ومن فوائد هذا الحديث: أن الإنسان لا تقوم مصالح دينه ودنياه إلا إذا آمن بهذه القضية العظيمة، التي أشار إليها النبي- صلى الله عليه وسلم بقوله: "أنا بك وإليك"؛ ففيه الإشارة إلى الاستعانة بالله والإخلاص له بقوله: "أنا بك وإليك".
ومن فوائد هذا الحديث: البركة العظيمة فيما يتعلق بأسماء الله وصفاته لقوله: "تباركت"، وقد فسرها الإمام محمد بن عبد الوهاب- رحمه الله فقال: "تباركت" أي: أن البركة تُنال بذكرك، وهذا لاشك أنه داخل في المعنى، لكن المعنى أعم، فكل ما يصدر من الله فهو خير وبركة ولاسيما في الشرائع، رجل سمَّى الله حين ذبح الذبيحة فكانت حلالًا، والآخر لم يُسم فكانت حرامًا، والفعل واحد، والسكين واحد، وإنهار الدم واحد، والذبح واحد، التي سمَّى عليها الله طيبة- حلال- طاهرة، والثانية خبيثة حرام نجسة، كله بسبب ذكر الله عز وجل، إذا سمَّى الإنسان على الأكل بارك الله فيه، وإذا لم يُسم شاركه الشيطان ونُزعت منه البركة، وهلُمَّ جرًّا. تجد البركة في كل ما يتعلق بالله عز وجل ينبني على هذه الفائدة: ألا تطلب البركة إلا من الله عز وجل.
ومن فوائد هذا الحديث: تنزه الله- تبارك وتعالى عن كل ما لا يليق بجلاله لقوله: "تعاليت" يستدل بها أيضًا على علوه تعالى المكاني، وأنه تعالى فوق كل شيء.
ومن فوائد هذا الحديث: أن النبي- صلى الله عليه وسلم وهو المعصوم- يسأل الله المغفرة، ويتفرع منها: أن سؤالنا نحن للمغفرة أشد إلحاحًا؛ لأن الواحد منا لا يدري هل غُفرت له الذنوب أو لم تُغفر، فهو يأتي بالأسباب الموجبة للمغفرة، لكن لا يعلم هل تحصل المغفرة أو لا؛ لأنه قد يكون السبب الذي عُلقت عليه المغفرة في حقه ناقصًا لا يقوى على أن يكون سببًا لمحو الذنوب ومغفرتها.
ومن فوائد هذا الحديث: افتقار النبي- صلى الله عليه وسلم إلى مغفرة الله لقوله: "أستغفرك".
ومن فوائد الحديث: أن النبي- صلى الله عليه وسلم مفتقر إلى التوبة إلى الله عز وجل ومَن دونه من باب أولى. انتهى الكلام على هذا الحديث، ونسأل الله تعالى أن يجعلنا من المتأسين به.
260 - وعن أبي هريرة- رضي الله عنه قال: كان رسول الله- صلى الله عليه وسلم إذا كبر للصلاة سكت هنيهةً قبل أن يقرأ، فسألته، فقال: "أقول: اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب، اللهم نقني من خطاياي كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، اللهم اغسلني من خطاياي بالماء والثلج والبرد". متفق عليه.
قوله: "إذا كَبَّر للصلاة" أي: إذا قال: الله أكبر، والمراد بذلك: تكبيرة الإحرام، "سكت هُنَيْهَةٌ" أي: سكت سكوتًا قليلًا، فـ "هنيهة" وصف لموصوف محذوف، والتقدير: سكوتًا هنيهة؛ أي: قليلًا "قبل أن يقرأ فسألته". هنا اختصر المؤلف الحديث، وليته لم يصل إلى هذا القدر من
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 41)
الاختصار، قال أبو هريرة: "بأبي أنت وأمي يا رسول الله، أرأيت سكوتك بين التكبير والقراءة ما تقول؟ "، هذه الجملة التي حذفها المؤلف فيها فوائد، لكن كأن المؤلف- رحمه الله يختصر الحديث بقدر ما يريد أن يكون دليلًا عليه وعلى المسائل الفقهية، لكن نقولها: قال: "بأبي أنت وأمي" بأبي متعلق بمحذوف، والتقدير: أفديك بأبي وأمي؛ يعني: أجعل أبي وأمي فداء لك.
"أرأيت سكوتك بين التكبير والقراءة ما تقول؟ " يعني: أخبرني عن هذا السكوت ما تقول؟ والمراد بالسكوت هنا: عدم الرفع بالصوت، والأصل في السكوت: هو الإمساك عن القول، يقال: تكلم وسكت، ولكن المراد به هنا: عدم رفع الصوت بدليل قوله: "ما تقول". قال: أقول: "اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب"، "اللهم" يعني. يا الله، "باعد بيني وبين خطاياي" أي: اجعلها بعيدة عني، "كما باعدت بين المشرق والمغرب" وهذا أبلغ ما يكون في البُعد كما قال الله تعالى في القرآن: {حتى إذا جاءنا قال يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين فبئس القرين} [الزخرف: 38] باعد بيني وبينها حتى لا أفعلها؛ لأنها بعيدة المنال، و"الخطايا" جمع خطيئة، وهي ما خَطئ به الإنسان؛ أي: فعله عن عمد، وأما ما أخطأ به فهو ما فعله عن غير عمد.
"اللهم نقني من خطاياي كما يُنقى الثوب الأبيض من الدنس" هذه الخطايا المتلبس بها.
"نقني منها" أي: خلصني منها، "كما يُنقى الثوب الأبيض من الدنس". وخصَّ الثوب بالأبيض؛ لأن الأبيض يظهر عليه أثر الدنس أكثر مما يظهر على غيره، ولهذا تجد الإنسان في الشتاء إذا لبس ثياب الشتاء السوداء متى يغسل الثوب بعد كم؟ بعد شهر، وإذا لبس البياض في الصيف يغسله كل أسبوع؛ لأن الأبيض يؤثر فيه الوسخ أكثر من غيره، ويظهر فيه أثر الوسخ أكثر من غيره، فلهذا قال: "كما يُنقى الثوب الأبيض من الدنس" هذا تنقية الإنسان من الذنوب.
قال: "اللهم اغسلني من خطاياي بالماء والثلج والبَرَد" هذا الغَسل يزيل الأثر نهائيًّا فهنا خطايا لم يتلبس بها الإنسان، فماذا يقول؟ باعد بيني وبينها، خطايا تلبس بهذا وتلطخ بها يقول: "اللهم نقني من خطاياي" تنقى منها: تخلص، وتركها يحتاج إلى غسل يزيل أثرها بالكلية، انظر للترتيب، ترتيب طبيعي مناسب للواقع.
وقوله: "بالماء" معروف، "الثلج": تجمد الماء، "البرد": هو الثلج النازل من السحاب، كونها تُغسل بالماء ليس فيه إشكال؛ لأن الماء مزيل، لكن البَرَد والثلج أيهما أشد إزالة الماء الحار أو الثلج والبرد؟ الماء الحار، لكن القضية ليست قضية ثوب يُغسل لكنها قضية ذنوب، والذنوب في الأصل حارة وعقوبتها النار، والشيء إنما يُداوى بضده، فلذلك ذكر الثلج وذكر البرد.
هذا الحديث- كما رأيتم- حديث تستفتح به الصلاة بعد تكبيرة الإحرام، فإذا أضفناه إلى ما سبق وإلى ما يلحق تبين أن الاستفتاح له أنواع كما سيذكر- إن شاء الله- في الفوائد.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 42)
من فوائد هذا الحديث: مشروعية التكبير عند الدخول في الصلاة، وهذه تكبيرة الإحرام، وقد سبق أنها ركن من أركان الصلاة، وأنه لا يدخل الإنسان في صلاته إلا بها لا في الفريضة ولا في النافلة، فلو نسي أن يكبر لم تنعقد الصلاة، لا نقول: بطلت صلاته، بل لم تنعقد صلاته، والفرق بين قولنا: لم تنعقد الصلاة وقولنا: بطلت؛ أن بطلت فيما صح أولًا ثم طرأ عليه البطلان، وأما لم تنعقد فهو لم يصح ابتداءً.
ومن فوائد الحديث: مشروعية الإسرار بالاستفتاح لقوله: "سكت هنيهة".
ومن فوائده: أن السكوت يطلق على القول الذي لا يُسمع مع أنه- أي: القائل المتكلم- تكلَّم ولم يسكت.
ومنها: أن الصلاة ليس فيها سكوت بل كلها ذكر، دليل ذلك أن أبا هريرة- رضي الله عنه سأل النبي- صلى الله عليه وسلم ماذا يقول؟ ولم يقل لِمَ سكت؟ قال: ماذا تقول؟ وهو دليل على أن الصلاة ليس فيها سكوت مطلق بل لابد فيها من ذكر.
ومن فوائد هذا الحديث: تأدب الصحابة- رضي الله عنهم مع النبي؛ لأن أبا هريرة قدَّم ما يفيد الأدب في قوله: "بأبي أنت وأمي، أرأيت سكوتك".
ومن فوائد هذا الحديث: جواز فداء النبي- صلى الله عليه وسلم بالأبوين، لأن النبي- صلى الله عليه وسلم أقرَّه على ذلك، فالدليل هو إقرار النبي- صلى الله عليه وسلم على ذلك، وهل يُفدى الأبوان بغير النبي- صلى الله عليه وسلم؟ الجواب: نعم، إذا كان هذا الذي افتديته بالأبوين له مقام في الإسلام من علم أو مال أو ما أشبه ذلك.
ومن فوائد هذا الحديث: مشروعية الاستفتاح بهذا الدعاء؛ لأن النبي- صلى الله عليه وسلم كان يستفتح به، وهل يُقال: إنه خاصٌّ بالصلاة الجهرية، أو يقال: كما ثبت في الصلاة الجهرية ثبت في السرية؟ الثاني، لكن لما كانت الصلاة السرية لا يُجهر فيها بشيء لم يكن مستغربًا أن يسكت بين القراءة والتكبير.
إذا قال قائل: كيف نجمع بين هذا الحديث والأحاديث الأخرى التي تدل على أن النبي- صلى الله عليه وسلم يستفتح بغير ذلك؟
فالجواب: أن هذا من تنوع العبادات، وتنوع العبادات أنواعًا، منها ما يكون التنوع فيه في أذكارها، ومنها ما يكون التنوع فيه في أعدادها، ومنها ما يكون التنوع فيه بأوقاتها حسب ما يقتضيه الحال، فمثلًا صلاة العشاء كان النبي- صلى الله عليه وسلم تارة يُقدمها وتارة يؤخرها بحسب الحال، الوتر تارة يوتر بخمس، أو سبع، أو تسع، أو إحدى عشرة هذا تنوع بالعدد، التنوع بأذكارها الاستفتاح في التشهد، الذكر بعد الرفع من الركوع هذا متنوع بأذكارها.
فإذا قال قائل: ما هو الجواب عن هذا الحديث مع أحاديث أخرى تدل على الاستفتاح بغيره؟
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 43)
فالجواب: أن هذا من باب تنوع العبادات، ثم هل يقتصر الإنسان على نوع منها أو يفعل هذا مرة وهذا مرة، أو يجمع بينها؟ نقول: الأفضل أن يفعل هذا مرة وهذا مرة، وألا يجمع بينها إذا دلَّ الدليل على هذا، وأما من تمسك بنوع منها واقتصر عليه فهذا على خير لاشك، لكن تمام التأسي بالرسول- صلى الله عليه وسلم أن يفعل هذا مرة وهذا مرة.
وفي فعل العبادات المتنوعة على وجوهها فوائد ثلاث:
الفائدة الأولى: تمام التأسي بالنبي- صلى الله عليه وسلم.
والفائدة الثانية: أحْضَر للقلب؛ لأنه لو لزم شيئًا واحدًا صار يقوله بغير حضور قلب.
الثالثة: أحفظ للسُّنة. هذه ثلاث فوائد في كون الإنسان يفعل العبادات المتنوعة التي جاءت على وجوه تارة هذه وتارة هذه، لكن ما أمكن جمعه فإنه يُجمع كأذكار الصلوات بعد التسليم هذه وردت بهذا وبهذا وبهذا، ولكن العلماء قالوا: إنه يُجمع بينها ولا يُقتصر على نوع لإمكان الجمع، والجمع بينها مع إمكانه أحوط في التأسي بالنبي- صلى الله عليه وسلم؛ لأنه قد ينقل عنه بعض الصحابة ما لم يسمعه الآخر، فالاحتياط أن يأتي بكل ما ورد متى أمكن الجمع.
إذا قال قائل: ألا يمكن الجمع في أدعية الاستفتاح؟
فالجواب: لا يمكن؛ لأن أبا هريرة لما سأل النبي- صلى الله عليه وسلم ما تقول؟ قال: أقول كذا، وهذا يدل على أنه لا جمع.
ومن فوائد هذا الحديث: ما دلَّ عليه هذا الاستفتاح من الأدعية العظيمة وهو:
أولًا: المباعدة بين الإنسان وبين الذنوب: "اللهمَّ باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب"، وهذا قبل الفعل.
والثاني: "اللهمَّ نقني من خطاياي كما يُنقى الثوب الأبيض من الدنس"، فيشرع الدعاء بهذه الجملة لأجل تنقية الإنسان من الذنوب، وهذا دون الأول.
ثالثًا: أنه ينبغي الدعاء بالجملة الأخيرة: "اللهم اغسلني من خطاياي بالماء والثلج والبرد" وبذلك يعود ثوب الإنسان نظيفًا.
ومن فوائد هذا الحديث: أن النبي- صلى الله عليه وسلم قد يُخطئ؛ لأنه قال: "اللهم نقني من خطاياي"، "اللهم اغسلني من خطاياي"، لو كان الدعاء مقصورًا على الجملة الأولى "اللهم باعد" لقلنا: إن هذا لا يدل على أنه يُخطئ، لكن لما جاءت "نقني" و"اغسلني" دل هذا على أنه يُخطئ، ولكن الله تعالى أجاب دعاءه فغفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر.
فلو قال قائل: إذا كان قد غُفر له ما تقدم وما تأخر فما فائدة الدعاء؟
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 44)
فالجواب من وجهين:
الأول: أن الدعاء نفسه عبادة.
والثاني: أنه قد يكون من أسباب مغفرة ذنوبه ما تقدم منها وما تأخر: أدعيته التي يكررها دائمًا- عليه الصلاة والسلام، كما أننا الآن أخبرنا الله- عز وجل أنه يصلي هو ملائكته على النبي- صلى الله عليه وسلم ومع ذلك أمرنا أن نصلي عليه، لكن مع الفرق بين هذا والذي قبل: أن صلاتنا على النبي- صلى الله عليه وسلم منفعتها لنا أكثر، فهو من مصلحتنا ومنفعتنا من صلى عليه مرة واحدة صلى الله عليه بها عشرًا.
ومن فوائد هذا الحديث: أن الأشياء تداوى بضدها لقوله: "بالماء والثلج والبرد" وآثار الذنوب العقوبة بالنار وهي حارة فناسب أن يكون الغَسل بالماء والثلج والبرد، وهذا هو الموافق للفطرة والطبيعة أن الأدواء تعالج بأضدادها، ولهذا قال النبي- صلى الله عليه وسلم "الحمى من قيح جهنم فأبردوها بالماء". الحمى: حمى البدن سخونة قال: "أبردوها بالماء البارد"، والماء البارد يزيلها وهذا مجرب، مع أن المريض لاشك أنه يتعب جدًّا ويتأذى به لكن يصبر؛ لأن الحمى إذا مس الإنساء ماء ساخنًا تأذى به، لكن يُقال: هذا دواء، فكما أن تشرب دواءً مرًّا وتصبر على مرارته أو دواء كريه الرائحة وتصبر، فاصبر على برودة هذا فإنه شفاء، يوجد بعض الناس بجعل المريض أمام المكيف من أجل أن يبرد، ولكن هذا قد يكون له سلبيات، إنما لو أتيت بخرقة نظيفة ووضعتها على وجه المريض أو كمادات لنفع بذلك نفعًا عظيمًا، قصدي من هذا المثال أن الأدواء تُقابل بضدها.
261 - وعن عمر- رضي الله عنه أنه كان يقول: "سبحانك اللهم وبحمدك، تبارك اسمك، وتعالى جدك ولا إله غيرك". رواه مسلم بسند منقطع، ورواه الدارقطني موصولًا وموقوفًا.
"موصولًا وموقوفًا" يعني: عن عمر: هذا الاستفتاح كان عمر يجهر به يُعلمه الناس كما جهر ابن عباس- رضي الله عنه في قراءة الجنازة وقال: ليعلموا أنها سُنة، فكان عمر- رضي الله عنه يقرأ هذا الاستفتاح ويجهر به؛ لأنه ثناء على الله- عز وجل ثناء محض، لكن الثناء على الله متضمن للدعاء في الواقع؛ لأن المُثنى على الله ماذا يريد؟ يريد الثواب، فهو متضمن للدعاء.
قوله: "سبحانك اللهم" تنزيه الله تعالى عن كل ما لا يليق به من أوصاف العيوب أو مماثلة المخلوقين، والله- عز وجل منزه عن أمور ثلاثة:
الأول: عن كل صفة نقص كالعمى والصمم والخرس وما أشبه ذلك، هذا وكل صفة نقص فالله تعالى مُنزه عنها.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 45)
الثاني: كل نقص في صفاته- يعني: صفات الكمال- لا يمكن أن يلحقها نقص؛ فقوته لا يلحقُها ضعف، وقدرته لا يلحقها عجز، وعلمه لا يسبقه جهل ولا يلحقه نسيان. كل صفات الكمال التي اتصف بها- جل وعلا- فإنه منزه عن نقصها، ليس فيها نقص بكل حال من الأحوال، حياته لم تسبق بعدم ولا يلحقها فناء، وهلُمَّ جرًّا.
الثالث: مماثلة المخلوقين؛ منزه عن مماثلة المخلوقين سمعًا وعقلًا، قال الله تعالى: {ليس كمثله شيء} [الشورى: 11]. وقال تعالى: {هل تعلم له سميا} [مريم: 65]. وقال تعالى: {ولم يكن له كفوًا أحد} [الإخلاص: 4]. وقال تعالى: {فلا تجعلوا لله أندادًا وأنتم تعلمون} [البقرة: 22]. والنصوص في هذا كثيرة.
إذن متنزه عن أمور ثلاثة، فإن قال قائل: الثالث داخل في ضمن الأول؛ لأن مماثلة المخلوق عيب. قلنا: لكن النص عليها أولى؛ حتى لا يظن الظان أن الكمال في المخلوق كالكمال في الخالق!
"سبحانك اللهم" اللهم يعني: يا الله، وسبق الكلام عليها، "وبحمدك" قيل: المعنى: وبحمدك سبحت، فيكون هذا ثناء على الله وحمدًا لله أن وفق القائل بالتسبيح. إذا قيل إن التقدير: وبحمدك سبحت، ولكن هذا قول ضعيف، والصواب أن الباء للمصاحبة، وأن الواو من باب عطف الصفات بعضها على بعض، والمعنى: ومع تسبيحي إياك أحمدك؛ فيكون في الأول نفي النقص، ويكون في الثاني إثبات الكمال، ولاشك أن هذا أعلى من الأول، المعنى: أن الإنسان إذا قال: "سبحانك اللهم وبحمدك" فقد جمع لله بين نفي ما لا يليق به وإثبات كماله- عز وجل وذلك بحمده، فالباء للمصاحبة، والواو من باب عطف الصفات مثل: {سبح اسم ربك الأعلى * الذي خلق فسوى * والذي قدر فهدى * والذي أخرج المرعى} [الأعلى: 1 - 4].
"وتبارك اسمك" يعني: اسم الله- عز وجل مُبارك ما خالط شيئًا إلا نزلت فيه البركة، وهل المراد: كلمة اسم الله، أو كل اسم الله؟ الثاني؛ لأن "اسم" هنا مفرد مضاف فيعمُّ، كل أسماء الله فيها بركة، ولذلك نتوسل إلى الله تعالى بها، فنقول: يا رحمن ارحمنا، يا غفور اغفر لنا، ولولا أن فيها بركة ما صحَّ أن نتوسل إلى الله تعالى بها، هذه معنى "تبارك اسمك".
ومن بركات اسم الله- عز وجل: أنه لو سمى الإنسان على الذبيحة حلَّت ولو ترك التسمية لم تحل، ومن بركته: أن الإنسان إذا أتى أهله وقال: "باسم الله، اللهمَّ جنبني الشيطان وجَنِّب الشيطان ما رزقتنا، ثم قُدِّر بينهما ولد لم يضرَّه شيطان أبدًا". والأمثلة على ذلك كثيرة.
"وتعالى جدُّك" "تعالى": تَرفَّع وعَظُمَ، وقوله: "جدك" أي: غناك؛ لأن الجد بمعنى: الغنى، وربما يكون أوسع من هذا المعنى يكون الغنى والقوة وما أشبه ذلك، ومنه قول الذاكر: "ولا
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 46)
ينفع ذاك الجدِّ منك الجدُّ"، "وتعالى جدك، ولا إله غيرك" أي: لا معبود حق غير الله، والمعبودات من دونه باطلة. قال الله تعالى: {ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه هو الباطل وأن الله هو العلي الكبير} [الحج: 62].
من فوائد هذا الحديث: أنه يُسن الاستفتاح بهذا الذكر، دليله إن شئت فقل: فعل النبي- صلى الله عليه وسلم وإن لم تطمئن لذلك لكون الإسناد منقطعًا، فقيل: دليله فعل أمير المؤمنين عمر، وقد قال النبي- صلى الله عليه وسلم: "عليكم بسنتي وسُنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي"، ونحن نُشهد الله أن عمر- رضي الله عنه منهم؛ فإذا جاءت سُنة عن أبي بكر، أو عمر، أو عثمان، أو علي ولم تأتِ سُنة نبوية بخلافها كانت سُنة نبوية، يعني: ليست كفعل الرسول، لكن سُنة أمرنا النبي- صلى الله عليه وسلم باتباعها: "عليكم بسنتي وسُنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي"، أما إذا جاءت السُّنة النبوية بخلافها فلاشك أن الأصل مُقدَّم على الفرع، ولهذا احتَّج بعض الناس في صلاة التراويح، وقال: ثلاثًا وعشرين سُنة عمر، ماذا نقول؟ نقول: سُنة النبي- صلى الله عليه وسلم أفضل، ثم هل صح هذا عن عمر، من يقول أنه صح عن عمر؟ غاية ما هنالك حديث يزيد بن رومان أن الناس كانوا يقومون في رمضان بثلاثٍ وعشرين: وهذا على ما فيه من انقطاع لا يصح إضافته لعمر؛ لأنه مضاف إلى زمن عمر، وعمر ليس كالنبي- صلى الله عليه وسلم ما فُعل في عهده فهو حُجة، يعني: عمر قد تخفى عليه هذه السُّنة، وليس هناك وحي يُقوِّم ما اعوج مع أنه- رضي الله عنه صحَّ عنه- الموطأ- بأصح إسناد أنه أمر أُبي بن كعب، وتميم الداري أن يقوما للناس بإحدى عشرة ركعة، وهذا لاشك أصلب بكثير من حديث يزيد بن رومان؛ لأن من البعيد جدًّا جدًّا جدًّا أن يُخالف عمر هَدْي النبي- صلى الله عليه وسلم.
على كل حال نعود للحديث: نقول: هذا إن صحَّ عن النبي- صلى الله عليه وسلم أنه استفتح بهذا الدعاء، وإن لم يصح فهو سُنة عمر- رضي الله عنه وعمر له سُنة متبعة.
ومن فوائد هذا الحديث: أنه ينبغي للقدوة والأسوة في عباد الله أن يجهر بما يخفى على الناس؛ لأن عمر كان يجهر به كما جهر ابن عباس بقراءة الفاتحة في صلاة الجنازة وقال: "ليعلموا أنها سنة"، وهل من ذلك ما جاء عن أبي قتادة أن النبي- صلى الله عليه وسلم كان يسمعهم في صلاة الظهر أو العصر القراءة أحيانًا؟ نعم، قد يقال: هذا منه حتى يعرفوا أنه يقرأ سورة مع الفاتحة، وقد يقال: ليس منه، لكن النبي- صلى الله عليه وسلم يريد أن يوقظهم بعض الشيء؛ لأن الإمام إذا أراد الصلاة السرية قد يسهى المصلون، فإذا رفع صوته أحيانًا صار هذا كالتنبيه.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 47)
أسئلة:
ما معنى: "سبحانك اللهم وبحمدك"؟
"لا إله غيرك" أين الخبر؟
هل فعل عمر حُجة؟
هل نجمع بين هذا الدعاء والذي قبله؟
ومن فوائد هذا الاستفتاح: تنزيه الله- تبارك وتعالى عن كل ما لا يليق به لقوله: "سبحانك".
ومن فوائده: إثبات الكمالات لله- عز وجل لقوله: "وبحمدك"؛ لأن الحمد هو وصف المحمود بالكمال سواء كان على وجه الكمال المُتعدي أو اللازم.
ومن فوائد هذا الحديث: أن اسم الله- تبارك وتعالى مُبارك، يعني: أنه تحل البركة بذكره لقوله: "وتبارك اسمك".
ومن فوائده: أن عظمة الله- تبارك وتعالى فوق كل عظمة وغناه فوق كل غنى لقوله: "وتعالى جدك".
ومن فوائده: انفراد الله- تبارك وتعالى بالألوهية، وأنه لا إله غيره، وكل ما سواه باطل.
ومن فوائد هذا الحديث: مشروعية الاستفتاح بهذا الذكر، فيكون من باب العبادات المتنوعة، والصحيح في هذه المسألة: أن في العبادات المتنوعة أن الإنسان يفعل هذا تارة وهذا تارة، وقد بيَّنا فوائد ذلك، وهو واضح والحمد لله.
الاستعاذة ومعناها:
262 - ونحوه عن أبي سعيد الخدري- رضي الله عنه مرفوعًا عند الخمسة وفيه: وكان يقولو بعد التكبير: "أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، من همزه، ونفخه، ونفثه".
"أعوذ" بمعنى: أعتصم، والعوذ إنما يكون مما يخاف منه ويُكره، وأما "ألوذ" فهي فيما يُؤمل ويُرجى، فالعوذ: فرار: واللياذ: إقبال؛ لأن العوذ مما يخاف منه، واللياذ: مما يرغب فيه، وعليه قول الشاعر [البسيط]:
يا من ألوذ به فيما أؤمله … ومن أعوذ به مما أحاذره
لا يجبر الناس عظمًا أنت كاسره … ولا يهيضون عظمًا أنت جابره
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 48)
وهو يخاطب بشرًا بما لا يليق إلا بالله- عز وجل لكن هكذا الشعراء يُغالون في القدح ويغالون في المدح: {والشعراء يتبعهم الغاون * ألم تر أنهم في كل وادٍ يهيمون * وأنهم يقولون ما لا يفعلون * إلا الذين ءامنوا وعملوا الصالحات} [الشعراء: 224 - 224].
إذن "أعوذ بالله": أعتصم به، "السميع" أي: المتصف بالسمع، وسمعُ الله- تبارك وتعالى نوعان: سمع إجابة، وسمع إدراك، وهو في هذا يشمل الأمرين جميعًا، وتفاصيل ذلك أظنها لا تحتاج إلى إعادة، لأنها معلومة لكم، "العليم" أي: ذو العلم، وعلم الله- تبارك وتعالى محيط بكل شيء جملةً وتفصيلًا سابقًا ولاحقًا وحاضرًا، وآيات إثبات علم الله- عز وجل كثيرة وهو من صفات الكمال، وإنما ذُكرا هذان الاسمان، لأن "السميع" بمعنى: المجيب مناسب تمامًا لقولك: "أعوذ"، و"العليم" كذلك مناسب لقولك: "أعوذ"؛ لأن ما من مُعيذ إلا وعنده علم كيف يعيذ.
"من الشيطان الرجيم"، "الشيطان" هو إبليس، مشتقٌّ من: شَطَنَ إذا بَعُد؛ لأنه- أعني: الشيطان- بعيد من رحمة الله- والعياذ بالله-، ويدل على أنه مشتق من شَطَنَ أنه متصرف كما قال- عز وجل: {وحفظناها من كل شيطان رجيم} [الحجر: 17].
إذن هو مشتق من شَطَنَ إذا بَعُد لبعده عن رحمه الله، والمراد به: الجنس لا الشيطان المعني الذي أبى أن يسجد لآدم، وقوله: "الرجيم" تصلح أن تكون بمعنى: المرجوم، وتصلح أن تكون بمعنى: الراجم؛ لأن (فعيلًا) تأتي بمعنى (فاعل)، وتأتي بمعنى (مفعول)، وعليه فنقول: إذا كانت بمعنى الرجم، فالمعنى: أنه يرجم بني آدم بالمعاصي ويحملهم عليها حملًا، وإذا قلنا: بمعنى مفعول، أي: مرجوم؛ لأنه مطرود بعيدٌ من رحمة الله- عز وجل.
"من همزه ونفخه ونفثه" هذه ثلاثة أشياء: الهمز، والنفخ، والنفث، "الهمز" قيل: إنه اسم للجنون؛ لأن الشيطان قد يُصيب الإنسان بالجنون.
وأما "النفخ" فمن الكبر، واشتقاقه ظاهر؛ لأن الإنسان إذا أصيب بالكبر- والعياذ بالله- انتفخ الشيطان، ينفخ الإنسان حتى يكون مستكبرًا.
وأما "النفث" فقيل: إنه الشعر؛ لأن الشعراء يتبعهم الغاوون، قال الله- عز وجل: {هل أنبئكم على من تنزل الشياطين * تنزل على كل أفاك أثيم * يلقون السمع وأكثرهم كاذبون} [الشعراء: 221 - 223] فيه احتمال في ذهني لكن ما رأيته، إن المراد بالهمز يعني: اللمز الخفيف الذي يحمل الإنسان على المعصية، والنفخ يعني: شدة الأمر بالمعصية، والنفث أشدُّ، لكنني لم أر هذا، ومن اطلع عليه في اللغة أو غريب الحديث فليخبرنا به، أما المشروع فكما سمعتم أولًا لو حدث للإنسان هذا فلا بأس.
وقوله: "بعد التكبير" أي: بعد التكبير والاستفتاح، وإنما احتجنا لهذا التقدير؛ لأن الاستعاذة إنما تكون عند القراءة، والقراءة لا تكون إلا بعد الاستفتاح.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 49)
فمن فوائد هذا الحديث: الذي زاده أهل السنن: استحباب هذا الذكر "أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم من همزه ولمزه ونفثه"، فإن اقتصر على "أعوذ بالله من الشيطان الرجيم" أجزأ، لكن هل تجب الاستعاذة أو لا؟ يعني: هل تجب سواء كانت في الصلاة، أو خارج الصلاة؟ الجمهور على أنها ليست بواجبة، وذهب بعض أهل العلم إلى أنها واجبة؛ لأن الله أمر بها فقال: {فإذا قرأت القرءان فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم * إنه ليس له سلطان على الذين ءامنوا وعلى ربهم يتوكلون * إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون} [النحل: 98 - 100]. قالوا: فإن الله أمر ثم قال: {إنه ليس له سلطان}، وفي هذا إشارة إلى أنه إذا لم يستعذ الإنسان فقد يُسلط الشيطان عليه، والقول بوجوب التعوذ عند قراءة القرآن قول قوي لا شك؛ أولًا: لأن الله أمر به.
ثانيًا: لئلا يحول الشيطان بينك وبين تدبر القرآن، والنشاط في قراءته؛ لأن الإنسان عند قراءة القرآن يبتلى بأمرين: إما الكسل وعدم الاستمرار فيه، وإما عدم التدبر، فإذا استعذت بالله من الشيطان الرجيم؛ حماك الله منه ووفِّقت للاستمرار في القراءة والتدبر.
ومن فوائد هذا الحديث: أن الاستعاذة من الأمور الخفية لا تكون إلا بالله، انتبه للقيد: "من الأمور الخفية"، الاستعاذة من الأمور الحسية تكون بالله وبغيره، ولكنها لا تكون بمن لا يمكن أن يُعيذ، الاستعاذة من الأمور الخفية لا تكون إلا بالله؛ لأنه لا يقدر عليها إلا الله كالاستعاذة من الشياطين.
الاستعاذة من الأمور الحسية تكون بالله وبغيره بشرط أن يكون المستعاذ به قادرًا على الاستعاذة، أما إذا كان غير قادر فلا، فلو استعاذ الإنسان بصاحب القبر من شخص تسور عليه بيته فهذا شرك، لماذا؟ لأنه لا يقدر، ولولا اعتقاد هذا المستعيذ بأمر خفي سري يعتقده في هذا القبر ما فعل، استعاذ هذا الرجل بجاره حين قفز عليه السارق يجوز أو لا؟ يجوز، ولهذا جاء في الحديث: "من وجد مُعاذًا فَلْيَعذ به" لما ذكر ما ذكر من الفتن قال: "مَنْ وجد مُعاذًا فليعذبه"، هذا حكم الاستعاذة، الاستغاثة نفس الشيء، إذا استغاث عن شيء خفي لا يمكن أن يُغيث منه المخلوق فهذا لا يجوز إلا لله وحده إن استغاث على دفع شيء محسوس فهذا جائز بشرط أن يكون المستغاث به قادرًا.
ومن فوائد هذا الحديث: إثبات هذين الاسمين الكريمين من أسماء الله وهما: "السميع"، و"العليم" وما تضمناه من وصف.
ومن فوائد الحديث: الحذر من الشيطان من وجهين:
أولًا: لأننا أمرنا بالاستعاذ بالله منه.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 50)
والثاني: بانه وصف بأنه "رجيم" يرجم الإنسان بالمعاصي.
ومن فوائد هذا الحديث: أن للشيطان هَمزًا ونفخًا ونفثًا، ولولا أن له ذلك ما صح أن يستعاذ من هذه الثلاثة.
أخيرًا: ما موقع "من همزه ونفخه ونفثه" مما قبلها؟ ارتباطها بالإعاذة العامة.
أوضاع منهي عنها في الصلاة:
263 - وعن عائشة- رضي الله عنها قالت: "كان رسول الله- صلى الله عليه وسلم يستفتح الصلاة بالتكبير، والقراءة: بـ {الحمد لله رب العالمين} [الفاتحة: 2]. وما كان إذا ركع لم يشخص رأسه، ولم يصوبه ولكن بين ذلك، وكان إذا رفع من الركوع لم يسجد حتى يستوي قائمًا، وكان إذا رفع رأسه من السجدة لم يسجد حتى يستوي جالسًا، وكان يقول في كل ركعتين التحية، وكان يفرش رجله اليسرى وينصب اليمنى، وكان ينهى عن عقبة الشيطان، وينهى أن يفترش الرجل ذراعيه افتراش السبع، وكان يختم الصلاة بالتسليم". أخرجه مسلم وله علة.
قولها: "يستفتح الصلاة بالتكبير" أي: يبدأ بقوله: "الله أكبر"، والصلاة هنا عامة تشمل الفريضة والنافلة وذات الركوع وما ليس فيها ركوع.
وقولها: "بالتكبير" أي: يقول: "الله أكبر"، و"القراءة" في إعرابها وجهان: النصب، والجر، فعلى قراءة الجر يسقط الاستفتاح، يكون معنى الحديث: يستفتح الصلاة بالتكبير وقراءة الحمد لله رب العالمين، وعلى قراءة النصب "والقراءة" أي: يستفتح القراءة بـ {الحمد لله رب العالمين} وعلى هذا لا يمنع أن يكون قبلها استفتاح، ولهذا ترجح رواية النصب القراءة بـ "الحمد لله رب العالمين"، الحمدُ كيف كان بـ "الحمدُ" والباء حرف جر؟ القراءة بالحمدُ لله رب العالمين" أي: بهذه السورة، وعليه نقول: "الباء" حرف جر، و"الحمد لله رب العالمين" مجرور بالباء وعلامة جره الكسرة التي منع من ظهورها الحكاية … إلخ السورة، هذه السورة هي سورة الفاتحة، وسميت سورة الفاتحة؛ لأنه افتتح بها القرآن الكريم، وليس لأنها أول ما نزل؛ لأن الآيات الأربع في سورة {اقرأ} هي أول ما نزل، هذه السورة لها خصائص عجيبة:
أولًا: أنها أعظم سورة في القرآن.
وثانيًا: أن قراءتها ركن لكل صلاة لا تصح الصلاة إلا بها.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 51)
وثالثًا: أنها رقية من كل مرض، أي مرض اقرأ عليه الفاتحة؛ لأن النبي- صلى الله عليه وسلم قال: "وما يدريك أنها رقية"، وأطلق كل مرض اقرأ عليه الفاتحة، لكن بصدق تجد الأثر.
{الحمد لله رب العالمين}، الحمد، هو وصف المحمود بالكمال، وليست ثناء على الله بالجميل الاختياري كما هو معروف في بعض الكتب؛ لأن الذي يمنع من قولنا: الثناء ما جاء في الحديث الصحيح: "إن الإنسان إذا قال: {الحمد لله رب العالمين} قال الله: حمدني عبدي، فإذا قال: {الرحمن الرحيم}، قال: أثنى علي عبدي".
إذن المحمود بالكمال مع المحبة والتعظيم، واللام في قوله "لله" للاستحقاق وللاختصاص، للاستحقاق باعتبار الحمد هو المستحق، والاختصاص هو الحمد كله. من أين عرفنا الحمد كله؟ من "أل" الدالة على الاستغراق، الاختصاص من اللام في قوله: "لله" و"الله" عَلَمٌ على رب العالمين لا يُسمى به غيره، "رب العالمين" هذا نعت، يعني: وصفًا، ولكنه كالتعليل لما سبق وهو ألوهية الله- عز وجل فهو مستحقٌّ للألوهية؛ لأنه رب العالمين، أي: خالقهم ومالكهم ومدبرهم، والمراد بـ "العالمين" هنا: ما سوى الله، وسُمُّوا عالمين من العلم، لأنهم عَلم على الله- عز وجل ففي كل المخلوقات آية لله رب العالمين كما قال الناظم [المتقارب]:
فيا عجبًا كيف يعصى الإله … أم كيف يجحده الجاحد
وفي كل شيء له آية … تدل على أنه واحد
فالخلق كله علم على الله، وإن شئت تأمل في نفسك تجد العجب العجاب، في الصفات المعنوية والصفات الخلقية والصفات الخلقية تجد العجب العجاب، لو سألت الأطباء ما في هذا البطن من المعامل المكررة للطعام يدخل الطعام أصنافًا مصنفة ويخرج صنف واحد، ويدخل فيه القاسي واللين ويخرج على صفة واحدة، هذا المعامل في الحقيقة لها أقوام توزع هذا يذهب هنا وهذا يذهب هنا، شيء عجيب، ولهذا قال الله- عز وجل: {وفي أنفسكم أفلا تبصرون} [الذاريات: 21]. خذ كل شيء، وما أحسن أن تطالع لهذا الغرض كتاب "مفتاح دار السعادة" لابن القيم- رحمه الله تجد العجب العجاب.
إذن "العالمين" جميع المخلوقات سُمُّوا بذلك؛ لأنهم عَلَم على خالقهم- جل وعلا-، "الرحمن الرحيم" ما أحسن هذا الوصف بعد قوله: "رب العالمين" للإشارة إلى أن ربوبيته- عز وجل-
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 52)
مبنية على الرحمة لا على التأسف والخطأ والخطل والزلل بل على الرحمة، "الرحمن" باعتبار الوصف، و"الرحيم" باعتبار الفعل.
"الرحمن" باعتبار قيام الرحمة به، وأنها رحمة واسعة، ولهذا جاء على هذا الوجه "رحمن" على وزن فَعْلان، وهذا الوزن في اللغة العربية يدل على الامتلاء والسعة كما يقال: غضبان أي: ممتلئ غضبًا، سكران ممتلئ سكرًا، وما أشبه ذلك.
"الرحيم" باعتبار الفعل بمعنى: راحم، وقد فسر بعض أهل العلم "الرحمن": ذو الرحمة العامة، و"الرحيم": ذو الرحمة الخاصة بالمؤمنين، لقوله تعالى: {وكان بالمؤمنين رحيمًا} [الأحزاب: 43]. {مالك يوم الدين} وفي قراءة: {ملك} والقراءتان كل واحدة تحمل معنًى؛ فـ "مالك" من المُلك وهو التصرف، و "مَلِك" من الملكوت وهو السلطان، فإذا جمعت القراءتين نتج من ذلك أن الله تعالى مَلِك مالك، في المخلوقات ملك لكن ليس بمالك. الملك غير المالك بالمعنى العام هو الذي ليس له سلطة في مملكته، السلطة لغيره والتدبير لغيره، لكن يُسمى مَلِكًا بالوراثة هذا مَلِك لكن غير مالك، يوجد الآن في بريطانيا التي تُسمى العظمة ملكةٌ مالكة أم غير مالكة؟ غير مالكة، وزوجها الذي يسمى ملك غير مالك، ويوجد مالك غير ملك كل واحد منكم معه كتاب هو مالك له ولكنه ليس مَلِكًا.
و"يوم الدين" هو يوم الجزاء؛ لأن الدين تارة يُطلق على العمل، وتارة يُطلق على الجزاء، قال الله- تبارك وتعالى: {لكم دينكم ولي دين} [الكافرون: 6]. هذا دين العمل، وقال الله تعالى: {وما أدراك ما يوم الدين * ثم ما أدراك ما يوم الدين * يوم لا تملك نفس لنفس شيئا والأمر يومئذ لله} [الانفطار: 17 - 19]. وهذا يبين الجزاء، ومن الأمثال السائرة: "كما تدين تدان" أي: كما تعمل تُجازى.
فـ "مالك يوم الدين" أي: مالك يوم القيامة، وخص ملكه بهذا اليوم؛ لأنه في هذا اليوم تتلاشى جميع الملكوتات لا مَلِك، لا أحد في هذا اليوم، يستوي الملك ويستوي أدنى واحد من رعيته، بل من كان أكرم عند الله فهو أعلى وأكبر، يقول الله- عز وجل في ذلك اليوم: {لمن الملك اليوم لله الواحد القهار} [الانفطار: 16]. يجيب نفسه؛ لأنه لا ملك لأحد في ذلك اليوم، الملك كله لله- عز وجل، وإلا فمن المعلوم أن الله مالك يوم الدين ومالك الدنيا أيضًا كما قال- عز وجل: {قل من بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه} [المؤمنون: 88].
{إياك نعبد وإياك نستعين} إياك نعبد؛ أي: لا نعبد إلا إياك، ووجه كونها بهذا المعنى: أنه قُدم المعمول وهو "إياك" وتقديم المعمول على عامله يدل على الحصر، بل القاعدة أعم من هذا وهي "تقديم ما حقه التأخير يفيد الحصر"، والعبادة هي التذلل لله- عز وجل مع المحبة والتعظيم، مأخوذ من قولهم: طريق مُعَبَّد أي: مذلل للسالكين، ونحن نقول بدله: طريق
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 53)
مزفلت، فالطريق المعبد المذلل للسالكين اشتق منه العبادة أن الإنسان يقوم بعبادة الله تعالى تذللًا له ومحبة وتعظيمًا هذه لله.
{وإياك نستعين} أي: نطلب العون منك لا من غيرك؛ أي: نطلب أن تعيننا على جميع أمورنا في الدنيا والآخرة، ولهذا حذف المستعان عليه لإفادة التعميم. "وإياك نستعين" نقول فيها بالنسبة للاختصاص كما قلنا في "إياك نعبد" أي: لا نستعين إلا إياك.
فإن قال قائل: ألسنا نستعين بغير الله؟
فالجواب: نستعين به على أنه سبب لا على أنه مستقل، واستعانتنا بالسيد استعانة بالله تعالى؛ لأننا نعلم أن الله تعالى إذا لم يُسخر هذا الرجل الذي استعنا به لم ينفعنا بشيء، فحقيقة الاستعانة بالمخلوق أنها استعانة بالله خالقه- عز وجل؛ لأنه هو الذي يُسخر لمن استعانه، ومع هذا نقول: الاستعانة المطلقة في كل شيء لا تكون إلا لله- عز وجل.
{اهدنا الصراط المستقيم} اهدنا الصراط: الهداية هنا يراد بها: هداية الإرشاد والعلم وهداية التوفيق والطاعة، ودليل ذلك حذف حرف الجر، أي: أنك لم تقل: "اهدنا إلى الصراط المستقيم" فيكون المعنى: اهدنا إليه وفيه، اهدنا إلى هذا العلم وفيه، هذا التوفيق، و"الصراط المستقيم" هو دين الإسلام، وسُمي صراطًا؛ لأنه طريق واسع يسع كل من يدخله، قيل: والصراط لا يكون صراطًا إلا إذا كان طريقًا واسعًا، وكان طريقًا سهلًا، وكان طريقًا مستقيمًا ثلاث أوصاف: واسع، سهل، مستقيم، قالوا: والاشتقاق يدل عليه؛ لأن صَرَطَ الشيء أي: ابتلعه بسرعة، ويُقال في اللغة العامية عندنا: "ظراط الشيء" يقول: أعطيته لحمًا فظرطه بسرعة، يعني: بلعه مباشرة بدون أن يعض بها.
إذن الصراط ما جمع ثلاثة أوصاف: السعة، والسهولة، والاستقامة، والاستقامة يعني: أنه لا اعوجاج فيه ولا ارتفاع ولا نزول؛ لأن الارتفاع والنزول هو في الحقيقة انحراف، عرج طريقًا من اليسار وعرجه طولًا وعلوًّا ونزولًا تكون المسافة واحدة، وقوله: "المستقيم" هذا من باب التأكيد؛ يعني: الذي لا اعوجاج فيه، وهذا مستفاد من معنى الصراط، لكنه أظهر هذا الوصف للتشويق إليه، هذا الصراط المستقيم صراط مَنْ؟ {صراط الذين أنعمت عليهم}، والذين أنعم الله عليهم أربعة أصناف كما قال الله تعالى: {ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين} [النساء: 69]. هؤلاء أنعم الله عليهم نعمة الهداية العلمية ونعمة الهداية العملية.
{صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم} الغضب هو وصف لله- عز وجل قائم بذاته على وجه الحقيقة، لكن هنا لم يقل: غير الذين غضبت عليهم بخلاف الإنعام قال: {الذين أنعمت
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 54)
عليهم}، والحكمة من هذا: تلافي إضافة الغضب إلى الله- عز وجل في هذا السياق وإلا فقد اضاف الله الغضب إلى نفسه في مواضع أخرى كما قال- عز وجل: {من لعنه الله وغضب عليه} [المائدة: 60]. وقال في قاتل العمد: {وغضب الله عليه ولعنه} [النساء: 93]. أي فائدة أخرى أن من غضب الله عليه غضب عليه أولياء الله؛ لأن أولياء الله يحبون ما أحبه الله ويكرهون ما كره الله، فلما كان الغضب من الله ومن أولياء الله صار التعبير باسم المفعول أعمُّ، فمَن المغضوب عليهم؟ المغضوب عليهم يُعرف صنفهم إذا قسمت أقسام الناس في هذه السورة، {ولا الضالين} الضال: الذي لم يهتد للطريق، يطلب الطريق لكن ضلّ، كما لو خرج الإنسان في البرية ثم ضلَّ الطريق فهو يبحث عنه، وقد يسلك طريقًا فيه هلاكه وهو لا يدري، فالضال هو مَنْ جهل الحق بعد طلبه، {المغضوب عليهم}: هم الذين علموا الحق وخالفوه: {الذين أنعم الله عليهم} هم الذين علموا الحق واتبعوه، فالأقسام ثلاثة: عالم بالحق متبع له، فهذا أنعم الله عليهم، وعالم بالحق خالفه فمغضوب عليهم، وطالب للحق لم يوفق له الضال، هذه أقسام حاصرة، على رأس المغضوب عليهم: اليهود: وعلى رأس الضالين: النصارى، ولهذا جاء في الحديث وإن كان فيه نظر تفسير {المغضوب عليهم} باليهود، و {الضالين} بالنصارى.
وهذه السورة في الواقع إذ تأملها الإنسان وتعمق فيها علم الحكمة من كونها أم القرآن، وأم الكتاب؛ لأن جميع معاني القرآن ترجع إليها، فيها علم التاريخ، أحوال الأمم، الرسل، كل شيء، كل الموضوعات التي اشتمل عليها القرآن أساسها موجود في الفاتحة، ولهذا استحقت أن توصف بأنها "أم القرآن"، واستحقت أنها لا تصح صلاة أحد إلا بقراءتها وهذه مزية عظيمة، آية الكرسي أعظم آية، {قل هو الله أحد} تعدل ثلث القرآن، ومع ذلك تصح الصلاة بدونهما، لكن هذه لها هذه المزية؛ لأنها قد جمعت معاني القرآن الكريم، ومن أراد التوسع فيها فعليه بكتاب "مدارج السالكين" لابن القيم، فقد أتى فيه بالعجب العجاب حول تفسير هذه السورة العظيمة.
فتقول: "وكان إذا ركع لم يشخص رأسه ولم يصوبه" "كان" أي: النبي- صلى الله عليه وسلم، "إذا ركع" يعني: حنى ظهره "لم يشخص رأسه ولم يصوبه" الإشخاص: الرفع، والتصويب: التنزيل، فهو لا يرفعه ولا ينزله، بل يجعله محاذيًا لظهره، ثم كيف حال الظهر؟ دلت الأدلة الأخرى على أنه يسوي ظهره تمامًا حتى لو صُبَّ الماء لاستقر من شدة تسوية الظهر، ولكن بين ذلك؛ يعني كيفية استواء ظهره المشار إليه في الحديث بأنه لا يكون فيه الإشخاص والتصويب.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 55)
"وكان إذا رفع من الركوع لم يسجد حتى يستوي قائمًا" لم تذكر التكبير أو التسبيح أو التحميد؛ لأنها أرادت أن تتكلم على الأفعال التي هي الأركان.
"وكان إذا رفع لم يسجد حتى يستوي قائمًا" يستوي أي: يعتدل، وقد مرَّ علينا أنه لابد من الطمأنينة، "وكان إذا رفع رأسه من السجدة لم يسجد حتى يستوي ساجدًا" هذا فيه طي، إذا رفع من السجدة أفادت: أنه يسجد بعد الرفع من الركوع، فإذا سجد وقام لم يسجد الثانية حتى يستوي جالسًا.
"وكان يقول في كل ركعتين التحية" يعني: في الفرائض، كل ركعتين يقول فيها التحية، إن كانت ثنائية فجميع التحية، وإن كانت ثلاثية أو رباعية فالركعتان الأوليان يقتصر فيهما على التشهد الأول، وقولها: "التحية" هذا من باب التعبير بالبعض عن الكل، والمراد: جميع التحيات.
"وكان يفرش رجله اليسرى وينصب اليمنى" كان يفرش اليسرى يعني: يجلس عليها وينصب اليمنى، وقد أخرجها من جانبه الأيمن، فيكون أصابع اليمنى إلى الأرض وظهر اليسرى إلى الأرض، ولم تفصل- رضي الله عنها، لكن سبق في حديث أبي حُميد التفصيل وهو أنه في التشهد الأخير يتورك.
"وكان ينهي عن عقبة الشيطان" يعني: جلسته على عقبيه، وهل هو الإقعاء الذي ذكره ابن عباس- رضي الله عنهما أن النبي- صلى الله عليه وسلم كان يفعله إذا جلس، أو هو الإقعاء الذي هو كإقعاء الكلب؟ ظاهر الحديث أنه الأول؛ يعني: أن قوله: "عقبة" في معنى: العقيبة؛ أي: الجلوس على عقبيه، وسيأتي في الفوائد كيف نجمع بين هذا وبين حديث ابن عباس.
"وينهي أن يفترش الرجل ذراعيه افتراش السبع" وهذا في حال السجود؛ لأنه لا يمكن أن يفترش الذراعين إلا إذا سجد، لو أراد أن يفترش ذراعيه في الجلوس لا يمكن، وفي القيام من باب أولى.
إذن ينهى عن افتراش الذراعين في حال السجود، وقولها: "افتراش السبع" من باب التشبيه للتقبيح؛ لأنه يكون كالسبع، والإنسان منهي عن التشبه بالحيوان فإنه مُكرم عليه فكيف ينزل بنفسه للتشبه بالحيوان، لاسيما وهو يناجي الله- عز وجل في الصلاة؟ !
"وكان يختم الصلاة بالتسليم" يعني: أن النبي- صلى الله عليه وسلم إذا انتهى من الصلاة سلَّم، و"أل" في قولها "بالتسليم" يُحتمل أن تكون لبيان الحقيقة، ويحتمل أن تكون للعموم، فإن قلنا: إنها لبيان الحقيقة صارت التسليمة الواحدة كافية؛ لأنها يحصل بها التسليم، وإن قلنا: إنها للعهد صار المراد بالتسليم التسليمتين.
قال: "أخرجه مسلم وله علة".
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 56)
من فوائد هذا الحديث: ضبط عائشة- رضي الله عنها لأحوال النبي- صلى الله عليه وسلم في أقواله وأفعاله وعباداته ومعاملاته؛ لأن أخص الناس به زوجاته، فإنهن يعلمن من السر ما لم يعلمه غيرهن.
ومنها: سعة علمها- رضي الله عنها، حيث ساقت هذا الحديث كله بجمله وأفراده.
ومنها: مشروعية افتتاح الصلاة بالتكبير، وهذا التكبير ركن من أركان الصلاة لا تنعقد الصلاة إلا به، ويجب أن يكون التكبير بهذا اللفظ "الله أكبر" فلو أتى بمعناه لم يصح، واختلف العلماء- رحمهم الله فيمن لا يعرف الأذكار إلا بلغته، هل يأتي بها بلغته أو يكلف أن يتعلمها بالعربية؟ والصواب: أن يأتي بها بلغته، أما القرآن فقد عُلم أنه لا يجوز أن يُترجم حرفيًّا، أما أن ينقل معناه فلا مانع، ولا يقرأ بغير العربية، وأما الأذكار فلا بأس، والله- عز وجل يعلم لغة كل قوم.
ومن فوائد هذا الحديث: أن النبي- صلى الله عليه وسلم لا يجهر بالاستفتاح ولا بالتعوذ ولا بالبسملة لقولها: "والقراءة بالحمد لله رب العالمين".
ومنها: أن الإنسان لا يُقدِّم السورة التي بعد الفاتحة على الفاتحة، لم يكن هذا مشروعًا فإن تعمد على وجه التلاعب فصلاته باطلة، وإن تعمد لا على وجه التلاعب فصلاته غير باطلة، لكنه أخطأ، وإن نسي فإنه لا شيء عليه، ولكن يعيد السورة بعد الفاتحة، وهل يسجد للسهو؟ قيل: إنه يسجد للسهو استحبابًا لا وجوبًا؛ لأن مثل هذا القول لا يُبطل الصلاة عمده، لكنه أتى به في غير موضعه وقالوا كل من أتى بقول مشروع في غير موضعه فإنه يستحب له أن يسجد للسهو، وعلى هذا فمن نسي وقرأ السورة قبل الفاتحة قلنا له: اقرأ الفاتحة، ثم اقرأ السورة، ثم اسجد للسهو استحبابًا، ولا نقول: إنه واجب؛ لأن الإنسان لو تعمده لم تبطل صلاته.
ومن فوائد هذا الحديث: مشروعية الركوع في الصلاة، وهو ركن من أركان الصلاة؛ لأن الله تعالى عبّر به عن الصلاة، وإذا عبر الله بالبعض عن الكل دل ذلك على أنه لابد من وجود هذا البعض في الكل، وهذه القاعدة ذكرها شيخ الإسلام ابن تيمية- رحمه الله في "كتاب الإيمان" حيث ذكر فيه أنه إذا عبَّر عن الشيء ببعضه دلَّ على أن هذا البعض واجب في ذلك الكل. هل عبّر الله تعالى عن الصلاة بالركوع؟ نعم، في قوله تعالى: {وأقيموا الصلاة وءاتوا الزكاة واركعوا مع الراكعين} [البقرة: 43]. الركوع الواجب منه الانحناء، ولكن هل له ضابط؟ قيل: إن ضابط الانحناء أن يُمَكِّن المعتدل في طول يديه وقصرهما من مس الركبتين، وقيل: إن الواجب أن يكون إلى الركوع الكامل أقرب منه إلى القيام الكامل، وذلك لأن الانحناء قد يكون أقرب إلى القيام، وقد يكون أقرب إلى الركوع، وقد يكون مساويًا، يعني: ليس انتصابًا ولا ركوعًا تامًّا، قالوا: الواجب هو أن يكون إلى الركوع الكامل أقرب منه إلى القيام الكامل، وأظن أن هذا متقارب، بمعنى: أنك لو نظرت إلى الرجل المعتدل في طول الذراعين وجدت أنه إذا أمكنه أن يمسَّ ركبتيه كان إلى الركوع الكامل أقرب منه إلى القيام الكامل.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 57)
ومن فوائد هذا الحديث: أن السنة في الركوع ألا يرفع رأسه ولا ينزله عن ظهره، لقولها- رضي الله عنها: "لم يشخص رأسه ولم يصوبه"، ولكن بين ذلك، ومعلوم أنه إذا كان الرأس بين ذلك سوف يكون مساويًا في الظهر، وهل يشمل هذا أن يصوب الظهر مع الرأس، أو يشخص الظهر مع الرأس؟ نعم، نحن مثلًا لدينا أربعة أشياء:
الأول: أن يرفع الرأس والظهر.
والثاني: أن ينزل الرأس والظهر؛ لأن بعض الناس تجده عندما يركع ينزل مرة بظهره ورأسه.
والثالث: أن يكون الظهر مستويًا، ولكن يرفع رأسه.
والرابع: أن يكون الظهر مستويًا، ولكن ينزل الرأس، فهي نفت الارتفاع والانخفاض في الرأس سواء؛ أي: أن استواء الظهر والرأس في هذه الحالة يكون سواء ارتفاعًا وانخفاضًا، إلا أن الرأس ينزل، بينما الظهر يبقى مستويًا، فالاعتدال هو المفروض، ولهذا ذُكِرَ "أن من صفة النبي- صلى الله عليه وسلم في ركوعه أنه لو صبَّ الماء على ظهره لاستقر".
ومن فوائد هذا الحديث: مشروعية الرفع من الركوع لقولها- رضي الله عنها: "وكان إذا رفع من الركوع لم يسجد حتى يستوي قائمًا" يعني: حتى يستقر قائمًا، وهذا الرفع ركن من أركان الصلاة، فلو أن الإنسان وهو راكع سجد قبل أن ينهض فقد ترك ركنًا من أركان الصلاة؛ إذن لابد أن يرفع حتى يستوي قائمًا.
ومن فوائد هذا الحديث: مشروعية السجود لقولها: "وكان إذا رفع من السجدة"، والرفع من السجود ركن من أركان الصلاة لابد منه.
ومن فوائد هذا الحديث: أنه يجب البقاء بعد السجود قاعدًا حتى يستقر لقولها: "إذا رفع رأسه من السجدة لم يسجد حتى يستوي جالسًا"، وهذا الجلوس حكمه ركن من أركان الصلاة.
ومن فوائد هذا الحديث: التشهد في كل ركعتين سواء كانت ثنائية أو ثلاثية أو رباعية؛ الثنائية كالفجر يتشهد في الثانية، الثلاثية كالمغرب، الرباعية كالظهر والعصر والعشاء، هذه التحية هل هي ركن أو لا؟ نقول: مقتضى سياق الحديث أن تكون ركنًا؛ لأنها ذكرتها مع الأركان، ولكن السنة يفسر بعضها بعضًا ويقيد بعضها بعضًا، ثبت عن النبي- صلى الله عليه وسلم أنه ترك التشهد الأول ذات يوم وجير هذا الترك بسجود السهو، والأركان لا تُجبر بسجود السهو، فدل هذا على أن التشهد واجب، ولكنه يسقط بالسهو ويُجبر بسجدتين قبل السلام كما فعل النبي- صلى الله عليه وسلم تمامًا.
فإن قال قائل: هل كلامها هذا يشمل الفرض والنفل؟
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 58)
فالجواب: أنه يشمل الفرض والنفل؛ لأن ما يثبت في الفرض يثبت في النفل، وما يثبت في النفل يثبت في الفرض إلا بدليل، والدليل على أن ما ثبت في النفل يثبت في الفرض، وما ثبت في الفرض ثبت في النفل إلا بدليل: أن الصحابة- رضي الله عنهم لما حكوا أن النبي- صلى الله عليه وسلم كان يصلي على راحلته حيثما توجهت به، قالوا غير هذا: أنه لا يصلي عليها المكتوبة، فاستثناؤهم هذا يدل على أن من المتقرر عندهم أن ما ثبت في النفل ثبت في الفرض إلا بدليل، وعلى هذا فنقول: النفل جاز فيها الركعة الواحدة كالوتر، والخمس بتسليم واحد، والسبع بتسليم واحد، والتسع بتسليم واحد، إلا أنه يجلس عقب الثامنة ويتشهد ولا يُسلم، هذه الثلاث ورد فيها سُنَّتان.:
الأولى: إذا أوتر بثلاثٍ فصفتان: الأولى: أن يسلم من ركعتين ثم يأتي بواحدة، والثانية: أن يوتر بثلاثٍ سردًا دون التشهد؛ لأن النبي- صلى الله عليه وسلم نهى أن يشبه الوتر بصلاة المغرب، بقية النوافل يُسلم من كل ركعتين، وعليه فلابد من التشهد في كل ركعتين، وما ورد في فضل أربع ركعات بتسليم واحد فهو ضعيف لا يعوَّل عليه: "صلاة الليل والنهار مثنى مثنى"، وقد صحح كلمة "النهار" كثير من العلماء، ومنهم الشيخ عبد العزيز بن باز- رحمه الله حيث ذكر أن هذه اللفظة الزائدة "النهار" تعتبر زيادة صحيحة.
من فوائد هذا الحديث: أن المشروع في جلسة الصلاة أن يفترش المصلي رجله اليسرى وينصب اليمنى، وقد تم شرحها فيما سبق، لكن ظاهر الحديث أنه في كل الصلوات، يعني: الثلاثية والرباعية والثنائية.
وقد يقول قائل: إنه ليس ظاهر الحديث؛ لأنها قالت: "وكان يقول في كل ركعتين التحية، وكان يفترش" أي: يفترش في هذه التحية، وهذا حق كلما جلس الإنسان للتشهد في ركعتين فإنه يفترش.
فقد يقول قائل: ليس ظاهر الحديث أنه في الصلاة الثلاثية والرباعية في كلا التشهدين،
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 59)
فإن أبى آبٍ إلا أن يقول: ظاهر الحديث أنه يفترش رجله اليسرى وينصب اليمنى في جلسات الصلاة للتحيات الأولى والثانية.
قلنا: هذا الظاهر مرفوع بما جاء صريحًا في حديث أبي حُميد وغيره أنه في الصلاة الثلاثية والرباعية يتورك في التشهد الأخير ولا يفترش، ولهذا اختلف العلماء- رحمهم الله في هذه المسألة؛ فمنهم من قال: إنه يفترش في جميع جلسات الصلاة في التحيات الأولى والثانية وبين السجدتين، ومنهم من فصّل، وهذا التفصيل هو الصواب.
إذن التشهد الأخير تورك، التشهد الأول افتراش، الجلوس بين السجدتين افتراش.
ومن فوائد هذا الحديث: النهي عن مشابهة الشيطان لقولها: "وكان ينهي عن عقبة الشيطان".
فإذا قال قائل: الحديث نهى عن التشبه بالشيطان في شيء واحد وهو الجلسو، فكيف تُعَمم؟
فالجواب عن هذا: أن النبي- صلى الله عليه وسلم أضاف العقبة إلى الشيطان تقبيحًا لها لكونها قعدة الشيطان.
ثانيًا: أن لدينا حديثًا عامًّا وهو: "أن من تشبه بقوم فهو منهم"، ولا يمكن أن يرضى أحد بتشبهه بالشيطان، وسبق القول في عقبة الشيطان أنها: أن ينصب قدميه ويجلس على عقبيه، وظاهر هذا الحديث العموم؛ لأن سواء كانت القعدة بين السجدتين أو في التشهدين، وهذا ما ذهب إليه أصحاب الإمام أحمد- رحمهم الله وقالوا: إن هذه القعدة مكروهة، ولكن ابن عباس- رضي الله عنهما ذكر أن هذا الإقعاء من السُّنة، ولا يبعد أن يكون ابن عباس- رضي الله عنهما رأى النبي يفعل ذلك ولم يعلم بما فعله أخيرًا من كونه يفترش أو يتورك، وقولهم: "لا يبعد" ليس معناه يقينًا، لكن لا يبعد هذا كما فعل عبد الله بن مسعود- رضي الله عنه في التطبيق والوقوف بين المأمومين، حيث كان ابن مسعود- رضي الله عنه يقف بين المأمومين، يعني: إذا صاروا ثلاثة وقف بينهما، ولكن هذا الحكم منسوخ؛ لأنه إذا كان الجماعة ثلاثة صار إمامهم أمامهم.
ثانيًا: التطبيق: أن يضع إحدى يديه إلى الأخرى بين فخذيه إذا ركع، ابن مسعود- رضي الله عنه متمسك بهذا مع أنه منسوخ؛ لأن الرجل إذا ركع أين يضع يديه؟ على ركبتيه، فلا يبعد أن يكون ابن عباس- رضي الله عنهما كحال عبد الله بن مسعود.
ومن فوائد هذا الحديث: النهي أن يفترش المصلي ذراعيه كافتراش السبع، والسبع هنا
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 60)