به ما استحللتم به الفروج»، تنقسم إلى ثلاثة أقسام: شرط بمقتضى العقد، وشرط لمصلحة العاقدين ولا يُنافي العقد وشرط ينافي العقد.
فالشرط الذي يكون بمقتضى العقد: هُوَ الذي يثبت سواء شرط أو لم يشرط مثل الإنفاق على الزوجة لو اشترطت المرأة في العقد أن يُنفق عليها الزوج، فهذا الشرط ثابت بمقتضى العقد، وشرطه ليس إلا توكيدا فقط، لو اشترطت الزوجة أن يقسم لها مثل ضرتها فهذا شرط ثابت بمقتضى العقد ولو اشترطته فهو توكيد، لو اشترط الزوج على الزوجة أن تُطيعه فيما يلزمها طاعته فيه هذا بمقتضى العقد لا حاجة لشرطه لكن شرطه يكون توكيدًا.
الثاني: ما كان مُخالفا لمقتضى العقد، أي: محرمًا، مثل أن يشترط الزوج على الزوجة ألا تمنعه من الجماع وقت الحيض فهذا الشرط لا يصح وحرام ولا يجوز الوفاء به، ومثل: أن تشترط الزوجة على الزوج أن يقسم لها أكثر من ضرتها أيضا هذا شرط باطل محرّم ولا يجوز الوفاء به أما ما عدا ذلك فهو يثبت بالشرط، والأصل فيه الحل إلا ما دل الشرع على المنع، مثل أن تشترط مهرا معينا تقول مهري ألف درهم أو هو يشترط ألا يزيد المهر على ألف درهم فهذا جائز، ومثل أن تشترط البقاء في بلدها أو البقاء في بيتها فهذا أيضا جائز، ومثل أن تشترط عليه خادمًا يخدمها، يعني: امرأة تخدمها فهذا جائز، والأصل في هذا القسم الحل إلا ما قام الدليل على منعه، إذا اشترط عليها هو ألا يقسم لها وأن يأتيها متى أراد فهذا جائز على القول الصحيح، يجوز أن يشترط ألا يلزمه قسّم لها؛ لأن هذا حق لها أسقطته، ولهذا أسقطت سودة بنت زمعة حقها من القسم لعائشة"، لو شرطت عليه أن يحج بها يصح، لو شرطت عليه ألا تُرضع ولده الظاهر أنه غير صحيح إلا إذا قيل: يصح ما لم يضطر الصبي إليها، فإن اضطر الصبي إليها فلا يصح، على كل حال: اعلموا أن الأصل في هذا هو الجل والجواز إلا ما دل الدليل على منعه
فالأقسام إذن ثلاثة: ما كان ثابتًا بمقتضى العقد وهذا يكون شرطه توكيدًا، وما كان مُحَرَمًا

(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 495)

فهذا باطل ولا يجوز الوفاء به، وما ليس كذلك لا هذا ولا هذا، فالأصل فيه الإباحة حتى يقوم دليل على المنع.
لو شرطت أن لها الخيار إذا لم يناسبها الوضع أن تفسخ النكاح؟ قال شيخ الإسلام هذا شرط صحيح، لاسيما إذا قالت: إذا لم يُناسبني الوضع مع أهلك فلي الفسخ أو طلب الإنزال في بيتي آخر، لأنه يقع كثيرا أن يكون البقاء مع الأهل غير مناسبٍ، فهي تحتاط لنفسها، فتقول: على أني أشترط عليك إن لم يناسبني الوضع مع أهلك فلي الخيار أو أن تسكنني في مسكن آخر، فهذا الشرط صحيح، لأنه لمصلحة المرأة وليس مخالفا لمقتضى العقد، وإذا شرطت أن تكمل دراستها تقول: هذه ينبغي أن تقيد، يقال: نعم نمكنها من الدراسة بشرط إذا قدّرنا أن الباقي عليها ثلاث سنوات نجعل لها أربع سنوات ولا تزيد، أما أن نجعل لها الباب مفتوحًا فهذا مُشكلة لأن بعض النساء لا يهمها أن تنجح أو لا تنجح فترسب نفسها في مادة: {وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ} [يوسف: 16] تقول: رسبت، على كل حال: أنا أقول: ينبغي أن تُقيّد لكي لا يتلاعب بحق الزوج.
من فوائد الحديث: جواز الشروط في العقود، لأن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر الشروط على سبيل الإطلاق، لكن هذا مقيد بما ثبت في الصحيحين من حديث عائشة من قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «كل شرط ليس في كتاب فهو باطل وإن كان مائة شرط» ومن قوله صلى الله عليه وسلم: «المسلمون على شروطهم إلا شرطا أحل حرامًا أو حرّم حلالاً».
ومن فوائد الحديث: سعة الشريعة الإسلامية، حيث لم تضيق على المكلفين بالشروط،
بل جعلت الباب مفتوحًا؛ لأن الإنسان قد يكون له أغراض يحتاج إلى شرطها والالتزام بها.
ومن فوائد الحديث: إثبات الشروط في النكاح وأنها أحق بالوفاء من غيرها.
ومن فوائد الحديث: الرد على من ضيق الشروط في النكاح حتى كادوا لا يصححون إلا ما كان ثابتا بمقتضى العقد، فإننا إذا لم تُصحح إلا ما كان ثابتًا بمقتضى العقد صار هذا الحديث لا فائدة منه، لأن ما كان ثابتًا في مقتضى العقد فهو ثابت شرط أم لم يُشترط.
ومن فوائد الحديث: أن ما كان معلقا بشرط لم يثبت إلا بتحقق هذا الشرط لقوله: «وما استحللتم به الفروج»، فإذا كان عقد النكاح مشتملاً على شرط فإن هذا العقد يعتبر مانعًا من تحليل الفرج إلا بالوفاء به والتزامه.
ومن فوائده: الإشارة إلى أن قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} [المائدة: 1]

(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 496)

شامل للوفاء بأصل العقد والشرط في العقد؛ وذلك لأن الشرط في العقد من أوصاف العقد، إذ إن الشرط في العقد يجعل العقد مقيدا بهذا الوصف أو بهذا الشرط والتقييد وصف، فيكون قوله تعالى: {أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} شاملاً للوفاء بأصل العقود والشروط فيها التي هي أوصاف لها، وهذا يفيدك في أشياء كثيرة مما يتعامل به الناس اليوم من المخادعة في العقود التي تكون بينهم وبين دولتهم والتي تكون بينهم وبين الناس، فيظنون أن الشرط في العقد لا يدخل في قوله تعالى: {أَوْفُوا بِالْعُقُودِ}، وهذا ظن خاطيء، لأن العقد يشمل نفس العقد وأوصاف العقد التي هي الشروط فيه.
ومن فوائد الحديث: أن الأصل في الفروج التحريم؛ لقوله: «ما استحللتم به الفروج»
ولذلك لو اشتبهت أخته بأجنبية حرم عليه نكاح المرأتين جميعا وهذا يعيد، لكن يأتي ف الرضاع أحيانا يشتبه هل رضعت الأولى الكبرى من أمه أو رضعت الصغرى، وحينئذ يجب عليه أن يتجنب المرأتين جميعًا حَتَّى يتيقن الحِل، لأن الأصل في الفروج التحريم لقوله: «ما استحللتم».

‌‌حكم زواج المتعة:
951 - وعن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه قال: «رخص رسول الله صلى الله عليه وسلم عام أوطاس في المتعة ثلاثة أيام، ثم نهى عنها». رواه مسلم.
عام أوطاس هو عام فتح الطائف وهو في نفس الوقت عام فتح مكة، فأحيانا يعبر عنه بعام فتح مكة، لأنه أشهر وأعظم، وتارة يعبر عنه بغزوة أوطاس أو عام أوطاس كما في ذلك الحديث، وذلك لأن العام اثنا عشر شهرا، فإذا كان فتح مكة في رمضان وكانت غزوة أوطاس في ذي القعدة فالعام واحد فيعبّر أحيانا بعام الفتح وأحيانا بعام أوطاس، فهذا الحديث إذن لا يُعارض ما صح لأنه حرمها عام فتح مكة لأن الزمن واحد.
قوله: «رخص عام أوطاس»، قد يُستفاد منه: أنها كانت في الأول حرامًا، لأن الترخيص إنما يكون من مُحَرَّم لا رخصة إلا في مقابلة المحرم تكون المتعة حُرمت أولاً ثمّ رُخّص فيها ثلاثة أيام ثم نهى عنها، فتكون حرمت مرتين أولاً ثمّ أبيحت ثمّ حُرمت وهذا يشبه ما مرّ علينا قريبًا من تحريم مكة حيث قال كثير من العلماء: إنها كانت حرامًا ثمّ أحلت للرسول صلى الله عليه وسلم ساعة من نهار ثم حرمت، وقد سبق لنا الخلاف في هذا، المتعة اختلف فيها العلماء هل حرمت مرتين أو مرة واحدة؟ فمن العلماء من قال: إنها حرمت مرة واحدة، ومنهم من قال: بل

(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 497)

حرمت مرتين، وهؤلاء استدلوا بهذا الحديث: «رخّص عام أوطاس في المتعة ثلاثة أيام ثم نهى عنها».
952 - وَعَنْ عَليّ رضي الله عنه قال: «ونهى رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم عَن المتعة عَامَ خَيبر». مُتَفَق عليه.
وعام خيبر قبل عام أوْطاس، لأنه في السنة السادسة وأوطاس في السنة الثامنة، فتكون حرمت عام خيبر وأحلت عام أوْطاس ثلاثة أيام ثمّ حُرمت، وهذا هُوَ الذي ذهب إليه كثير من أهل العلم، ولكن بعض العلماء قال: إنها لم تحرم إلا مرة واحدة عام الفتح فقط، وأن حديث علي: «نهى عن المتعة عام خيبر»، كان فيه لفظ آخر: «نهى عن المتعة عام خيبر، وعن لحوم الحمُر الأهلية»، والذي ثبت تحريمه عام خيبر هو لحوم الحمر الأهلية، فذهب وهم بعض الرواة إلى المتعة في لحوم الحمّر الأهلية، وإلى هذا ذهب ابن القيم في زاد المعاد.
أولاً: ما هي المتعة؟ المتعة: هي النكاح إلى أجَّل، مثل أن يقول: زوجني بتلك لمدة شهر، كإنسان قدم بلدا وأراد أن يتزوج لكنه لا يريد أن يتزوج زواجًا مطلقا، فطلب أن يزوجه ولي المرأة لمدة شهر، فوافق على ذلك، نقول: هذا نكاح متعة، لماذا سمي نكاح متعة؟ لأن المقصود به التمتع فقط لا أن يجعلها زوجة يسكن إليها وتلد له وتكون شريكة له في الحياة ومُشاركة لورثته بعد مماته لا يريد أن يتمتع كالتيس المستعار، ثم إذا انتهى الأجل المؤقت انفسخ النكاح، لو قال: أنا رغبت الزوجة أبقوها، قالوا: لا، المدة انتهت، ليس لك خيار وليس فيها عدّة إنما فيها استبراء لئلا تختلط الأنساب، لأنه ليس عقد نكاح عقد متعة فقط، ولهذا ليس فيها نفقة، وليس للزوجة فيها قسم، وليس له عدد محدود ممكن لإنسان إذا كان عنده قدرة بدنية ومالية وقدم بلدًا في نساء كثير أن يتزوج للمتعة مائة امرأة؟ إذ إنه ليس بنكاح ولا تثبت له أحكام نكاح حتى الأولاد لا يُلحقون بالرجل هذا إلا بشرط وإلا فهم أولاد سفاح، فهذه هي المتعة، لكن كانت في الأول حلالاً بناء على أن الشرع الإسلامي إذا سكت عن أحكام الجاهلية فإنها تبقى على ما هي عليه ثم بعد ذلك حُرمت حرمها النيي صلى الله عليه وسلم عام الفتح بالاتفاق، لكن هل كانت حلالاً من قبل ثم حُرمت في خيبر ثمّ أحلت عام الفتح ثمّ حُرمت هذا محل الإشكال، وأيا كان فإن المتعة حُرمت إلى يوم القيامة كما في حديث سبرة بن معبد الجهني أن النبي صلى الله عليه وسلم قال عام الفتح: «مَنْ كانَ منكم استمتع فليعطها ما استمتع به، ومن لم يكن كذلك فليخل سبيلها»، ثمّ قال: «إن ذلك حرام إلى يوم القيامة»، ثبت ذلك في صحيح مُسلم أنها حرام إلى يوم القيامة، فانتهى موضوع المتعة وصار حرامًا إلى يوم القيامة، أما أهل العلم فقد اختلفوا

(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 498)

في حكم هذه المسألة، فذهب ابن عباس رضي الله عنهما إلى حل نكاح المتعة، وناظره على ذلك ابن عمه علي بن أبي طالب مُناظرة تامة حتى قال له: إنك رجل تائه، قاله علي لابن عباس وبين له أن النبي صلى الله عليه وسلم حرمها وشدد على ابن عباس، ثم إن ابن عباس أختلف الناقلون هل أباحها للضرورة أو إباحة مطلقة؟ والمشهور -بل الذي عليه المحققون - أنه أباحها للضرورة؛ يعني: إذا كان الإنسان في بلد واضطر إليها وخاف الزنا فإنه لا بأس، لكنه لما رأى الناس توسعوا في هذا الأمر وصار كل واحد يدّعي الضرورة رجع عن فتواه ووافق الجماعة، أما العلماء من بعدهم فإن المشهور عند الشيعة أنهم يُحلون ذلك ويجيزونها، والعجب أنهم يدّعون عصمة علي بن أبي طالب وأنه إمامهم ثم يخالفونه في هذه المسألة، هو ينكرها إنكارا شديدا حتى على ابن عمه ويصفه بأنه تائه عن الصواب ومع ذلك يخالفونه كما خالفوه في المسح على الخفين، هو الذي روى التوقيت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسح على الخفين، وهم يقولون: لا يجوز المسح على الخفين، ولكن علماء الأمة وأئمتها حرموا المتعة وقالوا: إنها حرام، حَتَّى إن بعض علماء الشيعة المتأخرين أنكر المتعة وقال حقيقة الأمر أنها جناية على النساء، تصبح النساء وكأنهن غنم تقرعها التيوس، والمرأة إذا أفسدها الرجل المتمتع هل يرغب أحد في نكاحها بعد؟ لا، فتفسد النساء وتضيع الذرية ويصبح الشعب كأنه شعب بهائم، يعني: بعض العقلاء من الشيعة المعاصرين أنكروا هذا وقال: إن هذا لا يجوز، وإن الصواب مع المانعين.
على كل حال: أئمة المسلمين المشهورين كلهم يُحّرمون المتعة، ومن أجازها مثل ابن عباس أجازها عند الضرورة ويشترط ألا يترتب عليها مفسدة بالتوسع فيها وإلا مُنعت كغيرها من المباحات.
إذا قال قائل: الحكمة في النهي عن المتعة ما هي؟
أولاً: أن الله جعل النكاح مقراً وسكنًا بين الزوجين، فقال تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً} [الروم: 21] وهذا من أعظم مقاصد النكاح وهو مفقود في نكاح المتعة؛ لأن الرجل نفسه يشعر إنما أراد أن ينال الشهوة فقط والمرأة تشعر بأنها امرأة مُستأجرة للمتعة فقط ولا تشعر بسكن ولا مودة ولا رحمة، ولهذا تجد المتمتع إذا لم تعجبه هذه المرأة ذهب يطلب امرأة أخرى وربما يأخذ بالمتعة عشر نساء قبل أن تغرب الشمس.

‌‌مسألة: هل نية المتعة كشرطها، يعني: لو أن الإنسان كان في بلد غريبًا، ثم أراد أن

(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 499)

يتزوج امرأة، ومن نيته أن يطلقها إذا غادر البلد، فهذا نكاح مؤقت ولكن بالنية، هذه المسألة اختلف فيها العلماء على قولين، فالمشهور من مذهب أحمد أن ذلك حرام ولا يجوز، وعللوا هذا بدليل وقياس؛ أما الدليل فقالوا: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إنما الأعمال بالنيات»، وهذا نوى نكاحًا مؤجلاً فثبت له ما نوى، وأما القياس فقالوا: إن الإنسان إذا تزوج امرأة لتحليلها لمطلقها ثلاثا بالنية لا بالشرط فإن النكاح يكون فاسداً كما لو شرط ذلك في العقد، قالوا: فإذا كان نكاح التحليل يثبت بالنية فكذلك نكاح المتعة: مع أن التزوج في نكاح التحليل لا يعلم أهل الزوجة ماذا يريد هذا الزوج، وأما الذين قالوا بالجواز فقالوا إن الفرق بينه وبين نكاح المتعة أن نكاح المتعة إذا تمّ الأجل انفسخ النكاح بمقتضى الشرط الذي اشترطه الزوج على نفسه واشترطته المرأة أيضا لنفسها، وأما النية فإنه لا ينفسخ النكاح، لأنه ربما تتغير نيته ويرغب في المرأة ويبقيها زوجة له، ولكن أنا أرى أنه حرام حتى وإن قلنا: إنه ليس من المتعة، وذلك لأن فيه غشًا للزوجة وأهلها، فإن الزوجة لو علمت أن هذا الرجل لا يريد إلا أن يتمتع بها أيامًا ثم يُطلقها لم ترض بذلك وأهلها لا يرضون بذلك، لاسيما أنها تكسد إذا فضر بكارتها أصبحت يَا غير مرغوب فيها، لاسيما أن بعض دول الكفر يرون أن المرأة المطلقة لا يمكن أن تتزوج مدى الدهر وحينئذ تكون معرضة نفسها للسفاح، ولذلك نرى أن هذا حرام لا من جهة العقد، لأننا حتى لو تنازلنا وقلنا: إن العقد لا تُؤثر فيه النية فإن فيه تحريمًا من جهة أخرى وهي الغش، أنت لو أراد شخص أن يتزوج ابنتك أو أختك بهذه النية هل ترى بأنه غاش لها؟ نعم لا شك، ولو علمت بأن هذه نيته ما زوجته، إذن فعامل غيرك بما تُحب أن يعاملك به.
فإذا قَالَ قائل: القول بالجواز فيه فسحة للغرباء وفيه منع لهم عن الزنا؟
فالجواب عن هذا سهل أن نقول: إن دواء خوف الزنا بينه الرسول صلى الله عليه وسلم فقال: «يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم» فأنت إذا كنت مستطيعًا للنكاح الصحيح فتزوج بنكاح صحيح لا بنية أنه سيطلقها، وإذا كنت غير مستطيع فعليك بالصوم، هكذا بين لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأما أن نرتكب المحظور من أجل إرضاء الشهوة وخوف الفتنة كما يقولون فهذا ليس بصحيح، خوف الفتنة بين لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم دواءه فلنأخذ بهذا الدواء، أما أن نرتكب المحظور ونخلع الناس ونغشهم فهذا ليس بسديد، أما الآن فنعود لبقية الحكم في تحريم نكاح المتعة فنقول: إن فيها مخالفة لمقصود النكاح، لأن مقصود النكاح الألفة وبناء البيت الزوجي والحصول على الأولاد، وهذا -أعني: نكاح المتعة - لا يشتمل على

(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 500)

هذه الحكمة، لماذا؟ لأن الزوج نفسه يشعر بأنه مفارق لهذه الزوجة فلا تحصل الألفة التي يطمئن بها القلب لا بين الزوج ولا بين الزوجة. ثانيا: أن الزوج في هذه الحال سيحاول بقدر الاستطاعة ألا تلد المرأة؛ لأنها مفارقة عن قرب، فسيحاول ألا يأتيه أولاد، وحينئذ تضيع هذه المياه التي كانت بصدد أن تنجب أولاداً بدون فائدة. ثالثا: أن في هذا مفسدة كبيرة للنساء؛ لأن هذا الرجل الذي يريد أن يتزوج نكاح متعة ليس له حد معين في العدد يتزوج ما شاء، فممكن أن يتمتع في الليلة الواحدة بعشر نسوة، يعني: في الشهر ثلاثمائة امرأة تفض بكارتها وتذهب هباء، وإذا قدرنا أن المتمتعين عشرات فكم من امرأة تفسد كل الأبكار تذهب بكارتهن بغير فائدة من سيتزوجها وهي ليست ببكر إلا إنسان بحاجة يعجز عن إدراك البكر ويتزوج امرأة ثيباً أو لغرض آخر يختار الثيب على البكر. ومنها أيضا: أن في هذا إهانة للمرأة وإهدار لكرامتها؛ لأن هذا المتمتع أصبح كالتيس بين الغنم لا يبالي بالنساء ولا يهتم بهن كأنه سلط عليهن لقضاء وطره فقط. ومنها أيضا: أن جميع ما يترتب على النكاح من الأحكام مفقود في المتعة، فيكون هنا استمتاع دون أن تترتب أحكام النكاح عليه مثل التوارث والمهر والأولاد وغير ذلك، كل هذه تفوت، وهذا لا شك أنه دمار، ولهذا كان من الحكمة أن الله سبحانه حرم نكاح المتعة وفي حديث سيرة أن الرسول صلى الله عليه وسلم حرمها إلى يوم القيامة وعلى هذا فلا يمكن النسخ؛ لأن الحكم إذا قيد إلى يوم القيامة فإنه لا يمكن نسخه بعد ذلك؛ إذ إننا لو قلنا بجواز النسخ لقلنا بجواز كذب خبر الرسول صلى الله عليه وسلم، وهذا شيء مستحيل.
953 - وعنه رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن متعة النساء، وعن أكل الحمر الأهلية يوم خيبر. أخرجه السبعة إلا أبو داود. كأن المؤلف ساق هذا اللفظ ليبين انفصال النهي عن المتعة عن أكل لحوم الحمر قال: «نهى عن متعة النساء». تم الكلام، «وعن أكل الحمر الأهلية يوم خيبر». قوله: «نهى عن متعة النساء» احترازاً من متعة الحج؛ لأن هناك متعتين الأولى: متعة الحج، وهذه ليست منهيا عنها، بل مأمور بها، إما أمر إيجاب وإما أمر استحباب، ومتعة الحج هو أن يحرم الإنسان بالعمرة في أشهر الحج ويتحلل منها ثم يحرم بالحج من عامة فتكون العمرة مستقلة عن الحج ويكون هو متمعاً بين العمرة والحج بما أحل الله له، ولهذا سمي تمتعا كما

(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 501)

قال تعالى: {فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ} [البقرة: 196]. أي: بسبب العمرة وتحلله منها، تمتع بماذا؟ بما أحل الله له، لو أنك قدمت إلى مكة في أشهر الحج ومررت بالميقات وأنت تريد الحج لزمك أن تحرم من الميقات وتبقى في إحرامك إلى يوم العيد، وحينئذ لا تمتع بنساء ولا بطيب ولا غير ذلك من محظورات الإحرام، فإذا نويت العمرة من الميقات ودخلت مكة وطفت وسعيت وقصرت حللت وتمتعت بما أحل الله لك من محظورات الإحرام، إلى متى؟ إلى الحج، إن قدمت في ذي القعدة تمتعت إلى ثمانية من ذي الحجة، ولهذا جاءت «إلى» الدالة على الغاية هذه مأمور بها أمر النبي صلى الله عليه وسلم بها أصحابه وحتم عليهم، حتى قال شيخ الإسلام ابن تيمية: إنها كانت في تلك -أي: المتعة- واجبة على الصحابة وهذا هو الصحيح بمعنى: أنها واجبة على الصحابة سنة في حق غيرهم، وقد روي مسلم في صحيحه عن أبي ذر رضي الله عنه أنه سئل عن المتعة فقال: كانت لنا خاصة، والمراد بهذا: وجوبها، أما مشروعيتها لعامة الناس فإن سراقة بن مالك سأل النبي صلى الله عليه وسلم قال: يا رسول الله، ألعامنا هذا أم لأبد؟ قال: «بل لأبد الأبد» لأنها مشروعة، لكن كانت واجبة على الصحابة؛ لأنهم هم الذين خوطبوا بها مباشرة، ولأن في عصيانهم إبطالاً لهذه الشرعة؛ لأنه إذا كان الصحابة المجابهون بالأمر يتركونها ولا يأتون بها كان من بعدهم من باب أولى، فلهذا كان قول شيخ الإسلام أصح مما مال إليه تلميذه ابن القيم من وجوب التمتع أو فسخ الحج إلى العمرة، بل نقول: على الصحابة واجبة وعلى من بعدهم سنة، ولهذا قيدها قال: «عن متعة النساء»، فما هي متعة النساء؟ هي أن يتزوج الإنسان المرأة إلى أجل نهى عنها الرسول صلى الله عليه وسلم وعن أكل الحمر الأهلية يوم خبير، «الحمر الأهلية» قيدها احترازا من الحمر الوحشية، لأنه يوجد حمر وحشية تعتبر صيداً تعيش في البر، وقد اصطاد الصعب بن جثامة للنبي صلى الله عليه وسلم حين نزل به بالأبواء، وكان الصعب كريماً، وكان عداء سبوقاً يسبق الحمر الوحشية ويصيدها، فجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم بحمار وحشي فرده النبي صلى الله عليه وسلم، فتغير وجهه وحق له أن يتغير أن يرد النبي صلى الله عليه وسلم هديته والنبي صلى الله عليه وسلم أكرم الناس خلقاً فتغير فقال: «إنا لم نردها عليك إلا أنا حرم» فاقتنع. على كل حال: الحمر الوحشية حلال، الحمر الأهلية حرام، لكن قيل: يوم خيبر حلال تذبح وتؤكل، وسبحان الله! قبل أن تحرم كانت من الطيبات وبعد أن حرمت كانت من الخبائث، لأن الحكم لمن؟ لله، فالله عز وجل بعد أن حرمها أودع فيها خبثاً، وكانت في الأول طيبة تؤكل كما يؤكل البقر، لكن لما حرمها الله صارت خبيثة أوجد الله فيها خبثا ولهذا أمر أبا طلحة عام خيبر: إن الله ورسوله ينهياكم عن لحوم الحر الأهلية فإنها رجس، أي: خبيثة نجسة. في هذا الحديث: دليل على تحريم نكاح المتعة فإذا عقد هل يصح أو لا؟ لا يصح، لأن

(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 502)

لدينا قاعدة مفيدة لطالب العلم وهي أن ما نهي عنه لذاته لا يكون صحيحاً ولو فعله الإنسان، فلو أراد شخص أن يصلي في أوقات النهي صلاة لا سبب لها فصلى صلاة خاشعاً فيها مطمئناً لا تصح الصلاة، وكذلك لو أن الإنسان عقد نكاح متعة لا يصح النكاح، كل شيء نهي عنه لذاته فإنه لا يصح، لو باع الإنسان بعد نداء الجمعة الثاني لا يصح البيع ولا ينتقل فيه الملك، بل يبقى المبيع ملكاً للبائع والثمن ملكاً للمشتري. فإذا قال قائل: ما الحكمة؟ لماذا لا تقولون إذا فعل المنهي عنه فهو آثم والعقد الصحيح؟ فالجواب: أن في تصحيح العقد مضادة لله ورسوله، لأن تحريم الشرع له يريد من الأمة ألا يبقى له كيان، وإذا صححناه أبقينا له كيانا وصار معتبرا، ويظهر هذا بالمثال: إذا باع شخص بيتاً على إنسان بعد نداء الجمعة الثاني البيع حرام، العقد باطل غير صحيح، لو قلنا: إن البيع حرام والمتعاقدان يأثمان، ولكن العقد نافذ وصحيح صار هذا مضادة للشيء، لأن الشرع إنما نهاك لئلا تعقد ولئلا ينتقل الملك إلى المشتري في المبيع وملك الثمن إلى البائع، فإذا صححناه فهذا ضد ما أراد الشارع. إذن القاعدة: كل ما نهي عنه لذاته من عبادة أو معاملة إذا وقع من المكلف فهو غير صحيح. ومن فوائد الحديث: تحريم لحوم الحمر الأهلية حتى ولو كانت صغيرة ولو سمينة، لو اضطر الإنسان إليها جاز الأكل لكن بقدر الضرورة، ودليل ذلك قوله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَاّ مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَن تَسْتَقْسِمُوا بِالأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ اليوم الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا فمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [المائدة: 3]. وإذا كان الخنزير وهو أخبث من الحمار يجوز عند الضرورة فالحمار من باب أولى، نحن قلنا: الخنزير أخبث من الحمار، لأن الخنزير لم يأت عليه يوم من الدهر وهو طاهر حلال، والحمار قد أتى عليه يوم من الدهر وهو طاهر حلال.
954 - وعن ربيع بن سبرة عن أبيه رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إني كنت أذنت لكم في الاستمتاع من النساء، وإن الله قد حرم ذلك إلى يوم القيامة، فمن كان عنده منهن شيء فليخل سبيلها ولا تأخذوا مما آتيتموهن شيئاً». أخرجه مسلم وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، وأحمد، وابن حبان.

(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 503)

قوله: «أذنت» أي: رخصت، وهذا لا يدل على تقدم المنع؛ لأن الإذن قد يكون بالقول وقد يكون بالإقرار، فقوله: الإذن، قال: «أذنت لكم»، التحريم أضافه إلى الله ليزيده قوة وقبولا وإذعانا، وإن كان ما حكم به الرسول فهو حكم الله عز وجل لكن هذا أبلغ، لأن الحكم لله والرسول مبلغ، وقوله: «يوم القيامة» هو اليوم الذي يبعث فيه الناس، ويسمى يوم القيامة؛ لأن الناس يقومون فيه من قبورهم لرب العالمين ولأنه يقام فيه الأشهاد: {إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ} [غافر: 51]. ولأنه يقام فيه العدل: {وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ} [الأنبياء: 47]. قوله: «فليخل سبيلها»، الرسول منع حتى استمرار الإنسان فيه مع أنهم يقولون: إن الاستدامة أقوى من الابتداء، لكن هنا صارت الاستدامة تبعاً للابتداء. وقوله: «فمن كان عنده … » إلخ، أي: أن من عنده امرأة عقد عليها عقد استمتاع فليخل سبيلها، ولم يقل الرسول صلى الله عليه وسلم: فليطلقها، بل قال: «يخل سبيلها» يتركها. ثم قال: «ولا تأخذوا مما آتيتموهن شيئا»، وإنما نهى عن أن يأخذوا منهن شيئا؛ لأنهن استحققن ما أعطين بما استحل من فروجهن، هذا يدل على ما دلت عليه الأحاديث السابقة، ويدل على أن الحل منسوخ، وعلى أنه نسخ بأمر الله؛ لأن الله حرمه، وعلى أنه لا يمكن أن يعاد حله، أي: نكاح المتعة لقوله: «إلى يوم القيامة». ويستفاد من هذا الحديث: أن من عقد على شيء عقداً فاسداً فإن الواجب التخلي عنه؛ لقوله: «فمن كان عنده منهن شيء فليخل سبيلها»، وعلى هذا فلو تبايع الرجلان بيعاً غير صحيح بفقد شرط من شروطه أو بمانع من موانعه فالواجب فسخ هذا البيع والتخلي عنه، بل نقول: الواجب التخلي عنه، ولا نقول: الفسخ، لماذا؟ لأن الفسخ فرع عن صحته وهنا العقد غير صحيح.

‌‌حكم زواج المحلل:
955 - وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: «لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم المحلل والمحلل له». رواه أحمد، والنسائي، والترمذي وصححه.
-وفي الباب عن علي أخرجه الأربعة إلا النسائي. لابد أن نعرف من هو المحلل؟ المحلل هو الذي يتزوج امرأة مطلقة من زوج سابق

(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 504)

طلاق ثلاث من أجل أن ترجع للأول حلالاً، وذلك أن الرجل إذا طلق زوجته ثلاث مرات طلق ثم ارجع ثم طلق ثم ارجع ثم طلق الثالثة فإنها لا تحل له إلا بعد زوج، لقوله تعالى: {الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (229) فَإِن طَلَّقَهَا} فتكون هذه الثالثة؛ لأن ما سبق مرتان فهذه الثالثة، {فَلَا تَحِلُّ لَهُ} أي: للمطلق، {مِن بَعْدُ} أي: من بعد هذه الطلقة، {حتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ} [البقرة: 229، 230]. أو يطأها؟ النكاح في القرآن الكريم لا يكون إلا للعقد: {وَلَا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ .... } [النساء: 22]. أي: العقد، لكن هنا ليس للعقد، هنا للجماع؛ لأنه قال: «حتى تنكح زوجاً غيره»، فأضاف النكاح إلى الزوج ولا يكون زوجا إلا بعقد، فالنكاح بعد الزوجة هو الوطء وإلا لقال: حتى تنكح رجلا غيره، لو قال ذلك صار المراد بالنكاح: العقد، فلما قال: «حتى تنكح زوجاً» فمعنى ذلك: أن الزوجية سابقة على النكاح. وحينئذ يحمل النكاح على الوطء كما دل عليه الحديث الذي ذكره في الحاشية وهو حديث رفاعة القرظي وفيه قالت: «طلقني فأبت طلاقي» يعني: بهذه الطلقة بت الطلاق، المهم أن أقول: الرجل إذا طلق الزوجة ثلاثا لا تحل له حتى تنكح زوجاً غيره، فهذا رجل طلق امرأة ثلاثا فجاء صديق له فتزوجها على شرط أنه إذا حللها للزوج، يعني: جامعها بعد النكاح طلقها، نقول: هذا محلل حكمه أنه ملعون، والملعون هو المطرود عن رحمة الله. المحلل له من؟ الزوج الأول كيف كان ملعونا، لأنه كان التحليل باتفاق معه وكان عالما به، أما إذا لم يكن عالما فكيف يلعن، لكن هو عالم كان له صديق فقال له: أنا طلقت أم أولادي، وهذه الطلقة الأخيرة تزوجها حللها لي، ففعل الصديق رأفة بصديقه تزوجها وجامعها رأفة بصديقه، نقول: الثاني محلل والأول محلل له، وكلاهما ملعون على لسان النبي صلى الله عليه وسلم، والسؤال الآن هل تحل للزوج الأول أو لا؟ لا تحل للزوج الأول، إذن لم يستفد إلا أنه لعن، وسيأتي بيان ذلك. وقوله: «لعن المحلل» أي: قال لعنة الله عليه، والخبر هنا بمعنى الدعاء، ويجوز أن يكون خبراً بمعنى الخبر، يعني: خبر حقيقي؛ وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم يوحي إليه ويبلغ من الله، فيمكن أن يكون قول الرسول: «لعنة الله على المحلل» خبراً عن الله لا دعاء، أما أنا إذا قلت: «لعنة الله على كذا» فأنا داع إلا إذا كنت قد بنيت هذا على نص يدل على هذا مثل «لعنة الله على من لعن

(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 505)

والديه»، هذا خبر، لأنه جاء به النص، فكذلك دعاء الرسول صلى الله عليه وسلم على فاعل هذا يحتمل أن يكون دعاء، ويحتمل أن يكون خبراً، حديث جابر: «لعن آكل الربا» أي: قال: اللهم العنه، أو خبر عن الله أنه لعنه؟ فيه احتمال، لكن هذا نقول: سواء كان دعاء أو خبراً فإنه يدل على أن الفاعل مستحق للعنة، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لا يمكن أن يدعو على أحد إلا وهو مستحق. المحلل هو من تزوج امرأة طلقت ثلاثا من أجل أن يحللها للأول وذكرنا أنه يشترط لحلها للأول شرطان: الأول: صحة النكاح بأن يكون نكاح رغبة لا نكاح تحليل ولا نكاح متعة، فلابد أن يكون النكاح صحيحا، لو تبين أن النكاح غير صحيح فلا تحل للأول، مثاله: تزوج إنسان امرأة نكاح رغبة قد طلقت من زوجها الأول ثلاثا ثم بعد ذلك تبين أنها أخته من الرضاع ما حكم النكاح؟ باطل، هل تحل للأول؟ لا، لأن النكاح غير صحيح، وقد اشترطنا أن يكون النكاح صحيحا، تزوجها بلا ولي أيضا فلا تحل للأول؛ لأن النكاح فاسد غير صحيح. الشرط الثاني: أن يجامعها، والدليل ما سيأتي في حديث عائشة القادم، وقد أشرنا إليه فيما سبق من الشرح، ودليل ذلك في القرآن قوله تعالى: {فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ} [البقرة: 230]. وجه الدلالة: أنه قال: {تَنكِحَ زَوْجًا}، والنكاح هنا محمول على الوطء، ولا يصح أن يحمل على العقد؛ لأن قوله: {زَوْجًا} يقتضي أن تكون الزوجية مقدمة على النكاح، وحينئذ يتعين أن يكون المراد بالنكاح: الوطء، ويكون الحديث موضحاً لهذه الآية.

‌‌مسائل مهمة:
هل إذا عادت إلى الأول بعد النكاح الصحيح هل تعود إليه على طلاق ثلاث أو على واحدة؟ يقول العلماء: إنها تعود على طلاق ثلاث، بمعنى: أن الزوج الأول يملك ثلاث طلقات، والطلقات الأولى لا تحسب عليه، فإذا طلقها الزوج الأول بعد أن عادت إليه فيملك أن يراجع، طلق ثانية يملك أن يراجع، طلق ثالثة لا يملك، إذن تعود إلى الزوج الأول على طلاق ثلاث أي: كأنه تزوجها من الآن، لأن نكاح الزوج الثاني هدم الطلاق الأول. فإن طلقها الزوج طلقتين ثم تزوجت بزوج آخر وجامعها ثم طلقها ثم عادت إلى الزوج الأول فهل تعود على طلاق ثلاث أو على ما بقى من الطلاق؟ فيه خلاف، يرى بعض العلماء أن النكاح الثاني يهدم ما سبقه من الطلاق، وعلى هذا فتعود للزوج الأول على طلاق ثلاث، ويرى آخرون بأنه لا يهدم، وعلى هذا فتعود إلى الزوج الأول على ما بقى من طلاقها عادت

(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 506)

إلى الزوج الأول ثم طلقها فلا تحل له مع أن الطلقة التي وقعت واحدة لكنها مبنية على ما سبق. إذن إذا طلقت ثلاثا ثم تزوجت بآخر ثم عادت إلى الأول تعود إليه على طلاق ثلاث، إن طلقت أقل من ثلاث ثم تزوجت ثم عادت للأول فتعود على ما بقى من الطلاق، هذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد وهو الصحيح. فإذا قال قائل: كيف يهدم الزوج الثاني ثلاث طلقات ولا يهدم الطلقتين مثلا؟ قلنا: نعم، لأن نكاح الزوج الثاني فيما إذا طلقت ثلاثا صار له تأثير في الحل للزوج الأول، أما نكاحها للزوج الثاني بعد الطلقتين أو بعد الواحدة فليس له أثر، لا يفيد شيئاً؛ لأن الزوج الأول غير محتاج إليه الآن، فلما لم يكن مؤثرا شيئا بقى الطلاق السابق على ما كان عليه، ولعموم قوله: {الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ … } ثم قال: {فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ} [البقرة: 230]. فمذهب أحمد هو الصحيح. وقوله: «في الباب عن علي» إذا أطلق «علي» فالمراد به: علي بن أبي طالب، وإذا قيل: عن ابن مسعود فهو عبد الله، وإذا قيل: عن ابن عباس فهو عبد الله، وإذا قيل: عن ابن عمر فهو عبد الله.

‌‌نكاح الزاني والزانية:
956 - وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا ينكح الزاني المجلود إلا مثله». رواه أحمد، وأبو داود، ورجالة ثقات. قوله: «لا ينكح» اختلف المفسرون لهذا الحديث وللآية الكريمة في قوله تعالى: {الزَّانِي لا يَنكِحُ إلَّا زَانِيَةً} [النور: 3].ما المراد بقوله: «لا ينكح»؟ قيل: المراد به: الوطء، يعني: لا يزني الزاني إلا بزانية، الزاني لا ينكح إلا زانية، يعني: الزاني لا يزني إلا بزانية، فجعلوا النكاح بمعنى: الجماع، والجماع بالزنا زنا، ولكن هذا القول ضعيف جدا جدا، لأنه لا يمكن أن يطلق الله النكاح الشرعي الذي ثبت به أحكام عظيمة كثيرة من حل وتحريم ونفقات وإرث لا يمكن أن يطلق هذا النكاح وهو العقد العظيم الذي لا نظير له في العقود على الزنا وهو إن أطلق على الجماع فيمن أضيف إلى زوجته فإنه لا يطلق على الجماع بحال من الأحوال، يعني مثلا: إذا قلنا: نكح الرجل امرأته، أي: جامعها، هذا معقول، لكن نكح الرجل امرأة أجنبية سنة هذا لا يمكن أبدا لهذا نقول: هذا القول ضعيف جدا وهو في نفس الوقت غير مستقيم، لأنه ما معنى لا يزني الزاني إلا بزانية؟ إن أراد إلا بزانية أي: بامرأة، يعني: تمارس الزنا فهذا لا يصدق قضيته، غير صحيح؛ لأن الزاني قد يزني بامرأة بكراً ما تريد الزنا إطلاقا، وإن أراد بالزانية امرأة معروفة

(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 507)

بالزنا وتمارس الزنا، فكأنه يقول: الزاني لا يزني إلا بزانية، فأي فائدة في هذا؟ هذا كما يقال: «الأرض تحتنا والسماء فوقنا، والآكل للخبز آكل للخبز» هذا ليس فيه فائدة، ولهذا كان القول الصحيح: أن معنى الحديث ومعنى الآية: {الزَّانِي لا يَنكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً} [النور: 3]. {لا يَنكِحُ} لا يتزوج إلا زانية، لا يتزوج إلا زانية أو مشركة كيف ذلك؟ نقول: الزاني لا ينكح إلا زانية، إذا كان نكاح الزاني لامرأة عفيفة حراماً فهذه المرأة العفيفة إذا تزوجها الزاني فإما أن تكون عالمة بالتحريم المستفاد من قوله تعالى: {وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ} ولكنها رفضت التحريم وقالت: ليس بحرام ولم ترض به حكماً وحينئذ تكون مشركة؛ لأنها تعتقد أن هذا الرجل جامعها بعقد حلال؛ حيث إنها لم تقتنع بالتحريم، والذي لا يقتنع بحكم الله كافر مشرك، وإما أن توافق على الزواج به وهي تعترف أنه حرام ولكنها لا تبالي بالحرام فتعتقد أنه جامعها جماعاً محرماً بغير عقد صحيح وحينئذ تكون زانية، حمل الآية على هذا المعنى لا يحتاج إلى تكلف ولا يحتاج إلى تأويل مستكره واضح جداً، فنقول: إذا تزوج زان بعفيفة فإما أن تكون راضية بحكم الله بالتحريم فتكون زانية؛ لأنها تعتقد أن هذا النكاح غير صحيح محرم فيكون وطاها بغير نكاح وهذا هو الزنا، وإما أن ترفض الحكم ولا تعترف به وحينئذ تكون مشركة، لأنها رفضت حكم الله واختارت حكماً ترضاه هي فجعلت نفسها شريكة مع الله في الحكم والتشريع وهذا الذي ذهب إليه ابن القيم، وأظن أنه سبقه شيخه ابن تيمية رحمة الله وهو قول ظاهر جداً. أما حكم المسألة فيقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «لا ينكح الزاني المجلود إلا مثله» المجلود في الزنا، وإنما قال: «المجلود» من أجل تحقق الزنا، يعني: الذي ثبت زناه فجلد، «لا ينكح إلا مثله» أي: إلا زانية، ووجهه كما قلنا: إنها عالمة بتحريم النكاح ولكنها مرتكبة للمحرم فتكون زانية مثل هذا الزاني، فعلى هذا يكون الحديث دالا على أنه لا يجوز أن يزوج الزاني حتى يتوب من الزنا، فإن طرأ عليه في النكاح، يعني: كان عفيفا وزوجناه ثم انحرف وصار يزني يذهب إلى البلاد الأجنبية ويزني فهل ينفسخ نكاحه؟ لا، لماذا؟ لأن الاستدامة أقوى من الابتداء. فعلى هذا نقول: الزاني لا يزوج حتى يتوب، ولو زنى بعد الزواج فإن النكاح لا ينفسخ: {وَالزَّانِيَةُ لا يَنكِحُهَا إِلاّ زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ} [النور: 3]. نقول في قوله تعالى: {إِلاّ زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ} كما قلنا في قوله: {إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً} فهذا الذي تزوجها إما أن يكون راضيا بحكم الله وهو يعتقد بأنه مرتكب للحرام فيكون زانيا أو يكون غير راض بحكم الله ويرى أنه لا بأس أن يتزوج الزانية

(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 508)

وحينئذ يكون مشركاً، فلو تزوج بزانية قبل أن تتوب فالنكاح باطل غير صحيح يجب أن يفرق بينهما، فإن تابت قبل أن يعقد عليها النكاح صح أن يعقد عليها النكاح، لأنها إذا تابت ارتفع عنها وصف الزنا وصارت الآن عفيفة، لأن العفة تتجدد كما أن الزنا يتجدد، لكن ما علامة توبتها؟ يقول بعض العلماء: علامة توبتها أن تراود فتمتنع؛ يعني: يذهب لها رجل يقول لها: مكنيني من نفسك، فإذا أبت كان دليلا على توبتها، ولكن هذا القول ضعيف جداً، لأن المراودة لا تدل على التوبة، لأن الذي راودها إما أن يكون معروفا بالعفة والصلاح فإنها ستمتنع وإن كانت ترغب، وإن كان رجلاً فاسقاً فهو على خطر عظيم، ما هو؟ أن يفعل الزنا بها، ولهذا نقول: سلوك هذه الطريقة في استطلاع توبتها خطأ جداً، إذن كيف نعلم أنها تابت؟ نعلم أنها تابت بمن يتصل بها من النساء أو بحيث تأتى أهل العلم وتسألهم تقول: إنها أذنبت ذنبا عظيما تعينه أو تكبره عند المسئول وتقول: أنها تابت فهل لها من توبة؟ المهم أن التوبة لها علامات. خلاصة هذا الحديث: «لا ينكح الزاني المجلود» هل يمكن أن يحول الحديث إلى العموم، أي: لا ينكح الزاني المجلود، ونجعل الزاني وصفاً يشمل المرأة والرجل؟ يمكن، وعلى هذا يكون الحديث مطابقا للآية والآية، مفصلة: {الزَّانِي لَا يَنكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ} [النور: 3]. والعجيب أن جمهور العلماء على حل تزوج الزاني بالعفيفة والعفيف بالزانية وهذا من الغرائب، وجه كونه غريباً: أن الله قال: {وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ} نصاً في التحريم، لكن هم ذهبوا إلى ما ذهبوا إليه بناء على معنى قوله: {الزَّانِي لَا يَنكِحُ} أي: لا يطأ {إِلَّا زَانِيَةً} وقلنا: إنه ضعيف، إذن لو أن خاطبا خطب وهو متهم بالزنا هل نعطيه؟ لا؛ لأن المتهم لا يرضى دينه بل ولا خلقه؛ لأن من المعاصي ما يهدم الدين والخلق، ومن المعاصي ما يهدم الدين فقط، فالزنا -والعياذ بالله- يهدم الدين ويهدم الخلق، ولهذا يضرب بالزاني المثل في خلقه وسفالته. يؤخذ من هذا الحديث من الفوائد: تحريم إنكاح الزاني بعفيفة ما لم يتب، ما الدليل على أنه إذا تاب جاز تزويجه؟ الوصف؛ لأنه إذا تاب زال عنه وصف الزنا. ومن فوائد الحديث: حماية الشريعة للأخلاق، لأن الزاني -والعياذ بالله- لا يبالي أن تزني امرأته؛ لأنه هو يزني بنساء الناس، والواقع في الذنب لا ينكره على غيره. ومن فوائد الحديث: أنه يجوز -بل يجب- منع تزويج الزاني ولو كان مستقيم الدين في غير الزنا، قد يكون رجل يصلي ويتصدق ويصوم ويحج ويعتمر لكنه مبتلي -نسأل الله العافية- بمسألة الزنا، فهل نزوج هذا الرجل ونقول: هذا دينه جيد ولعله يتوب من الزنا؟ لا يجوز أبدا،

(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 509)

وأشر من ذلك إذا كان لا يصلي؛ بعض الناس يقول: نزوجه لعل الله يهديه، فيزوجوه فتاة دينة طيبة فينكد عليها حياتها بحجة أنه ربما يهديه الله، نحن نقول: ربما يهديه الله، وربما يفسد المرأة، ولهذا يجب علينا إذا استشرنا في أمثال هؤلاء أن نبين النصيحة ولو كان أقرب الناس إلينا: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوْ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ} [النساء: 135].
957 - وعن عائشة رضي الله عنها قالت: «طلق رجل امرأته ثلاثا، فتزوجها رجل، ثم طلقها قبل أن يدخل بها، فأراد زوجها أن يتزوجها، فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فقال: لا، حتى يذوق الآخر من عسيلتها ما ذاق الأول». متفق عليه، واللفظ لمسلم. قوله: «طلق امرأته» يعني: مرة، ثم مرة، ثم مرة، وليس المراد: أنه قال: أنت طالق ثلاثا، لأن أنت طالق ثلاثا في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم لا تعد إلا واحدة، كل ما جاءكم «بت طلاقا» أو «طلقها ثلاثا» فالمراد: واحدة بعد الأخرى، ولهذا في هذا الحديث ألفاظ متعددة طلقها آخر ثلاث تطليقات. وقوله: «قبل أن يدخل بها» أي: قبل أن يجامعها، «فسأل … » إلخ، هذا سبقت الإشارة إليه، وأن الزوج الثاني لا بد أن يجامع، فإن عقد عليها وخلا بها دون أن يجامعها ثم طلقها فإنها لا تحل للأول. وقوله: «من عُسيلتها»، هل العُسيلة هي الإنزال أو مجرد الجماع؟ الجواب الصحيح: أنها مجرد الجماع، وأنها تحل للأول وإن لم يحصل إنزال، لأن الجماع نفسه كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم: «عُسيلة»، ولكم مع الإنزال لاشك أنه أتم. وعلى هذا فنقول: إنه لا تحل للزوج الأول حتى يجامعها الزوج الثاني، فإن طلقها قبل أن يجامعها ولو كان قد خلا بها أو قبلها أو ضمها فإنها لا تحل للزوج الأول لابد من جماع. بقي علينا مسألة: هل العبرة بنية الزوجة أو بنية الزوج أو بنية الولي؟ قال الفقهاء: «من لا فرقة بيده لا أثر لنيته». وعلى هذا فالمرجع لنية الزوج، لأنه هو الذي بيده الفرقة هي لو نوت أنه إذا حللها للزوج الأول عادت للأول ليس بيدها لو قالت الزوجة: طلقني، قال: لا، فالعبرة بنية الزوج، وقال بعض العلماء: بل بنيتها أو بنية الزوج، أما كون العبرة بنية الزوج فالأمر ظاهر؛ لأنه هو الذي بيده عقدة النكاح، وأما كون نيتها معتبرة؛ فلأنها قد تسعى إلى أن يفارقها الزوج بأي حيلة، ماذا تصنع؟ تنكد عليه إذا قال: سوي الشاي سوت حليباً أو بالعكس، أو تقول: لا

(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 510)

أسوي كلما أمرها تقول: لا، كذلك عند الفراش تتعبه هذا أيضا ربما يضطر الزوج إلى أن يطلقها، أحيانا بعض النساء تتحدى زوجها تقول له: أنت رجل؟ قال: نعم، أنا أكثر رجولية منك، تقول: إن كنت رجلاً فطلقني، تأخذه الحمية الآن ربما يطلقها، كذلك أيضا ربما يكون الرجل عنده حاجة مدين أو غير ذلك تقول: أنا أعطيك أكثر مما أعطيتني وطلقني، على كل حال: هذا القول وجيه جداً إذا علمنا أن هذه الزوجة نيتها سيئة وأنها نكدت على الزوج حتى طلقها لتعود للأول ينبغي أن نمنعها منه؛ لأنها أرادت الزوج الأول على وجه محرم؛ لأنه لا يحل لها أن تعصي زوجها أو تنكره لحقوقه فتعاقب بالحرمان، ونقول: الآن لا تحل لزوجها، الآن ربما تبكي على الزوج الثاني، لو أن القاضي صار جيداً وقال: عرفنا من تصرفك أنك تريدين الأول وتريدين التحليل فالآن لا تحلي للأول، فيما أعتقد أنها سوف تبكي على الثاني وتحاول الرجوع إليه ربما إذا جاءت الثاني قال لها: «الصيف ضيعت اللبن». وحينئذ تبقى معلقة. على كل حال: الأصل أن النية نية الزوج، ولكن القول بأنه يرجع إلى نية الزوجة قول قوي جداً، قلنا: إن الطلاق كان على عهد النبي صلى الله عليه وسلم الثلاث واحدة وظل كذلك في عهد أبي بكر وسنتين من خلافة عمر فقال: «إني أرى الناس قد تتايعوا في أمر كانت لهم فيه أناة فلو أمضيناه عليهم»، ما معنى «كانت لهم فيه أناه؟ » يعني: كان فيه سعة يطلقون مرة واحدة، هل أنت إذا طلقت مرة واحدة تلتزم بالرجوع إلى زوجتك؟ لا، فبعض الناس عنده جهل يقول: أطلقها ثلاثا من أجل ألا أراجعها، نقول له: أنت إذا طلقت واحدة فإنك لا تلزم بمراجعتها دعها حتى تنقضي العدة وإن شئت راجعها، فهو رضي الله عنه قال: «فلو أمضيناه عليهم» فأمضاه عليهم وهذا صحيح، أي: أثر صحيح، وهو صريح في أن إمضاء الثلاث كان من اجتهادات عمر. الحديث في مسلم. قال بعض العلماء: فأخذ العلماء به فكان إجماعا، أي: من العلماء من قال: إن الطلاق الثلاث يكون ثلاثا تبين به المرأة، وقال بعض العلماء: بل الإجماع على عكس ذلك، لأن حديث ابن عباس وهو في مسلم أيضا يقول: كان الطلاق الثلاث في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وعهد أبي بكر وسنتين من خلافة عمر طلاق الثلاث واحدة، فعندنا ثلاثة عهود: عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وعهد أبي بكر، وسنتين من خلافة عمر، قالوا: فلو أننا نتساهل في نقل الإجماع لكان الإجماع على ماذا؟ على أن الثلاث واحدة وهذا حق، ولهذا كان الراجح من أقوال أهل العلم: أن طلاق

(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 511)

الثلاث واحدة سواء وقع بلفظ واحد أو بألفاظ متكررة، وأنه لا طلاق إلا بعد رجعة أو نكاح جديد، بعد رجعة مثل أن يقول: طلقت زوجتي ثم يراجع، إذا راجع عادت زوجته، فإذا طلق هذه الثانية إذا رجع عادت زوجته، فإذا طلق هذه الثالثة أو يقول لزوجته: أنت طالق وتعتد فتنقضي العدة ثم يتزوجها من جديد ثم يطلق ثم تنقضي العدة ثم يتزوجها من جديد ثم يطلق، فالثالثة هذه تبين بها على كل حال، قولها رضي الله عنها: «طلق امرأته ثلاثا» الطلاق الثلاث يعني: البت آخر طلقة تكون. هذا الحديث يدل على أن المرأة إذا طلقت ثلاثا لا تحل للزوج الأول إلا بعد النكاح صحيح وبعد وطء الزوج الثاني بعد نكاح صحيح؛ لأن وطء الثاني لا يباح إلا بنكاح صحيح فلابد من نكاح صحيح ولابد من وطء وقوله: «حتى يذوق من عُسيلتها» ذكرنا أن المراد بالعسيلة: الجماع، وأن بعض العلماء قال: المراد به: الإنزال، وأنه إذا حصل جماع بدون إنزال فإنها لا تحل للأول، والصحيح أن المراد بالعسيلة: الجماع وإن لم ينزل، وأنه إذا جامعها فإنها تحل للأول لكن بشرط أن يكون النكاح صحيحا، أما لو كان نكاح تحليل فإن وطأها لا يحل أصلا ولا يحلها للزوج الأول، لأن نكاح التحليل حرام وباطل فلا يفيد شيئا. ومن فوائد هذا الحديث: أنه يكنى عن الشيء الذي يستحيا من ذكره بما يدل عليه لقولها: «قبل أن يدخل بها» والمراد بالدخول: الجماع، وهكذا جاء في القرآن: {مِن نِّسَآئِكُمُ اللَاّتِي دَخَلْتُم بِهِنَّ … }. ومن فوائده: أنها لو تزوجت بزوج آخر وبقيت عنده سنة أو أكثر ثم طلقها بدون جماع فإنها لا تحل للأول لابد من جماع. ومن فوائد الحديث: أنه إذا تصرف الإنسان تصرفا ولكنه على خلاف الشرع وهو يعتقده صحيحاً فإنه لا عبرة بتصرفه فهنا هذه المرأة لما طلقت ظنت أن التصرف هذا يبيحها للزوج الأول فبين النبي صلى الله عليه وسلم أنها لا تحل له حتى يدخل بها.

‌‌مسألة شهر العسل:
*هل يؤخذ من هذا الحديث ما يسمونه بشهر العسل؟ الجواب: أنه لا يؤخذ منه هذا؛ لأن ذوقه من عُسيلتها يمكن أن يكون في ليلة واحدة في

(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 512)

أول ليلة، فلذلك لا يمكن أن يتخذ من هذا الحديث دليل على ما يسمونه بشهر العسل، ثم هذا الذي يسمونه بشهر العسل كثير من الناس الذين عندهم مال يذهبون إلى خارج البلاد وينفقون نفقات كثيرة وربما يفعلون أشياء منكرة فيبدلون شكر النعمة كفرا -والعياذ بالله-، وما أحسن ما يفعله بعض الناس -وأقول: ما أحسن، يعني: أنه أهون من غيره وإلا فليس له أصل في الشرع- يسافر بها إلى مكة أو المدينة يؤديان عمرة وزيارة للمسجد النبوي، لكن مع ذلك أننا نقول: إن هذا أمر مشروع، لكن نقول: إذا بليتم فهذا أحسن، لكن -الحمد لله- يبقى الإنسان في بلده مستريحا وآمنا.
****

‌‌1 - باب الكفاءة والخيار
«الكفاءة» يعني: مكافأة الشيء بالشيء، ومن المعلوم أن الكفاءة في الدين من حيث أصل الدين لابد منها، فلا تتزوج المسلمة كافراً باتفاق المسلمين وبالنص أيضا: {فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ} [الممتحنة: 10]. والكفاءة في العدالة يعني: فاسق يتزوج امرأة ملتزمة هذا ليس بشرط ما دام فسقه لا يخرجه من الإسلام، لكنه لا ينبغي أن يزوج الفاسق مع إمكان أن تزوج بعدل لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فانكحوه»، ولكن أحيانا تلجئ المصلحة إلى تزويج فاسق مثل أن تكون المرأة ثيبا لا يكثر الخطاب عليها، أو تكون المرأة قد كبرت ويقل الخطاب عليها، فهنا تزويجها بالفاسق يكون لحاجة إلا أنه يستثنى من الفسق فسق الزنا كما سبق فإن تزويج الزاني حرام ولا يصح النكاح لقوله تعالى: {الزَّانِي لا يَنكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً} [النور: 3]. إذن الكفاءة في الدين لابد منها، ويستثنى منها: أن يتزوج المسلم بالكتابية؛ لأن الزوج هنا أعلى من الزوجة، وقد جاء في القرآن الكريم يحل تزوج الرجل المؤمن بالمرأة الكتابية فقال تعالى: {الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَّهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ … } [المائدة: 5]. ولكن مع هذا كره كثير من السلف أن يتزوج المؤمن كتابية مع إمكان أن يتزوج مسلمة وإن كان هذا حلالا لكن كرهوا ذلك، وعللوا الكراهة بأمرين: الأول: أن هذا قد يكون خطراً على دين المرء المسلم، ولاسيما إذا أحبها حباً شديداً فإن ذلك يخشى أن تؤثر فيه، ويذكر أن رجلاً مؤذناً صعد المنارة فوجد على أحد السطوح امرأة نصرانية

(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 513)

جميلة فأخذت بلبه فأرسل إليها يخطبها فأبت إلا أن يكون نصرانيا -نعوذ بالله- فحاول فقالت: لا يمكن إلا أن تكون نصرانيا فتنصر، ولما تنصر قالت له: إنك بعت دينك بشيء رخيص فستبيعني بأرخص، لا حاجة لي فيك، فصار مرتداً عن الإسلام، ولم يحصل له مقصوده. إذن استثنينا من مكافأة الدين المسلم يتزوج كتابية، ومع ذلك قلنا: إن كثيرا من السلف كره ذلك خوفاً على الإنسان من أن تؤثر فيه. السبب الثاني: إنه إذا تزوج الكتابية فإنه سوف ينقص تزوج المسلمة، فتبقى النساء المسلمات عانسات لا أزواج لهن، فبدلاً من أن يتزوج كتابية يتزوج مسلمة، يحصن فرج امرأة مسلمة خير له من أن يحصن فرج امرأة كتابية. الكفاءة في العدالة ليست بشرط، لكن لا ينبغي أن يزوج امرأة ذات عدالة برجل فاسق إلا إذا دعت الحاجة إلى ذلك، ومثلنا لهذا بمثالين. الثالث: الكفاءة في النسب، يعني: أن تكون المرأة ذات نسب، وأن يكون الزوج لا نسب له، وليس معنى لا نسب له ألا يكون له أب، لا، هو له أب لكنه ليس من قبائل العرب، والمرأة من قبائل العرب وهو ما يعرف عندنا بالخضيري والقبلي، وعند العامة البحتة الشيخ والعبد القبيلي يسمى شيخاً، والذي ليس له قبيلة يسمى عبداً بناء على الأصل؛ لأن الأصل أن غير القبيلي من الموالي من الذين أسلموا ولم يعرف لهم نسب عربي من الفرس أو الروم أو غيرهم، على كل حال: الكفاءة في هذا الأمر مختلف فيها، فمن العلماء من يقول: إنها شرط للصحة في النكاح، فلو تزوج غير قبيلي بقبيلية فالنكاح غير صحيح لفوات شرط الكفاءة، وقال بعض أهل العلم: إنه شرط للزوم وليس شرطاً للصحة، يعني: أن المرأة إذا زوجت بغير قبيلي وهي قبيلية فلأوليائها أن يفسخوا، أولياؤها غير الذين زوجوها؛ لأن الذين زوجوها قد رضوا أبناء العم وأبناء الأخ وما أشبه ذلك فلهم أن يفسخوا النكاح، ولكن هذا القول الثاني والذي قبله كلاهما ضعيف، أما القول الأول الذي قبله فهو من الغرائب أن تكون هذه الكفاءة شرطاً للصحة؛ رجل عالم غني كريم ذو خلق دين لكنه غير قبيلي يأخذ امرأة قبيلية جلفة، ونقول: إن النكاح غير صحيح؟ ! هذا نتعجب أن يقول به عالم من العلماء، ولكن كل يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم. كذلك أيضا كونه شرطا للزوم هذا فيه نظر، امرأة رضيت هي ووليها الأقرب بهذا الرجل العالم العادل الكريم الشجاع ولكنه غير قبيلي كيف تقول لابن العم البعيد: افسخ إن شئت مع أننا نخشى أن يكون قصده بهذا الفسخ الحسد والغيرة أن يتزوجها مثل هذا الرجل، فالصحيح أنه ليس لأحد أن يفسخ، وما أحسن ما حصل في قضية عند أحد قضاة هذا البلد سابقاً تزوجت

(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 514)