وهذا هو القول المتعين، وهو الصواب، وفسر العذاب بهذا المعنى، فيكون قوله: {ويدرءوا عنها العذاب} [النور: 8]. أي: حد الزنا رجما كان أو جلدًا، ويدل لذلك قوله تعالى في الزاني والزانية: {وليشهد عذابهما طائفةٌ من المؤمنين} [النور: 2].
فجعل حد الزنا عذابًا وهو كذلك إن تكل هو عن اللعان يعني لما لم تقر ولم يأت ببيئة وقلنا له: لاعن. قال: لا ألاعن، ماذا نصنع؟ نقيم عليه حد القذف، فصار الزوج إن نكل أقيم عليه حد القذف، والزوجة إن نكلت بعد ملاعنة الزوج أقيم - عليها على القول الراجح - حد الزنا، صار هذا الحديث يعتبر منسوخًا بالقرآن هكذا قال بعض العلماء، وقيل: ليس منسوخًا بالقرآن ولكنه مخصوص بالقرآن، وهذا القول هو الصحيح أي: أنه مخصوص بالقرآن، لكن إن ورد عن السلف أنه منسوخ فإن السلف يجعلون التخصيص نسخًا، ووجه ذلك: أن التخصيص نسخٌ للعموم؛ لأنه أخرج بعض أفراد العموم عن الحكم العام وهذا نوعٌ من النسخ، فالسلف - يعني: الصحابة والتابعين - قد يعبرون بالنسخ ويريدون به التخصيص، والصحيح أنه تخصيص.
وخلاصة هذا الحديث نقول: إذا قذف الرجل زوجته بالزنا فلا تخلو الحال من أربعة أحوال.
الأولى: أن تقر بالزنا فيقام عليها الحد.
الحال الثانية: أن يقيم عليها بينة بعد أن تنكر، فيقيم عليها بينة، فيقام عليها الحد.
الحال الثالثة: إلَّا يكون عنده بينة وينكل عن اللعان إذا طلبناه منه، فيقام عليه هو الحد.
الحال الرابعة: أن يلاعن؛ يعني: ألَّا يكون عنده بينة ويلاعن، ولا تلاعن الزوجة فيقام عليها الحد على القول الصحيح؛ أي: حد الزنا وليس الحبس.
الحال الخامسة: أن يلاعن وتلاعن هي أيضًا، وفي هذه الحال لا يقام عليه الحد حد القذف ولا يقام عليها حد الزنا، ولكن يفرق بينهما تفريقًا مؤبدًا لا تحل له أبدًا، هذا حكم قذف الرجل زوجته، وعرفتم كيف نخرج قوله صلى الله عليه وسلم: "البينة وإلا حد في ظهرك" بأن هذا كان قبل نزول آية اللعان.
قال: وفي البخاريِّ نحوه من حديث ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما.
وهو كذلك الذي في البخاري من حديك ابن عبَّاسٍ قريب من هنا، بل إن قوله: "البينة أو حد في ظهرك" جاءت في البخاري بهذا اللفظ.
* * *
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 379)
حد المملوك القاذف:
1178 - وعن عبد الله بن عامرٍ بن ربيعة قال: "لقد أدركت أبا بكرٍ، وعمر، وعثمان، ومن بعدهم، فلم أرهم يضربون المملوك في القذف إلَّا أربعين". رواه مالكٌ، والثَّوريُّ في جامعه.
في قوله: "لقد أدركت أبا بكر" فيه نظر، والذي في الموطأ: "أدركت عمر وعثمان"، وذلك أن عبد الله بن عامر بن ربيعة لم يدرك أبا بكر، فيكون حديثه عن أبي بكر مرسلًا لكنه في الموطأ بدون ذكر أبي بكر.
في هذا الأثر يقول: "فلم أرهم يضربون المملوك في القذف إلَّا أربعين"، وعلى هذا فيكون حد القذف بالنسبة للمملوك إذا قذف غيره يكون أربعين جلدة، فإذا صح هذا عن هؤلاء الخلفاء فالأمر واضح لنا فيهم أسوة، وإن لم يصح فإن القول الراجح أن المملوك في حد القذف كغيره ولا يصح قياسه على حد الزنا الذي ثبت فيه التنصيف بقوله تعالى: {فإذا أحصنَّ فإن أتين بفاحشةٍ فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب} [النساء: 25]. ووجه عدم صحة القياس: أن القذف يرجع إلى معنى في غير المقذوف، والزنا يرجع إلى معنى في الزاني، كيف كان القذف يرجع إلى معنى في غير المقذوف؟ لأن القذف يلحق به العار؛ أي: المقذوف، وهذا لا فرق فيه بين الحر والعبد، لاسيما إذا كان العبد معروفًا بالتأني والثقة، فإن العار الذي يلحق المقذوف بقذف هذا العبد كالعار الذي يلحقه بقذف الحر ولا فرق.
ربما يقول قائل: إن قذف المملوك يعني: قذف العبد لغيره لا يؤبه به ولا ينظر إليه؛ لأن عادة العبيد في الغالب أنهم لا يهتمون بهذه الأمور، وأنهم يطلقون القذف ولا يبالون به.
فيقال: هذا وارد، لكن مثل هذا التعليل لا يمكن أن يخصص قوله تعالى: {والَّذين يرمون المحصنات ثمَّ لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدةً} [النور: 4]. ثم إن القذف من المملوك لا فرق فيه عندكم بين المملوك الذي يعتبر قوله والذي هو عند الناس بمنزلة الحر وبين المملوك الذي ليس بهذا المستوى.
فعلى كل حال: إن صح ما نقل عن هؤلاء الخلفاء فالأمر واضح؛ لأن لهم سنة واضحة، وإن لم يصح فالقول ما قاله أهل الظاهر أن المملوك كالحر يجلد ثمانين جلدة، ولا يصح قياس القذف على الزنا لما علمتم من أن الزنا يتعلق عاره بالزاني والقذف، يتعلق عاره بالمقذوف.
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 380)
1179 - وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من قذف مملوكه يقام عليه الحدُّ يوم القيامة، إلا أن يكون كما قال". متَّفقٌ عليه.
قوله: "من قذف مملوكه" هل "من" شرطية أو موصولة؟ أما كونها موصولة فلا إشكال فيه؛ لأن قوله: "يقام عليه الحدُّ" مرفوع؛ يعني: لا إشكال بأن يأتي اسم الموصول مبتدأ وخبره فعل مضارع مرفوع، لكن إذا كانت شرطية فهنا إشكال كيف رفع الفعل المضارع وهو جواب الشرط؟ والجواب عن ذلك: أنه إذا كان فعل الشرط ماضيًا وجوابه مضارعًا جاز رفع المضارع وجزمه، وفي هذا يقول ابن مالك:
وبعد ماضٍ رفعك الجزا حسن … ورفعه بعد مضارعٍ وهن
يعني: أنه يجوز إذا كان جواب الشرط فعلًا مضارعًا وفعل الشرط فعلًا ماضيًا يجوز لك في الجواب وجهان الأول: الجزم وهو الأصل، والثاني: الرفع، فهل في مثل هذه العبارة نسلك ما لا إشكال فيه، أو نسلك ما فيه إشكال لنزيل الإشكال؟ أما الذي لا يعرف النحو سيقول: نسلك الأول ونستريح، والذي يريد أن يعرف النحو ويتعمق فيه يقول: سأسلك الذي فيه الإشكال حتى ينحل عني الإشكال.
قوله: "من قذف مملوكه" أي: قال له: يا زان أو يا لوطي، يقام عليه الحد يوم القيامة؛ لأن يوم القيامة هو الذي يظهر فيه العدل ظهورًا كاملًا، والمملوك في الدنيا لا يستطيع أن يطالب سيده في أن يقام عليه الحد؛ لأنه يخشى منه، ولأنه قد لا يصدّق في دعواه أنه قذفه … إلى غير ذلك من الأسباب التي قد لا تمكِّن المملوك من إقامة الحد على سيده بقذفه إيام ثم إن قلف السيد لمملوكه بالزنا أو اللواط يعود ضرره على السيد، لأن هذا المملوك إذا كان موصوفًا بهذا الوصف من قبل سيده فإن قيمته سوف تنزل، ولهذا لا يقام الحد على السيد؛ لأن الغالب أنه إذا قال ذلك فإنما يقول عن يقين أو غلبة ظن؛ إذ لا يمكن أن يصف عبده بصفة تنزل بها قيمته لأن هذا ضرر عليه في هذا الحديث عدة مسائل: المسألة الأولى: إثبات الملكية للبشر لقوله: "من قذف مملوكه"، وهذا الحكم ثابت بالقرآن والسُّنة، قال الله تبارك وتعالى: {إلَّا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنَّهم غير ملومين} [المعارج: 30]. والسُّنة كما رأيتم، وأجمع العلماء علي ثبوت الملكية للبشر.
ومن فوائد الحديث: تحريم قذف السيد لمملوكه، وجه ذلك: أنه يعاقب عليه يوم القيامة.
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 381)
ومن فوائد الحديث: أن الجزاء كما يكون في الدنيا يكون في الآخرة، ومن قال: إن الآخرة ليست دار تكليف فليس على إطلاقه؛ لأن الآخرة فيها تكليف، لكنه ليس كالتكليف في الدنيا، أرأيتم قوله تعالى: {يوم يكشف عن ساقٍ ويدعون إلى السُّجود فلا يستطيعون} [القلم: 42]. قال: {يدعون إلى السُّجود} [القلم: 43]. وهذا تكليف، فالآخرة فيها شيء من التكليف لكن ليس كالتكليف في الدنيا.
ومن فوائد الحديث: إثبات يوم القيامة، وهو الذي يبعث فيه الناس، وسمي يوم القيامة لوجوه ثلاثة: الأول: أن الناس يقومون من قبورهم لله عز وجل والوجه الثاني: أنه يقام فيه تمام العدل، والوجه الثالث: أنه يقوم فيه الأشهاد كما قال تعالى: {إنَّا لننصر رسلنا والَّذين آمنوا في الحياة الدُّنيا ويوم يقوم الأشهاد} [غافر: 51].
ومن فوائد الحديث: أنه لا حد على السيد إذا كان الأمر كما قال لقوله صلى الله عليه وسلم: "إلَّا أن يكون كما قال"، ويتفرع على هذه الفائدة فائدة عظيمة بل فوائد عظيمة واسعة منها: لو أن الرجل حلف على شيء يعتقد أنه على ما حلف عليه فتبين خلافه فإنه لا يحنث، وكذلك لو حلف على زوجته بطلاق وتبين أن الأمر بخلافه فإنها لا تطلق كما لو قيل له مثلا: إن فلانًا يكلم زوجتك فقال: أهكذا حصل؟ قيل: نعم، قال: إذن هي طالق، ثم تبين أن الذي كان يكلمها ليس هو الذي أوقع الطلاق من أجل مكالمته، فهنا لا تطلق الزوجة حتى وإن صرح بالطلاق؛ لأن هذا الطلاق مبني على سبب تبين أنه لم يوجد، كذلك أيضًا لو أن رجلًا حلف على شيء يعتقد صحة ما حلف فتبين أنه على خلافه فإنه لا حنث عليه؛ لأنه إنما حلف على شيء يعتقده، فإذا كان يحلف على شيء يعتقده فتبين خلافه فإنه لا يضر.
* * *
3 - باب حدِّ السَّرقة
"حد السرقة" يعني: عقوبة السارق، وليس المراد بالحد هنا: التعريف، والسرقة: أخذ المال على وجه الاختفاء من مالك أو نائبه، فقولنا: "أخذ المال" خرج به أخذ ما ليس بمال فإنه لا يعد سرقة شرعًا؛ لأنه لا حرمة له، كما لو سرق الإنسان آلة لهو فإنه ليس بسارق شرعًا؛ لأن هذه الآلة لا يقر عليها مالكها فهي حرام، وقولنا: "من مالك" خرج به ما لو سرق من غير المالك مثل أن يسرق من سارق فإنه لا يقطع، لماذا؟ لأن بقاء المال بيد السارق الأول بقاء غير شرعي لا يقر عليه، فالسارق من السارق لا يقطع، وليس كما قال العامة: السارق من السارق كالوارث من أبيه! هذا غير صحيح؛ لأن الوارث من أبيه يرث مالًا حلالًا وهذا لا يرث اللهم إلَّا إذا كان يسرق من السارق ليوصله إلى صاحبه فهذا جزاه الله خيرًا، وقولنا: "من نائبه" أي: من ينوب مناب المالك كمستأجر العين ومن استودعت عنده والمرتهن وغير ذلك، المهم كل من
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 382)
قام مقام المالك فإذا سرق منه فهي سرقة شرعًا، إذن هل السرقة شرعًا أعم أم السرقة لغة؟ نقول: السرقة لغة أعم، والغالب في جميع التعريفات أن التعريف اللغوي أعم من التعريف الشرعي؛ لأن التعريفات الشرعية متلقاة من الشرع.
ثم إن السرقة من كبائر الذنوب؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لعن السارق، واللعن لا يكون إلَّا على كبيرة من كبائر الذنوب، ولأن فيها حدًّا في الدنيا، وقد ذكر العلماء رحمهم الله أن كل ذنب فيه حدٌّ في الدنيا فهو من كبائر الذنوب فهي حرام، ومنزلتها في المحرمات أنها من كبائر الذنوب وتوجب القطع - قطع اليد - لقول الله تعالى: {والسَّارق والسَّارقة فاقطعوا أيديهما جزاءً بما كسبا نكالًا من الله والله عزيزٌ حكيمٌ} [المائدة: 38]. {والسَّارق والسَّارقة} يعني: من ثبت آنه سارق أو سارقة فاقطعوا والخطاب للأمة ويقصد به أو بالقصد الأول ولاة الأمور، {أيديهما} جمع يد، ومعلوم أنه لا يقطع من الإنسان إلَّا يد واحدة، لكن المتعدد إذا أضيف إلى متعدد فالأفصح فيه الجمع، وقوله: {أيديهما} لم يقيدها سبحانه وتعالى فتختص بالكف؛ لأن اليد إذا لم تقيد فهي الكف، والدليل على هذا قوله تعالى في التيمم: {فامسحوا بوجوهكم وأيديكم مِّنه} [المائدة: 6]. ومعلوم أن التيمم في الكف فقط، وقوله: {أيديهما} في القراءة المشهورة اليد مجملة، أو إن شئت فقل: مبهمة، لكنه فسرها قراءة عبد الله بن مسعود رضي الله عنه حين قال: {فاقطعوا أيمانهما} فيكون المراد باليد: اليد اليمنى، ولأنها هي آلة الآخذ والإعطاء غالبًا، {جزاءً بما كسبا نكالًا من الله} [المائدة: 38]. أي: جزاء بكسبهما؛ أي: بما كسباء من المال المحرم {نكالًا من الله} أي: عقوبة حتى ينكل الناس عن السرقة، {والله عزيزٌ حكيمٌ} [المائدة: 38]. فلعزته وحكمته وحكمه قطع، ويذكر أن أعرابيًا سمع قارئًا يقرأ: {والله غفورٌ رَّحيمٌ} فأمره الأعرابي أن يعيد الآية فقال: {جزاء بما كسبا نكالًا من الله والله غفورٌ رَّحيمٌ}. فأمره فأعاد في الثالثة والرابعة فقال: {والله عزيزٌ حكيمٌ} قال الأعرابي: الآن؛ يعني: الآن أصبت لأنه عزَّ وحكم فقطع، ولو غفر ورحم ما قطع، وصدق الأعرابي لو غفر ورحم ما قطع، ولهذا قال في قطاع الطريق: {إلَّا الَّذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا أنَّ الله غفورٌ رَّحيمٌ} [المائدة: 34]. قال العلماء: يؤخذ من هذا أنهم إذا تابوا قبل أن يقدر عليهم سقط عنهم الحد، وظاهر الآية الكريمة: {والسَّارق والسَّارقة فاقطعوا أيديهما} [المائدة: 38]. العموم، وأن السارق يقطع سواء سرق من جرز أو من غير حرز، وسواء سرق قليلًا أو كثيرًا لأن الآية مطلقة: "السارق"، وبهذا أخذ الظاهرية وقالوا كل سارق يقطع ولم يلتفتوا إلى السُّنة، وبعضهم التفت إليها في الذهب فقط، فقالوا: الذهب لا يقطع إلَّا ما بلغ النصاب - أي: نصاب القطع -، وما سوى ذلك فإنه يقطع فيه بالقليل والكثير، ولكن الصحيح أنه لا بد من بلوغ النصاب، ويدل لذلك قوله:
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 383)
نصاب السرقة الموجب للقطع:
1180 - عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تقطع يد سارقٍ إلا في ربع دينارٍ فصاعدًا". متَّفقٌ عليه، واللَّفظ لمسلمٍ، ولفظ البخاريِّ: "تقطع يد السارق في ربع دينارٍ فصاعدًا".
- وفي رواية لأحمد: "اقطعوا في ربع دينارٍ، ولا تقطعوا فيما هو أدنى من ذلك".
هذه ثلاث روايات: الأولى يقول: "لا تقطع يد السارق إلَّا في ربع دينار" يعني: إلَّا إذا سرق ربع دينار، والدينار الإسلامي زنته مثقال من الذهب، وعلى هذا فتقطع في ريع مثقال من الذهب، وقوله: "فصاعدًا"، أي: فذهب القدر صاعدًا، وقد أعربها النحويون على أنها حال حذف منها عاملها وصاحبها، وتقدر في كل سياق بحسبه.
الحديث يقول: "لا تقطع إلَّا في ربع دينار فصاعدًا"، فلو سرق لمن دينار أو سدس دينار فلا قطع، إذا سرق ثلث دينار تقطع؛ لأن الثلث أكثر من [الربع] فيدخل في قوله: "فصاعدًا".
لفظ البخاري يقول: "تقطع يد السارق" وهو خبر بمعنى الأمر؛ لأن الخبر قد يأتي بمعنى الأمر كما في هذا الحديث وكما في قوله تعالى: {والَّذين يتوفَّون منكم ويذرون أزواجًا يتربَّصن بأنفسهنَّ أربعة أشهرٍ وعشرًا} [البقرة: 234]. وكما في قوله: {والمطلَّقات يتربَّصن بأنفسهنَّ ثلاثة قروءٍ} [البقرة: 228]. وكما في قول الرسول صلى الله عليه وسلم يهل أهل المدينة من ذي الحليفة، فقوله: "تقطع" هي خبر بمعنى الأمر؛ ولهذا أتى المؤلف رحمه الله برواية أحمد التي فيها "اقطعوا في ربع دينار" هذا يوافق رواية البخاري: "ولا تقطعوا فيما هو أدنى من ذلك" يوافق رواية مسلم فتكون رواية أحمد جمعت بين الروايتين.
فيستفاد من هذا الحديث فوائد: أولًا رأفة الله عز وجل بالعباد في كون الشيء اليسير لا قطع فيه.
وثانيًا: أنه لابد من نصاب لقطع السرقة، والتصاب هنا ربع دينار، فإذا سرق ما دون ذلك فلا قطع.
فإن قال قائل: ألم يقل النبي صلى الله عليه وسلم: "لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع يده، ويسرق الحبل فتقطع يده" فكيف نجمع بين الحديثين؟
نقول: إن قول الرسول صلى الله عليه وسلم: "لعن الله السارق يسرق البيضة" يحمل على بيضة تبلغ قيمتها ربع دينار، وهذا يمكن في زمن المسغية يمكن أن تصل البيضة دنانير، وقد وقع هذا في زمننا
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 384)
في بعض الجهات، أو يقال: إن المراد بالبيضة: البيضة التي توضع على الرأس عند القتال، وهي عبارة عما يشبه الإناء يضعه الإنسان على رأسه يتقي به السهام، أما الحبل فالحبل من الحبال ما يبلغ ربع دينار، الحبل المطوي الطويل يبلغ ربع دينار أو يقال: إن المراد بالحبل: الحبال الغليظة التي تربط بها السفن على الساحل، وهو يبلغ هذه القيمة. المهم: أنه لا بد من تأويل الحديث مع ما يتناسب مع الحديث الثاني.
ومن فوائد الحديث: أن سرقة ربع الدينار تهدر عصمة اليد، وقد اعترض بعض الزنادقة على الشريعة في هذا الحكم وقال: كيف تقطع اليد في ربع دينار، وإذا قطعت اليد وجب فيها خمسمائة دينار؟ فدية اليد خمسمائة دينار، فكيف تقطع هذه التي قيمتها خمسمائة دينار في ريع دينار، وهل هلًا إلَّا تناقض، وفي ذلك يذكر عن المعري أنه قال في ذلك: [البسيط]
يدٌ بخمس مئينٍ عسجدًا وديت … ما بالها قطعت في ربع دينار
تناقضٌ ما لنا إلَّا السُّكوت له
وصدق في قوله: "إلًا السكوت له"، وكلب في قوله: "تناقض"، لا يوجد تناقض، فأجيب:
قل للمعري عارٌ أيما عار … جهل الفتى وهو عن ثوب التُّقى عار
معناه: أنك جاهل ولا عندك تقوى؛ لأن الجاهل الواجب عليه أن يسكت، وبيّن أنه إنما قطعت بربع دينار حماية للأموال، ووديت بخمسمائة دينار حماية للنفوس، ولهذا قال:
حماية النَّفس أغلاها وأرخصها … حماية المال فافهم حكمة الباري
وقال بعضهم: لما خانت هانت، ولما كانت أمينة كانت ثمينة، فالحاصل: أن الحكمة واضحة جدًّا، وأن الله تعالى جعل ديتها خمسمائة دينار حفظًا للنفوس حتى لا يجترئ أحد على قطع الأيدي، وجعلها تقطع في ربع الدينار حماية الأموال حتى لا يجترئ السراق على أموال الناس.
1181 - وعن ابن عمر رضي الله عنهما: "أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قطع في مجنٍّ، ثمنه ثلاثة دراهم". متَّفقٌ عليه.
"قطع في مجن" أي: بسبب، فـ "في" هنا للسببية، وفي الكلام محذوف والتقدير: في سرقة مجن، والمجن: ما يجتنُّ به المقاتل عن القتال، ويقال له: ترس يتترس به المقاتل، ثمنه ثلاثة دراهم فقطع في ثلاثة دراهم، فهل هذا الحديث يخالف ما سبق: "لا تقطع إلَّا في ربع دينار؟ "
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 385)
نقول: لا، لا يخالف، لأنه يجب أن نقول: ثلاثة دراهم قيمتها في ذلك الوقت ربع دينار؛ ولهذا جاءت الدية ألف مثقال ذهبًا واثني عشر ألف درهم فضة وألف مثقال ذهبًا، فصار الآن ثلاثة در هم ربع دينار، فهكذا كانت القيمة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم قيمة الدينار كانت اثني عشر درهمًا فتكون ثلاثة دراهم تساوي ربع دينار، وحينئذ لا معارضة بين هذا الحديث وبين قوله صلى الله عليه وسلم: "لا تقطع يد السارق إلَّا في ربع دينار".
فإن قال قائل: إن قول ابن عمر هذا مبني على ظنه.
قلنا: الأصل عدم الظن، وأنه يعلم أن ثمنه لو بيع لكان ثلاثة دراهم، ولكن الجمع كما قلنا، لو سرق ثلاثة دراهم ليس شيئًا يساوي ثلاثة دراهم بل سرق ثلاثة دراهم هل تقطع أو لا؟ تقطع؛ لأن ثلاثة دراهم ربع دينار - نصاب -، واختلف العلماء رحمهم الله فيما لو اختلف السعر عن عهد النبي صلى الله عليه وسلم فهل المعتبر الدراهم أو الدنانير أو الأعلى ثمنًا وقيمة؟ فقيل: المعتبر الدراهم، وقيل: الدنانير، وقيل: الأرفع قيمة، يعني: قد يكون ربع الدينار أربعة دراهم، وقد يكون ربع الدينار درهمين، والصحيح أن المعتبر ربع الدينار، فلو زادت الدراهم أو قلَّت الدراهم أو رخصت فلا عبرة، بها العبرة بالدنانير، فإذا سرق ربع دينار أو ما يساوي ربع الدينار فإنه يقطع.
1182 - وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، "لعن الله السَّارق؛ يسرق البيضة فتقطع يده، ويسرق الحبل فتقطع يده". متَّفقٌ عليه أيضًا.
هذا يحتمل أن يكون خبرًا، ويحتمل أن يكون دعاءً، وهذا واضح إذا صدر عن النبي صلى الله عليه وسلم، أما إذا صدر عن غيره فإن ثبت اللعن فهو خبر وإلَّا فهو دعاء، فقول الرسول: "لعن الله السارق" يحتمل أنه خبر عن الله، أي: يخبر بأن الله لعن السارق، ويحتمل بأنه دعاء، وأيًّا كان فإنه دليل على أن السرقة من كبائر الذنوب.
وقوله: "يسرق البيضة ويسرق الحبل"، سبق لنا أن بعضهم قال: المراد بالبيضة: الخوذة التي توضع على الرأس عند القتال، وقال بعضهم: المراد بالبيضة إذا بلغت ربع دينار، ويوجد معنى ثالث وهو: أن المراد بذلك: السارق يسرق الأشياء الخفيفة أولًا ثم لا يزال يترقى حتى يسرق الأشياء الغالية الثمن، فيكون المراد: أنه لعنه بابتداء تدربه على السرقة.
فمن فوائد الحديث: جواز الدعاء باللعن على من سرق، تقول: لعن الله السارق سرق
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 386)
الباب، سرق الساعة، سرق القلم وما أشبه ذلك، ولكن الدعاء على شخص بعينه لا يجوز، حتى وإن كان ينطبق عليه الوصف، لأن ما ورد معلقًا بالأوصاف يجب أن يكون معلقًا بالأوصاف، وما ورد معلقًا بالأعيان يكون معلقًا بالأعيان، ولهذا نشهد لكل مؤمن أنه في الجنة ولا نشهد لفلان أنه في الجنة وإن كان مؤمنًا.
ومن فوائد هذا الحديث والذي قبله: قطع يد السارق، وأن ذلك لا ينافي الرحمة.
ومن فوائده هو والذي قبله: أن مراعاة العموم أولى من مراعاة الخصوص؛ لأنه لا شك أن الضرر على السارق ضرر عظيم ستفقد يده اليمنى ويشل شيء كثير من عمله ويكون عارًا عليه بين الناس، لكن هذه المفسدة فردية، والمصلحة العامة حماية أموال الناس أولى من مراعاته، فيؤخذ من هذا قاعدة مفيدة: وهي أننا لا ننظر إلى الشخص إذا كان في محاباته ضرر بالمصلحة العامة، الواجب أن ننظر للمصلحة العامة ولو ضر ذلك الشخص، بعض الناس مثلًا إذا حصل من شخص جناية قال: ارحمه هذا له أولاد وليس له وظيفة وأتى بالمبررات، فنقول: مراعاة المصلحة العامة أولى من مراعاة المصلحة الخاصة، ولسنا بأرحم من الله ولا بأحكم من الله، فالله عز وجل نجد في حدوده سبحانه ما يكون ضررا على شخص معين لكن للمصلحة العامة.
جحد العارية:
1183 - وعن عائشة رضي الله عنها، أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أتشفع في حدٍّ من حدود الله؟ ثمَّ قام فاختطب، فقال: أيُّها النَّاس، إنَّما هلك الَّذين من قبلكم أنَّهم كانوا إذا سرق فيهم الشَّريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضَّعيف أقاموا عليه الحدَّ". متَّفقٌ عليه، واللَّفظ لمسلمٍ.
- وله من وجه آخر عن عائشة: "كانت امرأةٌ تستعير المتاع وتجحده، فأمر النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم بقطع يدها".
الهمزة للاستفهام، والمراد به هنا: التوبيخ والإنكار، وتشفع) من الشفاعة وهي التوسط للغير بجلب منفعة أو دفع مضرة، فشفاعة النبي صلى الله عليه وسلم لأهل الجنة ليدخلوا الجنة من أي النوعين؟ من جلب المنفعة، وفي أهل الموقف أن يريحهم الله منه هذه لدفع مضرة، وسميت الشفاعة - أعني: التوسط للغير -؛ لأن الشافع يشفع من شفع له، فبعد أن كان المشفوع له واحدًا صار الآن شفعا - اثنين -.
"أتشفع في حد من حدود الله؟ "، الحد يطلق على ثلاثة معانٍ: الأول: الأوامر، والثاني: النواهي، والثالث: العقوبات المقدرة شرعًا في المعاصي، والمراد هنا الثالث، وهو العقوبات
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 387)
التي قدرها الشرع في فعل المعصية، والمعنى: أتشفع في عقوبة فرضها الله عز وجل وسبب هذا أن امرأة مخزومية من بني مخزوم - من كبار قبائل العرب - كانت تستعير المتاع؛ أي: تطلب من مالكه أن يعيرها إياه ثم إذا استعارته أنكرته، وقالت: لم آخذ منك شيئًا، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فأمر أن تقطع يدها، فلما أمر بذلك لحق قريشا الهم والكآبة والحزن أن تقطع يد امرأة من بني مخزوم، فأهمهم هذا الأمر وطلبوا من يشفع إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، فهابوا أبا بكر وعمر وغيرهما من سادات الصحابة وقالوا: لا أحد يشفع إلَّا أسامة بن زيد بن حارثة؛ لأنه ابن مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يحبه ويحب أباه؛ ولهذا يلقب بأنه حب رسول الله؛ أي: محبوبه فطلبوا من أسامة أن يشفع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه المرأة، فشفع فأنكر عليه النبي صلى الله عليه وسلم وقال: "أتشفع في حد من حدود الله" يعني: هذا لا يمكن؛ لأننا لو قبلنا الشفاعة لتعطلت الحدود ولبقيت الحدود التي فرضها الله عز وجل لا قيمة لها، ثم قام فخطب الناس، يعني: ألقى خطبة، وكان من عادة النبي صلى الله عليه وسلم أن يخطب عند النوازل، وخطبه عليه الصلاة والسلام قسمان: قسم راتب كخطبة الجمعة، وقسم عارض كخطبة الكسوف، وكذلك خطبته في قصة بريرة وغير ذلك من المناسبات، خطب فقال: "يا أيها الناس، إنما أهلك الذين من قبلكم أنهم" النداء هنا مناسب جدًّا لأن المقام مقام عظيم ينبغي أن يتنبه له المخاطب، والنداء - كما أسلفنا مرارًا - يفيد تنبيه المخاطب حتى ينتبه ويعتني قال: أيها الناس إنما أهلك الذين من قبلكم، والمراد بالهلاك هنا يحتمل الهلاك الحسي يهلكهم الله بسبب المعاصي، أو أنه الهلاك المعنوي وهو هلاك المجتمع، وقوله: "أنهم كانوا" وأنه هنا بالفتح؛ لأنها على تقدير حرف الجر أي: بأنهم، فالجملة - إذن تعليلية على تقدير حرف الجر.
"أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه" يعني بالشريف: ذا الشرف والرفعة والجاه عند قومه إذا سرق تركوه لأنه شريف، "وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد"، لأنه لا ناصر له ولا جاه له فيقيمون عليه الحد.
ولم يذكر المؤلف رحمه الله بقية الحديث؛ لأن هذا لفظ مسلم، والمقصود منه في هذا الباب ما ذكر، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم قال كلمة ينبغي أن يسير عليها ولاة الأمر قال: "وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها"، وفي لفظا: "لقطع محمد يدها"، فأقسم - وهو الصادق البار بدون قسم - أنه لو كانت فاطمة وهي أجل قدرًا من المخزومية وأعلى نسبًا لو أنها سرقت لقطع يدها، يعني: لا بد من قطع اليد، لا بد من تنفيذ حدود الله، وهذا كقوله في قصة الربيع أخت
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 388)
أنس بن النضر انكسر ثنية الربيع قال: "يا أنس، كتاب الله القصاص، لو أن فاطمة … إلخ"، قال: وله من وجه آخر عن عائشة قالت: كانت امرأة تستعير المتاع وتجحده فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بقطع يدها"، وقد تقدم الكلام عليه.
هذا الحليبث فيه فوائد عظيمة منها: الإنكار على من شفع في حد من الحدود، ولكن هذا بعد أن يصل الأمر إلى السلطان، فأما قبل ذلك فلا بأس، لكن إذا وصل إلى السلطان فإنه لا تجوز الشفاعة فيه لما في ذلك من إسقاط حدود الله عز وجل.
ومن فوائده: الإنكار على من فعل ما ينكر عليه ولو كان أحب الناس إليك؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أنكر على أسامة، والله تعالى لا يستحي من الحق، لا نقول: هذا صديق، هذا رفيق، لا أحب أن أنكر عليه، بل أنكر عليه لاسيما في الأمور العظيمة.
ومن فوائد الحليخثا: أن الشفاعة تجوز في غير الحدود كما لو كان من باب التعزيرات فإنه يجوز أن يشفع فيها، والفرق أن الحدود فرائض والتعزيرات تبع للمصالح، فقد يكون من المصلحة أن نشفع في هذا الذي يستحق التعزير لأجل أن يسقط عنه التعزير؛ ولهذا قال كثير من العلماء: إن التعزير ليس بواجب، وإنما هو راجع إلى رأي الإمام إن رأى من المصلحة أن يفعل التعزير فعل وإلَّا فلا.
ومن فوائد الحديث: حكمة الشرع في تحديد العقوبات، وأنها مناسبة تمامًا للجرائم، ولهذا أضيفت إلى الله تعالى قال: "حد من حدود الله"، ومعلوم أن ما كان من حدود الله عز وجل فإنه في غاية الحكمة وفي غاية الرحمة.
ومن فوائد الحديث: أنه ينبغي للإنسان القدوة أن يخطب في المناسبات التي تستدعي الخطبة ولو كان ذلك في غير جمعة لقوله: "ثم قام فخطب".
ومن فوائده: أن الخطبة تكون عن قيام، والحديث العادي يكون عن جلوس، ويتفرع على هذه الفائدة: ما يفعله بعض الإخوة من القيام خطيبًا عند دفن الميت يعظ الناس مستدلًّا بأن النبي صلى الله عليه وسلم وعظ أصحابه حين جلسوا إليه، وجعل يتكلم عن حال الإنسان عند الموت وبعد الموت وترجم البخاري على ذلك بقوله: "باب الموعظة عند القبر"، فيقال: هناك فرق بين الموعظة وبين الخطبة، نحن لا نتكر أن يجلس رجل [عند] المقبرة ويجلس إليه الناس ينتظرون إلحاد القبر ثم يتكلم معهم بموعظة تلين القلوب وتذكر، لكن أن يقوم خطيبًا يخطب في الناس فليس هذا موضعها.
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 389)
ومن فوائد الحديث: أنه ينبغي أستعمال الأسلوب الذي يكون أبلغ في الوصول إلى المقصود، وهذا ما يسمى بالبلاغة، أي: مطابقة الكلام لمقتضى الحال، لقوله: "أيها الناس"؛ حيث وجه الخطاب بالنداء من أجل أن ينتبه الناس لما يقول.
ومن فوائد الحديث: أن الحيلولة دون تنفيذ الحدود سبب للهلاك لقوله: "إنما أهلك من كان قبلكم".
ومن فوائده: أن عقوبة الله عز وجل لا تختلف بالنسبة للأمم؛ لأنه ليس بين الله وبين الخلق نسب حتى يراعيهم، فإذا هلك من قبلنا بذنب فيوشك أن نهلك به، لكن الفرق أن هذه أمة لا تهلك بعقوبة عامة بخلاف الأمم السابقة، وقد قيل: إنه بعد نزول التوراة لم تهلك أمة بعامة؛ لأن الله تعالى قال: {ولقد آتينا موسى الكتاب من بعد ما أهلكنا القرون الأولى} [القصص: 43]. وأما هلاك فرعون فإنه [كان] قبل نزول التوراة.
ومن فوائد الحديث: أن حد السرقة ثابتٌ في الأمم السابقة لقوله: "إذا سرق فيهم الشريف … إلخ)، كما أن حد الزنا ثابت أيضًا في الأمم السابقة، وعلى هذا فإذا شنّع النصارى واليهود على المسلمين بقطع يد السارق قلنا لهم: نحن أيضًا نشنع عليكم؛ لأن هذا موجود في شريعتكم لكن أنتم تجرأتم وأبطلتم شريعة الله، لكن نحن التزامنا بشريعة الله، وكذلك إذا شنعوا علينا في القصاص قلنا: وأنتم أشد منا شناعة، فاليهود يجب عليهم القصاص: {وكتبنا عليهم فيها - أي: فرضنا عليهم - أنَّ النَّفس بالنَّفس والعين بالعين … إلخ} [المائدة: 45]. إذن نقول: حد السرقة بقطع يد السارق ثابت في الأمم السابقة.
ومن فوائد الحديث: "جوب العدل بين الناس في إقامة الحدود، وأن الجور سبب للهلاك لقوله: "إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد".
ومن فوائد الحديث: أن السرقة لا تختص بالحاجة، بل قد تكون عن هوى وشهوة لكون الشريف يسرق، فالشريف في العادة يكون غنيا إما بنفسه أو بقومه، ولكن الشيطان يغوي ابن آدم؛ ولهذا نجد أن الرجل المتزوج الذي عنده زوجة من أحسن النساء خلقًا وسمتًا وصورة نجده يستهويه الشيطان فيزني بمن ليست بشيء عند زوجته.
ومن فوائده: أنه لا يجوز أن يختلف الناس في إقامة الحدود بالمال، يعني: بالغنى أو الفقر قياسا على الشرف والضعف؛ لأن المراد بالضعيف هنا ما يقابل الشريف، فلا يقال: هذا غني لا نقطعه وهذا فقير اقطعوه، لكن لو كان بالعكس وقالوا: نقطع الغني ولا نقطع الفقير لأجل أن نبقي. له جوارحه يحصل بها الرزق فلا يجوز أيضًا لوجوب العدل ووجوب إقامة الحد.
ومن فوائد الحديث: - ونتكلم على ما حذف منه -: جواز إقسام الإنسان بدون أن يستقسم؛ لأن. النبي صلى الله عليه وسلم أقسم فقال: "وايم الله" مع أنه لم يستقسم.
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 390)
ومن فوائده: أنه كلما عظم شأن المخبر عنه فإنه يستحسن أن يقسم عليه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أقسم لعظم شأن هذا الأمر، وإلَّا لو قال: لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها اكتفى بذلك.
ومن فوائده: فضيلة فاطمة رضي الله عنها، ولا شك أن فاطمة أفضل بنات الرسول صلى الله عليه وسلم، وأنها سيدة نساء أهل الجنة، لكن لا يعني ذلك أن نبالغ ونغلو فيها، فإن الغلو فيها أو في غيرها مما نهى عنه الرسول صلى الله عليه وسلم.
ومن فوائد الحديث: أن جاحد العارية يقطع لحديث عائشة: "كانت امرأة تستعير المتاع وتجحده فأمر"، وجه الدلالة: أن الفاء في قوله: "فأمر" للسببية؛ أي: فسبب ذلك أمرًا، فيكون هذا الحكم مفرعًا على تلك العلة، وهي: أنها كانت تستعير المتاع فتجحده، وقد اختلف العلماء في هذه المسألة اختلافًا كثيرًا، والقول بأن جاحد العارية يقطع انفرد به الإمام أحمد رحمه الله، وأكثر العلماء على أنه لا يقطع، كما أن الخائن في الوديعة وغيرها لا يقطع، فكذلك الخائن في العارية، ولكن يقال: إذا ثبت النص فلا قول لأحد، فما دام الحديث ثابتا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أمر بقطع يدها؛ لأنها كانت تستعير المتاع فتجحده فإنا نقول: هذا سبب مستقل، فسموه سرقة أو لا تسموه، إن كانت السرقة تنطبق على هذه الحال فالأمر ظاهر، وإن كانت لا تنطبق فإنها قسم مستقل برأسه جاءت به السُّنة فوجب الأخذ به، وأما من قال: إن هذا الحديث على تقدير محذوف: "كانت تستعير المتاع فتجحده فسرقته فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بقطع يدها"، فهذا لا وجه، له لأنه إثبات علة لم توجد ونفي علة موجودة، وهذا تحريف، لأن رفع الوصف عن الحكم وإثبات وصف آخر لا شك أنه تحريف، وهذا كقول من قال: إن قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة" قال هذا لمن كان جاحدًا وهذا تحريف؛ لأننا إذا حملناه على الجحد ألغينا الوصف الذي رتب عليه الحكم وأتينا بوصف آخر جديد فيكون في هذا جناية على النص.
ومن فوائد الحديث: جواز التوكيل في إقامة الحدود لقوله: "فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بقطع يدها".
ومن فوائده: أن يد السارق إنما تقطع من الكف لا من المرفق، وجهه: أن اليد إذا أطلقت فالمراد بها الكف، وإذا أريد بها ما زاد عليه فيدت به، ولهذا جاءت الآية في الوضوء مقيدة: {إلى المرافق} [المائدة: 6]. فوجب أن تغسل في الوضوء إلى المرفق، وجاءت في التيمم مطلقة "فلم يجب إلَّا مسح الكفين فقط.
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 391)
ثم قال: "وله - أي: لمسلم - كانت امرأة تستعير المتاع وتجحده، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم" كانت امرأة، ومعروف أنها من بني مخزوم، لكن أحيانًا يذكر الراوي الاسم مبهمًا سترًا عليه إذا كان لم ينسه أو نسيانًا إن كان قد نسيه ولكن الذي يظهر أنه كان من باب الستر؛ لأنه قد ورد مصرحًا به في وتجه آخر، "تستعير المتاع"، الاستعارة: طلب الإعارة، كالاستغفار طلب المغفرة، والغالب أن السين والتاء المزيدتين فيهما استدعاء وطلب، وقولنا: "الغالب"، احترازًا من غير الغالب في مثل "استقر" فإنه ليس معناها طلب القرار، ولكنه بمعنى قرَّ، لكن الغالب أن الاستفعال يفيد الطلب، فقوله: "تستعير" أي: تطلب الإعارة، وما هي الإعارة؟ هي بذل المال لمن ينتفع به ورده بعينه، فقولنا: "لمن ينتفع به" خرج به سائر البذل وخرج به الهبة؛ لأن باذلها يريد بذلك تمليك الموهوب له، وخرجت الوديعة؛ لأن معطيها لا يريد أن ينتفع بها المودع، وإنما يريد منه أن يحفظها، وخرج بقولنا: "لمن ينتفع به" الإجارة؛ لأن المؤجر يسلِّم العين المستأجرة لملك المستأجر منافعها، وبه يظهر الفرق الدقيق بين العارية وبين الإجارة، فالإجارة يملك المستأجر المنافع، والعارية يملك الانتفاع، وبينهما فرق يظهر في بيان حكم من الأحكام التي تترتب على هذا الفرق، المستأجر له أن يؤجر العين بشرط إلَّا يكون لشخص أكثر منه ضررًا، المستأجر له أن يعير العين بشرط ألَّا يكون ذلك أشد ضررًا من انتفاعه هو، أمَّا المستعير فلا يملك تأجيرها ولا يملك إعارتها، لأنه يملك الانتفاع، ومن الفروق. على المذهب: أن المستعير ضامن لكل حال، والمستأجر لا يضمن إلَّا إذا تعدى أو فرط، والصحيح أن المستعير كالمستأجر في مسألة الضمان لا يضمن إلَّا إذا تعدى أو فرط، اللهم إلَّا إذا اشترط عليه الضمان مطلقًا والتزم فعلى ما اشترط، الجحد: بمعنى الإنكار، فمعنى جحد أي: أنكر، تأخذ المال من الناس إعارة ثم تنكر وتقول: ما أخذته ولا استعرته، "فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بقطع يدها"، أي: بقطع كفها؛ لأن اليد عند الإطلاق معناها الكف، ولم يبين في الحديث أيُّ اليدين، ولكن ثبت أن المراد بها: اليد اليمنى، لقراءة عبد الله بن مسعود في رضي الله عنه: {فاقطعوا أيمانهما}، والقراءة لا شك أنها حجة.
ففي هذا الحديث فوائد: أولًا: تحريم الشفاعة في الحد، يعني: في سقوطه، ولكن هذا إذا وصل إلى السلطان ولم يبق إلَّا التنفيل، أما قبل أن يصل إلى السلطان فلا بأس من الشفاعة.
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 392)
ومن فوائد الحديث: وجوب الإنكار على من شفع حتى وإن كان جاهلًا؛ وذلك لأن هذه المسألة عظيمة فيجب الإنكار.
ومن فوائد الحديث: إعلان إنكار الشفاعة في الحدود لأهميتها حتى لا يتلاعب الناس بفرائض الله عز وجل.
ومن فوائد الحديث: الإنكار على من هو أحب الناس إليك فلا تحابي أحدًا في دين الله قريبًا ولا صديقًا ولا غنيًّا ولا فقيرًا: {يا أيها الَّذين آمنوا كونوا قوَّامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين إن يكن غنيًّا أو فقيرًا فالله أولى بهما} [النساء: 135]. يعني: إن يكن غنيًّا فحابيتموه لغناه أو فقيرًا فحابيتموه لفقره فالله أولى بهما، وولاية الله تعالى خير من ولايتكم التي تحابون بها هؤلاء ولا تقومون بالشهادة بالقسط.
ومن فوائد الحديث: أنه ينبغي للخطيب استعمال الألفاظ التي تستدعي الانتباه لقوله: "يا أيها الناس"، وكذلك ينبغي للخطيب استعمال الإلقاء الذي يستدعي انتباه الناس، مثل: لو فرضنا أنه يغير الصوت في بعض الأحيان من أجل انتباه الناس فإن هذا لا بأس به، وقد كثر السؤال عن استعمال بعض الخطباء عند تلاوة الآيات أن يتلوها على حسب التلاوة المجودة وهو في أثناء الخطبة، وأشكل هذا على بعض الناس فما الجواب؟ الجواب: أنه جائز؛ يعني: لا بأس أن تحول الأداء من الأداء المعتاد في الخطبة إلى الأداء المعتاد في القراءة عند تلاوة الآيات، وربما يكون في هذا تنبيه.
ومن فوائد الحديث: أن إضاعة إقامة الحدود من أسباب الهلاك: "إنما أهلك الذين من فبلكم أنهم … إلخ".
ومن فوائد الحديث: أنه تجب إقامة الحدود على الشريف والوضيع، وجه ذلك: الوعيد بالهلاك على من أقامه على الوضيع دون الشريف.
ومن فوائد الحديث: أن السرقة قد تقع من ذوي الشرف والسيادة لقوله: "إذا سرق فيهم الشريف".
فإذا قال قائل: كيف يسرق وهو شريف ذو جاه أو نسب أو غير ذلك؟
قلنا: السرقة مرض من الأمراض، والمرض قد يعتري الإنسان، ولو كان بعيدًا عنه، فهي مرض يكون الإنسان به مملوء القلب بالطمع والجشع فيسرق، أو لمجرد أن يسرق ولو ألقى ما سرقه في الأرض، المهم أنها مرض من الأمراض، ولا تستغرب أن يكون هذا المرض يسري في الشرفاء.
ومن فوائد الحديث: الإشارة إلى أن سنَّة الله عز وجل في الخلق واحدة؛ يعني: لا نقول: نحن من أمة محمد لا يصيبنا البلاء ولا يصيبنا العذاب، بل نقول: سنة الله في الأولين والآخرين واحدة؛
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 393)
لأن الله عز وجل لا يحابي أحد، ليس بيننا وبين ربنا عز وجل نسب، ولكن بيننا وبينه عبادة، إذا حققنا العبادة والتقوى فنحن أقرب الخلق لله، ولهذا قال: "إنما أهلك من كان قبلكم" تحذيرًا أن يقع الهلاك فينا كما وقع فيمن سبق.
ومن فوائد الحديث: ضرب الأمثال عند الوعظ ترغيبًا أو ترهيبًا، لقوله: "إنما أهلك الذين من قبلكم"، فهذا ضرب أمثال؛ ولهذا قال الله تعالى: {أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الَّذين من قبلهم دمَّر الله عليهم وللكافرين أمثالها} [محمد: 10]. سيروا في الأرض انظروا ولا تظنوا أنكم سالمون من عذاب الله.
ومن فوائد الحديث: أن العقوبات المقدرة شرعًا حد، ومعنى كونها حدًّا أنها لا يقصر عينها ولا تتجاوز، فمثلًا: لو أن رجلًا زنى وهو شريف وثبت زناه وأردنا إقامة الحد عليه فقلنا: هذا الرجل شريف نريد أن نقيم عليه الحد خمسين جلدة فقط، فلا يجوز حتى لو كان ضعيف البنية، إن كان ضعيف البنية نستعمل طريقًا آخر وهو {وخذ بيدك ضغثًا فاضرب به ولا تحنث} [ص: 44]. كذلك أيضًا لو كثر الزنا في الناس، واراد انسان آن يستعمل ما استعمله عمر حين كثر الشرب من الناس فضاعف عليهم العقوبة فهل نفعل هذا؟ لا؛ لأن هذا حد، ومعنى حد أنه لا يقصر عنه ولا يتجاوز مهما أكثر الناس من الزنا، فلا نتعدى حتى ولو تكرر من الشخص نفسه، السرقة إذا تكررت أربع مرات فإنه يغلظ عليه، إذا سرق تقطع اليد اليمنى، ثم الرِّجل اليسرى، ثم اليد اليسرى، ثم الرِّجل اليمنى، حتى يبقى من غير يدين ولا رجلين، وفي الحديث: "إن سرق بعد ذلك فاقتلوه"، لكن قال بعض العامة - لما سمع هذا الحديث -: بأي شيء يسرق؟ نقول: ممكن، لكن الزنا لو تكرر منه ليس له إلا الجلد ما دام غير محصن.
ومن فوائد الحديث - في الوجه الآخر الذي أخرجه مسلم -: بيان كيد النساء، كيف ذلك؟ أنها بدل أن تسطو على الناس في بيوتهم تستعير المتاع وتجحده، وهذا بمعنى السطو، لكته سطو مؤدب.
ومن فوائد ألحديث: جواز الاستعارة، يعني: لا غضاضة عليك إذا استعرت من إنسان شيئًا، ولا يعد هذا من المسألة المذمومة، لكن كلما استغنى الإنسان عن الخلق، ولاسيما في عهدنا وعصرنا فإنه أولى؛ لأن الناس اليوم لا يهتمون إذا حصل أدنى شيء وهو أن يمنَّ عليك بما أعطاك من قبل حتى ولو كان يريد به الأجر، لهذا مهما استغنيت عن الناس فافعل، وكان مما بايع النبي صلى الله عليه وسلم ألَّا يسألوا الناس شيئًا، حتى إن الرجل تسقط عصاه وهو على راحلته فينزل فقد استعار النبي صلى الله عليه وسلم من صفوان بن أمية دروعًا، وما زال المسلمون يستعيرون.
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 394)
ومن فوائد الحديث: وجوب قطع اليد بجحد العارية، لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بقطع يد المرأة.
ومن فوائد الحديث: جواز استتابة الغير في إقامة الحد؛ يعني: يجوز للإمام الذي يتولى إقامة الحدود أن ينيب غيره في إقامة الحد لقوله: "فأمر النبي صلى الله عليه وسلم … إلخ".
فإن قال قائل: هل الأولى أن يأمر الإمام بقطع اليد، أو أن يباشر القطع بيده؟ حسب المصلحة إذا كان من المصلحة أنه إذا تولى بنفسه قطع يد السارق كان أعظم شأنًا وأشد على الناس فليفعل، وله في ذلك أجر، لأن إقامة الحدود قيام بفريضة من فرائض الله يثاب عليه الإنسان ثواب الفريضة.
ومن فوائد الحديث: أنه يجوز للإمام إذا وكل أحدا في إقامة الحد أن يتغيب؛ لأن الظاهر أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يحضر.
فإذا قال قائل: هل يقاس على العارية جحد ما سواها من الأمانات كجحد الشيء المستأجر وجحد الوديعة؟
فالجواب: لا قياس؛ لأنه لا يمكن أن تتحقق العلة التي ثبت بها قطع يد المستعير في أي صورة أو في أي مسألة من مسائل الجحد، ومن شرط القياس أن يتساوى الأصل والفرع في العلة، فلنأت أولًا إلى الوديعة مثل أن نعطي لشخص دراهم أو سيارة نقول خذ هذه عندك إلى حين، هذه لا يمكن أن نقيسها على العارية؛ لأن قابض العارية قبضها لمصلحتها والمودع لمصلحة المعطي، الإجارة لو أن الإنسان استأجر شيئًا ثم جاء مالكه وقال: أعطني ملكي، قال: لا أعطيك أبدًا ليس لك، لا يمكن أن يقاس على العارية؛ لأن المستأجر قبضها لمصلحة مالكها وهي الأجرة، الرهن كذلك، يعني: إنسان أعطى شخصًا شيئًا رهنًا عنده هذا قبضه المرتهن لمصلحته، فبينهما فرق؛ يعني: لا يمكن أن تساوي العارية من جميع الأمانات؛ ولهذا لا يصح أن نقيس هذا بالأمانات التي لا يقطع من جحدها؛ لأن بعض العلماء رحمهم الله قالوا: لا يمكن أن نقطع جاحد العارية، كما أنه لا يمكن أن نقطع جاحد الوديعة، قلنا: هذا قياس مع الفارق فيعتبر قياسًا فاسدًا.
المختلس والمنتهب:
1184 - وعن جابر رضي الله عنه، عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: "ليس على خائنٍ ولا منتهبٍ، ولا مختلسٍ قطعٌ". رواه أحمد والأربعة، وصحَّحه التِّرمذيُّ، وابن حبَّان.
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 395)
هذا الحديث أتى به المؤلف رحمه الله بعد العارية لأحد احتمالين: إما أنه يريد أن يضعف الوجه الثاني في صحيح مسلم وهو أن المرأة قطعت يدها لجحدها العارية، وإما أنه يريد الفرق بين جحد العارية وهذه الصور الثلاث، وهذا هو الأقرب.
قوله: "ليس على خائن"، الخائن: هو الذي يغدر بك عند الائتمان، ومن غدر بك في غير موضع الائتمان فليس بخائن؛ ولهذا صارت الخديعة مما يحمد عليه الإنسان في بعض الأحيان، ويذم عليها في بعض الأحيان، وأما الخيانة فهي مذمومة بكل حال، وانظر إلى قول الله تعالى: {إنَّ المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم} [النساء: 142]. فذكر أن الله خادعهم؛ لأن الخديعة هي المكر في غير موضع الائتمان، وانظر إلى الخيانة فقد قال الله تعالى: {وإن يريدوا خيانتك فقد خانوا الله من قبل فأمكن منهم} [الأنفال: 71]. ولم يقل: فخانهم، والفرق ظاهر أن الخيانة غدر في موضع الائتمان، وأما الخديعة فهي الغدر بالإنسان في غير موضع الائتمان؛ ولهذا جاء في الحديث: "الحرب خدعة"، ويذكر أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أراد أن يبارز عمرو بن ودّ فخرج إليه عمرو وخرج عليّ فصاح به علي وقال: ما خرجت لأبارز رجلين فظن عمرو أن وراءه أحد فالتفت فضربه على عنقه، الخديعة هنا في محلها تمامًا، لأن هذا الرجل جاء ليقتله، فغره بهذه الخديعة حتى قتله.
فالحاصل: أن الخائن هو الغادر في محل الائتمان، ولهذا جاء في الحديث: "لا تخن من خانك"، حتى من جحد مالك وله عندك مال فلا تخته، مثال الخائن في الوديعة، ائتمنته على وديعة فخان.
الثاني: مختلس المختلس: هو الذي يخطف الشئ ويمر به، وإن شئت فقال: هو الذي. يتحين غفلتك حتى يأخذ ما أراد، وهنا يكثر في السُّراق، يأتي اثنان إلى الدكان ويقول أحدهم لصاحب الدكان، كم هذه؟ فيتكلم معه بالمماكسة، والثاني يسرق ويمشي هذا نسميه مختلس، ويذكر أن رجلين في بلد عربي من السُّراق رأيا يهوديًّا قبل مسألة فلسطين فقال أحدهما للآخر: سنوقع هذا اليهودي قال: ماذا نعمل؟ قال: تقدم أنت ومعه بوك - الذي تحفظ به الدراهم - قال: اذهب أمامه وارم بالبوك، وعلى كل حال: الإنسان إذا سقط أمامه بوك إنسان يقول: يا فلان، خذ البوك، وقال: اجعل فيه دينارًا وندعي أن به مائة دينار، تقدم الرجل ورمى بالبوك وأخذه اليهودي فقال: خذ البوك، فقال: إنك لأمين وأثنى عليه خيرًا وفتح البوك، وقال:
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 396)
لكن البوك كان فيه مائة دينار والآن ما فيه إلَّا دينار أين يا رجل النقود؟ فقال: أبدًا ما أخذت شيئًا فأمسكه وجاء الثاني فقال: لا أنا أشهد أن البوك هذا فيه مائة دينار، المهم حصل نزاع فذهبوا إلى القاضي الرجلان مدعيان واليهودي منكر ورأى القاضي أن اليهودي صادق؛ لأنه أقسم إقسامات عظيمة لا يقسم بها اليهودي إلَّا وهو صادق فقال القاضي: أروني البوك فوجد فيه الدينار قال: إذن البوك الذي سقط غير هذا اذهب فابحث هذا ليس لكما ما دام تقول: البوك فيه مائة دينار فهذا فيه دينار واحد فسقط في أيديهم وخسروا بوكهم ودعواهم، على كل حال: أن قصدي أن السراق لهم طرق منها الاختلاس.
الثالث: المنتهب وهو الذي يأخذ الشئ على وجه الغنيمة يعنى: بدون مخادعة لصاحبه.
فيؤخذ من هذا الحديث: أن السرقة لا بد أن تكون من حرز لا بالمخادعة بل محرزة، فيأتي السارق ويكسر الحرز ويسرق المال، وهذا هو الراجح من أقوال العلماء، وإن كان أهل الظاهر لا يرون اشتراط الحرز، لكن الصحيح أنه يشترط وسيأتي - إن شاء الله - في قصة رداء صفوان ما يدفع به حجة أهل الظاهر.
إذن نقول: الخائن في جميع الأمانات لا تقطع يده إلَّا في العارية المختلس، والمنتهب لا تقطع يده؛ لأنه لم يسرق من حرز، ويدل لاشتراط الحرز قول المؤلف:
اشتراط الحرز لوجوب القطع:
1185 - وعن رافع بن خديج رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لا قطع في ثمرٍ ولا كثرٍ". رواه المذكورون، وصحَّحه أيضًا التِّرمذيُّ، وابن حبَّان.
يعني كالحديث السابق، المذكورون: أحمد والأربعة، والمصححون: الترمذي وابن حبان ولهذا قال: أيضًا، هذا يدل على اشتراط الحرز، "لا قطع في ثمر" أي: على الشجر سواء كان ثمر نخل وهو التمر أو ثمر عنب أو تين أو أي شيء لا قطع فيه؛ لأنه غير محرز بارز، كل الناس ممكن أن يأخذوا منه، "ولا كثر" وهو جمَّار النخل، جمار النخل يمكن سرقته على وجهين:
الوجه الأول: أن يأتي السارق ويقطع القنو من أصله فيكون في أصله جمار.
الوجه الثاني: النخلة نفسها ينقبها حتى يخرج جمارها من أصلها، أيهما أعظم ضررًا؟ الثاني، ومع ذلك لا يقطع لا على الثاني ولا على الأول، وسبب ذلك أنها غير محرزة.
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 397)
حديث رافع يشترط أن يكون الإنسان قد سرقه من شجرة، أي: الثمر أو جمار من شجرة، أما إذا أخذ وأحرز فإنه كغيره من الأموال يقطع سارقه، وسيأتي في كلام المؤلف.
ثبوت السرقة بالإقرار:
1186 - وعن أبي أميَّة رضي الله عنه قال: "أتي النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم بلصٍ قد اعترف اعترافًا، ولم يوجد معه متاعٌ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما إخالك سرقت؟ قال: بلى، فأعاد عليه مرَّتين أو ثلاثًا، فأمر به فقطع وجيء به، فقال: استغفر الله وتب إليه، فقال: أستغفر الله وأتوب إليه، فقال: اللهمَّ تب عليه - ثلاثًا-". أخرجه أبو داود واللَّفظ له، وأحمد، والنِّسائيُّ، ورجاله ثقاتٌ.
- وأخرجه الحاكم من حديت أبي هريرة، فساقه بمعناه، وقال فيه: "اذهبوا به فاقطعوه، ثم احسموه" وأخرجه البزَّاز أيضًا، وقال: لا بأس بإسناده.
اللص: هو السارق، وقوله: "اعترف" يعني: أقرَّ، "ولم يوجد معه متاع" أي: لم يوجد معه متاع يظن أنه سرقه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "ما إخالك؟ " أي: ما أظنك سرقت، وقوله: "استغفر" أي: أطلب المغفرة من الله، والمغفرة: ستر الذنب مع التجاوز عنه؛ لأنها مشتقة من (المغفر)، وهو ما يوضع على الرأس من الحديد فهو ساتر واقٍ، ويدل لهذا المعنى أن الله سبحانه إذا قرر عبده يوم القيامة بذنوبه قال: قد سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم، وهذا يدل على أن المغفرة ليست مجرد السرقة، "وتب إليه"، أي: ارجع إليه من معصيته إلى طاعته فقال الرجل: "أستغفر الله"، يعني: أسأل الله المغفرة، "وأتوب إليه" أرجع إليه من معصيته إلى طاعته، فقال: "اللهم تب" عليه قال الرسول صلى الله عليه وسلم: "اللهم تب عليه اللهم تب عليه اللهم تب عليه".
ففي هذا الحديث: دليل على أن حد السرقة يثبت بالإقرار، وهذا يعتبر فردًا من قاعدة جاءت في كتاب الله، وهي قوله تعالى: {يا أيها الَّذين آمنوا كونوا قوَّامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم} [النساء: 135].
فقوله: {ولو على أنفسكم} [النساء: 135]. هذا هو الإقرار أن يشهد الإنسان على نفسه بما فعل، واختلف العلماء" رحمهم الله هل يشترط تكرار الإقرار أو لا؟ فقيل: إنه يشترط؛ وذلك لأن السرقة لا تثبت على القاعدة المعروفة عند أكثر العلماء إلَّا بشاهدين عدلين، فلا تثبت
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 398)