Arabic source text

📘 ফাতহু জিল জালালি ওয়াল ইকরাম বিশারহি বুলুগিল মারাম ত্বা আল-মাকতাবাতুল ইসলামিয়্যাহ (ইবনে উসাইমীন - মৃত্যু 1421 হিজরী)

📘 فتح ذي الجلال والإكرام بشرح بلوغ المرام ط المكتبة الإسلامية (ابن عثيمين - ت 1421 هـ)

📘 ফাতহু জিল জালালি ওয়াল ইকরাম বিশারহি বুলুগিল মারাম ত্বা আল-মাকতাবাতুল ইসলামিয়্যাহ (ইবনে উসাইমীন - মৃত্যু 1421 হিজরী)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
بشاهد واليمين ولا بشهادة امرأتين، ولا بشهادة رجل وامرأتين إلَّا أنه إذا أتى المسروق منه بشهادة رجل وامرأتين ثبت ماله دون القطع؛ وذلك لأن الحدود - على قاعدة هؤلاء العلماء - لا تثبت بشهادة النساء يختص بالشهادة فيها الرجل فقط، وقال بعض أهل العلم: إنه لا يشترط تكرار الإقرار، وإن الإنسان إذا اعترف وهو بالغ عاقل مختار ولو مرة واحدة ثبت الحكم، وهذا القول هو الراجح، وقد سبق لنا هذا البحث في الإقرار بالزنا، وبينَّا أن الصواب أنه إذا أعترف الإنسان وهو بالغ عاقل مختار ثبت مقتضى إقراره.
ومن فوائد الحديث: التعريض للمقر بالرجوع؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "ما إخالك سرقت" أي: ما أظنك، وهذا تعريض له بالرجوع، يعني: ليقول: نعم أنا على ما ظننت يا رسول الله، واختلف العلماء في هذه المسألة هل يسن للحاكم أن يعرض بالرجوع عن الإقرار؟ فمن العلماء من قال: إنه يسن أن يعرض بالرجوع عن الإقرار، وأنه إذا رجع عن إقراره ارتفع عنه الحد؛ لأن هذا هو فائدة التعبير بالرجوع عن الإقرار، وقال بعض العلماء: لا يسن ذلك وهذا هو الصحيح أنه لا يسن إلَّا إذا كان هناك أحوال تقتضي أن يعرض له بذلك كهذا الحديث؛ لأن هذا الحديث اعترف الرجل بأنه سارق، لكن لم يوجد معه متاع، فيخشى أن يكون هذا الرجل ظن أن السرقة تثبت بكل قليل وكثير، أو أن السرقة تثبت بما دون ذلك، ومن المعلوم أن من السُّراق من يسرق ويعترف ويقول: هذا سرقته من البيت الفلاني من الحرز، فهل يمكن مثل هذا أن نعرض له بالرجوع؟ لا، ثم ينبني على القول بالتعريض بالرجوع لو رجع المقر فهل يقبل رجوعه، يعني: بعد أن أقر بالسرقة رجع، فهل نقبل رجوعه أو لا نقبل؟ اختلف العلماء في ذلك أيضًا؛ فمنهم من قال: إنه لا يقبل رجوعه مطلقًا؛ لأنه شهد على نفسه، ولو أننا قلنا بقبول رجوع المقر بما يقتضي الحد لم يثبت حد في الدنيا؛ لأن كل واحد يمكنه أن يرجع ويسلم من الحد، والاستدلال بقصة ماعز رضي الله عنه لا وجه له؛ لأن ماعزًا لم يرجع عن إقراره لم يكذب نفسه، وإنما هرب ليتوب، وفرق بين من يرجع بإقرار ويكذب نفسه ويلعب بالحكام، وبين إنسان ما زال على إقراره لكنه هرب ليتوب فيما بينه وبين الله، فالاستدلال ليس بوجيه، لكن هذا الحديث قد يؤخذ منه أن الإنسان إذا رجع عن إقراره قبل، لكن هذا إذا لم يكن هناك قرائن تقتضي تكذيب رجوعه، فمثلًا: لو أن السارق أقر بالسرقة وقال: سرقت المال الفلاني ووصفه كمًّا ونوعًا، وقال: سرقته من المكان الفلاني ووصف المكان بأنه حرز ووجد نفس المتاع الذي وصفه

(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 399)

عنده، فهل بعد ذلك يمكن أن تقول: بقبول رجوعه عن إقراره؟ هذا لا يمكن، وإن كان بعض العلماء يقول: يمكن، لأنه لعله اشتراه هذا لا يمكن أن يقبل رجوعه عن إقراره؛ لأن القرائن تكذب رجوعه وتمنع قبول رجوعه، وعلى هذا فيكون القول الراجح الوسط في هذا إذا وجدت قرائن تشهد بأن رجوعه ليس بصحيح فإن رجوعه لا يقبل، وإن لم توجد فإنه يقبل رجوعه، لكن لو رأى الحاكم أن يعزره بما يقتضي ألَّا يتلاعب بالحكام فله ذلك؛ لأن القضية سوف تعرض ويكون لها جلسة عند القاضي ومحضر وكتابة وبعد هذا كله يقول: أنا أكذب أقررت بالسرقة، ولكن أكذب كنت أريد أن أعرف ما عندكم، ولما علمت أن السكينة الباترة مهيأة لقطع يدي فأنا أكذب، هذا ربما نقبل رجوعه إذا لم يكن هناك قرينة تكذبه، وأما مع وجود القرينة فلا وجه لقبول رجوعه، ولا يمكن أن يكون هذا القول عمليًّا في أحوال الناس لاسيما مع كثرة السرقات.
في هذا الحديث: حكمة النبي صلى الله عليه وسلم؛ حيث إنه أعاد عليه هذا القول عدة مرات؛ لأن حاله تقتضي ألَّا يكون سرق وذلك لعدم وجود متاعٍ معه.
ومن فوائد الحديث: أنه يطلب من الإنسان بعد إقامة الحد أن يستغفر الله ويتوب إليه، يعني: ينبغي للقاضي أن يقول: استغفر الله وتب إليه، لجواز أن يعود مرة أخرى إلى الذنب.
فإن قال قائل: أليس قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الحدود كفارة للمعاصي؟
فالجواب: بلى ثبت ذلك، لكن هنا مما يزيد توبة الله علي، ثم إنها كفارة لما مضى، والاستغفار والتوبة عما مضى وعما يستقبل، لأن من شروط التوبة أن يعزم على ألَّا يعود في المستقبل.
ومن فوائد الحديث: أنه ينبغي للإنسان إذا أمر شخصًا بالاستغفار والتوبة من أي ذنب كان أن يشرح صدره له وأن يشرح صدر التائب، فيدعو له بالتوبة، ويقول: اللهم اغفر له، اللهم تب عليه؛ لأن هذا مما ينشطه على الاستمرار في توبته.
وفي رواية الحاكم قال: "اذهبوا به فاقطعوه ثم احسموه الحسم" بمعنى: القطع، لكن القطع هنا غير القطع الذي سبقه، فإن قوله: "فاقطعوه" أي: اقطعوا يده "احسموه" أي: اقطعوا نزيف الدم، قال العلماء: وكيفية الحسم أن يغلى الزيت بالنار ثم يغمس طرف الذراع في الزيت وهو يغلي؛ لأن هذا يسد أفواه العروق؛ إذ لو بقيت أفواه العروق مفتوحة لنزف الدم ومات.

(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 400)

فيستفاد من هذا الحديث: وجوب حسم يد السارق.
ولكن إذا قال قائل: هل يتعين الطريق الذي ذكره العلماء بأن يغلى الزيت ثم يغمس فيه طرف الذراع؟
الجواب: لا إذا وجد طريقة أخرى يمكن بها الحسم وهي أهون من هذا فإن الواجب اتباعها لقول النَّبيّ صلى الله عليه وسلم: "إن الله كتب الإحسان على كل شيء فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة".
فإن قيل: هل يجوز أن يبنج محل القطع حتى لا يحس به المقطوع؟
فالجواب: نعم يجوز ذلك، لأن المقصود هو إتلاف اليد وهو حاصل سواء بنج أم لم يبنج، فإن قال قائل: يرد عليكم أنه يجوز لمن أريد جلده أن يبنج.
قلنا: لا، لا يرد هذا؛ لأن المقصود بالجلد هو الإيلام، ولا يحصل بالبنج، أما المقصود بقطع اليد فهو إتلاف اليد وهو حاصل بالبنج.
فإن قال قائل: فهل تعدون ذلك إلى اليد المقطوعة قصاصًا؟
الجواب: لا، اليد المقطوعة قصاصًا لا يجوز أن تبنج، لأننا لو بنجناها لم يتم القصاص، إذ إن قطع المعتدي ليد المعتدى عليه حصل به الإتلاف والإيلام، فإذا بنِّج لم يتم القصاص، ما الذي يفوت من القصاص؟ الإيلام.
وهذه المسائل ينبغي لطالب العلم أن ينتبه لها؛ لأن بعض الناس قد يقول: اليد باليد، قطعنا يد القاطع كما قطع هو يد المقطوع. قلنا: لكن الله تعالى يقول: {والجروح قصاصٌ} [المائدة: 45]. فلا بد من أن يذوق هذا ألم الجرح كما ذاقه المعتدى عليه.
فإن قال قائل: الحسم يحتاج إلى نفقة، الزيت له قيمة، غليه له قيمة، وما يقوم مقام الزيت له قيمة، فعلى من تكون أعلى الذي أقيم عليه الحد أم في بيت المال؟
قلنا: الثاني تكون في بيت المال؛ لأن إقامة الحدود من واجبات ولي الأمر، وعلى هذا فتكون في بيت المال.
فإن قيل: لماذا لا تكون على ولي الأمر؟ قلنا: لأن هذا ليس لمصلحة خاصة بل لمصلحة عامة، فيكون في بيت المال الذي هو عام للمسلمين.
ويستفاد من الحديث: اطمئنان الصحابة رضي الله عنهم على إقامة الحدود وانشراح صدورهم لها، فهذا الرجل الذي قطعت يده ثم حسمت إذا تأملت القصة وجدت أنه طيب النفس منشرح لم يتضجر ولم يظهر السخط مما وقع، وذلك لأن قطعه كان بأمر الله ورسوله:

(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 401)

{وما كان لمؤمنٍ ولا لمؤمنةٍ إذا قضى الله ورسوله أمرًا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم} [الأحزاب: 36]. والإنسان المؤمن حقًّا يجري أمر الله ورسوله على نفسه وإن كان في ذلك مرارة؛ لأنه يرى أن امتثال أمر الله خير من المرارة التي يحس بها.

‌‌لا ضمان على السارق:
1187 - وعن عبد الرَّحمن بن عوفٍ رضي الله عنه، أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا يغرم السَّارق إذا أقيم عليه الحدُّ". رواه النِّسائيُّ، وبيَّن أنَّه منقطعٌ، وقال أبو حاتمٍ: هو منكرٌ.
السارق حصل منه ثلاث مخالفات.
المخالفة الأولى: أنه عصى الله ورسوله؛ لأن الله حرم أموال المسلمين كما أعلن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع في موضعين: في عرفة وفي منى، قال: "إن دماءكم وأموالكم واعراض كم عليكم حرام".
المخالفة الثانية: العدوان على الشخص الذي سرق منه، وذلك بالاستيلاء على ماله وحرمانه إياه.
المخالفة الثالثة: اختلال الأمن - أمن الناس - بحيث لا يأمنون على أموالهم إذا كثر السراق، بل ربما لا يأمنون على أنفسهم؛ لأن السارق قد يكون معتديًا فيحمل السلاح ليقاوم به من يصده عن السرقة، هذه الأمور الثلاثة كل شيء يتعلق به حق، أما الحق الأول وهو حق الله، فإنه لا شك إذا قطعت اليد فقد استوفي منه حق الله يبقى علينا اعتداؤه على أموال الناس حق الآدمي.
هذا الحديث يقول: "لا يغرم السارق إذا أقيم عليه الحد"، لكن هذا الحديث منكر متنًا ومنقطع سندًا، ووجه إنكاره متنًا أنه مخالف للقواعد الشرعية؛ لأن حق الله شيء وحق المخلوق شيء آخر، فهو إذا قطعت يده ماذا يستفيد صاحب المال؟ لا شيء؛ يعني: لنفرض أنه سرق مليونًا من الدراهم راحت على صاحبها وأقيم على السارق الحد كيف يضيع حق صاحب المال، فهذا الحديث إذن منكر من جهة المتن، وهذه فائدة ينبغي لطالب العلم أن يتبه لها، إذا رأى بعض المتون المروية عن الرسول صلى الله عليه وسلم مخالفة لقواعد الشريعة العامة فليتأمل ولا يتعجل بنسبة الحديث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسيجد أن هذا الحديث منكر، لأن قواعد الشريعة العامة قواعد كالجبال، ولا يمكن أن يأتي حديث نقله واحد من الناس فيخرم هذه القواعد لهذا يجب على طالب العلم إذا وجد حديثًا يخالف الأصول أن يتثبت، أنا لا أقول: يرده لأنه قد يكون هناك معنى لم نعقله نحن وجاء الحديث من أجله لكن يتثبت، إذا تثبتنا في

(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 402)

هذا الحديث وجدنا أنه مخالف للقواعد العامة في الشريعة، وهي أنه من أتلف على إنسان شيئًا بغير حق وجب عليه ضمانه.
بقي علينا الشئ الثالث وهو الأمن، يمكن أن نقول: إن الأمن استوفى بقطع اليد؛ لأن هذا من أعظم ما يكون يمشي بين الناس مقطوع يده اليمنى، لماذا؟ يقال: لأنه سارق هذا أعظم ما يوفر الأمن، وبهذا نعرف حكمة الله عز وجل في وجوب قطع يد السارق: {نكالًا من الله والله عزيزٌ حكيمٌ} [المائدة: 38].

‌‌حكم الجمع بين الضمان والقطع:
1188 - وعن عبد الله بن عمرو بن العاص في رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أنه سئل عن التَّمر المعلَّق؟ فقال: من أصاب بفيه من ذي حاجةٍ، غير متَّخذٍ خبنةٍ، فلا شيء عليه، ومن خرج بشيءٍ منه، فعليه الغرامة والعقوبة، ومن خرج بشيءٍ منه بعد أن يؤويه الجرين، فبلغ ثمن المجنِّ فعليه القطع". أخرجه أبو داود، والنَّسائيُّ، وصحَّحه الحاكم.
قوله: "المعلق" يعني: في شجره كما يوجد في النخل تمر، فبيَّن النبي صلى الله عليه وسلم سواء معلق أو غير معلق على ثلاثة وجوه: الأول: من أصاب بفيه من ذي حاجة، غير … إلخ.
الثالث: أشدها ولذلك عظمت العقوبة فيه.
في هذا الحديث فوائد منها: أن الإنسان إذا مر بشجر فيه ثمر فأكل منه بفيه فقط - يعني: أخذ يده ووضعها في فيه - فهذا لا شيء عليه، لكن بشرط ألَّا يحمل معه شيئًا، واشترط الفقهاء زيادة في ذلك فقالوا: يشترط في هذا التمر أن يكون في بستان ليس عليه حائط ولا ناظر؛ وذلك لأنه إذا سوِّر أو كان عليه ناظر كان هذا دليلًا على أن صاحبه غير راضٍ بالأكل منه، ولا يحل مال امرئ مسلم إلَّا بطيب نفس منه، {فإن طبن لكم عن شيءٍ منه نفسًا فكلوه هنيئًا مَّريئًا} [النساء: 4]. وهذا القيد الذي ذكره بعض العلماء قيدٌ لا بد منه؛ لأن جعل السور أو الشوك المنيع على هذا الحائط دليل واضح على أن صاحبه لا يريد أن يأخذ أحد منه شيئًا، لكن نخل على الطريق وليس عليه حائط ولا ناظر فلك أن تأكل، ولكن هل تأكل حتى تشبع أو بقدر الحاجة؟ ظاهر الحديث أنه مقيد بالحاجة، ولكن بعض العلماء أطلق وقال: له أن يأكل حتى يشبع وظاهر كلامهم ولو أنه له ذلك كان واسع البطن، المهم لا يحمل شيئًا منه.

(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 403)

ومن فوائد الحديث: ألَّا يأخذ من هذا التمر شيئًا يضعه في جيبه أو في طرف ردائه أو ما أشبه ذلك، لأن هذا متملك، والأول منتفع، الأول يريد أن يسد جوعته فقط، أما هذا فمتملك أخذه في جيبه أو في كمه أو في طرف ردائه فهذا حرام عليه، فإن فعل فعليه الغرامة والعقوبة، الغرامة لصاحب التمر، والعقوبة لحفظ الأمن إلى الإمام، ولكن العقوبة هذه قيل: إنها إضعاف القيمة عليه، فإذا كان الثمر الذي أخذه يساوي عشرة أضفنا إليها عشرة أخرى تكون لبيت المال وقال بعض العلماء: العقوبة تعزير يقدره القاضي، والصواب أن ينظر في ذلك لما هو أنكى وأمنع، قد يكون بعض الناس المال عنده غالٍ والقرش عنده أغلى من أن يضرب عشر مرات، وبعض الناس بالعكس لو أخذ منه الألف أو يضرب مرة واحدة لاختار الألف، فينظر القاضي لما هو أنكى وأمنع وأنفع.
ومن فوائد الحديث: أن من العلماء من أخذ منه قاعدة وهي أن من سرق من غير حرز ضوعفت عليه القيمة فإنه لا يقطع؛ لأنه يشترط الحرز ولكن تضعف عليه القيمة، وهذا هو المعروف عند كثير من العلماء، وقيل: إنه خاص بالثمر والكثر، والأقرب أن يقال: من أخذ من غير حرز فعليه عقوبة إما إضعاف القيمة، وإما جلد نكال.
ومن فوائد الحديث: اشتراط الحرز في المسروق لقوله: "ومن خرج بشيء منه بعد أن يؤويه الجرين فبلغ ثمن المجن فعليه القطع"، الجرين: مجمع الثمر، وذلك أن الثمار تجمع في مكان ما لتيبس وتنشف ثم تدخل في البيوت، لكن الآن صارت الآلات التي تنجزه بسرعة وليس فيه جرين، فكون إيواء المكان الذي فيه المكاين كإيواء الجرين.
فإن قال قائل: الآية عامة {والسَّارق والسَّارقة فاقطعوا أيديهما}.
قيل: إن صيغة العموم هنا الموصولية، وجه ذلك: أن "أل" الداخلة على المشتق اسم موصول، قال ابن مالك:
*وصفةٌ صريحةٌ صلة أل *
وعلى كل حال: نحن نقول: فيه عموم إما من الموصول وإما من كونه مفردًا محلًّى بـ "أل" التي ليست للعهد، أقول: إن قال قائل: اشتراط الحرز ينافي عموم الآية، قلنا: لكن هذه المنافاة - ليست من كل وجه، بل هي من بعض الوجوه، ما هي بعض الوجوه؟ أنه أخرج بعض أفراد العام من الحكم فهو من باب التخصيص، وتخصيص القرآن بالسُّنة جائز لا شك فيه؛ لأنه ليس رفعًا للحكم نهائيًّا، بل هو رفع للحكم عن بعض الأفراد وهذا هو التخصيص.

(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 404)

ومن فوائد الحديث: اشتراط النصاب في السرقة لقوله: "فبلغ ثمن المجن"، والمجن ثمنه ثلاثة دراهم، والدراهم تساوي في ذلك الوقت ربع دينار، وهذه المسألة اختلف فيها العلماء هل الفضة والذهب كلاهما معتبر في نصاب السرقة أو الذهب فقط، والصواب أنه الذهب فقط، وأنها تقطع اليد في ربع دينار فصاعدا ولا تقطع فيما دون ذلك، لكن كان الدينار في عهد النبي صلى الله عليه وسلم يساوي اثني عشر درهما فيكون ربعه ثلاثة دراهم.
ومن فوائد الحديث: مطابقة أحكام الشريعة للحكمة، ووجهه: التفريق في الأحكام بين هذه الأحوال الثلاثة حيث جعل لكل حال حكمًا خاصًّا، ويتفرع على هذه الفائدة قاعدة عظيمة في الشريعة الإسلامية وهي: أنها لا تفرق بين متماثلين ولا تجمع بين مختلفين، لأنها من لدن حكيم خبير: {ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافًا كثيرًا} [النساء: 82].

‌‌الشفاعة في الحدةد، ضوابطها:
1189 - وعن صفوان بن أميَّة رضي الله عنه أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قال له لمَّا أمر بقطع الَّذي سرق رداءه، فشفع فيه: "هلَّا كان ذلك قبل أن تأتيني به؟ ". أخرجه أحمد والأربعة، وصحَّحه ابن الجارود والحاكم.
صفوان بن أمية يعني كان نائمًا في البطحاء، قيل: في بطحاء عارية، وقيل: في المسجد النبوي، وقيل: في المسجد الحرام، وهذا لا يوجب اضطراب الحديث؛ لأن المقصود منه لا اختلاف فيه، وهذه مرت علينا في مصطلح الحديث، أي: أن الاختلاف الذي ليس في أصل الحديث لا يعد اضطرابًا كاختلاف الناس في ثمن جمل جابر، واختلافهم فيما وجد في ثمن قلادة حديث فضالة بن عبيد.
قوله: "سرق رداءه"، ما هو الرداء؟ الرداء: ما يستر به أعلى الجسد، وكان أكثر اللباس في عهد النبي صلى الله عليه وسلم هو الإزار والرداء، وقد توسد صفوان رضي الله عنه رداءه فسرق الرداء فرفع إلى النبي صلى الله عليه وسلم "فأمر بقطع يده"، "فأمر" الفاعل هو الرسول صلى الله عليه وسلم، "بقطع يد الذي سرق"، لكن خذفت اليد للعلم بها، وقد أصَّل ابن مالك رحمه الله في ألفيته أصلًا مفيدًا في قوله:
وحذف ما يعلم جائزٌ كما … نقول زيدٌ بعد من عندكما

(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 405)

وقوله: "سرق رداءه" الضمير يعود على صفوان بن أمية، "فشفع فيه" الفاعل: صفوان، والضمير في "فيه" يعود على السارق، قال النبي صلى الله عليه وسلم: "هلًا كان ذلك" أي: شفعك "قبل أن تأتيني به"، "هلا" أداة تحضيض، "ألا" أداة عرض، والعرض دون التحضيض، والتحضيض عرض بإلحاح، ويجوز أن تكون هنا - أعني: هلا بمعنى: لو أي: لو كان ذلك قبل أن تأتي به لقبلت، والقصة أن صفوان بن أمية كان نائمًا على ردائه إما في المسجد الحرام أو في المسجد النبوي أو في بطحاء من الأرض على اختلاف الروايات في ذلك، وربما يقول قائل: اختلاف الروايات على هذا الوجه يقتضي أن يكون الحديث مضطربا، واضطراب الحديث يقتضي ضعفه؛ لأنه يدل على أن الرواة لم يضبطوه، ولكن عند المحدثين قاعدة وهي: أنه إذا كان الاختلاف لا يتعلق بالحكم فإن ذلك لا يضر، لأنه لا يؤثر في أصل الحديث وحكم الحديث، ولذلك أمثلة منها اختلاف الرواة في ثمن القلادة في حديث فضالة بن عبيد، ومنها اختلاف الرواة في قدر ثمن جمل جابر، وهذا لا يؤثر لأنه لا يتعلق به حكم هذا أيضًا نفس الشيء؛ لأن المهم أن الرداء سرق من تحت رأسه وهو نائم سواء في المسجد النبوي أو في المسجد الحرام أو في بطحاء من الأرض، فلما سرق الرداء رفع الأمر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وجيء بالسارق واعترف فأمر النبي بقطع يده، فشفع فيه صاحب الرداء وهو صفوان، لأنه ظن أن الأمر لا يصل إلى حد القطع، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "هلا كان ذلك قبلي أن تأتيني به" يعني: ولو كان لأفادت الشفاعة.
يستفاد من هذا الحديث فوائد من أهمها: أن الحرز يختلف باختلاف الأموال فرداء النائم حرزه أن يضعه تحت رأسه؛ لأن هذا هو العادي، فالوسادة تحت الرأس تعتبر في حرز؛ لأن هذا هو الذي جرت به العادة، ولو أن الإنسان توسد حفيظة دراهم -يعني: بوك دراهم - هل يعتبر هذا حرزًا؟ لا؛ لأن الدراهم لا تحفظ في مثل هذا، اللهم إلَّا أن يكون هناك قوة سلطان، فإن قوة السلطان تجعل ما ليس حرزًا تجعله حرزًا، يعني: في بعض الأحيان يكون أمير البلد أو السلطان الأكبر يكون حازمًا قويًا شديدًا فيكون الحرز في عهده أقل مما لو كان غير ذلك.
ومن فوائد الحديث: أن وضع الرداء ومثله المشلح تحت الرأس توسُّدًا له يعتبر حرزًا.
ومن فوائد الحديث: جواز الشفاعة في الحد قبل أن يصل إلى السلطان، ومن هو السلطان هل هو المحقق أو الحاكم أو المنفذ في عهدنا الآن ثلاث جهات: جهات تحقق وهي الشرطة، وجهات تحكم وهو القاضي، وجهات تنفذ وهي الإمارة، فأيها يعتبر سلطانًا؟ الظاهر لي الأخير أن الأمير هو المنفذ.
فإن قال قائل: إن النبي صلى الله عليه وسلم حاكم؟

(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 406)

قلنا: نعم، هو حاكم وهو محقق وهو منفذ، الرسول صلى الله عليه وسلم ليس في عهده من يحقق أولًا ثم ترفع للمحكمة فتحكم ثم تأتي إلى الإمارة فتنفذ ليس موجودا، وعلى هذا فقد اجتمعت الولايات الثلاث في حق النبي صلى الله عليه وسلم.
ومن فوائد الحديث: بيان أن الأردية في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم كانت غالية رفيعة الثمن حملًا لهذا الحديث على أن الرداء يبلغ النصاب، ومن قال: إن النصاب ليس بشرط أستدل بهذا الحديث قال: لأن الرداء في الغالب لا يساوي هذه القيمة في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، ولكن لدينا قاعدة معلومة للأكثر وهي حمل المتشابه على المحكم، فلدينا نصوص محكمة تدل على أنه لا قطع في أقل من ربع دينار فتحمل هله الأحاديث المشتبهة على هذا الحديث البيِّن الواضح.
1190 - وعن جابرٍ رضي الله عنه قال: جيء بسارقٍ إلى النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم فقال: "اقتلوه، فقالوا: إنَّما سرق يا رسول الله، قال: اقطعوه فقطع، ثمَّ جيء به الثَّانية، فقال: اقتلوه، فذكر مثله، ثمَّ جيء به الرَّابعة كذلك، ثمَّ جيء به الخامسة فقال: اقتلوه". أخرجه أبو داود، والنِّسائيُّ، واستنكره.
- وأخرج من حديث الحارث بن حاطبٍ تخوه، وذكر الشَّافعيُّ أنَّ القتل في الخامسة منسوخٌ.
قوله: "استنكره" يعني: قال: إنه منكر، وهو جدير بأن يكون منكرًا؛ لأنه يبعد جدًّا أن الرسول صلى الله عليه وسلم يأمر بقتله دون أن يتحقق موجب القتل هذا من أبعد ما يكون، ولهذا نعتبر هذا الحديث منكرًا لا يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم، وإذا كان كذلك فلا حاجة إلى الكلام عليه ولا إلى بيان فوائده لأن المبني على الباطل باطل.
وقوله: "وأخرج من حديث الحارث … إلخ"، نقول: لا نفرح حتى يثبت وإذا لم يثبت، فلا حاجة لدعوى النسخ.

‌‌الشبهة أنواعها وشروط انتفائها:
وبهذا انتهي الكلام على حد السرقة، وبقي هناك شروط ذكرها الفقهاء وهي انتفاء الشبهة، ولكن الشبهة على أنواع: شبهة قريبة، وشبهة بعيدة، وشبهة بين ذلك، فأما الشبهة القريبة فنعم ينبغي أن يرفع القطع عن السارق، ومن ذلك عام المجاعة؛ أي: إذا لحق الناس مجاعة عامة

(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 407)

وسرق أحد من الناس سرقة لحفظ حياته فإن هذا لا يقطع، وقد رفع ذلك أمير المؤمنين عمر ابن الخطاب رضي الله عنه في زمن المجاعة؛ لأن الشبهة هنا قوية وهي أن هذا السارق مضطر، والمضطر يجب على من علم بحاله أن ينقذه، فهو يقول: سواء علم بي صاحب المال أم لم يعلم لا بد أن يبذل لي من ماله ما تقوم به حياتي، أما إذا ادعى السارق أنه جائع وقال: لو لم أسرق لمت فهل يرتفع القطع عنه؟ لا؛ لأن هذا ليس مجاعة عامة، ولو أننا صدقنا مثل هذا لكان كل سارق يقول: إنه مضطر.
السرقة من مال من تجب نفقته هل فيها شبهة: نعم، فيها شبهة، فهذا رجل فقير عنده أخ غني يجب عليه أن ينفق على هذا الفقير، فسرق منه الفقير فقال: أنا سرقت منه؛ لأنه لم ينفق علي النفقة، فهذه لا شك أنها شبهة، ولكن نقول لهذا السارق: بدلًا من أن تسرق خذ من ماله - إذا قدرت عليه - ما يكفيك؛ لأنه يجوز لمن تجب نفقته على شخص ولم ينفق عليه أن يأخذ من ماله بغير علمه بقدر النفقة، أفتى بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم هند بنت عتبة حين جاءت تشكو زوجها أبا سفيان بأنه رجل شحيح لا يعطيها ما يكفيها فقال: "خذي من ماله ما يكفيك وبنيك بالمعروف".
هل سرقة الزوج من مال زوجته يقطع؟ الفقهاء يقولون: هذه شبهة؛ لأن العادة جرت بأن الزوج يتبسط بمال زوجته وكذلك العكس، مع أن الزوجة إذا سرقت فلها شبهتان الشبهة الأولى: وجوب النفقة، والثانية: البسط بمال الزوج.
فإذا قال الإنسان: يوجد امرأة لا تريد أن يأخذ زوجها منها ولا فلسًا ولا ترضى أن يتبسط بمالها فهل تقطعونه إذا سرق من مثل هذه الزوجة؟ نقول: النادر لا حكم له والعبرة بالأكثر، أكثر النساء قد يطيب لها أن يأخذ زوجها من مالها سرقة أو نهبًا وترى هذا من كمال المودة، وكذلك بالعكس هذا هو الغالب، وإذا وجدت حالات نادرة فالنادر لا حكم له، إذا ثبت القطع فمن الذي يقطع المسروق منه أم أولو الأمر؟ الثاني؛ لأنهم هم الذين توجه إليهم مثل هذه الخطابات إقامة الحدود وما أشبه ذلك، إذا كان عبدًا فهل يقطعه سيده أم ولي الأمر العام؟ الثاني، والسيد لا يقطعه، ولهذا لم يرخص الفقهاء للأسياد أن يقيموا الحدود على مماليكهم إلَّا في الجلد فقط وأما القطع فلا، ثم إن هناك محظورًا آخر نقول للسيد إذا قطع يد عبده السارق ربما نقول إنه يعتق عليه؛ لأن التمثيل بالعبد يوجب العتق، لكن يدفع هذا الإيراد بأن هذا ليس قصده التمثيل، وإنما قصده التأديب.
وما معنى قولنا: إذا مثل بعبده عتق؟ يعني: لو قطع أنملة من أصابعه عتق، ولو قطع ظفرًا من أظفاره لم يعتق؛ لأن الظفر في حكم المفصل، ولو قطعه خطأ فظاهر التعليل أنه لا يعتق؛

(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 408)

لأنه لم يقصد التمثيل، ولكن لو أن القاضي حكم بعتقه سدًّا للباب، لئلَّا يدَّعى كل سيد أنه قطعه خطأ، وعلى هذا يفرق بين ما علما يقينا أنه خطأ وما شككنا فيه.
* * *

‌‌4 - باب حدِّ الشَّارب وبيان المسكر
"الشارب" يعني: للخمر، و"بيان المسكر"، ما هو؟ وليعلم أن الخمر ما خامر العقل؛ أي: غطى العقل حتى لا يكون عند الإنسان إحساس عقلي، وإن كان يشعر بالألم لو ضرب لكنه ليس له إحساس عقلي، لكن يضاف إلى ذلك أنه غطى العقل على سبيل اللذة والطرب ليخرج بذلك البنج وشبهه فإنه لا يكون مسكرًا، فلا بد أن يكون هناك لذة وطرب؛ لأن قوة اللذة والطرب هي التي تجعل هذا الإنسان يفقد عقله حتى يكون كالمجنون، وحكم شرب الخمر أنه من كبائر الذنوب، لأن النبي صلى الله عليه وسلم توعد عليه بأن من شربه في الدنيا لم يشربه في الآخرة، ولعن النبي صلى الله عليه وسلم شارب الخمر فهو من كبائر الذنوب، وهو مفتاح كل شر وأم الخبائث، وكم من شرور حصلت من أجل السكر، حتى في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم لما كان الخمر مباحًا حصل منه مفاسد كثيرة، ومن ذلك ما حصل لحمزة بن عبد الطلب أفضل أعمام الرسول صلى الله عليه وسلم فقد كان شاربا ذات يوم وعنده جارية تغنيه، فمر ناضحان لعلي بن أبي طالب بعيران يسقى عليهما فغنته هذه الجارية وقالت:
* ألَّا يا حمز للشُّرف النُّواء *
فأخذ السيف وجب أسنمتهما وشق بطونهما وأكل من أكبادهما وهو سكران لا يدري ماذا صنع، فجاء علي بن أبي طالب رضي الله عنه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره، فقام النبي صلى الله عليه وسلم إلى حمزة فرآه قد ثمل يعني: سكران فلما كلمه قال له حمزة: هل أنتم إلَّا عبيد أبي استحقارًا واستخفافًا فتراجع النبي صلى الله عليه وسلم، هذه الكلمة لو جاءت من عاقل لكانت كفرا لكنها من إنسان غير عاقل، ولهذا كان القول الراجح في السكران أن جميع أقواله غير معتبرة لا عقوده ولا فسوقه، كل شيء من أقواله غير معتبر فلو أن السكران: قال نسائي طوالق وعبيدي أحرار وعقاراتي أوقاف فإنه لا ينفذ شيء من ذلك؛ لأنه غير عاقل لا يدري ما يقول كما قال تعالى: {يا أيُّها الَّذين لا تقربوا الصَّلاة وأنتم سكارى حتَّى تعلموا ما تقولون} [النساء: 43]. فالسُّكر يؤدي إلى مفاسد عظيمة وقرأت

(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 409)

قديمًا في مجلة من غير هذه البلاد أن شابًّا دخل على أمه في الساعة الواحدة ليلًا وهو سكران فراودها عن نفسها وأبت عليه، فأخذ السكين وقال: إن لم تفعلي فسأنتحر فأدركتها الشفقة فمكنته من نفسها ثم انصرف وذهب إلى غرفة نومه، وفي الصباح أحس بشيء فأتى إلى أمه، وقال: ماذا فعلت البارحة؟ قالت: لم تفعل شيئًا، فأصر عليها فأخبرته، فأخذ دلوًا من البنزين أو الغاز وذهب إلى الحمام وصبها على نفسه، ثم أحرق نفسه فصار هذا فعل جنايات شرب الخمر والزنا بأمه وقتل النفس وأشياء كثيرة تذكر عن السكارى، ولهذا صارت تسمى أمّ الخبائث ومفتاح كل شر، تبين الآن أنها حرام، وماذا يجب على الإمام أن يعامل من شرب المسكر؟ بينه في الحديث الآتي:

‌‌عقوبة شارب الخمر:
1191 - عن أنسٍ بن مالكٍ رضي الله عنه: "أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم أتي برجلٍ قد شرب الخمر، فجلده بجريدتين نحو أربعين، قال: وفعله أبو بكرٍ، فلمَّا كان عمر استشار النَّاس، فقال عبد الرَّحمن بن عوفٍ: أخفُّ الحدود ثمانون، فأمر به عمر". متَّفقٌ عليه.
هذا رجل ولم يذكر اسمه ولا حاجة إلى تعيين اسمه؛ لأن المقصود هو الحكم، أما كون الفاعل فلانًا أو فلانًا هذا لا يهمنا، وقوله: "شرب الخمر" سبق معنى الخمر، "فجلده" يعني: أمر بجلده، ولهذا قام الصحابة يجلدونه، وقوله: "نحو أربعين"، كلمة "نحو" تدل على أنها ليست حدًّا مؤكدًا، إذ لو كانت حدًّا مؤكدًا القال: جلده أربعين، قال: "وفعله أبو بكر" يعني: أنه جلد في الخمر نحو أربعين.
"فلما كان عمر استشار الناس" أي: طلب منهم المشورة، والمشورة: هي إبداء الرأي في الأمور المشكلة، وكان من عادة عمر رضي الله عنه على ما عنده من الإلهام الذي قال عنه النبي صلى الله عليه وسلم: "إن يكن فيكم تحدثون فعمر"، كان رضي الله عنه لا يستقل برأيه يستشير الصحابة وله في ذلك مقامات كثيرة، استشار الصحابة؛ لأن الناس كثر فيهم شرب الخمر بواسطة ما أنعم الله عليهم به من الفتوح واختلاط الأنباط بهم، فكثر فيهم شرب الخمر، فاستشار الصحابة ماذا يصنع، فقال عبد الرحمن بن عوف: أخف الحدود ثمانون، ويعنى بذلك: حد القذف لقول الله تعالى: {والَّذين يرمون المحصنات ثمَّ لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدةً} [النور: 4]. فأمر به عمر يعني أمر بحد القذف أن يجلد الشارب، فزادت العقوبة نحو الصعف أو أكثر، فنفذه عمر رضي الله عنه بعد أن استشار الصحابة رضي الله عنهم.

(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 410)

في هذا الحديث فوائد: منها: أن وقوع مثل هذه المنكرات لا يستغرب؛ لأنه وقع في عهد الصحابة وفي زمن الرسول صلى الله عليه وسلم السرقة وجدت الزنا وجد، شرب الخمر وجد في خير القرون وأفضل العهود في قرن الصحابة وفي عهد النبي صلى الله عليه وسلم، والإسلام طري النفوس مقبلة عليه شغوفة به متمسكة به، ومع ذلك يقع من أفراد الناس مثل هذا، فلا تستغرب إذا وقع في عصرك وأنت في القرن الخامس عشر مثل هذه الأشياء مع بعد الفرق بين ذاك الزمن وهذا الزمن، وبين أولئك الناس وهؤلاء الناس، وبين الكثرة والقلة، كان الصحابة في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم مائة وأربع وعشرون ألفًا، الآن كم عدد المسلمين؟ مليار، فإذا قدر أنه زنى منهم ألف الألف نسبته إلى المليار قليلة جدًّا فعلى هذا نقول: لا يلحقك همٌّ أو غم إذا رأيت شيئًا من المنكرات في عهدك، ولكن هذا لا يمنعك من أن تأمر بالمعروف وتنهي عن المنكر.
ومن فوائد الحديث: يطلب إخفاء الفاعل إذا لم تلاع الحاجة إلى بياته وتعيينه من قوله: "شرب رجل" ولم يعينه.
ومن فوائد الحديث: نسبة الشيء إلى الآمر به لقوله: "فجلده نحو أربعين".
ومن فوائد هذا الحديث: أن عقوبة شارب الخمر ليست بحد لقوله: "نحو أربعين"، ولأن عمر زادها والحد لا يمكن أن يزاد، ولهذا لو كثر الزنا في غير المحصنين فهل لنا أن نزيد على مائة جلدة؟ لا، ولو كانت عقوبة شارب الخمر حدًّا ما زاد عمر عليها.
الوجه الثالث: أن عبد الرحمن بن عوف قال: أخف الحدود ثمانون، قالها بمحضر الصحابة ولم ينكر عليه أحد، ولو كانت عقوبة شارب الخمر حلًا لكان أخف الحدود أربعين، وهذا القول هو الذي تبين لي من السُّنة أن عقوبة شارب الخمر ليست حدًّا، ولكن يمكن أن نقول: إنها حد أدنى، بمعني: ألَّا ننقص عن أربعين، أما الزيادة على أربعين إلى ثمانين أو عن ثمانين إلى مائة وعشرين فهذا لا بأس به، إذا كان الناس لا يرتدعون بدونه.
ومن فوائد ألحديث: أنه في عهد أبي بكر رضي الله عنه كان الناس قريبين من عهد النبوة والمعاصي فيهم قليلة وتوسع الفتوحات كان قليلًا؛ لأن عهد أبي بكر سنتين وخمسة أشهر تقريبًا.
ومن فوائد الحديث: مشروعية الاستشارة حتى وإن كان الإنسان ذا عقل ومشورة.
شاور سواك إذا نابتك نائبةٌ … يومًا وإن كنت من أهل المشورات
المرع قليل بنفسه كثير بإخوانه، وإذا كان عمر رضي الله عنه هو من هو - يستشير الصحابة فمن دونه - من باب أولى، ولكن هل نستشير في كل شيء؛ بمعنى: إذا عرض للحاكم مسألة يجمع الناس

(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 411)

إليها ليستشيرهم أو لا يستشير إلَّا فيما تدعو الحاجة إلى الاستشارة فيه؟ الثاني هو المقصود أنك لا تستشير إلَّا في أمور تدعو الحاجة إلى الاستشارة فيها، وهل يستشير الإنسان في أموره الخاصة أو لا يستشير إلَّا في الأمور العامة؟ الأول، لأن النبي صلى الله عليه وسلم استشار في شأن عائشة رضي الله عنها في قصة الإفك، فالإنسان يستشير في أموره الخاصة ويستشير في الأمور العامة، ولكن يشترط في المستشار أن يكون أمينا وأن يكون ذا رأي، وهل يشترط أن يكون قريبًا؟ لا؛ لا بد أن يكون أمينًا لا تستشر إلَّا إنسانًا أمينًا يحب لك ما يحب لنفسه، الثاني: أن يكون ذا رأي، لأن من ليس له رأي لا تستفيد منه كثير من الناس إذا استشرته في شيء يقول: كله زين، ويقول العامة: إذا أردت أن تحيره فخيره، فلا بد أن يكون ذا رأي، هل يشترط أن يكون ذا دين، أو نقول: إن قولنا أمين يكفي؟ الثاني، إذا كان أمينا فالأمانة لا تكون إلَّا [ممن عنده] دين، وإذا استشرت فهل تستسلم لما يقول أو تناقشه؟ الثاني، تناقشه حتى يستبين الأمر؛ لأنه قد يشير عليك بما يرى انه مصلحة لكنه لا يدري ما وراء ذلك مما هو عندك أنت فلا حرج أن تناقشه، قد يغضب بعض الناس يقول: كيف تستشيرني ثم تجادلني ماذا تقول له؟ تقول: أنا ما جادلتك اعتراضًا لكن جادلتك لأجل أن يتبين الأمر حتى أعرف؛ لأن الإنسان قد يبدو له شيء وتغيب عنه موانعه، فإذا وجد من يعارضه تبين تمامًا.
ومن فوائد الحديث: تواضع عمر رضي الله عنه، وبه نضع شجن في حلوق الذين يقولون: إن عمر رجل مستبد.
بقي علينا بحث: هل الخمر نجس أو لا؟ أكثر العلماء على أن الخمر نجس نجاسة حسية وأنه كالبول والغائط في تنجيس الثياب والأراضي وغيرها، واستدلوا لذلك بقوله تعالى: {يا أيُّها الَّذين ءامنوا إنَّما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجسُ من عمل الشَّيطان فاجتنبوه لعلَّكم تفلحون} واستدلوا بأنه حرام، ولا يحرم الله إلَّا الخبيث، والخبيث نجس، وذهب بعض أهل العلم إلى أن الخمر ليست بنجسة نجاسة حسية، واستدلوا لذلك بدليل إيجابي، ودليل سلبي، أما الدليل الإيجابي فقالوا: إن الخمر حين حرمت أراقها الناس في الأسواق ولم يؤمروا بغسل الأواني، وهذا يدل على أنها طاهرة إذ لو كانت نجسة لأمروا بغسل الأواني كما أمر الناس حين حرمت الحمر أن يغسلوا الأواني بعدها.
ثانيًا: أن الصحابة أراقوا الخمر حين حرمت بأسواق المدينة، ولو كانت نجسة ما أراقوها في الأسواق؛ لأنه لا يحل للإنسان أن يضع في أسواق المسلمين ما يكون نجسًا؛ ولهذا حرم البول والغائط في الطرقات.
ثالثًا: أن رجلًا أهدى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم راوية من خمر، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إنها حرمت،

(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 412)

فتكلم أحد الصحابة مع الرجل سرًّا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: بما ساررته؟ قال: قلت: بعها، فبيَّن الرسول صلى الله عليه وسلم أن ثمنها حرام، ثم فتح الرجل فم الراوية وأراق الخمر الذي فيها ولم يمنعه الرسول صلى الله عليه وسلم من إراقته لما كان قريبًا من مجلسه، وقد يكون هذا في المسجد ثم لم يأمر أن يغسل الراوية، وهذا يدل على طهارة الخمر، أما الدليل السلبي فنقول: الأصل في الأشياء الطهارة، فمن ادعى نجاسة أي عين من الأعيان طولب بالدليل، وقد علمتم للقائلين بأنه نجس دليلًا من القرآن وهو قوله تعالى: {با أيُّها الَّذين ءامنوا إنَّما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجسٌ من عمل الشيطان} [المائدة: 90]. والجواب عن الآية أن المراد بالرجسية هنا رجسية العمل؛ لأنه قال: {رجسٌ من عمل الشيطان}، ولأن قوله: {رجسٌ}، خبر عن أربعة أشياء: الخمر، والميسر، والأنصاب، والأزلام، والخبر حكم على المخبر عنه، وإذا كان بالإجماع أن ثلاثة من هذه الأربعة ليست نجسة نجاسة حسية لزم أن يكون الرابع مثلها لا فرق، وعلى هذا فيكون الدفع، أي: دفع من قال بالنجاسة واستدل بهذه الآية قالوا: وهو محرم؛ أي: الخمر، قلنا: وليكن محرمًا ولا شك في ذلك، لكن هل يلزم من تحريم الشيء أن يكون نجسًا؟ لا يلزم فها هو السُّم حرام وليس. بنجس، والدخان مثلًا حرام وليس بنجس، وبهذه الأدلة يتبين أن الخمر ليس بنجس، ويبنى على هذا ما أبتلي به الناس اليوم من أن بعد الأطياب تحمل كحولًا بنسبة كبيرة فهل يجوز أن يتطيب بها الإنسان، وهل إذا تطيب بها تكون ثيابه نجسة هذان سؤالان؟
أما الأول فنقول: الأولى ألَّا يتطيب بها؛ لأنه لا ضرورة إلى ذلك إذ إنّ هناك أطيابًا طيبة خالية من هذه المادة، والشيء الثاني: أنها من الأمور المشتبهة لقول الله تعالى: {إنَّما يريد الشَّيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدَّكم عن ذكر الله وع الصلاة فهل أنتم منتهون} [المائدة: 91]. وهذا يكون فيما إذا شربه، أما إذا تطيب به أو ادَّهن به فلا يحصل ذلك بلا شك، وعلى هذا فيبقى التطيب من الأمور المشتبهة، والأمور المشتبهة القاعدة فيها أنها تبيحها الحاجة، فإذا احتاج الإنسان إلى استعمال هذه الكحول لتعقيم جرح أو غير ذلك فهذا جائز ولا ريب فيه، حتى وإن كان فيها مادة كحول كثير لأنها حاجة، والتحريم فيه اشتباه، ولا يمكن أن نمنع ما كان فيه الاشتباه مع أن الأصل الحل، فإذا احتاج الإنسان إلى استعمال هذه الأشياء لتعقيم جرح أو ما أشبه ذلك فلا بأس.
* * *

(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 413)

1192 - ولمسلمٍ: عن عليٍّ رضي الله عنه في قصَّة الوليد بن عقبة: "جلد النبي صلى الله عليه وسلم أربعين، وجلد أبو بكر أربعين، وجلد عمر ثمانين، وكلٌّ سنّةٌه، وهذا أحبُّ إليَّ. وفي هذا الحديث: "أنَّ رجلًا شهد عليه أنَّه رآه يتقيَّأ الخمر، فقال عثمان: إنَّه لم يتقيَّأها حتَّى شربها".
قوله: "هذا أحب إليَّ"، "هذا" المشار إليه الثمانون؛ لأن الإشارة والضمير يعودان إلى أقرب مذكور، وإنما كان أحب إلى علي رضي الله عنه لما فيه من النكال والعقوبة، وفي الحديث - يعني: نفسه - الذي عند مسلم وقوله: "إنه لم يتقيأها حتى شربها" هذا معلوم.
ففي هذا الحديث فوائد منها: أنه يجوز الاقتصار على أربعين في شرب الخمر؛ لقول عليّ: "وكل سنَّة"، وتجاوز الزيادة على الأربعين؛ لأن علي يقول: "إنه سنة" الأول - أعني: الأربعين - سنة الرسول صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وأول خلافة عمر، والثاني سنة عمر رضي الله عنه وقول علي: "كل سنة" يعني: كل سنة يجوز العمل بها.
ومن فوائد الحديث: أنه ينبغي التغليظ في العقوبة كلما تتابع الناس في المعصية لقول علي: "وهذا أحب إلي".
ومن فوائد الحديث: جواز إقامة عقوبة شرب الخمر لمن تقيأ الخمر، وهذه المسألة فيها خلاف بين العلماء، فمنهم من قال: إن من تقيا الخمر وجبت عقوبته كالمرأة إذا حملت يجب أن تحد ما لم تدعي شبهة، وهذا الذي تقيأ الخمر يجب أن يعاقب بعقوبة شرب الخمر ما لم يدَّع شبهة، وهذا القول هو الراجح وهو الصحيح، وهو قول عثمان رضي الله عنه، وعلله بتعليل معقول صحيح، وهو أنه لم يتقيأها حتى شربها؛ لأنه من أين دخلت ليس هناك طريق إلَّا الفم وهذا هو الشرب، وقال بعض العلماء: إنه لا يحد إذا تقياها لاحتمال أن يكون شربها جاهلًا أو مكرهًا أو ما أشبه ذلك، نقول: هذا الاحتمال وارد حتى فيمن شربها يحتمل أنه مكره أو أنه جاهل يحسب أن هذا شراب عادي، نعم لو أن الذي تقيأها ادعى أنه لم يعلم ولما علم تقيأها لقلنا: إنه لا تجب عقوبته لأنه جاهل، فإذا لم يدَّع شبهة فإن الأصل كما قال عثمان رضي الله عنه: "أنه لم يتقيأها حتى شربها".
1193 - وعن معاوية رضي الله عنه عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم أنَّه قال في شارب الخمر: "إذا شرب فاجلدوه، ثمَّ إذا شرب الثَّالثة فاجلدوه، ثمَّ إذا شرب الرَّابعة فاضربوا عنقه". أخرجه أحمد وهذا لفظه، والأربعة.

(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 414)

وذكر التِّرمذيُّ ما يدلُّ على أنَّه منسوخٌ، وأخرج ذلك أبو داود صريحًا عن الزُّهري.
قوله: "اضربوا عنقه"، يعني: اقتلوه، ووجه ذلك: أن هذا الرجل الذي أقيم عليه الحد ثلاث مرات ولم تصلح حاله قد أيس من صلاح حاله، وإذا أيس من صلاح حاله فالأحسن أن يعدم حتى لا يزداد إثمًا ببقائه: "فإن شر الناس من طال عمره وساء عمله".
وهذا الحديث اختلف العلماء في العمل به فقال المؤلف رحمه الله: "ذكر الترمذي ما يدل على أنه منسوخ وأخرج ذلك أبو داود صريحًا عن الزهري، وهذا هو الذي عليه جمهور العلماء، أن هذا الحديث منسوخ، وأن شرب الخمر لا يبيح القتل لا في الرابعة، ولا في الخامسة ولا في العاشرة، وأنه إنما يجلد جلدًا، وذهبت الظاهرية إلى أن الحديث محكم غير منسوخ، وقالوا: إنه لا بد أن يقتل إذا تكرر منه أربع مرات، وفي كل مرة تقام عليه العقوبة، وتوسط شيخ الإسلام ابن تيمية فقال: إذا لم ينته الناس بدون قتله قتل، وإذا أمكن أن ينتهوا لم يقتل، وعلامة ذلك: أن نرى الناس يشربون الخمر ويجلدون ولكن يرجعون إلى الشراب وهذا يعني: أنه لا ينفع فيهم إلَّا القتل، وهذا الذي ذكره شيخ الإسلام هو الصحيح؛ أولًا: أنه يمكن حمل الحديث عليه بأن يقيد حديث اقتلوه في الرابعة بما إذا أيس من صلاحه ولم يندفع إلَّا بالقتل.
ثانيًا: أنه إذا أستمر علين شرب الخمر مع كونه يعاقب ويجلد ثلاث مرات صار من المفسدين في الأرض الذين يحاربون الله ورسوله، وهؤلاء يقتلون أو يصلبون أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض، إما على حسب نظر الإمام، وإما على حسب الجريمة كما سيأتي - إن شاء الله -، وعلى هذا فالقول الراجح أن الناس إذا لم ينتهوا بدون القتل فإنه يقتل من شرب في الرابعة وهو يعاقب في كل مرة.

‌‌تجنب الضرب على الوجه:
1194 - وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا ضرب أحدكم فليتَّق الوجه". متَّفقٌ عليه.
"إذا ضرب أحدكم"، وهذا عام في ضرب التأديب الذي يقع من الأب على ابنه، ومن المعلم على تلميذه وفى غيره، فإنه إذا ضرب الإنسان أحدًا فليتق الوجه، لماذا؟ لأن الوجه

(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 415)

مجمع المحاسن، والضرب على الوجه ربما يؤدي إلى جرحه أو ميله أو غير ذلك، والضرب على الوجه أشد إذلالًا للمضروب من الضرب على الصدر أو على الرأس أو على الظهر، فصارت العلل ثلاثًا.
في هذا الحديث: دليل على وجوب اتقاء الوجه عند الضرب في أي حالٍ من الأحوال، وبه نعرف خطأ كثير من الناس الذين يربون أولادهم تجده يضربه على الوجه ولا يبالي، لكن لعل هذا يكون جهلًا منهم، وإلا فمن علم بالنهي فلا أظنه يرتكبه إلا أن يشاء الله.
1195 - وعن ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تقام الحدود في المساجد". رواه التِّرمذيُّ والحاكم.
"الحدود" نائب فاعل، و"تقام" مبني لما لم يسم فاعله، والحدود جمع حد، والمراد بها العقوبات المقدرة شرعًا في المعصية لتمنع من غيرها، والمساجد جمع مسجد، وهو المبني ليصلى فيه، وإنما نهي عن ذلك؛ لأن المحدود قد يحصل منه حدث من شدة الضرب، وقد يحدث منه صراخ، وقد يحدث منه سب أو شتم، وهذا كله غير لائق بالمساجد، فلهذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن إقامة الحدود في المساجد.

‌‌الخمر بين الطهارة والنجاسة:
1196 - وعن أنسٍ رضي الله عنه قال: "لقد أنزل الله تحريم الخمر، وما بالمدينة شرابٌ يشرب إلَّا من تمرٍ". أخرجه مسلمٌ.
قوله: "لقد أنزل الله" هذه الجملة مؤكدة بثلاثة مؤكدات: الأول: القسم المقدر؛ لأن "لقد" جواب لهذا القسم، الثاني: لام القسم، الثالث: "قد"، وقوله: "أنزل الله تحريم الخمر" صريح في أن قوله: {فاجتنبوه} للوجوب؛ أي لوجوب الاجتناب، ووجوب الاجتناب يقتضي تحريم الفعل وقوله: "وما بالمدينة" الباء هنا بمعنى "في"، وإتيان "الباء" بمعنى "في" كثير، ومنه قوله تعالى: {وإنَّكم لتمرُّون عليهم مُّصبحين * وباللَّيل أفلا تعقلون} [الصافات: 137 - 138].
وقوله: "شراب يشرب إلا من تمر" وهو معروف، وذلك أن التمر يوضع في الماء، فإذا مر عليه مدة صار هذا الماء الذي وضع فيه التمر خمرًا إذا شربه الإنسان سكر، وإنما ذكر ذلك ليبين رضي الله عنه أن ما ساوى التمر في الإسكار فهو مثله.

(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 416)

في هذا الحديث فوائد: أولًا: أن القرآن كلام الله، لقوله: "أنزل الله" ونحن لا نشاهد إلا ما كان في القرآن الكريم.
ومنا: إثبات علو الله؛ لأن النزول يكون من العلو.
ومنها: أن الخمر كان مباحًا أول الأمر لقوله: "لقد أنزل الله تحريم الخمر" فدل هذا على أن التحريم طارئ، والأصل عدمه وهو الحل، وينبني على ذلك أنه متى ادعى إنسان تحريم شيء من المأكولات أو المشروبات أو الملبوسات قلنا له: عليك بالدليل؛ لأن الأصل هو الحل.
ومنها: أن التحليل والتحريم إلى الله عز وجل لقوله: "لقد أنزل الله تحريم الخمر".
ومنها: أن الطيب قد يكون خبيثًا، والخبيث قد يكون طيبًا، الخبيث يكون طيبًا، الخمر إذا تخللت وصارت خلاًّ صارت طيبة، والخل إذا تخمر صار خبيثّا، وأعجب من ذلك أن الشيء قبل التحريم طيب، وبعد التحريم خبيث، هو عين واحدة، فالخمر قبل أن تحرم طيبة تدخل فى قوله" {كلوا من طيبات ما رزقناكم} [البقرة: 172]. وبعد التحريم صارت خبيثة؛ لأن الله قال: {ويحرم عليهم الخبيث} [الأعراف: 157]. وبهذ نعرف أن الأوصاف الشرعية قد لا تكون ظاهرة للناس، ولكننا نعرفها بالحكم الذي رتب عليها، فنحن نعرف أن الخمر خبيث، لأنه حرم، ونعرف أنه قبل التحريم طيب، كذلك الخمر قبل أن تحرم هي طيبة وبعد التحريم صارت خبيثة مع أنها عين واحدة.
1197 - وعن عمر رضى الله عنه قال: "نزل تحريم الخمر وهي من خمسة: من العنب، والتمر، والعسل، والحنطة، والشعير. والخمر: ما خامر العقل". متفق عليه.
يعني: أنها تصنع من هذه الأشياء فى عهد الصحابة رضي الله عنه، ثم قال كلمة جامعة: "والخمر ما خامر العقلط" معنى "خامر العقل" يعني: غطاه حتى زال على وجه السكر واللذة.

‌‌كل مسكر خمر:
1198 - وعن عمر رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "كل مسكر خمر، وكل مسكر حرام". أخرجه مسلم.
وهذه من جوامع كلمه صلى الله عليه وسلم، لأنها كلمة جامعة تشمل كل شيء، وعلى هذا فلا يختص الخمر بالأشربة التى كانت عند نزوله؛ لأن لدينا حدًا لا عدًا، ما هو الحد؟ الإسكار، فكل شيء مسكر من أي نوع كان فإنه خمر يترتب على متناوله ما يترتب على من شرب الخمر، لو كان

(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 417)

بالشم وليس بالشرب هل يسكر؟ إن نظرنا إلى عموم قوله: "الخمر ما خامر العقل" قلنا: إنه يسكر وحكمه حكم الخمر الذي يؤكل ويشرب؛ لأنه الآن يستعملون أشياء بالرائحة إذا شمها سكر وصار يهذي كالمجنون.
من فوائد الحديث: ومنطوقه وهو: "أن كل مسكر خمر، وكل مسكر حرام"، مفهومه: أن ما لا يسكر حلال وهذا هو المفهوم.
1199 - وعن جابر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ما اسكر كثيره فقليله حرام". أخرجه أحمد والأربعة، وصححه ابن حبان.
قوله: "ما أسكر كثيره" يعني: ولو لم يسكر قليله حرام، قوله: "ما أسكر" يحتمل أن تكون "ما" موصولة، ويحتمل أن تكون شرطية، والأقرب أن تكون شرطية لدخول الفاء فى الجواب؛ لأنه قال: فقليله حرام.
فيستفاد من هذا الحديث: أولًا: سد الزرائع.
ومن فوائد الحديث: أنه إذا لم يسكر لا القليل ولا الكثير فإنه ليس بحرام، ولكن ليعلم أن بعض الناس فهم من هذا الحديث أن الذي فيه جزء من مسكر يدخل فى الحديث، وأنه لو كان فيه جزء من ألف جزء من المسكر فهو حرام لقوله: "ما أسكر كثيره"، ولكن هذا خطأ، بل معنى الحديث: أن الشيء إذا سكر مع كثرة الشراب لا مع قتله صار القليل حرامًا؛ يعني مثلًا: يوجد شراب إن شربت من عشرة أكواب حدث السكر وإن شربت خمسة لم يسكر ماذا نقول؟ هو حرام، يوجد شراب فيه مادة من الكحول تساوي واحدًا في المائة من مكوناته فماذا نقول؟ هذا حلال وليس بخمر؛ لأنه إذا اختلط الخمر بغيره نظرنا إن كانت النسبة كبيرة بحيث يؤثر هذا الخمر الذي يسمى الآن الكحول على الطاهر صار حرامًا، وإن كانت النسبة قليلة خمسة في المائة أو ثلاثة في المائة فإنه ليس بحرام، وإذا شككنا فالأصل الحل، هل لنا أن نجرب فيما شككنا فيه؟ نعم لنا أن نجرب؛ لأنه لم يثبت التحريم بعد، والتجربة لأجل دفع الوهم، فإذا جربنا هذا الشراب الذي شككنا فيه فلا بأس به.

(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 418)