ومنها: أنه إذا غلب الوسواس على أكثر الصلاة لم تبطل لقوله: "لا تزال تعرض لي في صلاتي" و"لا تزال" من الأفعال الدالة على الاستمرار، وهذا القول هو الراجح من أقوال العلماء؛ لأن السنة تدل عليه؛ ولأن القول يبطلان الصلاة إذا غلب الوسواس على أكثرها مشقة على الناس.
ومن فوائد هذا الحديث: أنه إذا حصل للإنسان ما يخل بكمال صلاته من فعل فاعل فإنه يطلب من هذا الفاعل أن يزيله؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر عائشة أن تزيله.
ومنها: حسن خلق النبي صلى الله عليه وسلم؛ حيث إنه لم يزل هذا القرام بنفسه؛ لأنه لو أزال بنفسه لكان في ذلك مشقة عليها، لكن أمرها أن تزيله هي لأنها هي التي وضعته.
ومنها: الإشارة إلى أنه ينبغي إذا رأى الإنسان شيئا منكرا أو سمع شيئا منكرا من شخص أن يتصل بهذا الشخص يبين له المنكر حتى يزيله الشخص بنفسه، وهذا يقع كثيرا، تسمع مقالة الشخص أنه كتب مقالا أو تكلم بكلام ليس بصواب فهل الأولى أن ترد عليه أو الأولى أن تتصل به وتبين له الخطأ ليكون هو الذي يباشر تصويب ما قال؟ الثاني بلا شك؛ لأن هذا أحسن، أما إذا أصر وعاند والأمر منكر لا يدخل فيه الاجتهاد فيجب عليك أن تبين الحق. قال:
236 - واتفقا على حديثها في قصة أنبجانية أبي جهم، وفيه: "فإنها ألهتني عن صلاتي".
"الأنبجانية" ذكرنا أنها كساء غليظ، وأما "الخميصة" فهي كساء معلم له أعلام، وذلك أن أبا جهم لما أهدى خميصته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان من عادة النبي صلى الله عليه وسلم أنه يقبل الهدية ويثيب عليها، فيحتمل أن تكون هذه الأنبجانية أثاب النبي صلى الله عليه وسلم أبا جهم على هديته، ويحتمل أنها لأبي جهم، على الاحتمال الأول لا الإشكال، وعلى الاحتمال الثاني يقال: كيف يطلب النبي صلى الله عليه وسلم من أبي جهم أنبجانية؟ وسيأتي الجواب عن هذا الإشكال.
فمن فوائد الحديث المتفق عليه: جواز صلا الإنسان بالثياب الرفيعة المنزل والقيمة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم صلى في خميصة، ومحل ذلك: ما لم يشغله عن صلاته، فإن شغله عن صلاته فلا يفعل.
ومن فوائد ذلك: حسن خلق النبي صلى الله عليه وسلم حيث إنه لما رد على أبي جهم هديته طلب منه ما عند أبي جهم وهو الأنبجانية سواء قلنا إنها من النبي صلى الله عليه وسلم أو لا، ووجه كون ذلك من حسن الخلق: أنه إذا طلب النبي صلى الله عليه وسلم منه الأنبجانية طاب قلبه ولم ينكسر، وهذا أمر يجب على الإنسان أن يراعيه فيما إذا حصل ما يوجب كسر القلب أن يحرص على التئام القلب.
ومن فوائد هذا الحديث: جواز سؤال الإنسان إذا علمنا أن المسئول يسر بهذا السؤال؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم طلب أنبجانية أبي جهم؛ لأنه يعلم علم اليقين أن أبا جهم يسر بذلك ولا يستثقله.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 586)
ومن فوائده: كراهة كل ما يلهي عن الصلاة لقوله: "فإنها ألهتني آنفا عن صلاتي".
ومن فوائده: أن النبي صلى الله عليه وسلم كغيره من البشر يعرض له ما يلهيه عما هم أهم.
التحذير عن رفع البصر إلى السماء في الصلاة:
237 - وعن جابر بن سمرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لينتهين أقوام يرفعون أبصارهم إلى السماء في الصلاة أو لا ترجع إليهم". رواه مسلم.
قوله: "لينتهين أقوام" في هذه الجملة إشكال في إعراب الفعل؛ لأن الفعل الآن مفتوح ولم نر ناصبا ينصبه؛ هذا فعل مضارع اتصلت به نون التوكيد المباشرة، متى يبنى المضارع؟ يبنى الفعل المضارع إذا اتصلت به نون التوكيد أو نون الإناث، "أقوام يرفعون أبصارهم إلى السماء في الصلاة" يعني: لينتهن عن هذا أو لا ترجع إليهم، هذا مثل قوله: "أو لتخطفن أبصارهم".
الجملة في قوله: "لينتهين" جملة مؤكدة بثلاث مؤكدات القسم واللام والنون، والتقدير: والله لينتهين؛ أي: يتركن.
في هذا الحديث: التحذير من رفع البصر إلى السماء في الصلاة من قوله: "أو لا ترجع إليهم".
ومن فوائده: أن رفع البصر إلى السماء في الصلاة محرم، بل قال قائل: إنه من الكبائر.
لم يكن قوله بعيدا؛ لأنه رتب عليه وعيد، واختلف العلماء رحمهم الله هل تبطل الصلاة إذا رفع الإنسان بصره إلى السماء أو لا تبطل؟ أكثر العلماء على أن الصلاة لا تبطل، وقال بعض العلماء - ومنهم الظاهرية-: إن الصلاة تبطل؛ لأنه فعل فعلا منهيا عنه في الصلاة، فكما تبطل الصلاة بالكلام تبطل برفع البصر إلى السماء، لكن القول الصحيح ما عليه الجمهور أن الصلاة لا تبطل، لكن الرجل قد فعل محرما وعرض نفسه للعقوبة.
ومن فوائد هذا الحديث: الإنكار على من نشاهدهم إذا رفعوا رءوسهم من الركوع رفعوا وجوههم إلى السماء، وهذا غلط، وعلى من رآهم أن ينصحهم ويبين لهم؛ لأنهم جهال لا يعرفون وأنت عالم فبين لهم كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "بلغوا عني ولو آية".
فإن قال قائل: الحديث "يرفعون أبصارهم" فما قولك فيما لو رفع وجهه وأغمض عينه؟
فالظاهر أنه لا فرق، وأن قوله: "يرفعون أبصارهم" من باب الأغلب أن الإنسان إذا رفع وجهه رفع بصره، وعليه رفع وجهه وهو مغمض عينيه دخل في النهي.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 587)
فإن قال قائل: لو رفع بصره إلى السماء دون وجهه هل يدخل في الحديث؟
الظاهر أنه يدخل في الحديث، وإن كان الأغلب أن المعنى رفع البصر مع الوجه.
ومن فوائد هذا الحديث: تعظيم شأن الصلاة، وأن الإنسان يجب أن يكون فيها على كمال الأدب مع الله عز وجل.
ومن فوائد هذا الحديث: بيان قدرة الله تبارك وتعالى؛ لأن ما هدد به النبي صلى الله عليه وسلم ممكن وهو أن تخطف أبصارهم في لحظة، والله تعالى على كل شيء قدير.
ومن فوائد هذا الحديث: أن التحريم إذا كف الإنسان عن المحرم حصلت به الفائدة، فإذا ترك الإنسان رفع البصر إلى السماء خوفا من هذا لا نقول: إن الرجل مراء، أو أن الرجل أراد بعمله الدنيا، بل نقول: إن الإسلام يرغب الناس ويرهبهم إما بما في الآخرة من ثواب أو عقاب، وإما بما في الدنيا من جزاء أو عقاب، أليست الحدود الشرعية على الزنا والقذف والسرقة موجبة للكف عنها؟ فإذا كف الإنسان عنها خوفا من هذه العقوبة لا نقول: إن الرجل أراد بعمله الدنيا، أليس ذكر الغنيمة في الجهاد في سبيل الله والأسرى وما أشبه ذلك مما يرغب في الجهاد؟ فإذا أراد الإنسان هذه الأشياء مع ثواب الآخرة فإننا لا نقول: إن الرجل مراء أو مشرك.
الحديث: "لينتهين أقوام" هل يشمل الواحد؟ نعم يشمل الواحد؛ لأن كلمة "أقوام" تشمل الواجد وما زاد.
النهي عن الصلاة مع مدافعة الأخبثين:
238 - وله عن عائشة رضي الله عنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لا صلاة بحضرة طعام، ولا وهو يدافعه الأخبثان".
هذا الحديث ينبغي أن يكون سابقا، أين محله؟ "إذا قدم العشاء فابدءوا به قبل أن تصلوا المغرب" يعني: لو وضعه المؤلف هناك أو أخر ذاك إلى هنا لأنهما من باب واحد، قوله صلى الله عليه وسلم: "لا صلاة بحضرة طعام" "لا صلاة" "لا" نافية للجنس، و"لا" ترد نافية للجنس، وترد نافية للوحدة، يعني: للواحد، فالأولى مبنية يعني اسمها مبني، لأنه مركب معها، وهي تفيد النص على العموم يعني: أن نفيها نص في العموم، مثال ذلك: "لا رجل في البيت" فهي نافية لجنس الرجال، أي: لا يوجد رجل واحد، ولا اثنان، ولا نصف رجل؛ لأنها نافية للجنس لا للمعين، وأما النافية للوحدة - يعني: للواحد- فإنها تعمل عمل ليس وليست نصا في العموم، فإذا تكلم الرجل العربي وقال: "لا رجل في البيت" فليس ككلامه فيما إذا قال: "لا رجل في البيت"،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 588)
لماذا؟ لأن الأولى نافية للجنس، أي: لا رجل في البيت، أي: لا يوجد أحد من هذا الجنس، لكن إذا قال: "لا رجل في البيت" عرفنا أنها نافية للواحد؛ يعني: ليس بالبيت رجل واحد، بل رجلان أو ثلاثة أو عشرة، ولهذا يقول: "لا رجل في البيت، بل عشرة"، لكن لو قال: "لا رجل في البيت" لا يمكن أن يقول: "بل عشرة"، والفرق ظاهر، فلننظر إلى هذا الحديث: "لا صلاة بحضرة طعام" هل هي نافية للجنس أم لا صلاة بل صلاتان؟ لا، إذن هي نافية للجنس، أي: أن الصلاة: جنس الصلاة فرض أو نفل ذات ركوع وسجود أو جنازة هذا النفي هل هو نفي للوجود يعني لا يمكن أن يصلي أحد بحضرة الطعام، أو نافية للصحة، أو نافية للكمال؟ هذا ينبني على قاعدة معروفة وهي أن الأصل في النفي وروده على نفي الوجود هذا الأصل، فإن تعذر حمله على ذلك لكون الشيء موجودا انتقلنا إلى نفي الوجود الشرعي وهو نفي الصحة؛ لأن ما لا يصلح شرعا وجوده وعدمه سواء في الشرع، فإن تعذر ذلك يعني: دل الدليل على صحة هذا المنفي انتقلنا إلى مرحلة ثالثة وهي نفي الكمال، إذن نفي الوجود هنا متعذر؛ لأن الإنسان قد يصلي بحضرة الطعام، وقد يصلي وهو يدافعه الأخبثان، نفي الصحة ينبني على وجود الخشوع في الصلاة، إن قلنا: إن الخشوع في الصلاة واجب، وأن الإنسان إذا شغله شيء عن حضور القلب في الصلاة كلها أو أكثرها فصلاته باطلة فالنفي للصحة، وإذا قلنا: إنه - أي: الخشوع في الصلاة - سنة وليس بواجب فالنفي هنا للكمال.
بقي أن يقال: هل يمكن أن نحمله على نفي الكمال مع إمكان جمله على نفي الصحة؟
الجواب: لا؛ لأن الأصل في النفي نفي الحقيقة لا الكمال، فنحن قد بحثنا هذا في أول الباب، وبينا أن الذي يظهر ما ذهب إليه الجمهور من أن الخشوع في الصلاة سنة مؤكدة، وإن كان ظاهر كلام شيخ الإسلام رحمه الله في "القواعد النورانية" أنه واجب؛ لأنه أخذ يستطرد في الأدلة ويقول: ومما يدل على وجوب الخشوع ثم يسوق الدليل.
وقوله: "بحضرة الطعام" هذا ليس على إطلاقه، بل بحضرة طعام هو في شوق إليه، وتناوله في حقه حلال لابد من هذا القيد، فإن لم يكن مشتاق إليه لم يدخل في الحديث، وإن كان مشتاقا لكن لا يحل له فإنه لا يدخل في الحديث كما سنبين في الفوائد. "ولا وهو بدافعه الأخبثان"، أي: ولا والمصلي؛ فتكون الواو للحال وهو يعود على المصلي، "ويدفعه" أي: تارة يقوى على الصبر على الأخبثين، وتارة لا يقوى مدافعة، و"الأخبثان" هما البول والغائط، والخبث هنا من النجاسة؛ يعني: أنهما نجسان، ونجاستهما بالإجماع بل بالنص والإجماع.
فلنعد إلى الفوائد في هذا الحديث، من الفوائد: اعتناء الشرع بالصلاة، وأنه ينبغي للإنسان
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 589)
أن يقبل عليها وهو خالي الذهن عير مشتغل بشيء، وجه الدلالة: أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الصلاة بحضرة الطعام.
ومن فوائد هذا الحديث: أنه لو غلبت الوساوس من تناول الطعام ومدافعة الأخبثين على الصلاة فإنها لا تصلح، وإلى هذا ذهب شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله بناء على وجوب الخشوع.
ومن الفوائد: تأخير الصلاة عن أول وقتها إلى آخره إذا كان بحضرة طعام أو يدافعه الأخبثان، وجه ذلك: أن تقديمها في أول الوقت سنة، والصلاة حال مدافعة الأخبثين وحضور الطعام إما محرمة أو مكرهة كراهة شديدة، ومن المعلوم أنه إذا تعارض فعل السنة مع درء محرم أو مكروه كراهة شديدة أن يقدم الثاني.
ومنها: أن المحافظة على كمال ذات العبادة أولى من المحافظة على كمال وقتها، وجه ذلك: أن الصلاة في أول الوقت أفضل من حيث الزمن، لكن صلاتها بخشوع وحضور قلب أفضل، الفضيلة الأولى تتعلق بالزمن وهذا يتعلق بذات العبادة، وعليه فمراعاة الفضيلة التي تتعلق بذات العبادة أولى من مراعاة الفضيلة التي تتعلق بزمان العبادة.
قال أهل العلم: وكذلك ما يتعلق بمكانها: إذا تعارضت فضيلة تتعلق بالمكان وفضيلة تتعلق بحضور القلب؛ فالأولى المحافظة على ما يتعلق بذات العبادة، ومثلوا له بالدنو من الكعبة والرمل إذا تعارض دنوه من الكعبة والرمل في طواف القدوم فمراعاة الرمل أولى من مراعاة القرب من الكعبة؛ لأن الرمل يتعلق بذات العبادة بذات الطواف، وأما القرب فيتعلق بمكانها، ومن ذلك أيضا: لو تعارض السعي بين العلمين في المسعى لكن في الدور الأعلى أو المشي بين العلمين لعدم القدرة على السعي فأيهما يقدم؟ الأول يقدم، هذا إذا قلنا: إن بين الدور الأرضي والأعلى فرقا، أما إذا قلنا: لا فرق؛ لأن الهواء تابع للقرار فلا تعارض أصلا، لكن بعض العلماء أشكل عليهم السعي في الطابق العلوي، ولكنه لا وجه للإشكال لأن الهواء تابع للقرار، والجبلان - الصفا والمروة- يرتفعان فوق مستوى الطابق الأعلى والأوسط أيضا، فيصدق على من سعى في الطابق الأعلى والطابق الأوسط أنه سعى بين الصفا والمروة فلا وجه للإشكال، وبناء على هذا يقول: ليس هناك معارضة بل هناك مفاضلة هل يتعب ويصعد أو يسعى في الأرض، وأكثر الناس أحب إليه أن يصعد ويسعى في استراحة وعدم ضيق.
ومن فوائد هذا الحديث: أن ظاهره أنه يراعي الطعام الحاضر ولو فات الوقت لعموم قوله: "لا صلاة بحضرة طعام"، وهذا عام في الأوقات كلها؛ يعني: عام في كل الوقت، يعني: لا تصلي بحضرة طعام ولو فات الوقت، وإلى هذا ذهب بعض أهل العلم، وقال: إن تأخير الصلاة عن وقتها من أجل الحصول على فراغ القلب وعدم شتاته جائز؛ لكن الجمهور يقولون: إنه إذا
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 590)
خاف فوات الوقت فإنه يصلي ولو كان بحضرة الطعام وهذا أقرب، لكن مسألة مدافعة الأخبثين قد يقال: إنه يؤخرها عن الوقت؛ لأنه لا يمكن أن يصلي وهو يدافع الأخبثين، لاسيما إذا كان من الناس الذي إذا اشتد عليهم الحصار انطلق الأمر من أيديهم، فهذا يعني: أنه لو تمسك ربما يحدث بعير اختيار منه، فالفرق بينهما من حيث المراعاة واضح جدا.
ومن فوائد هذا الحديث: مراعاة حال الإنسان وقيامه بحقوق نفسه؛ لأن كونه يحضر الطعام بين يديه وهو مشتاق إليه جدا ويتشوش فكره إذا لم يأكل فنقول له: "كل" هذا لا شك أنه مراعاة ورأفة وتيسير على العبد.
ومن فوائد هذا الحديث: أنه لابد أن يكون مشتهيا للطعام جدا، من أين يأخذه؟ من أننا نعلم أن العلة في النهي عن الصلاة عند حضور الطعام هو ذهاب الخشوع واشتغال القلب، فإذا لم يكن مشتاقا إليه كثيرا فإنه لا نهي؛ لأن الحكم يدور مع علته وجودا وعدما.
ومن فوائد الحديث أيضا: أنه لو حضر عنده طعام لا يمكنه تناوله وهو مشتهيه فإنه لا يدع الصلاة من أجله بل يصلي، وجه ذلك: لأن تركه للصلاة لا يفيد شيئا؛ إذ إنه لو ترك الصلاة ووقف يأكل هل يمكن أن يأكل؟ لا يمكن، وله أمثلة منها: أن يكون الطعام لغيره وهو يعلم أنه لا يأذن في أكله، فهنا الطعام حرام عليه لا يجوز أن يأكله حتى سواء صلى أو لم يصل.
ومنها: لو قدم لفطور عند غروب الشمس وقد استيقظ فهل نقول: انتظر لا تصل العصر حتى تفطر بعد الغروب؟ الجواب: لا؛ لأنه لا يستفيد من هذا شيئا، غذ إن لا يمكن أن يأكل.
ومن فوائد هذا الحديث: أن إحساس الإنسان بالبول أو الغائط بدون مدافعة لا يمنع من الصلاة؛ لقوله: "يدافعه"، فإحساس الإنسان بالبول أو الغائط بدون مدافعة لا يمنع من الصلاة؛ لقوله: "يدافعه"، فإحساس الإنسان بامتلاء المثانة من البول دون ان يكون هناك مدافعة لا يمنعه من الصلاة لعدم اشتغال القلب.
فإن قال قائل: وهل مثل ذلك إذا كان يدافع الريح؟
الجواب: نعم؛ لعدم الفرق؛ ولأن الريح إذا امتلأت الأمعاء منها ربما تخرج بدون اختيار الإنسان فيكون عذره باحتقان الريح كعذره باحتقان البول أو الغائط.
ومن فوائد هذا الحديث: وصف البول والغائط بأنهما الأخبثان، فهل يعني ذلك أنهما أغلظ النجاسات؟ الجواب: بالنسبة للآدمي لا شك أنهما أغلظ النجاسات، فالمذي مثلا نجس ولكنه أخف من البول والغائط، فإنه يكفي فيه النضح، والدم - دم الآدمي- عند من يقول بنجاسته أخف من البول أو الغائط فهما أخبثان بالنسبة لما يخرج من الإنسان وليس أخبثان بالنسبة لجميع النجاسات؛ لأن نجاسة الكلب أخبث فإنها لا تطهر إلا بسبع غسلات إحداهما بالتراب.
فإن قال قائل: هل النفي هنا "لا صلاة" نفي للابتداء، أو للابتداء والاستمرار؟
فالأصل أنه للابتداء، لكن لو حدث أو لو طرأ على الإنسان في أثناء الصلاة مدافعة الأخبثين فهل تبطل الصلاة، أو نقول: لك أن تنصرف ولك أن تستمر؟ الجواب: الثاني، أن له أن يستمر وله أن ينصرف لكن إذا كانت المدافعة شديدة فالأولى ألا يستمر لما في ذلك من الأضرار على نفسه، واشتغال القلب كثيرًا عن صلاته، فما وجه دخول هذا الحديث في باب الخشوع في الصلاة هو واضح؛ لأن مدافعة الأخبثين وحضور الطعام المباح الذي يشتهيه ينافي الخشوع.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 591)
239 - وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «التثاؤب من الشيطان، فإذا تثاءب أحدكم فليكظم ما استطاع». رواه مسلم. والترمذي وزاد: «في الصلاة».
«التثاؤب» مبتدأ «ومن الشيطان» خبره؛ يعني: أن الشيطان هو الذي يأتي بالتثاؤب، وما هو التثاؤب؟ معروف، ومثل هذه الأشياء لا يمكن أن تحدها أو تعرفها. لو قال لك مثلًا: ما هو العطاس؟ العطاس ربما نقول: أقرب إلى أن يحد وهو «خروج الريح من الأنف بصفة مخصوصة، لكن التثاؤب ماذا نقول؟ هذه الأشياء الفطرية الطبيعية تعريفها صعب، لكن قوله: «من الشيطان» أي: أن التثاؤب الشيطان سببه، «فإذا تثاءب أحدكم فليكظم ما استطاع» «إذا تثاءب» أي: أتاه التثاؤب؛ لأن قوله: «فليكظم» يقتضي أنه إذا كظم لا يتثاءب، لكن إذا تثاءب أي: طرأ عليه التثاؤب وأحسن به، «فليكظم»؛ أي: فليمنع، ومنه قوله تعالى: {والكاظمين الغيظ} [آل عمران: 119]. أي: المانعين «ما استطاع» أي: بقدر استطاعته، فإن عجز لم يذكر في الحديث لكن جاء في حديث آخر «صحيح»: «إن عجز وضع يده على فيه» ، وضعها وضعًا طبيعيًا لا مقلوبة كما اختاره بعض العلماء يقولون: تضعها مقلوبة، وعلل هذا بأنه إذا وضعها على فمه على ظهرها كأنما يدافع الشيطان بيده، ولكن نقول: الحديث لا يدل على ذلك.
يقول: زاد الترمذي: «في الصلاة» يعني: أن قوله: «التثاؤب من الشيطان»؛ يعني: أن الشيطان هو الذي يحمل المصلي على التثاؤب؛ لأنه يدل على الكسل والاسترخاء، لكن الأخذ بالعموم أولى؛ لأن سبب التثاؤب واحد لا في الصلاة ولا في غيرها، وهو ميل البدن إلى الكسل، ومن ثم نعلم أن الطفل إذا أتاه النوم من أين نعلم أنه يريد النوم؟ من كثرة تثاؤبه، والإنسان إذا صار كسلام يكثر تثاؤبه.
في هذا الحديث من الفوائد: أن للشيطان تأثيرًا على البدن حتى إنه يطرأ منه التثاؤب، ويشهد لهذا قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم». ويشهد لهذا أن النبي
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 592)
صلى الله عليه وسلم أخبر بأن للشيطان في قلب ابن آدم لمة يأمره بالمعصية وينهاه عن الخير. فالشيطان له تأثير على البدن، وهل له تأثير على المرض العضوي، أو نقول: له تأثير على الأمور النفسية فقط كالكسل والغم، والحزن وما أشبه ذلك؟ أما شياطين الجن المعتدون فيؤثرون على البدن تأثيرًا عضويًا، وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الشيطان إذا وضع الصبي من بطن أمه يلكزه في خاصرته إلا عيسى؛ ولذلك من حين ما يوضع الطفل من بطن أمه تسمع له صراخ.
على كل حال: تأثير الشيطان على البدن من حيث الانفعالات والحزن والفرح بالباطن أمر معلوم لكن هل يؤثر على الأعضاء؟ هذا محل تردد إلا ما جاءت به النصوص.
ومن فوائد هذا الحديث: أن عداوة الشيطان تكون في الأمر بالمعصية وفي إيجاد الكسل في الطاعة؛ لأن التثاؤب دليل على الكسل، وإذا حصل في الصلاة دل على أنها ثقيلة على المصلي.
ومن فوائد هذا الحديث: أن الإنسان إذا غلبه التثاؤب فإنه مأمور بكظمه بقدر ما يستطيع، وبهذا نعرف خطأ أولئك الذين إذا حصل لهم التثاؤب صار لهم صوت يشوش به على من حولهم، وهم مخالفون للسنة في هذا؛ لأن الصوت يمكن كظمه، قال بعض أهل العلم: إذا أردت أن تكظم فعض على الشفة السفلى، على كل حال هو مجرب، لكن لا تعض عضًا شديدًا؛ لأنه ربما تخرق الشفة وأنت لا تدري لكن هو مجرب.
ومن فوائد هذا الحديث: إثبات القدرة ونفيها على الإنسان لقوله: «ما استطاع» ، وفيه أيضًا إثبات الإرادة للإنسان لقوله: «فليكظم» ، فيكون في ذلك رد على طائفة مبتدعة ضالة من هم؟ الجبرية.
أسئلة:
- ما هو الخشوع في الصلاة؟
- ما الدليل على أن الخشوع ليس بواجب؟
- وهل ينافي الصلاة؟
- وما وجه حديث أنس: «إذا قدم العشاء فابدءوا به»؟
- هل الالتفات يبطل الصلاة؟
- قوله صلى الله عليه وسلم: «إذا كان أحدكم في الصلاة فهو يناجي ربه» كيف ذلك؟ حديث: «قسمت الصلاة» لماذا نهى أن يبصق بين يديه؟
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 593)
6 - باب المساجد
«المساجد» جمع مسجد؛ أي: مكان السجود، وهو نوعان: الأول: مكان مخصوص كالمساجد المعروفة المقامة في الأحياء. والثاني: عام لكل الأرض، فيكون محل السجود مسجدًا. دليل ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: «جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا». والمراد بهذه الترجمة التي ذكرها المؤلف المراد الأول: المساجد الخاصة التي تبنى ليتخذها الناس مصلى، وأحكام المساجد كثيرة أفردها بعض العلماء بالتأليف لأهميتها، وبعض العلماء يذكر شيئًا منها في الباب المناسب، هل نقول أن المناسب أن تذكر هذه المساجد أي يذكر الكلام عليها حينما يتكلم عن طهارة بقعة المصلي أو أن تذكر في باب الجماعة؟ الجواب: لكل أحد من العلماء رأي في هذا والمقصود ألا تخرج عن إطار كتاب الصلاة لتعلقها بالصلاة.
وجوب تنظيف المساجد وتطييبها:
240 - عن عائشة رضي الله عنه قالت: «أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ببناء المساجد في الدور، وأن تنظف وتطيب». رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي، وصحح إرساله.
قولها رضي الله عنها: «أمر» الأمر هو طلب الفعل على وجه الاستعلاء بأن يقول السيد لعبده: افعل كذا، فإن كان على وجه التذلل فهو دعاء ومسألة، وإن كان من القرين لقرينه فهو التماس، هكذا قال علماء البلاغة، فإذا توجه الأمر من الله أو من رسوله فهو أمر يقصد به الفعل.
وقولها رضي الله عنها: «أمر ببناء المساجدد». «أمر» لم تذكر الصيغة التي وقعت من النبي صلى الله عليه وسلم، هل قال مثلًا: ابنو المساجد في الدور، أو قال: لا تخلو الدور من المساجد، أو ما أشبه ذلك؟ فيقال: الأصل أن يحمل قول الصحابي أمر بكذا على الأمر الحقيقي، وهو ابنوا المساجد.
فإن قال: قائل: ربما يفهم الصحابي الخبر أمرًا؟
فالجواب: هذا بعيد أن يفهم الصحابي الخبر أمرًا، ثم أبعد منه أن يحدث بما لا يتيقن أن النبي صلى الله عليه وسلم أراده، فقول بعض العلماء رحمهم الله: إن الصحابي إذا عبر بكلمة «أمر» ليس صريحًا في الأمر لاحتمال أن يظن الخبر أمرًا، هذا قول ضعيف جدًا ولا يعول عليه؛ لأن الصحابي يعلم صيغة الأمر؛ ولأنه لا يمكن أن يتكلم بما لا يعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم أراده.
وقولها رضي الله عنها: «ببناء المساجد في الدور» الدور جمع دار، والمراد بها: الأحياء، وسميت دورًا لاجتماع الدور فيها، «وأن تنظف وتطيب» تنظف من الأذى، وأعظمه النجاسة والقذر، وتطيب
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 594)
يحتمل أن المراد بالتطهير: وضع الطيب فيها إما بالبخور، أو بالأدهان أو ما أشبه ذلك، ويحتمل أن يراد بالتطيب: إزالة آثار التنظيف، كقول عائشة رضي الله عنها في السواك الذي دخل به أخوها على النبي صلى الله عليه وسلم وهو محتضر قالت: «فقضمته وطيبته». أي: جعلته طيبًا يمكن التسوك به، والمعنيان كلاهما صحيح، فإن تطييب المساجد بهذا وهذا من الأمور المطلوبة.
في هذا دليل على مسائل: منها: حرص النبي صلى الله عليه وسلم أن تجتمع أمتته في هذه العبادة العظيمة - الصلاة - في مكان واحد؛ ولذلك أمر ببناء المساجد.
ومنها: أن بناء المساجد فرض كفاية؛ لأن الأصل في الأمر الوجوب؛ والمقصود من بناء المساجد: هو تحصيل المسجد، وهذا يكفي من الواحد والاثنين والثلاثة والأربعة، فيكون بناؤها فرض كفاية، وقد ورد في فضل بناء المساجد أحاديث منها قوله صلى الله عليه وسلم: «من بنى لله مسجدًا بنى الله له بيتًا في الجنة». لأن الجزاء من جنس العمل.
ومنها: أنه يجب أن يوضع فغي كل حي مسجد وهذا يختلف، يعني: من ناحية الحكم يختلف إذا كانت الأحياء صغيرة متقاربة، هل نقول: يلزم أن نبني في كل حي مسجدًا؟ لا، لكن إذا كانت كبيرة أو متباعدة وجب أن نبني في كل مسجدًا؛ لأن المقصود لا يحصل إلا بهذا.
من فوائد هذا الحديث: مشروعية تنظيف المساجد وهو نوعان: نوع واجب، وذلك بتنظيفها من القذر، ودليل هذا قوله صلى الله عليه وسلم حين بال الأعرابي قال: «أريقوا على بوله سجلًا من ماء» أو قال: «ذنوبًا من ماء». ويدل لذلك أيضًا قوله تعالى: {أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود} [البقرة: 125].
والثاني: تنظيف عن الأذى الذي ليس بقذر، فهذا الأصل فيه أنه سنة كأن تلقط ورقة ساطقة أو ريشة ساقطة أو ما أشبه ذلك، لكن إن خيف أن تجتمع هذه الأوساخ حتى تكون رائحة سيئة خبيثة، فالتنظيف حينئذٍ يكون واجبًا لإماطة الأذى.
ومن فوائد هذا الحديث: تطييب المساجد، وهو كما قلنا في الشرح «تطييب» بمعنى: إزالة أثر الأذى والقذر وما أشبه ذلك، وتطييب بمعنى: وضع الطيب فيها، وكلاهما مشروع.
فإن قال قائل: ما بالك تفصل هذا التفصيل مع أن الحديث واحد: «أمر ببناء المساجد وأن تنظف وتطيب»؟
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 595)
قلنا: لأن سنة النبي صلى الله عليه وسلم يفسر بعضها بعضًا، فيجب أن يحمل ما دل منها على شيء على ما تقتضيه النصوص الأخرى؛ لأن الشرع يكمل بعضه بعضًا، فلا يمكن أن نأخذ بحديث وندع الأحاديث الأخرى، كما لا يمكن أن نأخذ بآية وندع الآيات الأخرى.
ومن فوائد هذا الحديث: هل يمكن أن نقول: يجب على أهل الأحياء أن يصلوا في مساجدهم؟ هذا فيه شيء من الثقل، أما وجه القول بالوجوب فلأننا نقول: إذا لم يكن الناس يأتون إلى هذه المساجد صار بناؤها عبثًا وإضاعة مال ولا فائدة منه، ومعلوم أن الشريعة لا تأتي بمثل هذا، فيكون وجوب بناؤها دليلًا على وجوب الحضور إليها، وإلا فلا فائدة، فإن استقام هذا الاستدلال فذلك المطلوب، وإن لم يستقم قلنا: إن وجوب الحضور إلى المساجد له أدلة أخرى، وأنه لا يجوز أن يتخلف الناس عن المساجد ويصلون في بيوتهم.
وقوله: «وصحح إرساله الترمذي». الإرسال في اصطلاح المحدثين: تارة يراد به ما رفعه التابعي أو الصحابي الذي لم يسمع من النبي صلى الله عليه وسلم، يعني: تارة يريدون بالمرسل هذا، وهذا هو المرسل الخاص الذي أسنده التابعي إلى النبي صلى الله عليه وسلم أو الصحابي الذي لم يسمع من النبي صلى الله عليه وسلم، فالذين لم يبلغوا التمييز في حياة النبي صلى الله عليه وسلم إذا رووا الحديث فهو مرسل؛ لأنهم يسمعوه منه، فنقطع أن بينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم واسطة كمحمد بن أبي بكر فإنه ولد في عام حجة الوداع فلو أسند حديثًا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم لقلنا: إنه مرسل، ولكن هل هو حجة - أعني: مرسل الصحابي - أو لا؟ الصحيح: أنه حجة؛ لأن الصحابي لا يمكن أن يسند إلى النبي صلى الله عليه وسلم حديثًا جازمًا به إلا إذا كان رواه عن صحابي أو تابعي ثقة؛ لأن عندهم من الأمانة والخشية لله عز وجل والتعظيم لرسول الله صلى الله عليه وسلم ما ليس عندنا، وتارة يطلق المرسل عند المحدثين على ما سقط منه راوٍ في أي مكان من السند، وهذا يعلم بالتتبع، لكن لا تظن أنه كل ما قيل في الكتب المصنفة إنه مرسل؛ يعني: أنه رفعة التابعي أو الصحابي الذي لم يسمع من النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأننا بالتتبع وجدنا أنهم قد يطلقون المرسل على ما سقط منه راو أو أكثر في أي مكان.
إذا تعارض مرسل وواصل فهل نأخذ بالمرسل لأنه أحوط، أو نأخذ بالواصل لأن معه زيادة علم؟
الصحيح: الثاني أننا نأخذ بالواصل، والقول بأننا نأخذ بالمرسل لأنه أحوط يقابل بأننا نأخذ بالواصل لأنه أحوط، حتى لا تدع سنة النبي صلى الله عليه وسلم، فالصحيح أنه إذا كان الواصل ثقة فإننا نأخذ بوصله؛ لأن الوصل زيادة، وزيادة الثقة مقبولة.
***
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 596)
النهي عن اتخاذ القبور مساجد:
241 - وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قاتل الله اليهود: اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد». متفق عليه. وزاد مسلم: «والنصارى».
وفي رواية في غير هذا الحديث: «لعنة الله على اليهود والنصارى». «قاتل» بمعنى: أهلك يتعين هذا؛ لأن من قاتل الله فهو هالك على كل حال، وجاءت بلفظ المقاتلة؛ لأنه لما كان هذا المعاند المخالف لشريعة الله عز وجل سميت الدعوة عليه بالإهلاك مقاتلة كقتال المتنازعين، اليهود هم الذين يزعمون أنهم أتباع موسى، سموا بذلك إما لأن جدهم يسمى يهوذا، ولكنه عرب فصار يهودًا، وإما أنه من هاد يهود بمعنى: رجع لقولهم: {إنا هدنا إليك} [الأعراف: 156]. وقوله تعالى: {يحكم بها النبيون الذين أسلموا} لمن {للذين هادوا} [المائدة: 44]. ويحتمل أن يكون هذا راجعًا للأمرين جميعًا: أنهم هادوا؛ أي: رجعوا إلى الله وتابوا من عبادة العجل، وأن جدهم كان يسمى بهذا الاسم، ثم قال: «اتخذوه قبور أنبيائهم مساجد» هذه الجملة تعليل للحكم الذي قبلها يعني: كأنه قيل: لم؟ فقال: اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، أي: صاروا يصلون عند القبور سواء بني عليها أو لم يبن؛ لأنه إذا اتخذ هذا المكان مصلى فقد اتخذه مسجدًا بلا شك سواء بنى عليه بناية أو لم يبن، وزاد مسلم: «والنصارى»؛ النصارى هم أتباع عيسى، وسموا نصارى إما لقولهم: {نحن أنصار الله} [الصف: 14]. وإما نسبة إلى بلدهم «الناصرة» وهي معروفة، ويمكن أن يقال للوجهين جميعًا.
أسئلة:
- للمساجد معنيان ما هما؟
- ما حكم بناء المساجد في المدن والقرى؟
- هل يمكن أن يستدل بهذا على وجوب صلاة الجماعة؟
- قولها: «تنظف وتطيب» ما الفرق بينهما؟
- ما هو الدليل على أن مثل هذا يكون تطيبًا؟
- «قاتل الله اليهود» ، ما المراد بـ «قاتل»؟ ولماذا جاءت بلفظ المقاتلة؟
- ما معنى قوله: «اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد»؟
***
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 597)
242 - ولهما: من حديث عائشة رضي الله عنها: «كانوا إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدًا» ، وفيه: «أولئك شرار الخلق».
قوله: «ولهما» أي: للبخاري ومسلم «كانوةا» أي: النصارى «كانوا إذا مات فيهم الرجل الصالح» هذا أعم من كونه نبيًا أو غير نبي، الصالح هو المستقيم في دينه سواء كان نبيًا أو غير نبي «بنوا على قبره مسجدًا» وهذا يوضح معنى قوله: «اتخذوةا قبور أنبيائهم مساجد» ، وفيه: «أولئك شرار الخلق» يعني: عند الله «أولئك» بالكسر؛ لأن الكاف اسم للإشارة تكون حسب المخاطب، واسم الإشارة يكون حسب المشار إليه، وفي هذا امتحان للطالب. فإذا قيل لك: أشر إلى واحد مخاطبًا اثنين كيف تقول: «ذلكما» كما قال عز وجل عن يوسف: {ذلكما} يخاطب صاحبي السجن {مما علمني ربي} [يوسف: 37]. أشرف إلى أنثى مخاطبًا أنثى؟ «تلك» هذه هي اللغة المشهورة الفصحى أن الكاف تكون بحسب المخاطب، إن مفردًا مذكرًا صارت مفردًا مذكرًا، وإن مثنى صارت للتثنية، وإن جمعت جمع ذكور صارت للجمع بالميم، وإن جمعت جمع إناث صارت بالجمع بالنون قال الله تعالى: {قالت فذالكن الذي لمتنني فيه} [يوسف: 32]. «فذلكن» تشير إلى واحد وهو يوسف، ولهذا أتى بـ «ذا» تخاطب نسوة جماعة، فيه لغة أخرى أن الكاف بالفتح والإفراد مطلقًا على اعتبار الشخص، وإذا كان المخاطب جماعة أو منثى فهو باعتبار الجنس باعتبار الشخص لكونها مفردًا مذكرًا وباعتبار الجنس لكونها مفردة لا مثناة، ولا مجموعة، فيه لغة ثالثة: أنه إذا خوطب بها النساء فهي بالإفراد والكسر، مطلقًا وإذا خوطب بها الرجال فهي بالإفراد والكسر لكن اللغة الأولى هي الفصحى هنا «أولئك شرار الخلق» المخاطب أنثى واحدة والمشارة إليه جماعة وهم الذين يبنون على قبور صالحيهم.
في هذا الحديث من الفوائد: أن الشرك عظيم جدًا، وذلك لعظم وسائله وذرائعه، فأصل المسجدلا إذا بني على القبر إنما يصلى لله لكن في هذا المكان هذا هو الأصل، لكن لما كان يخشى أن صاحب القبر يعبد صار البناء على قبره من كبائر الذنوب، والتعظيم في الوسيلة يدل على عظم الغاية.
ومن فوائد هذا الحديث: حماية الشريعة لجانب التوحيد حماية كاملة بحيث سدت جميع الوسائل التي قد تؤدي إلى الشرك.
ومنها: تحريم بناء المساجد على القبر؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم وصف الدين يبنون المساجد على القبور بأنهم شرار الخلق.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 598)
ومنها: أن البناء على القبور فيه التشبه باليهود والنصارى، فيكون هذا الواقع في هذه الأمة مصداقًا لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لتركبن سنن من كان قبلكم» ، قالوا: اليهود والنصارى؟ قال: «فمن؟ ». وعلى هذا فالذي يبني مسجدًا على القبر مشابه تمامًا لليهود والنصارى.
ومن فوائد الحديث: وجوب هدم المسجد المبني على القبر، وجه الدلالة: أن البناء هذا من كبائر الذنوب ولا يجوز إقرار الكبائر، هذه واحدة. ثانيًا: أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بهدم المسجد الضرار. مع أنه لم يبن على قبر لكن فيه مضارة لمسجد إلى جانبه، فما كان وسيلة إلى الشرك فهدمه من باب أولى.
ومنها: مسألة اختلف فيها هل تصلح الصلاة في هذا المسجد الذي بني على القبر أو لا تصح؟ في هذا خلاف بين أهل العلم منهم من قال: إنها تصح؛ لأن المحرم هو بناء المسجد، وهو منفصل عن الصلاة، ولم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن الصلاة في المساجد المبنية على القبور فهو كما لو صلى الإنسان في مكان مغصوب، والراجح أن الإنسان إذا صلى في مكان مغصوب فصلاته صحيحة مع الإثم وهذا مذهب الأئمة الثلاثة، القول الثاني: أن الصلاة فيه لا تصح؛ لأنه منهي عنها بطريق اللزوم، وهو أن الصلاة في هذا المسجد وسيلة إلى عبادة صاحب القبر فتكون منهيًا عنها نهي الوسائل، وإذا كان العمل منهيًا عنه صار إيجابه مضادة لله ورسوله، فيقتضي المنع منع تنفيذ هذا الشيء لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد» وهذا القول أقرب للصواب، إن الصلاة في المساجد المبنية على القبور حرام غير صحيحة، لاسيما إذا كان المصلي ممن ينظر إليه النار نظر إمامة؛ أي: أنهم يقتدون به، فهنا يتضاعف الإثم ويقوى القول بأن الصلاة غير صحيحة.
ومن فوائد هذا الحديث: أن الشرع يتفاضل لقوله: «أولئك شرار الخلق» وهو كذلك كما أن الخير يتفاضل، ويلزم من هذا أن تتفاضل الأعمال، ويلزم لزومًا آخر أن يتفاضل العمال، وهذا هو الحق أن الأعمال تتفاضل صالحها وسيئها، وأن العمال يتفاضلون بحسب أعمالهم، وعليه فنقول: الإيمان يزيد وينقص؛ لأن العمل من الإيمان؛ إذا تفاضل العمل لزم من ذلك تفاضل الإيمان، وهذا هو الحق أن الإيمان يتفاضل يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، ويزيد أيضًا لقوة الآيات المشاهدة وضعفها، فإن الإنسان كلما شاهد الآيات ازداد إيمانًا بالله عز وجل ولهذا قال إبراهيم عليه الصلاة والسلام: {رب أرني كيف تحي الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي} [البقرة: 360]. والإنسان يشاهد هذا في نفسه كلما رأى آية عظيمة خارجة عن المألوف
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 599)
فإنه يزداد إيمانًا بلا شك، وقولنا: خارجة عن المألوف؛ لأن المألوفات قد لا تؤثر في الإنسان تأثيرًا بينًا لأنها مألوفة عنده كطلوع الشمس وغروبها، لا شك أنها من آيات الله العظيمة ومع ذلك هي عند الناس مألوفة لا تؤثر ذلك التأثير، لكن لو يحصل كسوف أو أشياء أخرى في الشمس أو القمر ازداد الإنسان إيمانًا؛ إذن الإيمان يزيد باليقين القار في القلب وبالأعمال. قال رحمه الله:
حكم دخول الكافر للمسجد:
243 - وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «بعث النبي صلى الله عليه وسلم خيلًا، فجاءت برجل، فربطوه بسارية من سواري المسجد». الحديث. متفق عليه.
«بعث خيلًا» أي: للقتال والجهاد في سبيل الله، «فأسروا رجلًا» جاءوا به إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا الرجل يقال له: ثمامة بن أثال، جاءوا به وكان قد خرج يعتمر فأصابوه في الطريق فأتوا به وهو من أشراف أهل اليمامة وله كلمة فيهم، ربطه النبي صلى الله عليه وسلم بسارية أي: بعمود من ساري المسجد، والغرض من ربطه شيئان: الأول: أن يشاهد صلاة المسلمين. والثاني: أن فيه نوع من الإهانة أن يكون رجل يربط بعمود من عمد المسجد، هذا فيه نوع من الإهانة، لأنه كان شريف قومه.
وقول المؤلف رحمه الله: « .... الحديث» يعني: إلى آخر الحديث يشير إلى أن الحديث مطول، وأنه اختصره وأتى بالشاهد فقط، القصة: أنه لما جاءوا به وربطوه في المسجد مر به النبي صلى الله عليه وسلم وقال له: «ماذا عندك؟ قال له: «إن تقتل تقتل ذام دم» يعني: تقتل مستحقًا للقتل، وإن تنعم تنعم على شاكر، وإن أردت المال فسل ما تشاء، ثلاثة أشياء خير النبي صلى الله عليه وسلم فيها «إن تقتل تقتل ذا دم» ، أي: مستحقًا للقتل، و «إن تنعم تنعم على شاكر» ، «وإن تريد المال فسل ما شئت» تركه النبي عليه الصلاة والسلام جاء في اليوم الثاني ومر به، وقال: «ماذا تريد؟ » قال: ما قلته: «إن تنعم تنعم على شاكر» ، ولم يذكر إن تقتل تقتل ذا دم، ولا إن كنت تريد المال فسل، أتى بشيء واحد يعرض بأن النبي صلى الله عليه وسلم يمن عليه ويطلقه وأنه سينعم على شاكر فتركه، في اليوم الثالث مر به وقال: «ماذا عندك» فأعاد عليه قال: عندي ما قلت لك، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بإطلاقه؛ فوقع هذا المن من رسول الله صلى الله عليه وسلم موقعه من هذا الرجل الكبير، فخرج من المسجد وذهب واغتسل، ثم جاء فدخل المسجد، وقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله، تشهد وأعلن ذلك في مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم فبشره النبي صلى الله عليه وسلم، يعني: بشره بالخير، ثم أقسم أنه كان لا يرى وجها أبغض إليه من وجه الرسول صلى الله عليه وسلم قال: وإن وجهك اليوم لأحب الوجوه إلي، وكنت لا أرى دينًا أبغض إلي من دينك، وإن دينك اليوم أحب إلي من كل دين. فسر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 600)
وأمره أن يذهب إلى عمرته؛ فذهب واعتمر ودخل مكة يلبي بغير تلبية المشركين، تلبية المشركين يقولون: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك إلا شريكًا هو لك تملكه وما ملك، هو قد دخل بالتلبية الخالصة بالتوحيد فأنكرت عليه قريش، وقالوا له: صبأت، قال: لا، أسلمت مع محمد صلى الله عليه وسلم، والله لا يأتيكم من اليمامة حبة حنطة إلا بأذن النبي صلى الله عليه وسلم، لما قال هذا وكانوا هموا بقتله قال بعضهم لبعض: لا تقتلوه يحبس عنا الطعام؛ لأن مكة غير ذي زرع، فتركوه ومنع صدور الحنطة إليهم، فأرسلت قريش إلى النبي صلى الله عليه وسلم تناشده وتقول: أنت تصل الرحم وتكسب المعدوم، وذكروا من صفاته عليه الصلاة والسلام وأخبروه بما قال ثمامة بن أثال، فشفع النبي صلى الله عليه وسلم إلى ثمامة أن يبعث إليهم بالحنطة صلة للرحم. وتعظيمًا للبيت، وإن كان هؤلاء مشركين. هذه قصة ثمامة بن أثال، وفيها عبر وهي: أن المن قد يكون خيرًا من الانتقام، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لو قتله قتله على الكفر ولم يستفد هذه الفائدة العظيمة: إعلانه في مكة التي أهلها مشركون أنه تابع لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا أن يحصل أنهم يتشفعون به إلا ثمامة ليرسل لهم الطعام.
وفيه أيضًا: دليل على أنه يجوز للإمام أن يمن على الأسير بغير فداء؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم من عليه.
نرجع إلى المقصود من المؤلف لسياق هذا الحديث: ففيه دليل على جواز ربط الأسير من حيث الجملة سواء في المسجد أو في السوق أو في البيت المهم ربط الأسير، والأسير يخير فيه الإمام بين أمور: القتل، والمن مجانًا، والفداء بأسير مسلم، والفداء بمال، أو منفعة يخير فيه، وهل هذا التخيير على حسب شهوته وإرادته، أو على حسب المصلحة؟ الثاني؛ لأن كل من له ولاية على شيء فالوةاجب عليه أن يراعي المصلحة فيما خير فيه، لا يراعي مصلحته الشخصية، فاختار النبي صلى الله عليه وسلم من هذه الأربعة خيارات أن يمن عليه، فإذا كان الإنسان يعلم أن هذا الأسير إذا من عليه لكونه شريفًا يرى أن المن عليه كبير أن يمن عليه وتكون العاقبة والنتيجة حميدة.
من فوائد هذا الحديث: جواز دخول الكافر المسجد؛ لأن ثمامة ما ربط في اسارية إلا بعد دخوله المسجد، فهل يجوز دخول الكافر المسجد أو لا؟ يجوز، بعض العلماء يقول: لا يجوز مطلقًا، واستدلوا بقول الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا} [التوبة: 28]. وقالوا: إذا كان الكافر يمنع من دخول حرم مكة وإن كان في غير المساجد، فالمساجد التي هي بيوت الله من باب أولى، وأجابوا عن حديث ثمامة بأنه منسوخ، ولكن هذا ليس بصواب؛ لأن لمكة وحرمها من التعظيم والتشريف
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 601)
والإكرام ما ليس لغيرها؛ ولهذا لا يوجد بقعة يشرع لقاصدها أن يحرم إلا مكة، فلا يمكن أن يقاس عليها غيرها، وادعاء النسخ يحتاج إلى شيئين:
الأول: العلم بالتاريخ.
والثاني: تعذر الجمع، فإن لم يتعذر الجمع فهو واجب، وإذا لم نعلم التاريخ فيجب التوقف، إذن الصحيح أنه يجوز أن يدخل الكافر المسجد، ولكن هل هذا بلا قيد أو بقيد؟ يجب أن يكون بقيدة، فإذا علمنا أنه دخل المسجد ليأخذ صورة يعرضها على قومه ويقول: انظروا إلى مساجد المسلمين، وانظروا إلى الكنائس عندنا كيف تكون الكنائس مرصعة بالذهب وموشاة بالنقوش وما أشبه ذلك، وهذه مساجدالمسلمين، فهذا يمنع منعًا باتًا ولا يمكن أن يمكن من دخول المسجد لما في ذلك من الضرر على المسلمين فهذا يمنع، كذلك إذا خيف منه الإضرار بالمسجد كتخريق فرشه وإفساد أنواره وما أشبه ذلك، فإنه يمنع بلا شك؛ لأن هذا لو وقع من غير الكافر منع فكيف بالكافر.
الثالث: أن يدخل المسجد لمصلحة المسجد كرجل مهندس فني دخل ليصلح المسجد يصلح أضواءه أو مكبر الصوت فيه أو غير ذلك فهذا لا شك أنه جائز؛ لأن دخوله الآن لمصلحة المسجد وليس في دخوله ضرر.
الرابع: أن يدخل المسجد ليطلع على صلاة المسلمين لا لقصد الشماتة بهم، ولكن ليتعرف على الإسلام كيف هو وكيف العبادات فهذا جائز، بل مطلوب لعل في ذلك دعوة له للإسلام فهذا مطلوب.
الخامس: أن يدخل المسجد ينتفع بدخوله كما لو دخل ليشرب من الثلاجة التي في المسجد أو دخل المسجد لهبوب رياح باردة، أو لحرارة شمس أو ما أشبه ذلك فهنا نمكنه من الدخول حتى يرى أن في الإسلام فسحة، وأن الإسلام يراعي مصلحة البشر إذا لم يكن في ذلك ضرر على الدين، والقاعدة أنه إذا تضمن دخول الكافر المسجد إضرار بالمسجد أو بسمعة المسلمين فإنه يمنع، وإذا كان لمصلحة الداخل كشرب ماء، أو استظلال عن شمس، أو اتقاء لبرد فهذا جائز، وإذا كان للدعوة إلى الإسلام ومعرفة عمل المسلمين في صلاتهم فهذا مطلوب، وكذلك لو كان لمصلحة المسجد إذا لم يوجد مسلم يقوم مقامه، فإذا وجد مسلم يقوم مقامه فلا ينبغي أن يؤتى بكافر.
ومن فوائد هذا الحديث: أن في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم سواري؛ أي: أعمدة وهذا معروف، ولكن كلما قلت الأعمدة في المسجد فهو أفضل حتى لا تحول الأعمدة بين المصلين.
فإذا قال قائل: وهل يجوز أن يصلي الناس بين الأعمدة في الجماعة؟
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 602)
نقول: أما إذا كان العمود صغيرًا لا يقطع الصف فلا بأس، وأما إذا كان واسعًا يقطع الصف فهذا يكره، إلا إذا دعت الحاجة إلى هذا كالحرمين في أيام المواسم فإن الناس يحتاجون إلى أن يصلون بين السوةاري حتى لو كان حجمها صغيرًا، لأن الحاجة داعية لذلك.
أسئلة:
- ما اسم الرجل الذي أسره المسلمين؟
- ما مكانته في قومه؟
- ما نتيجة من الرسول عليه؟
حكم إنشاد الشعر في المسجد وشروطه:
244 - وعنه رضي الله عنه «أن عمر رضي الله عنه مر بحسان ينشد في المسجد، فلحظ إليه، فقال: قد كنت أنشد فيه وفيه من هو خير منك». متفق عليه.
يقول: أن عمر رضي الله عنه أمير المؤمنين مر بحسان بن ثابت أشهر شعراء النبي صلى الله عليه وسلم وأكثرهم شعرا في النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وهو الشاعر المشهور، يقول: مر به عمر وهو أمير على المؤمنين ينشد في المسجد، يعني: يتلوا قصائده، وهل هو بغناء أو لا؟ نقول: لا يشترط أن يكون بغناء، الإنشاد هو إلقاء الشعر سواء كان بغناء أو بغير غناء، «فلحظ إليه» أي: نظر إليه نظر خفية كالمنتقد له، ففهم ذلك حسان رضي الله عنه فقال: «قد كنت أنشد فيه وفيه من هو خير منك»: قد كنت أنشد فيه - أي المسجد -، وفيه من هو خير منك يعني: رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومعنى الحديث ظاهر: أن حسانًا رضي الله عنه كان ينشد في المسجد فلما رأى عمر رضي الله عنه ينظر إليه نظر إنكار أجابه ودافعه بأنه كان ينشد وفيه رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ففي هذا الحديث فوائد؛ منها: جواز إنشاد الشعر في المسجد لهذا الحديث، وهل نقول: إنه بإقرار عمر، أو بإقرار النبي صلى الله عليه وسلم؟ الثاني بإقرار النبي صلى الله عليه وسلم، لكن هذا مشروط بأن يكون موضوع الشعر موضوعًا مفيدًا وليس موضوع لهوٍ وإنشاد للمآثر وما أشبه ذلك مما ينشد عن السابقين فيكون الشعر فيه مصلحة.
الشرط الثاني: ألا يؤذي بذلك أحدًا، فإن آذى المصلين فإنه يمنع للأذية، ودليل هذا الشرط أن النبي صلى الله عليه وسلم منع آكل البصل والثوم من دخول المسجد لئلا يتأذى الناس بالرائحة، فكيف إذا تأذوا بما يسمعون من أصوات هذا المنشد يشوش عليهم صلاتهم ودعاءهم وقراءتهم، وغير ذلك! !
الشرط الثالث: ألا يلزم منه تجمع الناس عنده حتى يشوش على أهل المسجد؛ لأنه إذا
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 603)
كان المنشد جيد الإنشاد حسن الصوت فإنه لابد أن يسلب عقول الناس ويتجمعوا إليه فإذا حصل هذا منع لئلا يشوش على الناس، ولئلا تحصل الفتنة بهذا الرجل فيزدحم الناس عليه.
ومن فوائد هذا الحديث: أدب عمر رضي الله عنه؛ حيث إنه لم ينكر عليه رأسًا، لكن لحظك عليه لحظة؛ لأنه - أي: عمر رضي الله عنه كان في قلبه أن هذا الرجل لا يمكن أن ينشد في المسجد إلا عن برهان لكن مع ذلك لم يتركه بل لحظه.
وفيه من الفوائد: بأنه أخبره أأن النبي صلى الله عليه وسلم يقره.
ومن فوائد هذا الحديث: جواز العمل بالإشارة، ولاسيما التي تظهر على وجه افنسان فهو يشبه العمل بالفراسة، يؤخذ من فهم حسان أن عمر ينكر عليه، وهذا شيء مفطور عليه الناس أنهم يحسون برضا الإنسان وكراهة الإنسان فيما يظهر على وجهه، وقد قال الله تعالى: {سيماهم في وجوههم من أثر السجود} [الفتح: 29]. وقال: {تعرفهم بسيماهم} [البقرة: 273]. وقال: {ولو نشاء لأريناكهم فلعرفناهم بسيماهم ولتعرفنهم في لحن القول} [محمد: 30]. فالعمل بمثل هذه القرائن له أصل في الشريعة، لكن هل يكون هذا بينة ملزمة أو لا؟ الجواةب: لا، لكنه قرينة ينبغي بعد وجودها أن يبحث الإنسان.
ومن فوائد هذا الحديث: جرأة الصحابة رضي الله عنهم بالحق وذلك في قول حسان: «قد كانت أنشد فيه وفيه من هو خير منك» لأن هذه بالنسبة لعمر رضي الله عنه عبارة قوية، وكان يغني عنها لو شاء بأن يقول: قد كنت أنشدفيه وفيه رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وفيه أيضًا: العمل بإقرار النبي صلى الله عليه وسلم، وأن ما أقره فهو حجة؛ لأن حسانًا استدل بإقرار النبي صلى الله عليه وسلم إياه على الإنشاد في المسجد، ولا شك أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يقر على باطل؛ ولهذا جعل العلماء سنة النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثة أقسام: القول، والفعل، والإقرار، يعني: إقرار غيره على الشيء، ولكن ما أقر عليه فإما أن يكون مما يتعبد به فيكون عبادة، وإما أن يكون مما لا يتعبدبه فلا يكون عبادة، ولكن يكون جائزًا.
ولكن الذي يقره من العبادات هل يكون من سنته التي يدعى إليها جميع الناس أو لا يكون؟ الجواب: سبق لنا هذا، وقلنا: إنه لا يكون من سنته التي يدعى إليها الناس، وضربنا لهذا أمثلة؛ منها: إقرار النبي صلى الله عليه وسلم الرجل الذي كان يقرأ لقومه في سفره فيختم بـ {قل هو الله أحد}. فأقره لكن النبي صلى الله عليه وسلم لم يسنه لأمته لم يقل لأمته إذا قرأتم القرآن فاختموا بـ {قل هو الله أحد} ، أو هو يفعله أيضًا لكنه من باب الجائز، لكن إقرار مثل هذا الفعل من السنة، ففرق بين أن تقول:
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 604)
الفعل من السنة، أو الإقرار من السنة، نحن لا ننكر على هذا الرجل إذا التزم بـ {قل هو الله أحد} يختم بها لا ننكر عليه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أقره لكننا لا نقول للناس اختموا قراءة الصلاة بـ {قل هو الله أحد} ، ومن ذلك الوصال في الصوم هو جائز، لكن المبادة بالفطر أفضل منه حتى قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر». ومن ذلك أيضًا إقراره عائشة رضي الله عنها على الإتيان بعمرة حينما أنشأت الإحرام بالعمرة لتكون متمتعة، ولكن حال بينها وبين إتمامها أنها حاضت في أثناء الطريق فأمرها النبي صلى الله عليه وسلم أن تدخل الحج على العمر لتصير قارنة وأخبرها أنها بذلك حصل لها حج وعمرة، فقال لها: «طوافك بالبيت وبالصفا والمروة يسعك لحجك وعمرتك» ، لكنها لم تطلب نفسها إلا بأن تأتي بعمرة مستقلة حتى لا يفخر عليها زوجات النبي صلى الله عليه وسلم ويقلن: أتينا بعمرة وحجة وأنت أتيت بالحج، وحينئذ لا نقول: يسن لكل امرأة أحرمت متمتعة ثم حاضت قبل أداء العمرة وقرنت أن تعتمر بعد الحج، لكن لو فعلت فلا حرج، لا نقول: إنها مبتدعة، أو ننهاها عن هذا، بل نقول: لا حرج؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعط أمته كلامًا عامًا، ويقول: من اعتمرت متمتعة ثم حاضت قبل أن تؤدي العمرة فلتأت بها بعد الحج، بل إن ظاهر محاورته مع عائشة أن الأفضل عدم ذلك؛ ولهذا جاء في بعض روايات مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان قد قال لها ذلك مداراة لها؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم لا يحب أن يكون الإنسان قلقًا في شيء من عبادته، ما دام الأمر واسعًا فليفعل.
ومن فوائد الحديث: بيان حرمة المساجد وأن ذلك أمر مشهور عند الناس؛ وذلك لأن عمر لحظ حسانًا، وحسان أخبر بأنه يفعل ذلك في عهد النبي صلى الله عليه وسلم.
حكم إنشاد الضالة في المسجد:
245 - وعنه رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من سمع رجلًا ينشد ضالةً في المسجد فليقل: لا ردها الله عليك، فإن المساجد لم تبن لهذا». رواه مسلم.
قوله: «من سمع رجلًا ينشد» كلمة «رجل» يعني: أن رجل، حتى لو فرض أنه لو سمع امرأة فالحكم واحد، «ينشد ضالة» أي: يسأل عنها من رأى ضالته، من عينها، من حفظها، وما أشبه ذلك من العبارات، والضالة هي الضائع من المواشي، وهي ضالة الإبل، ضالة الغنم، ضالة البقر، فمن سمع من ينشدالضالة «فليقل: لا ردها الله عليك» الجملة هنا خبرية؛ لأن الفعل فيها ماض منفي، والمراد بها: الدعاء، يعني: أنك إذا سمعته تدعو الله ألا يردها عليه، «فإن
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 605)