صواب يكون بدعة؛ لأنه إنكار سنة، فالمتعين أن قول المؤذن: الصلاة خير من النوم إنما هو في الأذان الذي يكون بعد طلوع الفجر ولا شك، لكنه سمِّي أولًا باعتبار الإقامة وأظن في صحيح مسلم أن عائشة ذكرت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا سمع الأذان الأول قام فصلى ركعتين، يعني: سنة الفجر فوصفت الأذان بأنه الأول، وقد كتبت في هذا جوابًا لبعض الإخوة الذي جاء ترتعد فرائصه يقول كنا وآباؤنا ضالين نعمل بدعة نعلنها على المنابر، فيسر الله عز وجل جوابًا شافيًا أعطيناه إياه في هذه المسألة.
ومن فوائده الحديث: أن فراق المتلاعنين فراق بائن؛ لقوله: "كذبت عليها إن أمسكتها، فطلقها ثلاثًا قبل أن يأمره"؛ لأن مراده بالطلاق الثلاث هنا البائن، ولكنه كما علمتهم من قبل قلنا: إن البينونة حصلت باللعان، أما الطلاق الثلاث فلا بينونة فيه؛ لأن ابن عباس روى كما في صحيح مسلم- أن الطلاق الثلاث في عهد النبي وعهد أبي بكر وسنتين من خلافة عمر طلقة واحدة فليس فيه بينونة.
1060 - وعن ابن عبَّاس رضي الله عنها: "أنَّ رجلًا جاء إلى النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم فقال: إنَّ امرأتي لا تردُّ يد لامس. قال: غرِّبها. قال: أخاف أن تتبعها نفسي. قال فاستمتع بها". رواه أبو داود والتِّرمذي، والبزًّار، ورجاله ثقلتٌ.
- من وجه آخر عن ابن عباس بلفظ: "قال: طلِّقها. قال: لا أصبر عنها. قال: فأمسكها".
"أن رجلًا جاء" من هذا الرجل؟ لا يعنيها اسمه؛ لأن تعيين الاسم ليس بلازم ما لم يتوقف عليه فهم المعنى، وهنا لا يتوقف عليه المعنى، قال: "إن امرأتي لا ترديد لامس"، لامس أي شيء؟ لامس لها جسمها، المعنى: أنها تتهاون في ملامسة الرجال، وليس المراد كما زعمه بعضهم أنها لا ترد يد لامس أي ملتمس للعطاء، فقال الرسول: "غربها أو طلقها"؛ لأن النبي
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 97)
صلى الله عليه وسلم لا يمكن أن يقول للرجل طلق زوجتك لأنها كريمة لا ترد يد ملتمس، بل الظاهر أن المراد لا ترد يد لامس أنها تتساهل في ملامسة الرجال في مصافحتهم مثلًا وما أشبه ذلك، فقال: "غربها" يعني: سافر بها إلى بلد تكون فيه غريبة لتبتعد عن ملامسة الرجال؛ لأن الغريب ليس كالمستوطن، المستوطن يكون منشرحًا متسع الصدر، لكن الغريب ينطوي على نفسه وينقبض ولا يلتفت لمثل هذه الأمور، وقوله: "غربها" قلنا: أي: سافر بها إلى بلد الغربة، لكن لا يلزم من ذلك أن يبقى معها يغربها ويرجع أو يغربها مع أحد أقاربها وما أشبه ذلك، قال: "إني أخاف أن تتبعها نفسي" يعني: أن تتعلق بها نفسي فقال: "فاستمتع بها" يعني: أبقها عندك واستمتع بها كما تستمع بها في العادة، وفي لفظ: "طلقها" أمره بطلاقها لأن ذلك أبعد عن الشبهة- شبهة الولد- أو لأنها- أي: هذه المرأة- لسعتها يخشى من تصرفها الفتنة، قال: "لا أصبر عنها"؛ لأن نفسه متعلقة بها قال: "فأمسكها".
المسألة الآن واضحة وهي: أن هذه المرأة ليس عندها شيء من التحفظ التام بل هي متساهلة، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يطلقها أو أن يغربها، ثم لما رأى أن نفسه لا تصبر عنها أذن له في إمساكها.
فإن قال قائل: هل يصح أن نحمل قوله لا ترد يد لامس على كونه كناية عن الجماع؟
فالجواب: أن هذا لا يصح؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لو أذن له وهي على هذه الحال لكان أذن له بالدياثة أن يبقى زوجته وهي تزني وهذا شيء مستحيل.
في هذا الحديث فوائد منها: صراحة الصحابة- رضي الله عنهم في معرفة الحق؛ لقوله: "إن امرأتي لا ترد يد لامس".
ومنها: أن ذكر الإنسان بما يكره للاستفتاء ونحوه لا بأس به، ولا يكون من الغيبة؛ وذلك للمصلحة الراجحة التي تربو على ذكره بما يكره، ومثل ذلك: ذكر الإنسان بما يكره في باب النصيحة، كما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أن فاطمة بنت قيس جاءت تستشيره في ثلاثة من الصحابة خطبوها وهم معاوية وأسامة بن زيد وأبو جهم فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: "أما معاوية فصعلوك لا مال له، وأما أبو جهم فضراب للنساء" ثم قال: "أنكحي أسامة".
ومن فوائد الحديث: أن من النساء وإن كن نساء من السلف الصالح من يتهاون في ملامسة الرجال أو مصافحتهم؛ لقوله: "إن امرأتي لا ترد يد لامس".
ومن فوائد الحديث: البناء على يد المدعي في باب الفتوى بخلاف الحكم، وجهه: أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقل: هات الشهود أو يأتي يطلب المرأة لتقر أو تنكر، ونظير ذلك قول هند بنت
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 98)
عتبة: يا رسول الله، إن أبا سفيان رجل شحيح لا يعطيني من النفقة ما يكفيني وولدي، فقال "خذي ما يكفيك ويكفي ولدك بالمعروف"، ولم يقل: أقيمي البينة؛ لأن باب الفتوى أوسع من باب الحكم، فالمفتي يفتي والمسئولية على المستفتي، لكن في باب الحكم تكون المسألة مبنية على المشاحة فلا يجوز للقاضي أن يحكم على غائب، وقد قيل إن داود- عليه الصلاة والسلام إنما فتن بكونه حكم على الخصم دون أن يسأله؛ لأنه تسوروا عليه المحراب وقالوا خصمان بغى بعضنا على بعض، ثم قال أحد الخصمين: إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة فقال: أكفلنيها وعزَّني في الخطاب، قال: لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه دون أن يسأل الخصم الثاني، وهذا نقص في الحكم؛ ولهذا قال الله تعالى: {وظن داود أنَّما فتنه فاستغفر ربه وخر راكعًا وأناب} [ص: 24].
وهذه القصة فيها: أولًا: أن داود احتجب عن الناس في محرابه مع أنه من حكم بين الناس لا بد أن يكون بارزًا لهم ليسهل عليهم مراجعته، وهو لم يفعل.
وثانيًا: أنه حكم للخصم دون أن يسأل المحكوم عليه وهذا أيضًا نقص في الحكم، وأما دعوى من يقول: إنه عشق امرأة أحد جنوده وإنه تحيَّل ومكر به وأخرجه مع الغزاة لعله يقتل فيأخذ امرأته فلا شك أن هذا من دسائس اليهود، وأنه لا يليق برجل عاقل فضلًا عن نبي من الأنبياء، ولا يحل لإنسان يعرف فضل الأنبياء أن يتهم داود- عليه الصلاة والسلام بمثل هذه التهمة أبدًا والقرآن لم يشر إلى هذا إطلاقًا.
ومن فوائد الحديث: صراحة الصحابة- رضي الله عنهم في مخاطبة النبي صلى الله عليه وسلم لقول الرجل عن زوجته: "إنها لا ترد يد لامس".
ومنها: عفة الصحابة وبعدهم عن الخنا؛ لأن هذا الرجل لم يصبر على ما كانت عليه زوجته من التساهل في أيدي اللامسين وإلا لغض الطرف وسكت.
ومن فوائد الحديث: أن الإنسان إذا رأى من أهله مثل ذلك ولم يتمكن من حفظهم فإن الأولى أن يطلق لئلا يكون ديونًا، فإن تمكن من حفظهم وجب عليه ذلك أن يحفظهم؛ لأن طلاقها ليس حلًّا للمشكلة؛ إذ قد يطلقها إلى زوج آخر أو تنفرد عن الأزواج وتكون حالها أسوأ.
ومن فوائد الحديث: مراعاة رجحان المفاسد بعضها على بعض، ووجه ذلك: أن الرسول صلى الله عليه وسلم دفع مفسدة فراقها وتعلق بها وأنه لا ويصبر وربما يضيع بذلك حقوق لقوة تعلق قلبه بها فأمره بإمساكها.
ومن فوائد الحديث: أن الأمر في مقام الإذن لا يدل على الوجوب، بل ولا على الاستحباب لقوله: "فاستمتع بها فأمسكها"؛ لأن المعنى": فلك أن تستمتع بها ولك أن تمسكها،
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 99)
وهذه قاعدة في أصول الفقه، بمعنى أن الأمر بعد النهي أو الأمر بعد الاستئذان يفيد الإباحة، فإذا استأذنني شخص في الدخول إلى البيت فقلت: ادخل، فليس هذا بأمر وإنما هو إذن وإباحة.
ومن فوائد الحديث: أنه قد يسكت عن البيان إلى وقت آخر؛ لأن أمر النبي صلى الله عليه وسلم بإمساكها ليس يعني أن يمسكها على ما هي عليه قطعًا، فالإمساك هنا مطلق، ولكن لا بد أن يضاف إليه قيد وهو أمسكها مع إصلاحها ومحاولة منعها مما هي عليه.
1061 - وعن أبي هريرة رضي الله عنه: "أنَّه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول حين نزلت آية المتلاعنين-: أيُّما امرأةٍ أدخلت على قومٍ من ليس منهم؛ فليست من الله في شيءٍ، ولن يدخلها الله جنَّته، وأيُّما رجلٍ جحد ولده وهو ينظر إليه؛ احتجب الله عنه، وفضحه الله على رءوس الأوَّلين والآخرين". أخرجه أبو داود، والنَّسائيُّ، وابن ماجه، وصحَّحه ابن حبَّان.
"أيما امرأة" هذه اسم شرط جازم "أي" و"ما" زائدة، وتزداد "ما" كثيرًا في أسماء الشرط مثل: {أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى} [الأسراء: 110].
وقوله: "أدخلت" هذا فعل الشرط، وقوله: "فليست من الله في شيء" هذا جواب الشرط أي: أن الله تعالى بريء منها وليست منه في أمان أي من عذابه بل هي معرضة للعقوبة، وقوله: "على قوم من ليس منهم" يعني: بحيث يكون من ولد زنا، فإن الزاني إذا زنى بامرأة متزوجة أو غير متزوجة ثم تزوجت في الحال، فإن هذا الولد من الزاني ينسب إلى الزوج فتكون أدخلت على هؤلاء القوم من ليس منهم، "ولم يدخلها الله جنته" فبين أن العقوبة أن الله سبحانه يتبرأ منها، براءة الله منها وحرمانها دخول الجنة وقوله: "جنته" من باب إضافة المخلوق إلى خالقه وليست من باب المسكون للساكن؛ لأن الله تعالى فوق العرض، لكنها من باب إضافة المخلوق إلى خالقه، كإضافة البيت إلى الله وإضافة الناقة إلى الله، قال: "وأيما رجل جحد ولده وهو ينظر إليه احتجب الله عنه وفضحه على رءوس الأولين والآخرين" هذا وعيد ضد الأول رجل جحد ولده وهو ينظر إليه؛ يعني: أنه قد تأكد أنه منه ولكنه يجحده لتهمة حصلت لامرأته، مثلًا أو شك وقع في قلبه فيتبرأ منه فهذا الذي يفعل يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: "احتجب الله عنه" يعني: يوم القيامة ولم ينظر إليه، والثاني: "فضحه على رءوس الأولين والآخرين" أي: كشف ستره وبين خطأه وذلك يوم القيامة.
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 100)
1062 - وعن عمر رضي الله عنه قال: "من أقرَّ بولده طرفة عين؛ فليس له أن ينفيه". أخرجه البيهقي، وهو حسنٌ موقوفٌ.
• في هذا الحديث والأثر فوائد:
أولًا: إن إدخال المرأة أحدًا على قوم وهو ليس منهم من كبائر الذنوب، وجهه الوعيد؛ لأن كل ذنب توعد عليه فهو كبيرة من الكبائر، ووجه ذلك أن إدخال الولد وليس من القوم على القوم يترتب عليه أمور كبيرة عظيمة منها المحرمية أنه يكون من محارمها، ومنها الإرث والنفقات وتحمل الديات … إلى غير ذلك مما يترتب على النسب، فيترتب عليه أمور عظيمة لذلك كان إدخال شخص على قوم ليس منهم من كبائر الذنوب.
ومن فوائد الحديث: أن من عقوبات الذنوب أن يتبرأ الله من فاعلها؛ لقوله: "فليست من الله في شيء". فإن قلت: هل يصح أن نصف الله بالتبرأ؟ قلنا: نعم يصح في القرآن قال الله تعالى: {براءة من الله ورسوله} [التوبة: 1]. {أن الله بريء من المشركين ورسوله} [التوبة: 3].
ومن فوائد الحديث: إثبات الجنة، وهذا أمر معلوم بالضرورة من الدين، لكن أريد ما يتفرع على ذلك وأنها جنة عظيمة؛ لأن الله أضافها إلى نفسه، ولا يضيف شيئًا إلى نفسه من المخلوقات على وجه الخصوص إلا لمزية هنا أن هذه الجنة فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، ومثلها ناقة الله؛ لأنها آيته، ومنها بيت الله؛ لأنه محل تعظيمه وشعائره، المهم لا بد أن يكون له مزية ولهذا لا يضاف إلى الله على سبيل الخصوص من المخلوقات إلا ما له العظيم حتى إن العلماء نهوا أن يضاف إلى الله شيء على وجه الخصوص من مخلوقاته وهو قبيح، فقالوا: أنه ينهي أن تقول إن الله رب الكلب أو رب الحمار على سبيل الخصوص لأن فيه سوء أدب مع الله لكن قل إن الله رب كل شيء يعم هذا وهذا، لكن لو قلت: إن الله رب الصالحين رب المؤمنين وما أشبهها فهذا لا بأس به.
ومن فوائد الحديث: أن تبرؤ الإنسان من ولده من كبائر الذنوب لترتب العقوبة على ذلك. ومن فوائد الحديث: أن ظاهره أن تبرؤ الإنسان من ولده إذا لم يكن عنده يقين أنه منه فإنه لا يترتب عليه هذه العقوبة؛ لأن هذا هو فائدة قوله: "وهو ينظر إليه"، ولكن هل له أن ينفيه لمجرد الاحتمال؟ سيأتي في الحديث القادم.
ومن فوائد أثر عمر. لا خيار للمرء يعد أن يستلحق الولد فإنه يثبت أنه ابنه؛ لقوله: "من أقر بولده طرفة عين فليس له أن ينفيه"، وهذا العلة فيه واضحة؛ لأنه لو فتح هذا الباب لتلاعب
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 101)
الناس بالأنساب وصار الوالد يقر بالولد وينكره غدًا، فمن أقر بأن هذا ولده ولو طرفة عين فليس له أن ينفيه، لو جاءه وقال له: إن امرأتك زنت وهذا الولد من الزاني فهل له أن ينفيه؛ بعد اعترافه به؟ لا، ليس له، حتى لو فرض أن الشبه للزاني أكثر منه للزوج فإنه لا يمكن أن ينفيه؛ بعد اعترافه به؟ لا، ليس له، حتى لو فرض أن الشبه للزاني أكثر منه للزوج فإنه لا يمكن أن ينفيه؛ لأنه ثبت النسب واستقر، والنسب لا يمكن رفعه بعد استقراره.
1063 - وعن أبي هريرة رضي الله عنه "أنَّ رجلًا قال: يا رسول الله، إنَّ مرأتي ولدت غلامًا أسود؟ قال: هل لك من إبلٍ؟ قال: نعم. قال: فما ألوانها؟ قال: حمرٌ. قال: هل فيها من أورق؟ قال: نعم. قال: فأنَّي ذلك؟ قال: لعلَّه نزعه عرقٌ. قال: فلعلَّ ابنك هذا نزعه عرقٌ". متَّفقٌ عليه.
- وفي روايةٍ لمسلمٍ: "وهو يعرِّض بأن ينفيه" وقال في آخره: "ولم يرخِّص له في الانتفاء منه".
وهذا الرجل أعرابي من البادية صاحب إبل جاء يسأل النبي صلى الله عليه وسلم هذا السؤال الغريب قال: "إن امرأتي ولدت غلامًا أسود" يعني: وأنا أبيض وأمه بيضاء، فمن أين جاءه السواد، هذا محل إشكال، يعني: تشكل على كثير من الناس أن يأتيه أولاد سود وهو وأمه أبيضان، هذا مشكل كما أنه كان شبهه في التخطيط يخالف شبه أبويه لصار ذلك أيضًا محل إشكال، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "هل لك من إبل؟ " الجملة هذه كلها ليس فيها إلا جار ومجرور، والمعروف أن الجمل لا بد لها من عمدة مبتدأ وخبر فعل وفاعل فعل ونائب فاعل وهنا لا يوجد إلا جار ومجرور في كلمتين هل لك "لك" جار ومجرور "من إبل" جار ومجرور، فكيف نخرج هذا على القاعدة؟ لأن من زائدة والتقدير هل لك إبل و"من" تأتي زائدة بعد النفي والاستفهام كثيرًا، هنا قال: "هل لك من إبل" يعني: هل لك إبل لكن كيف أعرب إبلًا؟ نقول: إنها مبتدأ مرفوع بضمة مقدرة على آخره منع ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، قال: نعم قال: "فما ألوانها" قال: "حمر قال … إلخ" الحمر بسكون الميم، والحمر: جمع حمار؛ ولذلك بعض الناس يغلط إذ يقول: خير لك من حمر النعم- بضم الميم- فهل النعم لها حمر؟ فالصواب: حمر النعم بالسكون جمع أحمر وحمراء.
قال: "هل فيها من أورق؟ " نقول في هذه الجملة كما قلنا في جملة: "هل لك من إبل؟ " قال: "هل فيها من أورق؟ " و"الأورق" الذي لونه لون الورق؛ أي: الفضة وهو بين البياض والسواد يعني: أشهب قال: نعم، قال: "فأنى ذلك؟ " يعني: من أين جاء هذا الأورق وألوانها
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 102)
حمر؟ ! قال: "لعله نزعه عرق" "نزعه" يعني: جذبه عرق من آبائه أو أمهاته أو أجداده أو جداته فالأعرابي فاهم هذا أنه ربما يكون عرق سابق ينتزع ويجذب هذا الذي حصل من هذه الناقة الحمراء.
قال: "فلعل ابنك هذا نزعه عرق" أي: كان أحدٌ من جداته أو أجداده من قبل أبيه أو أمه أسود فنزعه هذا العرق و"لعل" هنا للتوقع، يعني: كما أنك تتوقع أنه نزعه عرق، أي: الجمل الأورق فكذلك هذا الولد يتوقع أنه نزعه عرق، يقول وفي رواية لمسلم "وهو يعرض بأن ينفيه … إلخ".
في هذا الحديث فوائد منها: أنه لا حرج على الإنسان في الشك إذا وجدت أسبابه، وجه الدلالة: أن هذا الرجل شك في كون الولد منه؛ لأنه يعرض بنفيه لما قال: إن امرأتي ولدت غلامًا أسود هو يريد- أن ينفيه فإذا وجدت قرائن تكون سببًا للشك فلا حرج على الإنسان فيه- أي في هذا الشك- لا يقال: إن هذا من باب الظن نقول: حتى لو قلنا: إنه من باب بالظن فقد قال الله تعالى: {اجتنبوا كثيرًا من الظن}، ولم يقل كل الظن، وقال: {إن بعض الظن إثم} [الحجرات: 12]. ولم يقل كل الظن فالظن المبني على القرائن لا بأس به.
ومن فوائد الحديث: أن خلاف اللون من أسباب الشك والتهمة؛ لأن الأصل عدم مخالفة الولد لأبيه وأمه في اللون وكذلك في الأشباه لكن لعله نزعه عرق.
ومن فوائد الحديث: حسن تعليم الرسول صلى الله عليه وسلم لقوله: "هل لك من إبل؟ " حتى أستدرجه واعترف هو نفسه بأن هذا الولد ربما يكون نزعه عرق.
ومن فوائد الحديث: أنه ينبغي للمفتي أن يراعي حال المستفتي فمثلًا إذا كان صاحب إبل ذكر له شيئًا يتعلق بالإبل وطبائعها، إذا كان صاحب غنم فكذلك، إذا كان صاحب تجارة فكذلك إذا كان صاحب نسب أو غير ذلك فهو هكذا، ولهذا لما جاء رجل إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ليسلم إلا أنه قال: اشترط أن يرخص له في الزنا، هذا الرجل الذي يريد أن يسلم قال: أنا أسلم لكن رخص لي في الزنا؛ لأني لا أصبر، قال: هل لك أم؟ هل لك بنت؟ هل لك أخت؟ قال: هل ترضى أن يزني أحد بأمك أو أختك أو بنتك؟ قال: لا قال: كيف ترضى أن تزني بنساء الناس ولا ترضى أن يزني الناس ولا ترضى أن يزني الناس بنسائك؟ ! فتوقف الرجل عرف أنه مخطئ فكون المفتي يضرب الأمثال للشخص بما يناسب حاله هذا يعتبر من البلاغة ومن حسن التعليم.
ومن فوائد الحديث: أن الإجابة بـ"نعم" كافية دون إعادة السؤال لقوله: "نعم" واعتبر مجيبًا للرسول صلى الله عليه وسلم وهذه المسألة لها شواهد كثيرة قد تكون الإجابة بـ"نعم" لفظا وقد تكون الإجابة بنعم إشارة، فقول عائشة للرسول صلى الله عليه وسلم حينما نظر إلى السواك مع عبد الرحمن بن أبي
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 103)
بكر آخذه لك؟ قال: أشار برأسه نعم والجارية الأنصارية التي عرض عليها من رض رأسها فلان فلان فلان حتى ذكروا يهوديًّا فأشارت برأسها، هذا أيضًا يدل على أن الإجابة بنعم أو ما يقوم مقامها إجابة صريحة.
ومن فوائد الحديث: أنه ينبغي للإنسان أن يزيل الشك باليقين وألا يكون مترددًا في الأمور بل يورد على نفسه، يوجب طرد هذا الشك وجه ذلك: أن هذا الأعرابي سأل النبي صلى الله عليه وسلم وأجابه بجواب يزيل منه الشبهة وهذا أمر ينبغي للإنسان أن يستعمله في جميع مجريات حياته من أجل أن يطمئن وتستريح نفسه ولا يبقي كأنه في زجاجة يعني: أنه يطرد الشك وأسبابه بما يتبين له ولكن هل معنى ذلك أن الإنسان يبحث أو يعرض؟ هذا حسب ما تقتضيه الحال قد يكون من أسباب إزالة الشك أن تبحث حتى تصل إلى اليقين وقد يكون من أسباب الشك أن تعرض ولا تلتفت إليه ومن الإعراض أن الرسول صلى الله عليه وسلم لما شكا إليه الصحابة ما يجدون في نفوسهم قال: "إذا وجد ذلك أحدكم فليستعذ بالله ولينته" يعني: يقول أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ويعرض ولا يلتفت إليه وبهذا تكون الراحة؛ وإلا فإن الشيطان يريد من بني آدم أن يكونوا دائما على قلق وعلى حزن {إنما النجوى من الشيطن ليحزن الذين ءامنوا وليس بضآرهم شيئًا إلا بإذن الله} [المجادلة: 10].
ومن فوائد الحديث: في رواية مسلم أن الرجل لا يعرض بزنا امرأته وإنما يعرض بانتفاء الولد فقط ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يرخص له في الانتفاء منه وبيَّن السبب في ذلك أنه ربما يكون نزعه عرق وليس من رجل أجنبي.
ويستفاد من هذا الحديث: أنه يجوز للإنسان أن ينتفي مما ولدت زوجته، ولكن هذا ليس بجائز على الإطلاق بل إنما يجوز إذا رآها تزني وولدت من يمكن كونه من الزاني، وأما إذا رآها تزني وولدت من لا يمكن أن يكون من الزوج فإنه يجب عليه أن ينفي الولد، إذا كان لا يمكن أن يكون من الزوج وذلك بأن تأتي به وزوجها غائب ليس حاضرًا، فإذا أتت به لأكثر من ستة أشهر من غيبة زوجها بل لأكثر من أربع سنين لغيبة زوجها فالولد من الزوج، ولا يحتمل أن يكون من الزاني فهنا لا يجوز أن ينتفي منه، مثل: أن تأتي به لأقل من ستة أشهر من الزنا فهنا فلا يكون من الزاني؛ لأن أقل الحمل ستة أشهر، وهذا الولد ولد لأقل من ستة أشهر من الزنا فلا يكون من الزاني ولا يجوز أن ينتفي منه، والثاني أن يحتمل أن يكون من الزوج ومن الزاني، ففي هذه الحال إن غلب على ظنه أنه من الزاني فله أن يلاعن، ولا
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 104)
يجب؛ لأن قوة الفراش تغلب على غلبة الظن الذي عنده، الحالة الثالثة ألا يمكن كونه من الزوج لكونه غائبًا لم يتصل بها ويتبين حملها في غيبة الزوج بأن يكون قد استبرأها من قبل ففي هذا الحال يجب أن ينفيه؛ لأنه ليس ولدًا له ولا يجوز أن يكفله مع أولاده، وهو في هذه الحال ليس من الأولاد قطعًا فهذه ثلاثة أقسام أما مجرد اللون واختلاف الشبه فإن ذلك لا يجوز للإنسان أن ينتفي من ولده؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعله نزعه عرق.
* * * *
3 - باب العدة والإحداد والاستبراء وغير ذلك
هذا الباب تضمن أربعة أشياء: العدة، والإحداد، والاستبراء وغير ذلك، العدة: مأخوذة من العدد لأنها تعدُّ إما بالأشهر وإما بالحيض؛ فلذلك سميِّت عدة، بمعنى: معدودة، وهي شرعًا: تربص محدود شرعًا بسبب فرقة نكاح وما ألحق بها أي: بفرقة النكاح، كالذي يحصل بوطء الشبهة فإن وطء الشبهة يوجب العدة والتفريق بين الواطئ والموطوءة، ويلزمها العدة، فقولنا: تربص محدود شرعًا يخرج به ما لا يحد شرعا من التربصات، كالذي يمنع زوجته من أشياء معينة في وقت معين، وكالإيلاء، وقولنا: "بسبب فرقة نكاح" يخرج به التربص المحدود لغير فرقة النكاح، كالتربص بالإحداد على غير الزوج لمدة ثلاثة أيام، وكذلك ما أشبهه، وقولنا: "بسبب فرقة نكاح" خرج به ما ذكرنا وما ألحق به يعني: الوطء بالشبهة، فإن الرجل إذا وطئ امرأة بشبهة لزمها أن تعتد إن حملت منه فيوضع الحمل وإلا فبالأقراء أو بالاستبراء على خلاف في هذا.
وأما الإحداد فهو في اللغة: الامتناع، وفي الاصطلاح: امتناع من توفي عنها زوجها من كل ما يدعو إلى جماعها والرغبة فيها من الزينة والطِّيب وما أشبه ذلك.
والاستبراء: مأخوذ من البراءة وهو انتظار يعلم به الرحم من الحمل بسبب النكاح أو غيره وقوله: "غير ذلك" أي: مما سيذكره المؤلف في هذا الباب واعلم أن العدة يشترط لها شروط:
الشرط الأول: أن يكون عقد النكاح غير باطل فشمل الصحيح والفاسد فإن كان باطلًا فلا عدة فيه والفرق بين الباطل والفاسد هنا أن الباطل ما أجمع العلماء على فساده، والفاسد ما اختلفوا فيه فالأول كنكاح ذوات المحارم مثل أن يتزوج مثل أن يتزوج أخته من الرضاع جاهلًا والثاني كالنكاح بلا ولي فإن العلماء مختلفون فيه، فتجب العدة في كل نكاح غير باطل فشمل الفاسد، تجب فيه العدة هذا شرط يشمل عدة الوفاة وعدة الحياة ويشترط في غير
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 105)
عدة الوفاة أن يحصل وطء أو خلوة ممن يولد لمثله فالذي يولد لمثله من الذكور من تمَّ له عشر سنوات، ومن الإناث من تمَّ لها تسع سنوات، فلو خلا بمن دون ذلك فلا عدة ولو كان الزوج دون العشر فخلا بالزوجة فلا عدة فصارت الشروط شرطًا واحدًا شاملًا وهو أن يكون عقد النكاح غير باطل. هذا الشرط شامل للعدة من الحياة والوفاة. الشرط الثاني: أن يحصل وطء أو خلوة ممن لم يولد لمثله وهذا الشرط خاصٌ بالمفارقة في الحياة بناء على ذلك، لو تزوج رجل امرأة وهي صغيرة ثم مات عنها فعليها العدة؛ لأنه لا يشترط في عدة الوفاة إلا شرط واحد أن يكون النكاح غير باطل ولو تزوَّج امرأة وطلقها قبل الدخول والخلوة فليس عليها عدة ولو تزوج امرأة دون التسع وخلا بها ثم طلقها فليس عليها عدة؛ لأنها ممن لا يولد لمثله وأهم شيء في العدة هو العلم ببراءة الرحم وهذه لا يمكن أن يشتغل رحمها بشيء؛ لأنه لا يولد لمثلها.
فإذا قال قائل: إذا كان النكاح فاسدًا وفارق فيه من يعتقد فساده فهل فيه عدة وهو يعتقد أنه فاسد؟
الجواب: نعم فيه عدة احتياطًا لمن يرى أن النكاح صحيح؛ يعني: فرض أني أرى أن النكاح بلا ولي غير صحيح، فتزوجت امرأة بلا ولي ثم ندمت وطلقتها قبل الدخول فهل عليها عدة؟ عليها عدة كيف يكون عليها عدة كيف يكون عليها عدة وأنا أعتقد أن النكاح غير صحيح احتياطًا لمن يرى أن النكاح صحيح كالحنفية مثلًا؛ لأني لو لم أطلقها لامتنع نكاحها عند من يرى أن العقد صحيح وحينئذٍ مشكل تبقى المرأة هذه لا يتزوجها فلذلك أوجبنا العدة عليها احتياطًا، وإن كان الإنسان يرى أنه فاسد إذا كان أحد من العلماء يرى أنه صحيح أما من يرى أن النكاح المختلف صحيح فالمسألة فيه واضحة أن عليها العدة، سيأتينا- إن شاء الله- أن العدد أقسام
عدة الوفاة:
1064 - عن المسور بن مخرمة رضي الله عنه: "أنَّ سبيعة الأسلميَّة رضي الله عنها نفست بعد وفاة زوجها بليالٍ، فجاءت إلى النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم فاستأذنته أن تنكح، فأذن لها، فنكحت". رواه البخاريُّ.
- وأصله في الصحيحين.
هذه عدة الوفاة "سبيعة الأسلمية نفست بعد وفاة زوجها" "نفست" أي: وضعت الحمل، "بعد وفاة زوجها بليال" معدودة عشرون ليلة أو نحوها، "فجاءت النبي صلى الله عليه وسلم فاستأذنته" أي: طلبت منه الإذن أو استفتته؛ وذلك لأن أبا السنابل بن بعكك رآها متجملة للخطاب لما وضعت
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 106)
الحمل فمر بها قال: ما شأنك كيف تتجملين؟ والله لن تنكحي حتى يمضي عليك أربعة أشهر وعشر فلفت عليها ثيابها، ثم جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم تستفتيه وأخبرت أن أبا السنابل قال لها: كذا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "كذب أبو السنابل" يعني: أخطأ، لأن الكذب- في لغة الحجازيين- يطلق على الخطأ، ويطلق على تعمد الخطأ، وأذن لها النبي صلى الله عليه وسلم أن تتزوج، يقول: "فنكحت قبل أن يمضي عليها أربعة أشهر وعشر".
فيستفاد من هذا الحديث فوائد: منها: حرص الصحابة على سؤال النبي صلى الله عليه وسلم، وليعلم أن سؤال الصحابة سؤال للعمل لا للنظر، أي: أنهم يسألون النبي صلى الله عليه وسلم ليعلموا بما قال لا لينظروا ماذا يقول خلافًا، لبعض الناس اليوم، حيث يسألون لينظروا، وتجده يقابل الجواب بفتور! ! أما الصحابة- رضي الله عنهم فيسألو ليعلموا ولهذا تجدهم يقابلو الجواب بالقوة والعمل والقبول، وفرق كبير بين الحالين.
ومن فوائد الحديث: جواز مخاطبة المرأة للرجال لأن أبا السنابل خاطب سبيعة الأسلمية وخاطبته، وهو كذلك، فيجوز للرجل أن يخاطب المرأة، ويجوز للمرأة أن تخاطب الرجل، إلا إذا كان هناك فتنة أو أسباب فتنة؛ ودليل هذا في كتاب الله قال تعالى مخاطبًا أمهات المؤمنين: {فلا تخضعن بالقول فيطمع الَّذي في قلبه مرضٌ وقلن قولًا معروفًا} [الأحزاب: 32]. فالنهي عن الأخص دليل على جواز الأعم فلما نهين عن الخضوع بالقول دل ذلك على أن مطلق القول جائز وهو كذلك لكن إذا خشيت الفتنة فإنه لا يجوز؛ لأن درء المفاسد واجب فإذا خيف من الفتنة فإنه لا يجوز أن يخاطب الرجل المرأة ولا المرأة الرجل حتى بالسلام.
ومن فوائد الحديث: أن الحامل إذا توفي عنها زوجها فقد انتهت عدتها ودليله أن سبيعة نفست بعد وفاة زوجها بليال فأذن لها النبي صلى الله عليه وسلم أن تنكح وهذا دليل على انقضاء العدة وأن قوله تعالى: {ولا تعزموا عقدة النِّكاح حتَّى يبلغ الكتاب أجله} [البقرة: 235]. يعني: تمام العدة بوضع الحمل أو بأربعة أشهر وعشر.
ومن فوائد الحديث: أن الحمل أم العدد وأن الحامل أم المعتدات؛ لأن الحمل يقضي على كل عدة وقد اختلف العلماء- رحمهم الله فيما إذا ولدت المتوفى عنها زوجها قبل أربعة أشهر وعشرٍ، أو تأخر حملها عن أربعة أشهر وعشر، فعن علي بن أبي طالب وابن عباس- رضي الله عنهم أنها تعتد بأطول الأجلين فإن كانت أربعة أشهر وعشر أطول اعتدت بها وإن كان الحمل أطول اعتدت به فإذا وضعت لثلاثة أشهر، قلنا على هذا القول أتمي أربعة
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 107)
أشهر وعشرًا وإن مضت أربعة أشهر وعشر ولم تضع قلنا: انتظري حتى تضعي وهذا القول مخالف للسنة؛ لأن حديث سبيعة صريح في أن الحمل يقضي على كل عدة وعلى هذا فنقول تعتد بوضع الحمل سواء وضعت قبل أربعة أشهر وعشر أو بعد أربعة أشهر وعشر تنتظر الحمل، إلى متى تنتظر الحمل؟ إلى أن تضع فلو بقيت سنة لم تضع تنتظر بقيت سنتين أو ثلاثًا أو أربع تنتظر بقيت خمسًا لا تنتظر؛ لأن أكثر مدة الحمل أربع سنوات لكن هذا هو المذهب والصحيح خلاف ذلك أنه ما دام الحمل في بطنها فإنها لا تنتهي عدتها إلا بوضعه لأن الله تعالى قال: {وأولئك الأحمال أجلهنَّ أن يضعن حملهنَّ} [الطلاق: 4]. فما دامت هذه المرأة لم يأتها رجل والحمل في بطنها منذ مات زوجها وهي امرأة أمينة وترقب الحمل، وقد بقي الحمل في بطنها إلى خمس سنوات، نقول: الصواب أنها تبقى حتى تضع الحمل ولو زاد على أربع سنوات، ويمكن أن تصل المدة إلى خمس أو ست أو سبع، وهو إذا وجد سبع سنوات خرج وله أسنان، على كل حال كيف يمكن أن نقول: انقضت عدتها وحملها في بطنها لا يمكن والله يقول: {وأولات الأحمال أجلهنَّ أن يضعن حملهنَّ} وما هو الحمل الذي تنقضي به العدة- كل هذا متفرع على قولنا: إن الحمل هو أم العدات؟ الحمل الذي تنقضي به العدة قالوا: إنه ما يتبين فيه خلق الإنسان فإن كان علقة لم تنقض به العدة وإن كان مضغة غير مخلقة لم تنقض به العدة، لا تنقض العدة إلا بما تبين فيه خلق الإنسان فإن شككنا لم تنقض العدة إذا لم تنقض نرجع إلى الأشهر، أربعة أشهر وعشرة أيام نكمل أربعة أشهر وعشرة أيام، امرأة توفي عنها زوجها ووضعت قبل أن يدفن الزوج انقضت عدتها وإحدادها أيضًا؛ لأن الإحداد تابع للعدة وإذا رجل يرتقب انقضاء العدة فتزوجها ودخل بها قبل أن يدفن زوجها يجوز، في هذه الحال هل تغسل زوجها؛ لأن المرأة يجوز أن تغسل زوجها؟ لا تغسله لأن العدة انقضت.
ومن فوائد الحديث: أنه إذا تعارض عامَّان فإنه يؤخذ بما دل الدليل على أن أحد العمومين مقدم على الآخر فإن لم يدل الدليل أخذنا بما يجمع العمومين، يوجد عمومان الآن {والَّذين يتوفون منكم ويذرون أزواجًا يتربَّصن بأنفسهن أربعة أشهرٍ وعشرًا} [البقرة: 234]. هذا عامٌّ في الحوامل وغير الحوامل {وأولات الأحمال أجلهنَّ أن يضعن حملهنَّ} [الطلاق: 4]. عامة في
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 108)
المفارقات بالحياة والمفارقات بالموت فبأي العمومين نأخذ؟ نقول إذا لم يوجد دليل على تغليب أحد العمومين أخذنا بما يجمع بينهما كرأي علي وابن عباس؛ لأننا إذا أخذنا بأطول الأجلين فقد أخذنا بالعمومين، أما إذا وجد دليل على أن أحد العمومين أقوى من الآخر فإننا نعمل به وهنا وجد دليل على أن أحد العمومين أقوى من العموم الآخر، ما هو الدليل؟ حديث سبيعة فإنه يدل على أن الحامل إذا وضعت الحمل وإن لم يأت عليها أربعة أشهر وعشر تنقضي عدتها.
- وفي لفظٍ: "أنَّها وضعت بعد وفاة زوجها بأربعين ليلةً".
- وفي لفظٍ لمسلم، قال الزُّهريُّ: "ولا أرى بأسًا أن تزوَّج وهي في دمها، غير أنَّه لا يقربها زوجها حتَّى تطهر".
ما قاله الزهري صحيح، لأنه لا بأس أن يتزوجها بعد نفاسها ولو كانت في دمها لم تطهر من النفاس؛ لكي لا يقربها حتى تطهر وكذلك الحائض لا بأس أن يتزوجها الإنسان وهي حائض، لكن لا يقربها حتى تطهر، ولكن هل ندخله عليها وهي حائض؟ يعني: لو عقد الإنسان على امرأة بكر حائض فالعقد صحيح، ولكن هل ندخله عليها وهي حائض؟ فيه تفصيل: إذا كان الرجل صاحب دين وعقل فإننا ندخله ولا بأس؛ لأنه يعرف أن هذا حرام، أما إذا كان شابًا يظهر عليه التهاون وقلة الدين فإننا لا ندخله لأنه لا يملك نفسه في هذه الحال نقول انتظر حتى تطهر.
عدة الطلاق وفسخ النكاح:
1065 - وعن عائشة رضي الله عنها قالت: "أمرت بريرة أن تعتدَّ بثلاث حيضٍ". رواه ابن ماجه، ورواته ثقاتٌ، لكنَّه معلولٌ.
"بريرة" هي أمة لناس من الأنصار كاتبها أهلها على تسع أواقٍ من الفضة فجاءت تستعين بعائشة رضي الله عنها فقالت عائشة: "إن أحب أهلك أن أعدها لهم ويكون ولاؤك لي ففعلت، فذهبت إلى أهلها فقالت لهم ذلك فأبوا إلا أن يكون الولاء لهم" يعني: أن المعتق عائشة والولاء لغيرها فجاءت بريرة وأخبرت عائشة بأنهم أبوا إلا أن يكون لهم الولاء فقال النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة: "خذيها
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 109)
واشترطي لهم الولاء فأخذتها واشترطت لهم الولاء" فقام النبي صلى الله عليه وسلم خطيبًا في الناس وقال: "ما بال أقوام يشترطون شروطًا ليست في كتاب الله، ما كان من شرط ليس في كتاب الله فهو باطل، وإن كان مائة شرط، قضاء الله أحق وشرط الله أوثق، وإنما الولاء لمن أعتق"، فأبطل الشرط وأخذتها عائشة وأعتقها، وكان لها زوج يسمَّى مغيثًا فخيرها النبي صلى الله عليه وسلم بين أن تبقى معه أو أن تفسخ النكاح فاختارت فسخ النكاح وكانت تبغض زوجها وهو يحبها حبًّا شديدًا ويمشي وراءها في أسواق المدينة يطلب منها ألا تفسخ ولكنها تأبى، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "ألا تعجبون من حب مغبث لبريرة وبغض بريرة لمغيث؟ " يقولون: بلى، لأن العادة أن الحب متبادل والبغض متبادل، لكن هذا خلاف العادة، فأشار النبي صلى الله عليه وسلم على بريرة أن تبقى بعد أن بين لها الحكم الشرعي فقالت: يا رسول الله، إن كنت تأمرني فسمعًا وطاعةً وإن كنت تشير علي فلا رغبة لي فيه، تقدم ما يحبه الله ورسوله على ما تحبه فسخ النكاح، هذا الفسخ هل يوجب عدة الطلاق؟ في هذا خلاف بين العلماء بناء على هذا الحديث، فمن صحح هذا الحديث قال: إنه يجب أن تعتد بثلاث حيض؛ لأن هذا فراق من حياة فوجب أن تعتد به ثلاث حيض كالفراق في الطلاق، وقال آخرون: لا يجب أن تعتد بثلاث حيض؛ لأن هذا فسخ لا رجعة فيه، والقرآن يدل على أن الاعتداد بثلاث حيض لمن يمكن رجعتها؛ لقوله تعالى: {والمطلَّقات يتربَّصن بأنفسهنَّ ثلاثة قروءٍ ولا يحلُّ لهنَّ أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهنَّ إن كنَّ يؤمن بالله واليوم الأخر وبعولتهنَّ أحقُّ بردهن … } [البقرة: 228].
ومعلوم أن المفسوخة لا حق لبعلها في الرجوع إليها وعلى هذا فيكون عدتها استبراء بحيضة واحدة، وإلى هذا ذهب شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله على أن جميع الفسوخ ليس لها إلا حيضة واحدة استبراء، ولكن هذا الحديث له طرق تشهد بصحته، وإذا اجتمعت الطرق ترقى الحديث وإن كان ضعيفًا إلى الحسن، ووجب العمل به ويكون مقدمًا على القياس، ويجاب عن الآية: بأن عود الحكم إلى بعض أفراد العموم لا يقتضي التخصيص بدليل حديث جابر قضى النبي صلى الله عليه وسلم بالشفعة في كل ما لم يقسم، فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة، فإننا لو نظرنا إلى أول الحديث لوجدناه عامًّا في كل مشترك، وإذا نظرنا إلى آخره رأينا أنه خاصٌّ بالأرض، إذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة، ومن ثمَّ اختلف العلماء هل تجب الشفعة في غير الأرض أو لا تجب إلا في الأرض؟ فمنهم من يرى العموم ومنهم يرى الخصوص وفي هذه الحال إذا وجد دليل يرجح هذا القول وجب الأخذ به وعليه فنقول إذا صح هذا الحديث حديث عائشة وجب العمل به، وإلا فالقياس لا يعمل به.
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 110)
من فوائد الحديث: وجوب الاعتداد بثلاث حيض على من فسخ نكاحها لكونها عتقت تحت زوج عبد هذا إن صح الحديث.
ومن فوائده: جواز حبس الفاعل للعلم به لقولها: "أمرت بريرة"، والآمر هو النبي صلى الله عليه وسلم.
ومن فوائده: أن المباشر للقصة يكون أعلم بها من غيره، فإن عائشة رضي الله عنها مباشرة للقصة، لأنها اشترت بريرة وأعتقتها.
حكم السكنى والنفقة للمطلقة البائنة وعدتها:
1066 - وعن الشَّعبيِّ، عن فاطمة بنت قيسٍ رضي الله عنها، عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم في المطلَّقة ثلاثًا: "ليس لها سكنى ولا نفقةٌ". رواه مسلم
المطلقة إما أن تكون مطلقة بواحدة أو اثنتين، فهذا لها نفقة ولها سكنى، يعني: يجب على الزوج أن ينفق عليها وأن يسكنها، بل يجب أن تبقى في بيت زوجها؛ لقول الله تعالى: {لا تخرجوهنَّ من بيوتهنَّ ولا يخرجن إلَّا أن يأتين بفاحشةٍ مُّبينةٍ وتلك حدود الله ومن يتعدَّ حدود الله فقد ظلم نفسه} [الطلاق: 1]. فيجب عليه أن تبقى في البيت نأكل مما يأكل زوجها وتسكن مما يسكن فيه، وإما أن تكون مطلقة آخر ثلاث تطليقات فهذه تبين من زوجها وتحرم عليه حتى تنكح زوجًا غيره، ولا يحل لها الكشف له، ولا أن يخلو بها في العدة؛ لأنها صارت بائنة منه بينونة كبرى لا تحل له إلا بعد الزواج، وعلى هذا فليس لها نفقة وليس لها كسوة، كما قضى به النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنها ليست في حكم الزوجة، بل هي بائن منه، هكذا قضى النبي صلى الله عليه وسلم: وقوله: "في المطلقة ثلاثًا" قد يفهم منه بعض الناس أن فاطمة بنت قيس طلِّقت ثلاثًا في مجلس واحد وليس كذلك، وقد جاء التصريح في صحيح مسلم أنها طلِّقت آخر ثلاث تطليقات، يعني: أن زوجها طلقها ثم راجعها ثم طلقها ثم راجعها ثم طلقها ثالثًا، وكان في اليمن وأمر وكيله أن يأتيها بشيء من شعير حين طلقها متاعًا لها، فجاء به إليها فسخطته وقالت: لا أريده، يعني: كأنها تريد نفقة أحسن من هذا، فقال: ليس لك إلا ذلك، يعني: أنه وكيل ولم يوكل إلا بإعطاء الشعير، فرفع شأنهما إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال لها: "ليس لك نفقة ولا سكنى"، وعلى هذا فيكون الشعير الذي أمر وكيله أن يأتيها إياه يكون على سبيل التبرع والصدقة وليس على سبيل الوجوب هكذا قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال بعض العلماء: إن المطلقة ثلاثًا تجب لها النفقة والسكنى؛ لأنها محبوسة من أجل حق زوجها فهي كالرجعية ولهذا لا يجوز أن تتزوج ما
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 111)
دامت في العدة فإذا كانت محبوسة بحق زوجها وجب لها النفقة والسكنى؛ والنفقة هي الطعام والشراب، والكسوة ولكن هذا القول قياس في مقابلة النص فيكون فاسد الاعتبار لا عبرة به.
القول الثالث: أن لها السكنى دون النفقة؛ لأنها محبوسة لحق زوجها فوجب عليه أن يسكنها وأما النفقة فلا لأنه لا يملك الرجوع إليها والصحيح القول الأول: أنه ليس لها نفقة ولا سكنى إلا إذا كانت حاملًا فلها النفقة لعموم قوله تعالى: {وإن كنَّ أولات حملٍ فأنفقوا عليهنَّ حتَّى يضعن حملهنَّ} [الطلاق: 6]. فإذا كانت حاملًا فإنه ينفق عليها لكن النفقة لها أو للحمل؟ لها من أجل الحمل لا من أجل العدة فتبين الآن أن المطلقات ثلاثة أقسام: قسم حامل فهذه لها النفقة والسكنى بكل حال، وقسم غير حامل لكنها رجعية فهذه كذلك لها النفقة والسكنى، وقسم ثالث حائل بائن فهذه ليس لها نفقة ولا سكنى، لأنها بانت من زوجها، وهل مثل ذلك المفسوخة؟ الجواب: نعم؛ لأن الفسخ لا رجعة فيه للفاسخ، وإنما المراجعة في الطلاق، وعلى هذا فالمفسوخة ليس لهها نفقة ولا كسوة ولا شراب ولا طعام ولا سكنى ما لم تكن حاملًا.
من فوائد الحديث: ما ساقه المؤلف من أجله وهو أن المعتدة البائنة بالثلاث ليس لها نفقة ولا سكنى.
ومن فوائده: جواز الطلاق ثلاثًا؛ يعني: يجوز أن تطلق آخر ثلاث تطليقات التي بها البينونة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أقرَّ ذلك، وقد دل عليه القرآن، قال الله تعالى: {الطَّلاق مرَّتان … } ثم قال: {فإن طلَّقها فلا تحلُّ له من بعد حتَّى تنكح زوجًا غيره} [البقرة: 230].
النهي عن الإحداد على الميت فوق ثلاث إلا الزوج:
1067 - وعن أمِّ عطيَّة رضي الله عنها، أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا تحدُّ امرأةٌ على ميِّتٍ فوق ثلاثٍ إلا على زوجٍ أربعة أشهرٍ وعشرًا، ولا تلبس ثوبًا مصبوغًا، إلا ثوب عصب، ولا تكتحل، ولا تمسَّ طيبًا، إلَّا إذا طهرت نبذةً من قسطٍ أو أظفارٍ". متَّفقٌ عليه، وهذا لفظ مسلمٍ، ولأبي داود، والنَّسائيِّ من الزِّيادة: "ولا تختضب"، وللنَّسائيِّ: "ولا تمتشط".
"لا تحدُّ" بالضم ويجوز الجزم، والفرق بينهما: أن الجزم على تقدير "لا" ناهية، لكنه حرك بالفتح لالتقاء الساكنين، وأما الضم فعلى أنها نافية، فأما على كونها ناهية فالأمر ظاهر، وأما على كونها نافية فالجملة خبرية لكنها بمعنى الطلبية؛ أي: أنها خبر بمعنى النهي، ودائمًا يأتي الخبر بمعنى النهي أو بمعنى الأمر، فمن الثاني قوله تعالى: {والمطلَّقات يتربَّصن بأنفسهن {
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 112)
فالجملة خبرية لكنها بمعنى الأمر وكذلك: {والَّذين يتوفون منكم ويذرون أزواجًا يتربَّصن بأنفسهنَّ أربعة أشهرٍ وعشرًا {.
قال أهل العلم: وفائدة إتيان الخبر في مكان الطلب الإشارة إلى تأكده، وكأنه أمر ثابت يخبر عنه، والعكس يأتي أحيانًا، أي: يأتي الطلب والمراد به الخبر، مثل قوله تعالى: {وقال الَّذين كفروا للَّذين ءامنوا اتَّبعوا سبيلنا ولنحمل خطاياكم} [العنكبوت: 12]. فاللام هنا للأمر لكنه بمعنى الخبر يعني وحن نحمل خطاياكم لكنهم أتوا به بضيغة الأمر من شدة التزامهم به كأنهم يقولون: ونحن نلزم أنفسنا بذلك، وقوله: "امرأة" نكرة في سياق النهي أو النفي فتكون للعموم، أيُّ امرأة سواء كانت أمَّا أم بنتًا أم أختًا أم عمة أم هالة، قوله: "على ميت فوق ثلاث" أي: ثلاث ليال، وإنما جاء الحديث بلفظ ثلاث دون ثلاثة كأنه- والله أعلم- موافقة للآية {والَّذين يتوفَّون منكم ويذرون أزواجًا يتربَّصن بأنفسهنَّ أربعة أشهرٍ وعشرًا} أي: عشر ليال، وهنا "فوق ثلاث" أي: ثلاث ليال، "إلا على زوج أربعة أشهر وعشرًا" يعني: إلا تحد على زوج أربعة أشهر وعشرًا؛ أي: عشر ليال.
وقوله: "أربعة أشهر" المراد بها: الهلالية لأنها هي الأشهر الشرعية الكونية أما كونها شرعية فلقوله تعالى: {شهر رمضان الَّذي أنزل فيه القرءان} [البقرة: 185]. وقد أجمع المسلمون على أن شهر رمضان هنا ما بين الهلالين لا ثلاثين يومًا وأما الكونية فقوله تعالى: {يسئلونك عن الأهلَّة قل هي مواقيت للنَّاس} [البقة: 189]. للناس عمومًا وقوله تعالى: {إنَّ عدَّة الشُّهور عند الله اثنا عشر شهرًا في كتاب الله يوم خلق السماوات والأرض منها أربعةٌ حرمٌ} [التوبة: 36]. وهذا توقيت لجميع الخلق والتوقيت الذي يعمل به الكفار اليوم وتبعهم عليه المستعمرون من المسلمون توقيت لا أصل له؛ ولهذا لم يعرف هذا التاريخ في كتب المسلمين إلا بعد أن تولى المستعمرون على بلادهم، صحيح أنهم يعرفون هذا عن العجم، وربما يشيرون إليه في بعض الكتب، لكن كونه هو تاريخ البلاد الذي تتحدد فيه الآجال وغيرها هذا غير معروف عند المسلمين، ولكن على القاعدة المعروفة أن الضعيف يقلد القوي، صار الناس الآن يقلدون الأقوياء وإن كانوا على باطل إلا من عصم الله، قال: "ولا تلبس ثوبًا مصبوغًا إلا ثوب عصب" الثياب المصبوغة في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم ثياب الزينة فلهذا نهى أن تلبس ثوبًا مصبوغًا فليبقى على ما هو عليه على ما نسج عليه إن كان من صوف أسود فهو أسود، وإن كان من وبر أحمر فهو أحمر، على ما هو عليه.
يقول "إلا ثوب عصب" وهذا ثياب معروفة عندهم تكون خيوطها من الأصل مصبوغة،
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 113)
يعني: لا يرد عليها الصبغ بل الخيوط مصبوغة من الأصل وهذه الثياب كأنها- والله أعلم- ثياب بذلة لا ثياب زينة فلهذا استثناها النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ولا تكتحل" والكحل يكون في العين وظاهر النهي لا تكتحل لا في الليل ولا في النهار ولا للزينة ولا للدواء لا تكتحل، وقوله: "ولا تمس طيبًا" أي: لا تمسه استعمالًا: لا تستعمله سواء مسته أو عن طريق الميل جعلته في ثيابها مثلًا المهم ألا تستعمله؛ لأن كلمة "طيبًا" تعم كل طيب، لكن النهي عن مسه يتناول كل شيء "إلا إذا طهرت نبذة من قسط أو أظفار"، والقسط نوع من الطيب قيل: إنه البخور تتبخر به إذا طهرت، وقوله: "نبذة" وهي الشيء القليل، وذلك لحاجتها الماسة إلى استعمال هذا الطيب، فرخص لها النبي صلى الله عليه وسلم من أجل الحاجة والضرورة؛ ولأنه يزول لأنه دخان يتبخر.
ولأبي داود والنسائي من الزيادة: "ولا تختصب" أي: تنقش يديها أو رجليها بالخضاب حنة أو غيرها، وللنسائي "ولا تمتشط" أي: ترجل شعرها بالمشط، لماذا؟ لأن هذا كله من التجمل.
حكم التطيب والحناء في الحداد:
1068 - وعن أمِّ سلمة رضي الله عنها قالت: "جعلت على عيني صبرًا، بعد أن توفِّي أبو سلمة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنَّه يشب الوجه، فلا تجعليه إلا باللَّيل، وانزعيه بالنَّهار، ولا تمتشطي بالطِّيب ولا بالحنَّاء، فإنَّه خضابٌ. قلت: بأيِّ شيءٍ أمتشط؟ قال: بالسِّدر". رواه أبو داود، والنَّسائيُّ، وإسناده حسنٌ.
أبو سلمة رضي الله عنه كان ابن عم أم سلمة وكانت تحبه ويحبها ولما توفي كانت قد سمعت من الرسول صلى الله عليه وسلم أن الإنسان إذا أصيب بمصيبة فقال: "اللهم آجرني في مصيبتي واخلف لي خيرًا منها" أن الله يأجره على مصيبته ويخلف له خيرًا منها، فقالت ذلك عند موت أبي سلمة ولكنها تقول في نفسها: من خير من أبي سلمة؟ ! ليست تنكر أنها تجد خيرًا لا، لأنها موقنة لكنها تفكر من سيكون خيرًا من أبي سلمة، وما انقضت عدتها حتى خطبها النبي صلى الله عليه وسلم فكان خيرًا من أبي سلمة، ثم إن أبي سلمة رضي الله عنه دخل عليه النبي صلى الله عليه وسلم وقد شخص بصره أي: قد توفي وانفتح فأغمضه وقال: "اللهم اغفر لأبي سلمة، وارفع درجته في المهديين، وأفسخ له في قبره، ونوِّر له فيه، واخلفه في عقبه"، خمس دعوات تزن الدنيا كلها، فلما كان دعاء النبي صلى الله عليه وسلم ضج ناس من أهله وعرفوا أنه مات، وجدنا من هذه الخمس شيئًا وقع وهو أن الله خلفه في عقبه حيث جعل عقبه يتربى في حجر النبي صلى الله عليه وسلم والبقية إلى الله لكن نرجو أن الله أجابها- سبحانه وتعالى تقول
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 114)
رضي الله عنها: جعلت على عيني صبرًا بعد أن توفي أبو سلمة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنه يشب الوجه" يعني: يحسنه ويضيؤه، وأصله من شبت النار إذا لمعت وأضاء لهبها، قال: "فلا تجعليه إلا بالليل وانزعيه بالنهار" الباء هنا بمعنى "في" فهي للظرفية والباء تأتي للظرفية كثيرًا كما في قوله تعالى: {وإنَّكم لتمرون عليهم مُّصبحين (137) وبالَّليل} [الصافات: 137، 138]. أي: وفي الليل، "ولا تمتشطي بالطيب ولا بالحناء فإنه خضاب" يعني: لا تمتشطي بالشيء المطيب أو بالطيب نفسه كالورس؛ لأن النساء يتمشطن بالورس يكتسب الرأس من الورس لونًا ورائحة ولا بالحنَّاء؛ لأن يجمل الرأس، فإنه خضاب، "قلت: بأي شيء أمتشط؟ قال: بالسدر".
حكم الكحل في الحداد:
1069 - وعنها رضي الله عنها: "أنَّ امرأةً قالت: يا رسول الله، إنَّ ابنتي مات عنها زوجها، وقد اشتكت عينها، أفتكحلها؟ قال: لا". متَّفقٌ عليه.
وقد سبق أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الكحل فهذه الأحاديث الثلاثة تدل على حكم الإحداد وعلى ما يتجنب في الإحداد فلنبدأ أولًا بحديث أم عطية:
ففيه دليل على فوائد: أولًا: تحريم الإحداد فوق ثلاثة أيام على المرأة إلَّا على الزوج فلا تحد على أبيها ولا على أمها ولا على أخيها ولا على أحد من أقاربها أكثر من ثلاثة أيام وهل يلحق بالزوجة وهي أنثى الرجال؟ الجواب: نعم، يلحق بها الرجال، فيجوز للرجل وللمرأة أن تحد على غير الزوج ثلاثة أيام والحكمة من ذلك أن هذا من تيسير الشريعة؛ لأن الإنسان ربما يتألم من المصيبة ألمًا كبيرًا لا ينشرح صدره للزينة والرفاهية يعزب أن يملك نفسه للتزين والتطيب والتجمل فرخص له الشرع بثلاثة أيام لإعطاء النفس حظها وهذا من باب التربية النفسية؛ لأنك إذا أعطيت النفس حظها فهو خير من كتمها إذ إنها إذا كتمت ربما تنفجر؛ ولهذا يحسن بنا إذا رأينا الصبي يبكي أن ندعه يبكي؛ لأنه إذا بكى طابت نفسه، وذهب ما في صدره لكن إذا منعته وزجرته وسكت على إغماص، فإن ذلك يبقى في صدره ضيقًا، إذن يجوز الإحداد في ثلاثة أيام فأقل على كل ميت وهل يجوز أن يتكرر هذا الإحداد؟ لا يجوز؛ لأنه لو تكرر وصار كلما مر أسبوع أو أربعون يومًا أو غيرها أعدناه صار الإحداد فوق ثلاثة أيام.
فإذا قال قائل: ما نوع هذا الإحداد الجائز؟ هل معناه تنكيس الإعلام وما أشبه ذلك مما يفعله بعض الناس؟ الجواب: لا، وإنما الإحداد يتعلق بنفس الشخص، يعني: لا يلبس الثياب الجميلة لا يتطيب، لا يخرج للنزهة وما أشبه ذلك، أما أن يكون ذلك شيئًا يعمل منفصلًا عن الرجل فهذا يشبه أن يكون من باب التسخط على قضاء الله.
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 115)
ومن فوائد الحديث: تيسير الشرع بإعطاء النفوس حظها في أمر الأصل فيه التحريم مثل جواز الإحداد ثلاثة أيام فأقل، ومن ذلك أنه أعطى النفوس حظها من اللهو في أيام العرس وأيام الأعياد وقدوم الغائب الكبير؛ لأن النفوس تحتاج إلى سعة لو أبقيتها دائمًا بجد تعبت، فرخص لها في المناسبات التي تدعو الحاجة إلى الانطلاق بعض الشيء.
ومن فوائد الحديث: اعتبار الثلاث أي العدد الثلاث وهذا معتبر كثير في عدة أمور حتى في الأحاديث تجد مثلًا أحاديث كثيرة ثلاثة لهم كذا وكذا، ثلاث لا يغل عليهن قلب مؤمن، المهم أنه كثير اعتبار الثلاث وهل هو أكثر من اعتبار السبع؟ نعم، وهل هو أكثر من اعتبار الخمس؟ نعم، لكن في شك مع اعتبار السبع مع الثلاث أيهما أكثر.
ومن فوائد الحديث: وجوب الإحداد مدة عدة الوفاة لقوله: "إلا على زوج أربعة أشهر وعشرًا" فإن قال قائل: نحن ننازع في هذه الفائدة من وجهين:
أولًا: قولنا: وجوب الإحداد مع أن الاستثناء من شيء محرم فيقتضي أن يكون هذا الاستثناء للإباحة.
ثانيًا: أنه من قال أن المراد: "على زوج فارقها بالموت" ألا يشمل من فارقها في الحياة.
فالجواب: أما عن الأول فإنا نقول بوجوب الإحداد من وجهين:
الوجه الأول: أن نهيه عن الإحداد أكثر من ثلاث يدل على أن الأصل التحريم والغالب أن المحرم لا يباح إلا بما هو أقوى منه وهو الواجب، وهذا وجه فيه ضعف.
الثاني: أن نقول: إن آخر الحديث يدل على أن الإحداد على سبيل الوجوب لأنه قال: "لا تلبس ثوبًا مصبوغًا ولا … ولا تكتحل، ولا تمس طيبًا … " فذكر مناهي، فدل هذا على أن الإحداد واجب، وأما الثاني- وهو أنه ما الذي أعلمنا أن المراد عدة الوفاة دون عدة الفراق في الحياة- فالجواب تحديدها بأربعة أشهر وعشر، وليس هناك شيء يحدد بأربعة أشهر وعشر من العدد إلا عدة الوفاة فتعين الآن أن المراد بقوله: "على زوج" يعني: إذا مات بأنها تحد بأربعة أشهر وعشر.
فإن قال قائل: هل يستثنى من ذلك الحامل؟
قلنا: نعم يستثنى من ذلك الحامل؛ لأنها لا تحد إلا على قدر العدة وعدة الحامل؛ سبق أنها وضع الحمل، وعلى هذا إذا وضعت لشهر واحد صار إحدادها شهرًا واحدًا وإن وضعت لعشرة أشهر صار إحدادها عشرة أشهر، المهم أنه يستثنى من قولها: "أربعة أشهر وعشرًا"، الحامل فإحدادها إلى انتهاء عدتها.
ومن فوائد الحديث: بيان عظم حق الزوج على زوجته وذلك لإيجاب الإحداد عليه بعد وفاته، حتى لا يطمع أحد في خطبتها فينتهك حرمة الزوج؛ ولهذا حرمت أمهات المؤمنين على الأمة تحريمًا مؤبدًا لأن حق الرسول صلى الله عليه وسلم أعظم من كل حق سوى حق الله- سبحانه وتعالى.
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 116)