المساجد لم تبن لهذا» يحتمل أن تكون هذه الجملة تعليلًا من النبي صلى الله عليه وسلم للحكم، ويحتمل أن تكون مقرونة بالقول لهذا المنشد، بمعنى أن نقول: عندما نسمع من ينشد الضالة «لا ردها الله عليك» فإن المساجد لم تبن لذلك، ويحتمل أن نقتصر على قوله: «لا ردها الله عليك» ونقول: إن النبي صلى الله عليه وسلم علل الدعاء بعدم ردها أن المساجد لم تبن لذلك الاحتمال متوازن، ولكن في هذه الحال ينظر ما تقتضيه الحال إذا كان قولها لهذا الذي ينشد فيه طمأنينة فالأولى أن تقال: وإذا كانت ربما تفتح باب الجدل؛ لأن قوله: «هذه المساجد لم تبن لهذا» لكن ما المعنى؟ فالأولى حذفها فينظر الإنسان في هذه المصلحة، فإن لم تتبين المصلحة فالأفضل أن يقولها؛ لأنها لا شك سوف تقنع هذا المنشد إذا بين له أن المساجد لم تبن لهذا؛ إذن لأي شيء بنيت؟ قلنا كما قال الرسول عليه الصلاة والسلام لقراءة القرآن والذكر والصلاة، والعلم وما أشبه هذا.
من فوائد هذا الحديث: تحريم إنشاد الضالة في المسجد، وجه الدلالة: أن النبي صلى الله عليه وسلم أباح لنا، بل أمرنا أن ندعو الله تعالى ألا يردها عليه، ولا شك أن من دعا على صاحب الضالة ألا يردها عليه لا شك أن عدوان، والعدوان لا يجوز إلا إذا كان في مقابل عدوان، يعني: لو سمعت رجلًا ينشد ضالة في السوق، هل يجوز أن تقول: لا ردها الله عليك؟ لا يجوز، وما كان ممنوعًا فإنه لا يباح إلا لدفع ما هو مثله أو أعظم، وعلى هذا فنقول: في هذا الحديث دليل على تحريم إنشاد الضالة في المسجد.
وهل يقاس على الضالة اللقطة؛ لأن الضالة هي الضائع من الحيوان: إبل، أو بقر، أو عنز، واللقطة من غير الحيوان، فهل نقول: إن إنشاد اللقطة كإنشاد الضالة؟ الجوةاب: نعم، والقياس قياس جلي لقوله صلى الله عليه وسلم: «فإن المساجد لم تبن لهذا» ، نقول: وكذلك لو أنشد ضائعًا غير ضالة فالحكم واحد، وهل مثل ذلك لو نشدها يعني: يطلب من هي له مثل أن يكون شخص وجد شيئًا في السوق، دخل المسجد وقال: أيها الناس، من ضاع له كذا وكذا، أو هذا يختلف عن الأول؟ الأول: يطلب ماله، وهذا يطلب التخلي عن مال غيره، فالصورتان بينهما فرق لا شك، فهل هما سواء في الحكم؟ الجواب: لا ليسا سواء في الحكم؛ لأن الثاني محسن، ولكن يقال: العلة «فإن المساجد لم تبن لهذا» تنطبق عليه؛ لأن المساجد ليس موضع إنشاد الضائع أو الضال؛ ولهذا فرق بعضهم فقال: إن كان وجدها في المسجد فليقل: لمن هذا؟ لأن الناس محصورون في المسجد، وإن كان وجدها خارج المسجد فليطلب صاحبها عن الأبواب خارج المسجد، وهذا القول جيد وربما لا يسع الناس العمل إلا به، فمثلًا نحن هنا في المسجد حينما قمنا وجد أحدنا قلمًا، أو ساعة، أو كتابًا فله أن يقول: لمن هذا الكتاب؟ لمن هذا القلم؟ أما لو كان شيئًا وجده في الشارع ثم وجد الناس مجتمعين فقال: هذه فرصة فجعل يسأل لمن هو له، فهنا
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 606)
القول بالتحريم أولى، والمذهب أنه مكروه وليس بمحرم؛ لأنه في الحقيقة في منزلة بين منزلتين، لكن الذي يظهر أنه محرم للتعليل الذي ذكره النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: «فإن المساجد لم تبن لهذا» ، ويمكن أن تحصل المصلحة بإنشادها عند باب المسجد يصوت بأعلى صوته ويسمعه أهل المسجد أو الذين يخرجون منه رويدًا رويدًا.
وهل يحرم ما يفعله بعض الناس اليوم: إذا وجدوا شيئًا علقوه في قبلة المسجد؟ الجواب: هذا لا بأس به؛ ففيه مصلحة من جهة أن صاحبه يجده وانتفاء مضرة، لكن هذه المسألة يخشى منها شيء وهو أن يأخذ هذه اللقطة غير صاحبها ولاسيما إن كانت مفاتيح أو أشياء خطيرة، فإذا خشي هذه المفسدة فالأولى أن يجتمع أهل المسجد أو أهل الحي، ويجعلون اصطلاحًا بينهم: أن من وجد شيئًا في المسجد يسلمه إما للمؤذن وإما للإمام، وقدرت جرت عادة الناس عندنا من قبل على هذا إذا وجد الإنسان شيئًا في المسجد أعطاه للمؤذن، وإذا ضاع لإنسان شيء في المسجد ذهب إلى المؤذن رأسًا، وهذا أحسن من أن يعلق.
من فوائد هذا الحديث: أنه لا يجوز إحداث شيء في المساجد ينافي ما بنيت له لقوله: «فإن المساجد لم تبن لهذا» ، ولكن هل يجوز أن يضع أهل الحي الطعام في المساجد عند الإفطار، أو عند عيد الفطر؛ لأنه في الأعياد جرت عادة بعض الناس أن أهل الحي يجتمعون كل واحد منهم يأتي بطعام ويجلسون عليه جميعًا، فهل يجوز أن يجعل ذلك في المسجد؟ الجواب: نعم؛ لأن هذا فيه خير وإحسان، والأكل في المسجد من حيث هو ليس حرامًا، ولا ينافي ما بني المسجد له، اللهم إلا إذا كانوا يأتون بالغداء أو العشاء في وقت يجتمع الناس فيه للصلاة حينئذ يمنعون من أجل مراعاة الناس.
ومن فوائد هذا الحديث: حسن تعليم النبي صلى الله عليه وسلم حيث يقرن الأحكام بعللها، وقرن الحكم بعلته يفيد ثلاث فوائد:
الأولى: زيادة طمأنينة النفس؛ لأن الإنسان متى علم من الحكم ازداد طمأنينة، والنفس البشرية لا شك أنها عندما يحصل لها زيادة علم فإنه أبلغ في الطمأنينة، كما قال إبراهيم عليه الصلاة والسلام لما قال: {رب أرني كيف تحي الموتى} قال الله له: {أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي} [البقرة: 260]. ولهذا نجد الصحابة أنفسهم وهم أشد الناس إيمانًا وأقواهم إيمانًا بالرسول عليه الصلاة والسلام يسألونه عن بعض الأشياء التي تخفى عليهم، لما وضع الجريد على القبرين اللذين يعذبان ماذا قالا؟ قالا: لم صنعت هذا يا رسول الله؟ فأخبرهم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 607)
فقرن الأحكام بالعلل فيه هذه الفائدة العظيمة، وهي زيادة الطمأنينة بأن الإنسان يأتي بالحكم ويلتزم الحكم إذا علم علته ونفسه مطمئنة تمامًا.
الفائدة الثاني: بيان أن هذه الشريعة الإسلامية مبنية على الحكم ووضع الأشياء في مواضعها، وليست تشريعات خالية من الحكمة وهذه فائدة عظيمة؛ ولهذا لا تجد شيئًا في الشريعة الإسلامية إلا وله حكمة، فإما أن تكون معلومة لنا، وإما أن تكون أفهامنا قاصرة، لكن من حكمتها: الابتلاء؛ أن الله تعالى يبتلي الإنسان بعبادة يقوم بفعلها وهو لا يدري ما الحكمة فيها، وهذه حكمة لا شك لأنها تفيد زيادة التعبد والتذلل لله عز وجل، وإن مقام الإنسان أن يقول: سمعنا وأطعنا.
الفائدة الثانية: أنه إذا كانت هذه العلة متعدية أمكن القياس على المعلول في حكمه، مثال ذلك: قول الله تبارك وتعالى: {قل لا أجد في ما أوحي إلى محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتةً أو دمًا مسفوحًا أو لحم خنزير فإنه رجس} [الأنعام: 145]. وحديث أنس أن الرسول صلى الله عليه وسلم أمر أبا طلحة فنادى يوم خيبر: «إن الله ورسوله ينهيانكم عن لحوم الحمر الأهلية فإنها رجس». هنا نقيس على ذلك كل رجس، ونقول: كل رجس فهو حرام، والرجس هو النجس؛ ولهذا من القواعد المقررة: «أن كل نجس حرام، وليس كل حرام نجسًا»؛ فالسم مثلًا حرام وليس بنجس، الدخان حرام وليس بنجس، لكن لحم الخنزير نجس فهو حرام، فهاتان قاعدتان مفيدتان: كل نجس حرام وليس كل حرام نجسًا، فهذه ثلاثة قواعد في ذكر العلة المقرونة بالحكم.
ومن فوائد هذا الحديث: أن الله سبحانه وتعالى قد يقدر للإنسان ما يهتدي به إلى ضالته أو تأتي الضالة نفسها مأخوذة من قوله: «لا ردها الله عليك» ، وحينئذ ينبني على هذه الفائدة أن تلجأ إلى الله عز وجل كلما ضاع لك شيء فقل: «اللهم رده علي»؛ لأن الذي يرده هو الله سبحانه وتعالى، فقد يأتي الرد بدون فعل أي سبب من الإنسان، ودليل ذلك في القصة التي ذكرها الرسول عليه الصلاة والسلام قال: «لله أشد فرحًا بتوبة عبده من الرجل الذي ضاعت ناقته وعليها طعامه وشرابه، فلما أيس منها نام تحت شجرة ينتظر الموت، وإذا بخطامها قد تعلق بالشجرة فأخذها وقال: اللهم أنت عبدي وأنا ربك، أخطأ من شدة الفرح». من الذي ردها علي؟ الله عز وجل وإلا فالرجل قد تعب وأيس منها، فالمهم أنه إذا حصل ضياع من أي شيء من أموةالك فالجأ إلى الله فإن الله تعالى قادر على ردها، ويؤخذ من هذا أيضًا: أن ما كان أهل الجاهلية يستعملونه من الاستعانة بالجن في رد الضالة باطل، وكذلك الاستعانة بسيد الجن في مكانة باطل؛ لأن هذا إنما يملكه الله عز وجل.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 608)
أسئلة:
- ما شروط إنشاد الشعر في المسجد؟
- هل في هذا دليل من السنة على جواز إنشاد الشعر في المسجد؟
- ألا يقول قائل: إن حسان منهم لأنه أراد أن يدفع عن نفسه؟ هذا غير وارد، ودليله أن عمر اقتنع به.
- سمع رجلًا يقول: من حفظ لي الجمل الأورق، وهو في المسجد ماذا يقول له؟
حكم البيع والشراء في المسجد:
246 - وعنه رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا رأيتم من يبيع أو يبتاع في المسجد، فقولوا له: لا أربح الله تجارتك». رواه النسائي، والترمذي وحسنه.
«إذا رأيتم» كلمة «رأيتم» محتمل أن يكون المراد بالرؤية: العلم، ويحتمل أن يراد بالرؤية: رؤية البصر، والاحتمالان لا يتناقضان؛ لأن من رأى القائل ببصره فقد علمه، ومن كان أعمى ولكن سمع فقد علم، وعلى هذا فإذا أردنا أن نجعلها أعم قلنا: المراد بالرؤية هنا: رؤية العلم. «إذا رأيتم من يبيع أو يبتاع» الفرق أن البائع هو الذي طلبت منه السلعة، والمبتاع هو الذي طلب السلعة، وهذا التعريف أعم من أن يقول: البائع من باع المتاع، والمتاع من بذل التقود؛ لأنه أحيانًا يكون المبيع هو المطلوب؛ فلهذا نقول: الفرق بينهما أن البائع سلعته مطلوبة، والمشتري طالب سلعة.
إذا باع ثوبًا بعمامة أيهما المبيع؟ الثوب، إذا باع ثوبًا بدينار؟ فالمبيع الثوب، إذا باع دينارًا بثوب؟ نقول: أيهما أقوى الآن هل مطلوب الدينار أو الثوب؟ الدينار هو المبيع، والمعروف عند الفقهاء أن ما دخلت عليه الباء هو الثمن؛ لأن الباء للمعاوضة والبدلية، فما دخلت عليه الباء هو الثمن والثمن يكون باذله من؟ المشتري سواء كان الذي دخلت عليه الباء هو النقود أو المتاع، وعليه فإذا قلت: بعت عليك ثوبًا بدينار، فالثمن الدينار، وإذا قلت: بعت عليك دينارًا بثوب، فالثمن الثوب.
قوله: «من يبيع أو يبتاع في المسجد، فقولون: لا أربح الله تجارتك» قولوا له: الأمر موجه للجميع، فهل مطلوب من كل فرد، أو المقصود الجمع دون المجموع؟ الثاني هو المراد، والمعنى الأول محتمل، فعلى الثاني إذا قالها واحد من الناس كفى، وعلى الأول لابد أن يقول ذلك كل من سمعه، وأيهما أبلغ في الزجر؟ أنه من الجميع؛ فقولوا: لا أربح الله تجارتك؛ أي: لا
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 609)
جعل فيها ربحًا، والتجارة هي: الأموال التي يطلب فيها الربح من أي نوع كانت، من ثياب، أو أوان، أو أخشاب، أو حديد، أو سيارات، أو مكائن، أو غير ذلك، كل ما يطلب فيه الربح فهو تجارة؛ ولهذا ندعو عليه بما يناقض قصده؛ لأنه إنما باع واشترى في المسجد بقصد الربح فتدعو عليه بما يناقض قصده «لا أربح الله تجارتك» ، ويقال في تعليل هذا ما قلنا في تعليل إنشاد الضالة، أي: أن المساجد لم تبن لهذا، أي: للبيع والشراء، وإنما بنيت لذكر الله تعالى وقراءة القرآن، والصلاة وما أشبه ذلك.
في هذا الحديث: جواز البيع والشراء، وجهه: أنه لما منع في المسجد علم أنه في غير المسجد جائز.
ومن فوائده: تحريم البيع والشراء في المسجد سواء وقع الإيجاب والقبول في المسجد، أو وقع أحدهما خارج المسجد والثاني في المسجد لقوله: «من يبيع أو يبتاع» ، قد يقع الإيجاب خارج المسجد والقبول داخل المسجد، كما لو وقع ذلك من رجلين عند دخول المسجد، فقال أحدهما للآخر: بعت عليك كذا، فقال الثاني: قبلت، فهو داخل في الحديث؛ لأنه قال: «من يبيع أو يبتاع». المثال فيما تأخر الإيجاب لو أن القبول هو الذي تأخر، ولكن القبول صار خارج المسجد والإيجاب كان داخل المسجد يصح أو لا يصح؟ كرجلين اتجها إلى باب المسجد وقبل الخروج قال أحدهما للآخر: بعت عليك كتابي هذا، وبعد الخروج قال الثاني: قبلت، فكلاهما محرم.
ومن فوائد هذا الحديث: أنه إذا وقع البيع والشراء في المسجد فهو باطل، وجهه: أن كل شيء نهي عنه من عبادة أو معاملة إذا فعل على الوجه المنهي عنه كان باطلًا لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل». هذا دليل التعليل، ولو أننا صححنا ذلك لكان لازمه أن ينفذ العقد، وفي هذا مضادة ومحادة لله تبارك وتعالى إذ إن النهي عنه ماذا يقتضي؟ يقتضي عدمه، وعدم تعاطيه، فإذا صححناه صار ذلك معاكسًا لما جاء به الشرع.
ومن فوائد هذا الحديث: أنه يجوز في المسجد ما سوى البيع كالهبة، والإبراء من الدين، وعقد النكاح، واستيفاء الدين والقرض، وما أشبه ذلك لعدم دخولها في البيع والشراء، وعلى هذا فلو أن شخصًا استوفى دينه من غريمه في المسجد فهو جائز، ولو أبرأه - أي: الدائن أبرأ غريمه من الدين في المسجد - فهو جائز.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 610)
عقد الضمان والكفالة جائز أو لا؟ جائز ليس بيعًا ولا شراء، وأبو قتادة ضمن الدين - دين الميت - والظاهر أنه كان في المسجد.
عقد النكاح يجوز أو لا؟ يجوز؛ لأن جميع ما سبق ليس بيعًا ولا شراء.
عقد الإجارة جائز أو لا؟ الإجارة بيع لكنها بيع المنافع، وعلى هذا فلو اتفق صاحب الدار والمستأجر وعقدا ذلك في المسجد فالإجارة باطلة، ولكن ماذا نفعل لو تعاقدا في المسجد ثم إن المستأجر استوفى المنفعة؟ نقول: العقد غير صحيح، ويفرض لصاحب الدار أجرة المثل لا الأجرة التي عقد عليها، فإذا قدر أنه أجره بعشرة آلاف وكانت أجرة المثل فيها خمسة آلاف فكم للمؤجر؟ خمسة آلاف فقط، ولو كان العكس فاستأجرها بخمسة آلاف وكانت أجرة مثلها عشرة فكم على المستأجر؟ عشرة آلاف؛ لأنه لما تعذر إلزامها بما جرى به العقد، رجعنا إلى قيمة المثل في العرف.
الخياطة في المسجد: لو أن شخصًا حائكًا أو خياطًا بيده صار في المسجد وجعل يخيط فيه ما الحكم؟ الجواب: إن كانت الخياطة لنفس الخائط كرجل يرقع ثوبه فلا بأس، ولو كانت الخياطة بأجرة فهذا لا يجوز؛ لأنه صار تجارة، والتجارة في المساجد لا تجوز، أما إذا صنع الإنسان ذلك لنفسه أو تبرع به لشخص آخر فلا بأس.
والخلاصة: أن ما كان عقد معاوضة فهو كالبيع، وما كان تبرعًا أو ليس فيه معاوضة أصلًا - يعني: ليس صالحًا للمعاوضة - فهو جائز.
الطلاق على عوض: لو أن الرجل اتفق مع زوجته أن يخالعها في المسجد يصح الخلع أو لا؟ يصح؛ لأن هذا العوض في أحد الطرفين ليس ماليًا إنما هو الفراق والفسخ، فهو غير داخل في البيع، لو أن رجلًا باع أو اشترى في المسجد لا للتجارة لكن مر به إنسان وفي يده رغيف وهو في المسجد وهو جائع فاشترى منه الرغيف أيجوز أو لا يجوز؟ إن نظرنا إلى قوله: «لا أربح الله تجارتك» قلنا: هذا خاص بما كان للتجارة دون ما كان لغيرها والفرق ظاهر؛ لأنه لو أجيزت التجارة في المسجد للبيع والشراء لبقيت المساجد أمكنة للتجارة، لكن الشيء النادر الذي يفعله الإنسان للحاجة أو ما أشبه ذلك، الظاهر أنه لا يدخل في هذا إلا أننا قد ننهى عنه احتياطًا ولئلا يغتر الناس بفعل الفاعل، لأن الناس ما لذي أدراهم أن هذا للتجارة أو غير التجارة.
هنا مسألة يحتاج الناس إليها: إذا وقف عليك فقير وأنت في المسجد وأردت أن تتصدق عليه بخمسة ريالات وليس معك إلا فئة عشرة فهل يجوز أن تقول للفقير: هذه فئة عشرة
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 611)
وأعطني خمسة أو لا يجوز؟ هي مصارفة لا شك، لكن هل أراد بها التجارة؟ إنما أراد بها دفع حاجة أخيه فهذا جائز، وقد كان الناس أدركناهم في المسجد الحرام يبيعون ماء زمزم يدورون به على الناس في فخار - دورق - ويسقون الحجاج بفلوس هذه تحل لأنها ليست تجارة، حتى لو فرض أن حامل الدورق طلب بنفسه الفلوس من الناس فهذا جائز؛ لأن قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «لا أربح الله تجارتك» يدل على أن المراد بذلك ما كان للتجارة، ولكن كما قلت لكم الأولى المنع منه لئلا يتهم الإنسان؛ ولأن نية التجارة في القلب لا يطلع عليها.
ومن فوائد الحديث: تعظيم المساجد، وأنها ليست محلًا لكسب الدنيا، وأنها للآخرة فقط.
حكم إقامة الحدود في المسجد:
247 - وعن حكيم بن حزام رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تقام الحدود في المساجد، ولا يستفاد فيها». رواه أحمد، وأبو داود بسندٍ ضعيفٍ.
قوله عليه الصلاة والسلام إن صح الحديث عنه -: «لا تقام الحدود» الحدود: جمع حد وهي في اللغة: المنع، ومنه حدود الأرض تمنع من دخول الجيران بعضهم على بعض، والمراد بها هنا: العقوبات المقدرة على المعاصي، فنقول: الحدود جمع حد، وهي عقوبة مقدرة شرعًا في معصية للتكفير عن صاحبها ومنع غيره منها؛ لأن الحدود تكفير، ولننظر في الحدود: حد الزنا، حد القذف، حد السرقة، حد قطاع الطريق هذه أربعة، حد الخمر مختلف فيه والصحيح أنه ليس حدًا كما سيأتي، السادس: قتل المرتد عده بعضهم وليس بصحيح؛ لأن قتل المرتد ليس حدًا بدليل أن المرتد لو تاب بعد القدرة عليه يرفع عنه القتل، والحد لا يرفع بعد القدرة عليه، القصاص عده بعضهم من الحدود وهو غلط؛ لأن القصاص حق للآدمي، قال الله تعالى: {فمن عفى له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف} [البقرة: 178]. الحدود الواضحة التي ليس فيها إشكال: حد الزنا، حد السرقة، حد قطاع الطريق، حد القذف، أربعة لا إشكال فيها.
«لا تقام الحدود في المساجد» والحكمة من ذلك أنه يخشى من تلوث المسجد هذا من وجه، يخشى من أفعال منكرة قد تقع فيه من المحدود أو من الناس الذين يحضرون، يخشى من الصراخ والعويل في المساجد، وهذا ينافي حرمتها.
قوله: «ولا يستفاد فيها» أي: لا يقتص في المساجد سواء كان القصاص في النفس أو فيما
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 612)
دونها، مثال القصاص في النفس أن يقتل رجل آخر وتمم شروط القصاص فيقتص منه، قال الله تعالى: {والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن والجروح قصاص} [المائدة: 45]. فلا يستفاد في المساجد ولو ربما دون النفس؛ وذلك لما ذكرنا آنفا.
في هذا الحديث فوائد منها: إثبات الحدود لقوله: «لا تقام الحدود» ، وهذا يدل على أن هذا حدودًا تقام، وحكم إقامة الحدود فرض كفاية كما قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين خطب على المنبر وذكر الرجم، وقال: «أخشى إن طال بالناس زمان أن يقولوا: لا نجد الرجم في كتاب الله فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله عز وجل».
إقامة الحدودفرض على كل واحد؟ نعم، يعني: على كل من فعل المعصية التي توجب الحد، ولا فرق بين الشريف والوضيع، والذكر والأنثى، ولا تجوز المحاباة فيها إلا من تاب قبل القدرة عليه فإنه يسقط عنه الحد.
ومن فوائد هذا الحديث: تحريم إقامة الحدود في المساجد؛ لأن الأصل في النهي التحريم؛ ولأن المعنى يقتضيه لأنه يحصل بذلك ما ينافي تعظيم المسجد.
ومن فوائد هذا الحديث: ثبوت القود لقوله: «ولا يستفاد فيها» ، والقود واجب، لكن له شروط، وبماذا يسقط؟ إذا عفا صاحب الحق سقط.
وفي هذا الحديث تحريم القود في المساجد للنهي عنه، ولأن ذلك ينافي حرمة المساجد وتعظيمها.
أسئلة:
- هل يجوز البيع والشراء في المسجد؟
- هل المحرم للتجارة فقط؟
- هل يدخل القصاص في الحدود أو لا؟
- أين الدليل على أن القصاص يسقط بالعفو؟
تمريض المرضى في المسجد:
248 - وعن عائشة رضي الله عنها قالت: «أصيب سعد يوم الخندق، فضرب عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم خيمة في المسجد، ليعوده من قريب». متفق عليه.
«أصيب سعد» هو سعدبن معاذ رضي الله عنه، سيد الأوس وأفضلهم وأشهرهم، وقولهم: «يوم الخندق» أي: في غزوة الخندق، وذلك أنه أصابه سهم في أكحله، الأكحل: أسفل الإبهام،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 613)
والغالب أنه ينزف منه الدم ويموت الإنسان، لكنه دعا الله عز وجل ألا يميته حتى يقر عينه في بني قريظة؛ لأنهم كانوا حلفاءه، «فضرب عليه النبي صلى الله عليه وسلم خيمةً في المسجد» أي: مسجده، والخيمة: هي عبارة عن خبار ينفرد به الإنسان، والمراد بالمسجد: مسجد النبي صلى الله عليه وسلم، فـ «أل» في قوله: «في المسجد» للعهد الذهني؛ لأن العهود ثلاثة: الذهني: وهو ما يفهم بالذهن. والذكري: وهو ما سبق له ذكر. والحضوري: وهو ما عبر عن الوقت الحاضر، كقوله تعالى: {الآن وقد عصيت قبل} [يونس: 91]. وقوله: {اليوم أكملت لكم دينكم} [المائدة: 3]. فـ «أل» هنا للعهد الحضوري.
العهد الذهني: هو الذي يكون معلومًا عند الناس كما لو تقول: سنذهب إلى القاضي للتحاكم عنده، من القاضي؟ قاضي البلدة المعروف؛ لأن هذه تعين الإنسان بعينه.
العهد الذكري: أن يسبق لهذا المذكور؛ أي: للذي دخلت عليه «أل» ذكر مثل قول الله تعالى: {كما أرسلنا إلى فرعون رسولا (15) فعصى فرعون الرسول} [المزمل: 16]. من الرسول؟ الأول الذي هو موسى عليه الصلاة والسلام، إذن المسجد هنا للعهد الذهني؛ لأنه معروف عندهم.
«ليعوده من قريب» اللام هنا للتعليل، أي: فعل ذلك لأجل أن يعوده من مكان قريب. وقوله: «من قريب» أي: من مكان قريب.
هذه القصة سعدبن معاذ رضي الله عنه سيد الأوس كما قلنا، وكانت بني قريظة حلفاء لهم، لما أصيب وكانت بنو قريظة قد نقضوا العهد سأل الله عز وجل ألا يميته حتى يقر عينه في بني قريظة، فاستجاب الله دعاءه، بقي جرحه ملتئمًا لم ينزف الدم حتى حصلت غزوة بني قريظة ونزلوا على حكم سعد بن معاذ رضي الله عنه، وظنوا أنه كقضية عبد الله بن أبي ابن سلول أنه سيطلب العفو والتجاوز، لكن هناك فرق بين سعد بن معاذ، وعبد الله بن أبي ابن سلول: الثاني منافق، والأول مؤمن، نزلوا على حكمه رضي الله عنه، فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم إليه من يأتي به من المسجدإلى بني قريظة وحضر، فلما حكموه قال: حكمي نافذ على هؤلاء، وأشار إلى النبي صلى الله عليه وسلم، لكنه قد غضب بصره احترامًا للنبي صلى الله عليه وسلم قال: وعلى هؤلاء - يعني: على بني قريظة -، قالوا: نعم، اتفق الخصمان على أن يكون هو الحكم بينهم، فحكم رضي الله عنه أن تقتل المقاتلة، وأن تغنم الأموال، وأن تسبى الذرية مع أنهم كانوا حلفاءه، وكان مقتضى العهد أن يطلب العفو عنهم، لكنه بإيمانه بالله عز وجل ورسوله حكم بهذا، فشهد له النبي صلى الله عليه وسلم أنه حكم فيهم يحكم الله من فوق سبع سماوات رضي الله عنه في هذا المكان الضيق الضنك وفق للصواب، حصل ما حصل ثم رجع إلى خيمته فانبعث الدم من أكحله ومات رضي الله عنه، أقر الله عينه في بني قريظة أيما قرار، حيث كان هو الحكم فيهم، وهذا من
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 614)
إجابة دعوته، وقد اهتز عرش الله عز وجل لروحه، وفي هذا يقول القائل: [الطويل]
وما اهتز عرش الله من أجل هالكٍ … سمعنا به إلا لسعدٍ أبي عمرو
رضي الله عنه، وجمعني وإياكم وإياه في دار النعيم المقيم حتى نذكره بهذا ونذكر ذلك إن شاء الله تعالى.
في هذا الحديث فوائد: أولًا: جواز ضرب الخيمة في المسجد، ولكن بشرط أن يكون الذي تضرب عليه الخيمة أهلًا لذلك من كونه سيدًا وشريفًا في قومه، وإلا فلا يمكن أن تضرب خيمة لكل إنسان مرض، الشرط الثاني: ألا يتأذى المسجد وأهله، وهذا أخذناه من النصوص العامة أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يؤذى أهل المسجد، حتى قال للرجل الذي يتخطى الرقاب: «اجلس فقد آذيت». فهذان شرطان، والثالث: أن يكون هذا الغرض صحيح، الغرض الصحيح ما ذكره في الحديث.
ومن فوائد هذا الحديث: بيان منزلة سعدبن معاذ رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم حين خصه بهذه الفضيلة أن يمرض في مسجده حتى يعوده من قريب.
ومن فوائد هذا الحديث: حسن خلق النبي صلى الله عليه وسلم ومعاملته لأمته، حيث كان يعود مرضاهم، ويزور أصحاءهم، ويتواضع حتى للعجوز والطفل الصغير عليه الصلاة والسلام.
ومن فوائد هذا الحديث: مشروعية عيادة المريض، وضابط المريض الذي يعاد: أنه هو الذي ينقطع من الخروج من بيته، أما المريض الذي يخرج فهذا لا يعاد؛ لأنه لا حاجة إلى عيادته.
ومن فوائد هذا: أن قرب مكان العيادة سبب لوجودها وهذا هو الواقع؛ يعني: لو كان هناك مسلم مريضًا وهو قريب منك سهل عليك أن تعوده، فإذا كان بعيدًا شق عليك وربما لا تعوده في الأسبوع إلا مرة.
149 - وعنها رضي الله عنها قالت: «رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يسترني، وأنا أنظر إلى الحبشة يلعبون في المسجد … ». الحديث. متفق عليه.
قولها: «يسترني» يعني: عن الرجال وهي تنظر إلى الحبشة وهي جزء من أفريقيا، قدم منها أناس أسلموا إلى المدينة ليتعلموا دينهم من النبي صلى الله عليه وسلم، وكان أهل الحبشة أهل مرح ولعب، فما
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 615)
استطاعوا أن يملكوا أنفسهم أن يلعبوا في المسجد برماحهم ونبلهم.
وقولها: «يلعبون في المسجد» «أل» للعهد الذهني كما سبق؛ أي: مسجد النبي صلى الله عليه وسلم، وكان هذا أيام عيد، فتكلم فيهم عمر رضي الله عنه فقال: «دعهم حتى يعلم اليهود أن في ديننا فسحة».
هذا الحديث فيه فوائد عظيمة:
منها: جواز اللعب بالرماح والنبال وما أشبه ذلك في المسجد هكذا نقول، لكن هل هو من السنة أو من الأمر الجائز؟ الثاني: من الأمر الجائز، ولا نقول للناس إذا كان يوم العيد: هاتوا النبادق والسيوف والعبوا في المسجد، ولكن هذا مشروط بشيئين: ألا يتأذى المسجد وأهله بهذا اللعب. الشرط الثاني: أن يكون ذلك لغرض صحيح وهو أن يعلم أعداء الإسلام أن دين الإسلام دين يسر وسهولة، وأعطاء النفوس حظها من المرح واللعب في الأيام المناسبة.
ومن فوائد هذا الحديث: أنه لا حرج في أيام الأعياد أن تقام مثل هذه الأفعال؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أٌر الحبشة على هذا، لكن قلنا: لابد أن يكون هناك مصلحة إذا كان في المسجد، أما في غير المسجد فهو من الأمور المباحة؛ ولهذا لما أنكر أبو بكر رضي الله عنه على الجارتين اللتين كانتا تغنيان قال النبي صلى الله عليه وسلم: «دعهما فإنها أيام عيد». وهذا مما يدل على كمال الإسلام أنه يعطي النفوس بعض الحرية والانطلاق في المرح واللعب؛ لأن الطبيعة البشرية لا يمكن أن تبقي النفس مكبوتة لا تتحرك ولا تمرح ولا تمزح لابد من شيء ولكنه في الحدود الشرعية.
ومن فوائد هذا الحديث: حسن خلق النبي صلى الله عليه وسلم في معاملة أهله، وقد قال عن نفسه صلى الله عليه وسلم: «خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي». اللهم صل وسلم عليه. وهكذا ينبغي للإنسان أن يدخل السرور على أهله حتى في هذه الأمور بشرط ألا يحصل في ذلك مفسدة، فإن حصل في ذلك مفسدة فلا يمكن الإنسان أهله أن يذهبوا إلى محل الألعاب واللهو، وهناك مثلًا رجال ينظرون وأناس يخشى منهم الفتنة، لكن لا بأس أن يخرجهم في بعض الأحيان حتى يحصل لهم من الفرح والمرح ما هو مقيد بالشريعة.
ومن فوائد هذا الحديث: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: لها أشبعت؟ حتى قالت: شبعت، يعني: لم يجعلها تتفرج لمدة وجيزة ثم يصرفها، أبقاها حتى انتهت رغباتها وكذلك ينبغي في معاملة الأهل لاسيما في الشابات من بنات أو زوجات أو ما أشبه ذلك؛ لأن لكل مقام مقالًا، ولكن
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 616)
الشابة يجب أن يقدر لها قدرها.
ومن فوائد هذا الحديث: جواز نظر المرأة إلى الرجال، وجهه: أن عائشة تنظر إلى الحبشة وهم رجال وأقرها النبي صلى الله عليه وسلم.
فإن قال قائل: كيف تقولون بهذا، وقد قال الله تعالى: {وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن} [النور: 31].
فالجواب: أن الله قال: {وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن} و «من» للتبعيض، والتبعيض لا يقتضي الكل، لو كان لفظ الآية: (وقل للمؤمنات يغضضن أبصارهن) لكان في هذا إشكال مع هذا الحديث، لكن {يغضضن من أبصارهن} ، وعليه فنقول: الآية لا تعارض هذا الحديث؛ لأن لما دخلت عليها (من) صار الواجب غض بعض البصر، ومتى يكون واجبًا؟ إذا خيفت الفتنة، لو كانت المرأة تنظر إلى الرجال تتمتع بالنظر إليهم أو تتلذذ بالنظر إليهم صار هذا حرامًا.
فإن قال قائل: ما الجواب عن حديث عبد الله بن أم مكتوم حين دخل على زوجتي الرسول صلى الله عليه وسلم فأمرهما أن تحتجبا عنه، فقالا: يا رسول الله، إنه رجل أعمى، فقال: «أفعمياوان أنتما؟ ».
فالجواب: أن هذا حديث ضعيف لا يصح، وإذا كان ضعيفًا سقطت المعارضة به؛ لأنه لا يقاوم الصحيح إلا ما كان صحيحًا، أما إذا كان ضعيفًا فلا يعتبر معارضًا، قال أهل العلم: ويدل لذلك أننا نحن لم نؤمر بالحجاب؛ لأنه لو كان يحرم على المرأة أن تنظر إلى الرجل لقلنا للرجل: غط وجهك كما قلنا تغطي وجهها حين صار نظر الرجال إليها محرمًا، وقول المؤلف رحمه الله: «الحديث». وتقرأ الحديث بالنصب، ويكون التقدير: اقرءوا الحديث، أو أكملوا الحديث، وربما نقول: هي منصوبة بنزع الخافض؛ يعني: إلى الحديث؛ أي: إلى نهايته.
250 - وعنها رضي الله عنها: «أن وليدة سوداء كان لها خباء في المسجد، فكانت تأتيني فتحدث عندي … ». الحديث. متفق عليه.
قوله: «وعنها» أي: عائشة رضي الله عنها، «أن وليدة سوداء» يعني: عبدة أمة، و «سوداء» هذا وصف لبيان الواقع، وليس بشرط أن تكون سوداء أو بيضاء، «كان لها خباء في المسجد» الخباء هو: الخيمة الصغيرة، «فكانت تأتيني فتحدث عندي»؛ تأتيها أي: في بيتها؛ لأن بيت عائشة رضي الله عنها إلى جنب المسجد، وله باب على المسجد.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 617)
ساق المؤلف هذا الحديث لفائدة: وهي جواز ضرب الخباء للأمة إذا لم يكن لها من يكفلها وهذا ضرورة، ولعل هناك أيضًا أشياء خاصة اقتضت ذلك؛ لأن هذه القضية قضية عين، لا نستطيع أن نقول: يستفاد منها أن تضرب الأخبية للإماء، فهذه قضية عين اقتضت أن يضرب لهذه الوليدة خباء في المسجد.
ومن فوائد هذا الحديث: أن تحدث الناس بعضهم إلى بعض من طريق السلف؛ لأن الإنسان لابد أن يتكلم مع الناس فهو مدني بالطبع، ومن ثم نرى الرجل إذا كان منزويًا لا يحدث الناس ولا يحدثونه نجد أنه يكون في نفسه انقباض، ولو أنه انطلق لكان خيرًا له.
فإن قال قائل: كثرة الكلام يخشى منها؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت».
فالجواب: أن الخير نوعان: خير في ذات الكلام؛ كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والتسبيح، وما أشبه ذلك، وخير لغيره - يعني: لغير ذات الكلام - وهو أن يكون الكلام من الكلام المباح لكنه يريد أن يحدث إخوانه لإدخال السرور عليهم والانبساط فهذا خير، حتى لو كان مضمون الكلام ليس خيرًا في ذاته؛ لأن إدخال السرور على إخوانه من الأشياء المطلوبة التي يثاب الإنسان عليها.
أسئلة:
- هل يجوز أن يضرب خباء في المسجد، وهل لذلك شروط؟
- هل يجوز للمرأة أن تنظر إلى الرجال؟
- ما هو الدليل على جواز ذلك؟ حديث عائشة. وجه الدلالة: إقرار النبي.
- كيف تجمع بين هذا الحديث، وقوله تعالى: {وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن} [النور: 31]؟
251 - وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «البزاق في المسجد خطيئة وكفارتها دفنها». متفق عليه.
«البزاق»: هو الريق الغليظ سواء كان نخامة أو غير نخامة، وأما الريق الخفيف الذي لا يؤثر فهذا لا يسمى بزاقا، وقوله: «في المسجد» «أل» للعهد الذهني أو للاستغراق؟ الثاني؛ أي: في كل مسجد، وقوله: «خطيئة» أي: سيئة؛ لأنها من خطئ يخطئ فهو خاطئ، بخلاف أخطأ يخطئ فهو مخطئ، فهذا مما يعذر به، خطيئة أي: سيئة، «وكفارتها» أي: سترها والتجاوز عنها، «دفنها»
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 618)
يعني: أن تدفن هذه النخامة، وهذا ظاهر فيما إذا كان المسجد قد فرش بالحصباء، أو الرمل أو ما أشبه ذلك، أما ما كان مفروشًا بالفرش القطنية أو الصوفية كما في وقتنا الآن فكفارتها فركها حتى تزول.
في هذا الحديث: دليل على احترام المساجد، وأنه يجب أن تصان عن كل هذا، وجه ذلك: أن النبي صلى الله عليه وسلم وصف البزاق في المسجد بأنه خطيئة.
ومن فوائد هذا الحديث: أن الشيء يداوي بضده، جهه. قوله: «كفارتها دفنها» ، فإن البزاق في المسجد يبرز صورة البزاق، فإن دفنه زال ذلك.
ومن فوائد هذا الحديث: أن البزاق طاهر، وجهه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كفارتها دفنها» ، ولم يقل: يصب الماء عليها، كما قال في بول الأعرابي: «أريقوا عليه سجلًا من ماء».
ومن فوائد هذا الحديث: أن البزاق في المسجد خطيئة ولو أراد الإنسان أن يدفنها، وجه ذلك: أن النبي صلى الله عليه وسلم وصفها بأنها خطيئة، ثم ذكر كفارتها، ومن المعلوم أن الإنسان لا يحل له أن يفعل الخطايا ويكفرها، لكن الكفارة تكون إذا وقعت الخطيئة دون قصد، أما إذا فعلت الخطيئة بنية التكفير فهذا لا يجوز.
ولهذا لو أن إنسانًا قال: إنه يجامع في نهار رمضان مع عزمه علىأن يكفر أيحرم أو لا يحرم؟ يحرم، مع أن التكفير يستر الذنب ويتجاوز به عنه.
كذلك لو قال إنسان في واجبات الحج التي تجبر بالدم: إنه يريد ألا يبيت في منى لا يرمي الجمرات ولا يطوف للوداع، ولكنه مستعد أن يذبح عن كل واجب فدية أيجوز؟ لا يجوز؛ ولهذا يغلط بعض الناس حيث يظن أن الإنسان مخير بين ترك الواجب والفدية، فيقال: لا، الأمر ليس إليك، لكن إذا فات الأمر بغير قصد فإنك تفدي، أما أن تكون مخيرًا فهذا يعني هدم النسك بالكلية؛ إذ لو قلنا بذلك لاقتصر الحاج على الأركان والباقي يفدي عنه ويمشي لأهله، فتجده يحرم ويقف بعرفة، يحرم من أين؟ من أي مكان أراده؛ لأن الإحرام من الميقات واجب، لكن أصل الإحرام ركن، أحرم، ووقف بعرفة وطاف وسعى أربعة أشياء فعلها والباقي قال: نفدي عنه كونه من الميقات هذه فدية، المبيت بمزدلفة فدية، رمي الجمار فدية، المبيت في منى فدية، طواف الوداع فدية، الحلق أو التقصير فدية، البقاء بعرفة إلى الغروب فدية، هذه سبع يقول: ما يهمني، يشتري له ثورًا ويذبحه ويقول في أمان الله، هذا لو قلنا بأن الإنسان مخير بين هذا وهذا، لكن نقول: الواجب يجب فعله، لكن إذا فات فوات الحرص فإنه يفدي.
إذن نأخذ من هذا الحديث: تحريم البزاق في المسجد، ولكن لكل داء دواء: «كفارتها دفنها».
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 619)
ومن فوائد هذا الحديث: أن مسجد النبي صلى الله عليه وسلم مفرش بالتراب بما تتغطى به النخامة لقوله: «كفارتها دفنها» ، وبهذا نجيب على من أنكر وجود هذه العلامات على تسوية الصف - الخطوط - وقال: هذه بدعة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يفعلها؛ فيقال: مسجد النبي صلى الله عليه وسلم ليس صالحًا لها؛ لأن ليس مفروشًا بالقطن أو الصوف أو ما أشبه ذلك، مفروش بالحصباء، إذا كان مفروشًا بالحصباء كيف يمكن أن نصب عليه شيئًا يجعل له لونًا معينًا، لا يمكن، قالوا: يمكن أن يخط خط والصحابة ما خطوا خطا؟ والجواب: هذا الخط يزول بالمشي عليه، وحينئذ يكون الخط عبثًا، قالوا: يمكن أن يوضع خيط، قلنا: الخيط أيضًا يعثر به الناس ولا يمكن، ونحن لا نقول: إن وضع هذه الخطوط عبادة بذاتها لكنه وسيلة لعبادة مقصودة شرعًا وهي تسوية الصف، ولهذا استرحنا لما كان المسجد مفروشًا بالرمل كان الإنسان يتعب خصوصًا في الصفوف التي ليست على الأعمدة: هذا يتقدم وهذا يتأخر لما جاءت هذه الخطوط - والحمد لله - استراح الإنسان فهي مقصودة لغيرها، كما أن تأليف الكتب وطباعتها وتبويب أبواب الفقه كل هذا ليس موجودًا في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم؛ وهل لأحد أن ينكره؟ لا يمكن؛ لأنه وسيلة لمطلوب شرعًا، وهذا مثله، ولهذا يجب على طالب العلم أن يتنبه لهذه المسألة وهي ما إذا كان فعل الشيء مقصودًا بالذات، وما إذا كان وسيلة لمقصود شرعي ثابت الأول بدعة، والثاني جائز بل هو مطلوب.
فإن قال قائل: أهل البدع يقولون: إننا نتقرب إلى الله تعالى.
قلنا: إذن هي عندكم مقصودة لذاتها، فهي بدعة، إذا قالوا: إن إحياء ذكرى المولد النبوي من أجل أن تقوى المحبة للرسول صلى الله عليه وسلم، قلنا: قد جعل الله تعالى لمحبة رسوله أسبابًا أقوى من هذه وأدوم، أسبابًا تكون مع الإنسان إلى موته ليلًا ونهارًا، فإن كل عبادة يفعلها الإنسان وهو يشعر بأنه متأس بالرسول صلى الله عليه وسلم سوف يذكره لا بلسانه لكن بقلبه، ثم إعلان ذكرى الرسول عليه الصلاة والسلام في الأذان في اليوم والليلة خمس مرات على الأقل، وقد تكون ثلاث مرات إذا كان هناك جمع، وقد تكون ست مرات وسبع مرات، إذا كان هناك أذان أول في آخر الليل وأذان أول في الجمعة فانتبهوا لهذه الفائدة، ما فعل لذاته فلابد أن يثبت بنص؛ يعني: ما نتقرب إلى الله بذاته فلابد أن يثبت بنص، وما كان وسيلة لمقصود شرعي فهو على حسب ذلك المقصود.
فإن قال قائل: كيف نجمع بين هذا الحديث، وبين أمر الرسول صلى الله عليه وسلم أن يبصق الإنسان عن يساره، أو تحت قدميه؟
قلنا: الحمد لله ليس بينهما تعارض، يجمل قوله: «عن يساره أو تحت قدميه» على ما كان خارج المسجد، وأما ما كان في المسجد فليبصق في ثوبه أو في منديله أو بين يديه، ويحك
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 620)
بعضه ببعض حتى تزول.
ومن فوائد هذا الحديث: أن المعصية ولو يسيرة تسمى خطيئة؛ لأن الخطيئة: ما جانب الصواب، يقال: أخطأ فلان وأصبا فما جانب الصواب فهو خطأ، ومعلوم أن المعصية وإن قلت تجانب الصواب.
أسئلة:
- هل البزاق طاهر أو نجس؟ طاهر.
- من أين يؤخذ؟
- هل هذا يدل على أن الإنسان إذا أراد أن يدفن البزاق فله فعله؟
- هل هناك شيء يمكن أن نقيس هذه المسألة عليه ويكون فيه الاقتناع؟ المجامع في رمضان ونيته التكفير.
- هل يدل هذا الحديث على أن مسجد النبي صلى الله عليه وسلم مفروش بالتراب؟
زخرفة المساجد وزينتها:
252 - وعنه رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تقوم الساعة حتى يتباهى الناس في المساجد». أخرجه الخمسة إلا بالترمذي، وصححه ابن خزيمة.
«وعنه» يعني: عن أنس، «لا تقوم الساعة» يعني: ساعة البعث، والساعة تقوم إذا أنهى تبارك وتعالى هذا العالم نفخ في الصور فصعق الناس، ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون، فالساعة لا تقوم حتى يصل الأمر إلى هذا، «حتى يتباهى الناس في المساجد» يتباهون؛ أي: يتفاخرون أيهما أبهى مسجده؛ فهذا يقول: مسجدنا أبهى؛ شيدناه تشييدًا فاخرًا؛ لأن فيه رسوم، لأن فيه جص مثلًا، وما أشبه ذلك، ومن ذلك أنهم يتباهون بفراش المسجد، أيضًا يقول: مسجدنا قد فرش بالفرش الفاخر الغالي، وما أشبه ذلك.
إذن أخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم عن أمر يكون قبل قيام الساعة، فهل هذا يعني أنه من أشراط الساعة؟ قد يوحي هذا بأنه من أشراط الساعة، ولكنه ليس بصريح، ولهذا لا يمكن أن نقول: إن الناس منذ صاروا يتباهون بالمساجد فهو دليل على قرب الساعة، وأنه من أشراطها، وهذا يقع - أي: مثل هذا التغير - كقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تقوم الساعة حتى تعود - يعني: بلاد العرب - مروجًا وأنهارًا». هل
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 621)
معنى ذلك أنه علامة من أشراط الساعة؟ لا، لكنها لا تقوم الساعة حتى يكون هذا.
يستفاد من هذا الحديث: إثبات قيام الساعة، وهو أمر ثابت بالقرآن والسنة والإجماع، وهو من أركان الإيمان؛ لقوله: «لا تقوم الساعة» ، فمن أنكر قيام الساعة فقد كفر؛ لأن الله عز وجل قد أثبته في القرآن، والنبي صلى الله عليه وسلم أثبته في السنة، والمسلمون أجمعوا على هذا، وكل إنسان ينكر خبرًا أخبر الله به ورسوله من غير تأويل فإنه كاذب؛ لأن هذا هو التكذيب، أما التأويل فينظر إذا كان النسخ يحتمل التأويل فهو شبهة تمنع ردته، وإذا كان لا يحتمل فإنه تأويله لا يسمى تأويلًا، ولكن يسمى تحريفًا ولا يفيد صاحبه.
ومن فوائد الحديث: إثبات آية من آيات الرسول صلى الله عليه وسلم لقوله: «لا تقوم الساعة حتى يتباهى» ، وهل حصل هذا؟ نعم، حصل هذا يتباهى الناس بالمساجد من قديم الزمان، ولا يزالون يزدادون في التباهي.
ومن فوائد هذا الحديث: الإشارة إلى أن الأفضل ألا تكون المباهاة في المساجد؛ وجهه: ومن فوائد هذا الحديث: الرد على من أنكر على من بنى المساجد وعلى وجه متواضع، وقال: سبحان الله تبنى بيتك على وجه مشيد ومزخرف وبيت الله أولى، ويقول الآخر: كيف تبنى الكنائس على وجه فخم محسن ومساجد المسلمين لا يفعل فيها هذا؟ نقول: لأن المسلمين لا تهمهم المظاهر، وإنما الذي يهمهم هو المعاني التي بنيت من أجلها المساجد وهي إقامة الصلاة، وقراءة القرآن، والذكر، وما أشبه ذلك.
253 - وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما أمرت بتشييد المساجد». أخرجه أبو داود، وصححه ابن حبان.
«ما أمرت» أي: ما أمرني الله أن أشيد المساجد، والتشييد أي: طيها بالشيد، والشيد هو: الجص، وقوله: «المساجد» جمع مسجد، والمراد: ما بني للصلاة فيه.
قوله عليه الصلاة والسلام: «ما أمرت» يستفاد منه فوائد:
أولًا: أن النبي صلى الله عليه وسلم يؤمر وينهى، فهو إذن عبد من عباد الله عز وجل؛ لأن الله تعالى يأمره وينهاه.
ومنها: أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يأتي بالشريعة من عند نفسه، بل هو ينتظر أمر الله عز وجل إذا أمره الله
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 622)
فعل، وإن لم يأمره أمسك.
ومن فوائد هذا الحديث: الإشارة إلى عدم تشييد المساجد؛ لأنها لو كان تشييدها خيرًا لأمر بها النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه ما من خير إلا أمر به النبي صلى الله عليه وسلم ودل الناس عليه، إما من نفسه ابتداءًا أو من الله عز وجل.
ومن فوائد هذا الحديث: أن الأولى أن تكون المساجد متواضعة، يعني: متواضع فيها في بنائها، وأما زخرفتها خلاف مقصود الشارع؛ لقوله: «ما أمرت بتشييد المساجد» ، هذا إذا كان التشييد لا يلزم منه محظور، أما إذا كان فيه محظور فإنه ينهى عنه، ولا يقتصر على القول بأننا ما أمرنا بذلك، فمن هذا ما ينشر في قبلة المسجد، في بعض المساجد ينشر الله وإلى جانبه محمد، والذي ينظر إليهما يعتقد أنهما سواء، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم ند لله تعالى؛ لأن الحرف واحد ولفظ الجلالة على اليمين، ولفظ محمد على اليسار، وهذا لا شك أنه دخيل على الإسلام، فالمسلمون لم يكونوا يكتبون في القبلة شيئًا، بل يكرهون ذلك كما نص عليه الإمام أحمد رحمه الله فكيف إذا كتبت مثل هذه العبارة؟ أرى أن من رأى أحد المساجد فيها هذه الكتابة أن يبلغ المسئولين في وزارة الشئون الإسلامية حتى تبرأ ذمته.
وفي هذا الحديث: أن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «لتزخرفنها كما زخرفتها اليهود والنصارى» ، وهذا هو الذي حصل أنها زخرفت، أحيانًا يدخل الإنسان المسجد ويقول: ما هذا أهذا قصر ملك أم حجرة تاجر، حتى إنه في بعض الأحيان تجد الفراش لينًا كأنه فراش ×××، وهذا من الترف الزائد الذي لا ينبغي أن يعتاده المسلمون، نسأل الله الهداية.
254 - وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «عرضت علي أجور أمتي، حتى القذاة يخرجها الرجل من المسجد». رواه أبو داود، والترمذي واستغربه، وصححه ابن خزيمة.
«عرضت علي» يعني: أوحي إلي بها؛ لأن الأجور إنما تكون بعد؛ يعني: في يوم القيامة، فالذي عرض عليه أنه عليه الصلاة والسلام بين له ثوابها، وقوله: «أجور أمتي» يعني: الثواب، وسمى الله تبارك وتعالى أجرًا من كرمه تبارك وتعالى كأن العبد يعامل ربه معاملة الأجير لأجيره، أو الأجير لمستأجره، ومعلوم أن الأجير مع المستأجر يتعامل بمعاوضة فيلزمه أن يسدد الأجر، فكأن الله تعالى جعل العمل والثواب عليه مثل عقد الإجارة، ونظير ذلك قوله تعالى:
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 623)
{من ذا الذي يقرض الله قرضًا حسنًا فيضاعفه له} [البقرة: 245]. من المعلوم أن الله عز وجل غني عنا وعن قرضنا، لكن شبه معاملته بالقرض لوجوب وفاء القرض على المستقرض، وكأن الله تعالى ضمن للعامل أن يثنيه، كما أن المقترض يردد القرض على مقرضه، وقوله: «أجور أمتي» المراد بها: أمة الإجابة؛ لأن أمة الدعوة من لا يستجيب منهم ليس له أجر؛ ولهذا نقول: إن الأمة إذا جاءت في الحديث فلها معنيان:
المعنى الأول: أمة الدعوة، وهذه تشمل كل إنسان بلغ التكليف من بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم، هذه أمة الدعوة. أمة الإجابة هم الذين استجابوا للرسول صلى الله عليه وسلم واتبعوا شريعته.
يقول: «عرضت علي أجور أمتي» والعارض هو الله عز وجل، والمعنى: أن بين للرسول صلى الله عليه وسلم أجور أمته حتى في هذه المسألة وهي: «حتى القذاة» ، وهي: القذى التي تكون في العين وهو شيء يسير جدا جدا، ولولا أن القذاة تكون في العين ما أحس بها، فهي عبارة عن أذى صغيرة كقطعة الصلصلة الصغيرة، أو حبة رمل، أو ما أشبه ذلك. «يخرجها الرجل من المسجد» تنظيفًا للمسجد.
فيستفاد من هذا الحديث: أن النبي صلى الله عليه وسلم أطلعه الله على أجور الأمة؛ لقوله: «عرضت علي أجور أمتي».
ومن فوائده: الحث على تنظيف المسجد؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم جعل في ذلك أجرًا، وإن كان القذى يسيرًا، ولكن إذا كان القذى نجسًا وجبت إزالته وتطهير موضعه، وإن لم يكن نجسًا فإن كان مؤذيًا للمصلين وجب إزالته أيضًا، وإن لم يكن مؤذيًا ولكنه خلاف النظافة التامة فإنه يستحب إزالته.
ومن فوائد هذا الحديث: تعظيم شأن المساجد، وأنه ينبغي أن تكون نظيفة منقاة من كل أذى، وهذا لا يعارض ما سبق من أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يرخص في تشييد المساجد؛ لأن هذا ما يكون في الأراضي في أرض المسجد من الأذى ونحوه.
تحية المسجد:
255 - وعن أبي قتادة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلين ركعتين». متفق عليه.
قوله: «إذا دخل أحدكم المسجد» المسجد: المكان المعد للصلاة الذي تقام فيه الصلاة، وليس المراد: كل مصلى، بل المساجد المعهودة المفتوحة للناس يصلون فيها، و «أل» في قوله: «المسجد» للاستغراق؛ أي: أي مسجد تدخله صغيرًا كان أو كبيرًا جامعًا كان أو للصلوات الخمس، «فلا يجلس» أي: في المسجد إذا كان يريد الجلوس، «حتى يصلي ركعتين» وهاتان
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 624)
الركعتان تسميان عند أهل العلم: تحية المسجد.
ففي الحديث فوائد: منها مشروعية الصلاة عند دخول المسجد قبل أن يجلس؛ لقوله: «فلا يجلس حتى يصلي ركعتين» ، وهل هذه المشروعية على سبيل الوجوب، أو على سبيل الاستحباب؟ اختلف في هذا أهل العلم، وأكثرهم على أنها على سبيل الاستحباب، وحجة القائلين بالوجوب: أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يجلس حتى يصلي ركعتين، والأصل في النهي التحريم؛ لأن هذه عبادة، والأصل أن النهي في العبادات التحريم، ومن الأدلة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخطب الناس يوم الجمعة فدخل رجل فجلس، فقال له: «أصليت؟ » قال: لا. قال: «قم فصل ركعتين وتجوز فيهما». وجه الدلالة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قطع الخطبة وهي موجهة إلى الناس والناس مشرئبون لسماعها فقطعها ليخاطب هذا الرجل.
ثانيًا: أنه أمره أن يصلي ويتجوز في صلاته، مع أن الصلاة هذه سوف يتشاغل بها عن استماع الخطبة، والتشاغل عن استماع الخطبة محرم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا قلت لصاحبك أنصت يوم الجمعة والإمام يخطب، فقد لغوت». هذا مع أنه نهى عن منكر.
وجه ثالث: أنه قال: «تجوز فيهما» مما يدل على أن هذه الصلاة شبه ضرورة تتقدر بقدرها، ولا شك أن هذا استدلال قوي، فالقول بالوجوب قوي جدًا.
أما حجة القائلين بأنها لا تجب فاحتجوا بأمور منها: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للرجل الذي أخبره بأن عليه خمس صلوات في اليوم والليلة، قال: هل علي غيرها؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا، إلا أن تطوع». فقوله: «لا» يشمل كل صلاة سواء كانت ذات سبب أم لا، ولكن في هذا الاستدلال شيء من النظر؛ لأن مراد النبي صلى الله عليه وسلم بذلك الصلوات الخمس الدائمة، فليس يوجد صلاة دائمة بدوام الأيام وواجبة غير هذه الصلوات الخمس، نعم يستدل بهذا الحديث على عدم وجوب صلاة الوتر؛ لأنها صلاة تتكرر في اليوم والليلة، فيستدل بهذا الحديث على عدم وجوبها.
ويقال في الرد على هذا الدليل: صلاة دخول المسجد لها سبب عارض فتقييد بسببها؛ كصلاة الكسوف مثلًا على قول من يرى أنها واجبة، فإنها خارجة عن الخمس لكن لها سبب أوجبها، وكصلاة العيد فإنها واجبة وهي خارجة عن الصلوات الخمس لكن لها سبب وهو العيد، فمراد النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: «لا، إلا أن تطوع»: الصلوات التي تدور بدوران الأيام.
كذلك أيضًا يقال في رد هذا الاستدلال: لو أن الإنسان نذر أن يصلي وجبت عليه الصلاة؟
وجبت عليه الصلاة مع أنها ليست من الصلوات الخمس، لكن لها سبب وهو النذر، فالمهم
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 625)