بالجماعة، فإن يد الله على الجماعة. ثم سمعته يومًا من الأيام وهو يقول: سيَلي عليكم ولاة يؤخِّرون الصلاة عن مواقيتها، فصلُّوا الصلاة لميقاتها فهي الفريضة، وصلُّوا معهم فإنها لكم نافلة. قال: قلتُ يا أصحاب محمد ما أدري ما تحدثون(1)، قال: وما ذاك؟ قلت: تأمرني بالجماعة وتحضُّني عليها ثم تقول لي(2): صلِّ الصلاة وحدك وهي الفريضة، وصلِّ مع الجماعة وهي نافلة. قال: يا عمرو بن ميمون، قد كنتُ أظنُّك من أفقه أهل هذه القرية، تدري ما الجماعة؟ قلت: لا، قال: إن جمهور الجماعة هم الذين فارقوا الجماعة، الجماعة(3) ما وافق الحق وإن كنتَ وحدَك. وفي لفظ آخر: فضرب على فخذي وقال: ويحك، إن جمهور الناس فارقوا الجماعة، وإن الجماعة ما وافق طاعة الله عز وجل.
وقال نُعيم بن حماد: إذا فسدت الجماعةُ فعليك بما كانت عليه الجماعة قبل أن يفسدوا، وإن كنت وحدَك، فإنك أنت الجماعة حينئذٍ. ذكرهما البيهقي(4) وغيره.--------------------------------------------
(1) في النسخ: «تحدثوه». والمثبت من المصادر.
(2) «لي» ليست في ك.
(3) «الجماعة» ليست في ك، ب.
(4) في «المدخل» كما عزاه إليه أبو شامة في «الباعث» (ص 91). وسياق الخبرين موافق لما عند أبي شامة. وقد رواهما ابن عساكر في «تاريخ دمشق» (46/ 408 - 409) من طريق البيهقي، وذكرهما أيضًا المزي في «تهذيب الكمال» (22/ 264 - 265) في ترجمة عمرو بن ميمون الأودي. وقد روى الأثر الأول أحمد (22020) وأبو داود (432) وابن حبان (1481) بنحوه إلى قوله: «وصلوا معهم فإنها لكم نافلة»، دون محل الشاهد من القصة.
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 398)
وقال بعض أئمة الحديث وقد ذُكر له السواد الأعظم، فقال: تدري مَن السواد الأعظم؟ هو محمد بن أسلم الطوسي وأصحابه(1).
فمسخ المتخلفون(2) الذين جعلوا السواد الأعظم والحجة والجماعة هم الجمهور، وجعلوهم(3) عِيارًا على السنة، وجعلوا السنة بدعةً، والمعروف منكرًا، لقلة أهله وتفرُّدهم في الأعصار والأمصار، وقالوا: من شذَّ شذَّ الله به في النار. وما عرف المتخلفون أن الشاذَّ ما خالف الحق وإن كان عليه الناس كلهم إلا واحدًا منهم فهم الشاذُّون.
وقد شذَّ الناس كلهم زمنَ أحمد بن حنبل إلا نفرًا يسيرًا(4)؛ فكانوا هم الجماعة، وكانت القضاة حينئذٍ والمفتون والخليفة وأتباعه(5) كلهم هم الشاذُّون، وكان الإمام أحمد وحده هو الجماعة. ولما لم يَحْمِل هذا عقول الناس قالوا للخليفة: يا أمير المؤمنين أتكون أنت وقضاتك ووُلاتك والفقهاء والمفتون كلهم على الباطل وأحمد وحدَه على الحق؟ فلم يتَّسع علمه لذلك؛ فأخذه بالسياط والعقوبة بعد الحبس الطويل. فلا إله إلا الله، ما أشبهَ الليلةَ بالبارحة! وهي السبيل المَهْيَع لأهل السنة والجماعة حتى يَلْقَوا ربَّهم، مضى عليها سلفهم، وينتظرها خلفهم: {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا--------------------------------------------
(1) انظر: «حلية الأولياء» (9/ 239) و «السير» (12/ 197). والقائل إسحاق بن راهويه.
(2) كذا في النسخ. وفي المطبوع: «المختلفون».
(3) ك: «وجعلهم».
(4) ز: «نفر يسير».
(5) ز: «تباعه». وهو جمع تابعٍ على وزن فُعَّال. والأَتباع جمع تَبَع.
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 399)
عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا} [الأحزاب: 23] ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم(1).
المثال الحادي والستون(2): إذا وقعت الفرقة البائنة بين الزوجين لم تَجب لها عليه نفقة ولا سكنى بسنة(3) رسول الله صلى الله عليه وسلم الصحيحة الصريحة(4)، فإن خاف أن ترفعه إلى حاكم يرى وجوب ذلك عليه(5) فالحيلة أن يتغيَّب مدةَ العدة، فإذا رفعتْه بعد ذلك لم يحكم بها عليه؛ لأنها تسقط عنه(6) بمضيِّ الزمان، كما يقوله الأكثرون في نفقة القريب، وكما هو متفق عليه في نفقة العبد والحيوان البهيم. ولا كراهةَ في هذه الحيلة؛ لأنها وسيلة إلى إسقاط ما أسقطه الله ورسوله، بخلاف الحيلة على إسقاط ما أوجبه الله، فهذه لون وتلك لون.
فإن لم [132/أ] تُمكِنه الغَيبةُ وأمكنه أن يرفعها إلى حاكم يحكم بسقوط ذلك فعل. والحيلة في أن يتوصل إلى حكم الحاكم بذلك أن يُنشئ الطلاق أو يُقرّ به بحضرته، ثم يسأله الحكمَ بما يراه من سقوط النفقة والسكنى بهذه--------------------------------------------
(1) بعد الآية بياض في ز.
(2) كذا في ك: «المثال الحادي والستون». وهو تكرار للرقم السابق، ويستمر إلى ما بعد في النسختين، فلم نغيِّره. وفي ز هنا بياض.
(3) ك: «لسنة».
(4) يشير بذلك إلى قصة فاطمة بنت قيس، رواها البخاري (5321، 5322) ومسلم (1480).
(5) «عليه» ليست في ك.
(6) ك، ب: «عنده».
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 400)
الفرقة، مع علمه باختلاف العلماء في ذلك.
فإن بَدَرَتْه(1) إلى حاكمٍ يرى وجوبها فقد ضاقت عليه وجوه الحيل، ولم يبقَ له إلا حيلة واحدة، وهي دعواه أنها كانت بانتْ منه قبلَ ذلك بمدةٍ تزيد على انقضاء عدتها، وأنه نسي سببَ البينونة. وهذه الحيلة تدخل في قسم التوصُّل إلى الجائز بالمحظور، كما تقدم نظائره.
المثال الثاني والستون: اختلف الفقهاء في الضمان، هل هو تعدد لمحل الحق وقيامٌ للضمين(2) مقام المضمون عنه أو هو استيثاقٌ بمنزلة الرهن؟ على قولين، وهما روايتان عن مالك، يظهر أثرهما في مطالبة الضامن مع التمكُّن من مطالبة المضمون عنه. فمن قال بالقول الأول ــ وهم الجمهور ــ قالوا: لصاحب الحق مطالبةُ من شاء منهما على السواء. ومن قال بالقول الثاني قال: ليس له مطالبةُ الضامن إلا(3) إذا تعذَّر عليه(4) مطالبة المضمون عنه.
واحتجَّ هؤلاء بثلاث حُجج:
إحداها: أن الضامن فرع، والمضمون عنه أصل، وقاعدة الشريعة أن الفروع والأبدال لا يُصار إليها إلا عند تعذُّر الأصول، كالتراب في الطهارة، والصوم في كفارة اليمين، وشاهد الفرع مع شاهد الأصل. وقد اطَّرد هذا في ولاية النكاح واستحقاق الميراث، لا يلي فرعٌ مع أصله ولا يرِث معه.--------------------------------------------
(1) أي سبقتْه المرأة.
(2) ك، ب: «الضمين».
(3) «إلّا» ليست في ك.
(4) «عليه» ليست في ك.
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 401)
الحجة الثانية: أن الكفالة تَوثِقةٌ وحفظٌ للحق، فهي جارية مجرى الرهن، ولكن ذاك رهن عينٍ، وهي رهن ذمةٍ، أقامها الشارع مقامَ رهنِ الأعيان للحاجة إليها واستدعاء المصلحة لها، والرهن لا يُستوفى منه إلا مع تعذُّر الاستيفاء من الراهن، فكذا الضَّمين. ولهذا كثيرًا ما يقترن الرهن والضمين لتَواخِيهما وتَشابُههما وحصولِ الاستيثاق بكل منهما.
الحجة الثالثة: أن الضامن في الأصل لم يُوضع لتعدد محلِّ الحق كما لم يوضع لنقله، وإنما وُضع ليحفظ صاحب الحق حقه من التَّوَى والهلاك، ويكون له محلٌّ يرجع إليه عند تعذُّر الاستيفاء من محله الأصلي(1)، ولم يَنصِب الضامنُ نفسَه لأن يطالبه المضمونَ له مع وجود الأصيل ويَسْرَتِه والتمكُّن من مطالبته. والناس يستقبحون هذا، ويعدُّون فاعلَه متعديًا، ولا يعذرونه بالمطالبة، حتى إذا تعذَّر عليه مطالبة الأصيل عذروه بمطالبة الضامن وكانوا عونًا له عليه. وهذا أمرٌ مستقر في فِطر الناس ومعاملاتهم، بحيث لو طالب الضامن والمضمون عنه إلى جانبه والدراهم في كُمِّه(2) وهو متمكِّن من(3) مطالبته لاستقبحوا ذلك غايةَ الاستقباح.
وهذا القول في [132/ب] القوة كما ترى، وهو رواية ابن القاسم في الكتاب(4) عن مالك. ولا ينافي هذا قولَ النبي صلى الله عليه وسلم: «الزعيم غارمٌ»(5) فإنه لا--------------------------------------------
(1) ك، ب: «الأصل».
(2) ك: «كم».
(3) ك: «في».
(4) أي «المدونة» (5/ 262).
(5) رواه أحمد (22294) وأبو داود (3565) والترمذي (1265) وابن ماجه (2398) من طريق شرحبيل بن مسلم الخولاني، عن أبي أمامة الباهلي، وإسناده صحيح. حسنه الترمذي، وصححه ابن حبان (319) والبوصيري في «مصباح الزجاجة» (2/ 42). وانظر: «السلسلة الصحيحة» (610).
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 402)
عمومَ له، ولا يدلُّ على أنه غارم في جميع الأحوال، ولهذا لو أدَّى الأصيل لم يكن غارمًا، ولحديث أبي قتادة في ضمان دَين الميت لتعذُّر مطالبة الأصيل(1).
ولا يصح الاحتجاج بأن الضمان مشتقٌّ من «الضم»، فاقتضى لفظه ضمَّ إحدى الذمتين إلى الأخرى لوجهين:
أحدهما: أن الضمّ من المضاعف، والضمان من «الضمن»، فمادتهما مختلفة ومعناهما مختلف وإن تشابها لفظًا ومعنًى في بعض الأمور.
الثاني: أنه لو كان مشتقًّا من «الضم» فالضمُّ قدر مشترك بين ضمٍّ يطالب معه استقلالًا أو بدلًا، والأعمُّ لا يستلزم الأخصَّ.
وإذا عُرِف هذا فأراد الضامن الدخول على هذا، فالحيلة أن يعلِّق الضمان بالشرط فيقول: إن تَوِيَ(2) المال على الأصيل(3) فأنا ضامن له. ولا يمتنع تعليق الضمان بالشرط، وقد صرَّح القرآن بتعليقه بالشرط، وهو محضُ القياس؛ فإنه التزامٌ، فجاز تعليقه بالشرط كالنذر، والمؤمنون عند شروطهم--------------------------------------------
(1) رواه أحمد (22572، 22573، 22657) والترمذي (1069) والنسائي (1960) وابن ماجه (2407) عن أبي قتادة، وصححه الترمذي وابن حبان (3058). وروى البخاري (2289) عن سلمة بن الأكوع، وفيه: «قال أبو قتادة: صلِّ عليه يا رسول الله وعليَّ دَينه، فصلَّى عليه».
(2) أي ضاع وهلك.
(3) ز: «الأصل».
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 403)
إلا شرطًا أحلَّ حرامًا أو حرَّم حلالًا(1)، وهذا ليس واحدًا منهما، ومقاطعُ الحقوق عند الشروط.
فإن خاف من قاصرٍ في الفقه غيرِ راسخ في حقائقه فليقل: «ضمِنتُ لك هذا الدين عند تعذُّر استيفائه ممن هو عليه»، فهذا ضمان مخصوص بحالة مخصوصة فلا يجوز إلزامه(2) به في غيرها، كما لو ضمن الحال مؤجلًا أو ضمنه في مكان دون مكان.
فإن خاف من إفساد هذا أيضًا فليُشهِد عليه أنه لا يستحق المطالبة له به إلا عند تعذُّر مطالبة الأصيل، وأنه متى طالبه أو ادَّعى عليه به مع قدرته على الأصيل كانت دعواه باطلة، والله أعلم.
المثال الثالث والستون: قد تدعو الحاجة إلى أن يكون عقد الإجارة مبهمًا(3) غير معين، مثاله أن يقول له: إن ركبتَ هذه الدابة إلى أرض كذا فلك عشرة، وإن ركبتَها إلى أرض كذا فلك خمسة عشر. أو يقول: إن خِطْتَ هذا القميصَ اليوم فلك درهم، وإن خِطْتَه غدًا فنصف درهم، وإن زرعتَ هذه الأرضَ حنطةً فأجرتُها مائة، أو شعيرًا فأجرتُها خمسون، ونحو ذلك؛ فهذا كله جائز صحيح، لا يدلُّ على بطلانه كتاب(4) ولا سنة ولا إجماع ولا قياس، بل هذه الأدلة تقتضي صحته، وإن كان فيه نزاع متأخر.--------------------------------------------
(1) حديث تقدم تخريجه.
(2) ك: «التزامه».
(3) ك، ب: «منهما».
(4) ك: «الكتاب».
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 404)
فالثابت عن الصحابة الذي لا يُعلم عنهم فيه نزاعٌ جوازُه، كما ذكره البخاري في «صحيحه»(1) عن عمر أنه دفع أرضه إلى من يزرعها وقال: إن جاء عمر بالبَذْر من عنده فله كذا، وإن جاءوا بالبَذْر فلهم كذا. ولم يخالفه صحابي واحد، ولا محذورَ في ذلك ولا خطَرَ ولا غررَ، ولا أكلَ مالٍ [133/أ] بالباطل، ولا جهالةَ تعود إلى العمل ولا إلى العوض، فإنه لا يقع إلا معينًا، والخِيَرة إلى الأجير؛ أيَّ ذلك أحبَّ أن يستوفي فعلَ، فهو كما لو قال له: أيَّ ثوبٍ أخذتَه من هذه الثياب فثمنُه(2) كذا، أو أيَّ دابةٍ ركبتَها فأجرتُها كذا، أو أجرةُ هذه الفرس كذا(3) وأجرة هذا الحمار كذا، فأيَّهما شئتَ فخُذْه، أو ثمنُ هذا الثوب مائة وثمنُ هذا مائتان، ونحو ذلك مما ليس فيه غررٌ ولا جهالة ولا ربا ولا ظلم، فكيف تأتي الشريعة بتحريمه؟ وعلى هذا فلا يُحتاج إلى حيلة على فعله.
وكثير من المتأخرين من أتباع الأئمة يُبطِل هذا العقد، فالحيلة على جوازه أن يقول: استأجرتُك لتَخِيْطَه اليومَ بدرهم، فإن خِطته غدًا فلك أجرةُ مثله نصف درهم. وكذا يقول: آجرتُك هذه الدابةَ إلى أرض كذا بعشرة، فإن ركبتَها إلى أرض كذا وكذا فعليك أجرةُ مثلها كذا وكذا. فإن خاف أن يكون يده يدَ عدوانٍ ضامنة فليقل: فإذا انقضت المسافة الأولى فهي أمانة عندك. هذا عند من لم يصحح الإجارة المضافة، ومن صحّحها فالحيلة عنده أن يقول: فإذا قطعتَ هذه المسافة فقد آجرتُكها إلى مسافة كذا وكذا، فإذا--------------------------------------------
(1) (5/ 10 - مع الفتح).
(2) ك، ب: «قيمته».
(3) «فأجرتها … الفرس كذا» ساقطة من ك.
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 405)
انتهتْ آجرتُكها إلى مسافة كذا وكذا(1). فإن خشي المستأجر أن ينقضي شغله قبل ذلك فيبقى عقدُ الإجارة لازمًا له وقد فرغ شغله، فالحيلة أن يقول: إذا انقضت المسافة أو المدة فقد وكَّلتُك في إجارتها لمن شئتَ، فليُؤْجِرها لغيره ثم يستأجرها منه. فإن خاف أن لا تتم هذه الحيلة على أصلِ من لا يجوِّز تعليق الوكالة بالشرط فليوكِّله في الحال وكالةً غير معلقة، ثم يعلِّق تصرفَه بالشرط، فيقول: أنت وكيلي في إجارتها، فإذا انقضت المدة فقد أذنتُ لك في إجارتها(2).
وقال القاضي أبو يعلى في كتاب «إبطال الحيل»: إن احتال في إجازة هذا الشرط فقال: استأجِرْها إلى دمشق بكذا، ومن دمشق إلى الرملة بكذا، ومن الرملة إلى مصر بكذا، جاز؛ لأنه إذا سمَّى لكل من المسافتين أجرة معلومة فكل واحدة منهما كالمعقود عليه على حاله، فلا يمنع صحة العقد.
قلت: ولكن لا تنفعه هذه الحيلة إذا انقضى غرضه عند المسافة الأولى، ويبقى عقد الإجارة لازمًا له فيما وراءها، فيصير كما لو استأجرها إلى مصر فانقضى غرضه في الرملة، فما الذي أفاده تعدُّد العقود، فوجود هذه الحيلة وعدمها سواء، فالوجه ما ذكرناه، والله أعلم.
المثال الرابع والستون: يجوز بيع المَقَاثِئ(3) والباذنجان ونحوها بعد أن يبدو صلاحُها، كما تُباع الثمار في رؤوس الأشجار، ولا يمنع من صحة--------------------------------------------
(1) «وكذا» ليست في ك، ب.
(2) «فإذا انقضت … إجارتها» ساقطة من ك، ب.
(3) جمع المقْثأة: الأرض التي يُزرع فيها القثّاء وينبت. والمؤلف يقصد هنا المحاصيل الزراعية من القثاء ونحوه.
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 406)
البيع تلاحقُ المبيع شيئًا بعد شيء، كما لم يمنع ذلك صحةَ بيع التُّوت والتِّين وسائرِ ما يخرج شيئًا بعد شيء. هذا محض القياس، وعليه تقوم مصالح بني آدم، ولا بدّ [133/ب] لهم منه. ومن منع بيعَ ذلك إلا لقطةً لقطةً فمع أن ذلك متعذِّر في الغالب لا سبيلَ إليه، أو هو في غاية الحرج والعسر، فهو مجهول لا ينضبط، ولا ما هي اللقطة المبيعة أهي الكبار والصغار والمتوسط أو بعض ذلك؟ وتكون المَقْثَأَة كبيرةً جدًّا لا يمكن أخذُ اللقطة الواحدة إلا في أيام متعددة، فيحدث كل يوم لقطةٌ أخرى تختلط بالمبيع ولا يمكن تمييزها منه، ولا سبيلَ إلى الاحتراز من ذلك إلا أن يجمع دوابَّ المصرِ كلها في يوم واحد، ومَن أمكَنه من القطَّافين، ثم يقطع الجميع في يوم واحد ويعرِّضه للتلف والضياع. وحاشا أكمل الشرائع ــ بل غيرها من الشرائع ــ أن تأتي بمثل هذا. وإنما هذا من الأغلاط الواقعة بالاجتهاد، وأين حرَّم الله ورسوله على الأمة ما هم أحوجُ الناس إليه ثم أباح لهم نظيره؟ فإن كان هذا غررًا فبيع الثمار المتلاحقة الأجزاء غررٌ، وإن لم يكن ذلك غررًا فهذا مثله.
والصواب أن كليهما ليس غررًا لغةً ولا عرفًا ولا شرعًا؛ ودعوى أن ذلك غررٌ دعوى بلا برهان، فإن ادَّعى ذلك على اللغة طُولب بالنقل، ولن يجد إليه سبيلًا، وإن ادَّعى ذلك على العرف فالعرف شاهدٌ بخلافه، وأهل العرف لا يعدُّون ذلك غررًا، وإن ادَّعاه على الشرع طُولب بالدليل الشرعي.
فإن بُلِي بمن يقول: «هكذا في الكتاب، وهكذا قالوا» فالحيلة في الجواز أن يشتري ذلك بعُروقِه، فإذا استوفى ثمرته تصرَّف في العروق بما يريد. والمانعون يجوِّزون هذه الحيلة. ومن المعلوم أن العروق غير مقصودة، وإنما المقصود الثمرة، فإن امتنع البيع لأجل الغرر فالغرر لم يزل
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 407)
بملك العروق، وهذا في غاية الظهور، وبيع ذلك كبيع الثمار. وهو قول أهل المدينة، وأحد الوجهين في مذهب الإمام أحمد، اختاره شيخنا(1).
المثال الخامس والستون: تجوز قسمة الدَّين المشترك بميراث أو عقد أو(2) إتلافٍ، فينفرد كل من الشريكين بحصته، ويختصُّ بما قبضه، سواء كان في ذمة واحدة أو في ذمم متعددة؛ فإن الحق لهما، فيجوز أن يتفقا على قسمته وعلى بقائه مشتركًا، ولا محذورَ في ذلك. بل هذا أولى بالجواز من قسمة المنافع بالمهايأة بالزمان أو بالمكان، ولا سيما فإن المهايأة بالزمان تقتضي تقدُّمَ أحدهما على الآخر، وقد تُسلَّم المنفعة إلى نَوبة الشريك، وقد تَتْوى.
والدين في الذمة يقوم مقامَ العين، ولهذا تصحُّ المعاوضة عليه من الغريم وغيره، وتجب على صاحبه زكاته إذا تمكَّن من قبضه، ويجب عليه الإنفاق على أهله وولده ورقيقه منه، ولا يُعدُّ فقيرًا مُعدِمًا، فاقتسامه يجري مجرى اقتسام الأعيان والمنافع؛ فإذا رضي كل من الشريكين أن يختصَّ بما يخصُّه من الدين فينفرد هذا برجل يطالبه، [134/أ] وهذا برجل يطالبه، أو ينفرد هذا بالمطالبة بحصته، وهذا بالمطالبة بحصته، لم يَهدِمَا بذلك قاعدة من قواعد الشريعة، ولا استحلَّا ما حرَّم الله، ولا خالفا نصَّ كتابٍ ولا سنة ولا قولَ صاحب ولا قياسًا شهد له الشرع بالاعتبار، وغاية ما يقدَّر(3) عدم--------------------------------------------
(1) انظر: «مجموع الفتاوى» (20/ 547، 29/ 227، 484، 487).
(2) «أو» ليست في ز.
(3) ك، ب: «يصدر».
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 408)
تكافؤ الذمم، ووقوع التفاوت فيها، وأن(1) ما في الذمة لم يتعين فلا يُمكِن قسمته(2)، وهذا لا يمنع تراضيهما(3) بالقسمة مع التفاوت؛ فإن الحق لا يعدوهما. وعدمُ تعيُّن ما في الذمة لا يمنع القسمة فإنه يتعيَّن تقديرًا، ويكفي في إمكان(4) القسمة التعيين بوجهٍ؛ فهو معيَّن تقديرًا، ويتعيَّن بالقبض تحقيقًا.
وأما قول أبي الوفاء ابن عقيل: «لا تختلف الرواية عن أحمد في عدم جواز قسمة الدين في الذمة الواحدة، واختلفت الرواية عنه في جواز قسمته إذا كان في الذمتين، فعنه فيه روايتان» فليس كذلك، بل عنه في كلٍّ من الصورتين روايتان، وليس في أصوله ما يمنع جواز القسمة، كما ليس في أصول الشريعة ما يمنعها، وعلى هذا فلا يحتاج إلى حيلة على الجواز.
وأما من منع من القسمة فقد تشتدُّ الحاجة إليها، فيحتاج إلى التحيُّل عليها، فالحيلة أن يأذن لشريكه أن يقبض من الغريم ما يخصُّه، فإذا فعل لم يكن لشريكه محاصَّتُه(5) فيه بعد الإذن، على الصحيح من المذهب كما صرَّح به الأصحاب. وكذلك لو قبض حصته ثم استهلكها قبل المحاصَّة لم يضمن لشريكه شيئًا، وكان المقبوض من ضمانه خاصةً. وذلك أنه لما أذن لشريكه في قبض ما يخصُّه فقد أسقط حقَّه من المحاصَّة، فيختصُّ الشريك--------------------------------------------
(1) ك، ب: «ولأن».
(2) ك: «قسمه».
(3) ك: «راضيهما».
(4) ك: «انكار»، تحريف.
(5) في المطبوع: «أن يخاصمه»، خطأ.
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 409)
بالمقبوض. وأما إذا استهلك الشريك ما قبضه فإنه لا يضمن لشريكه حصته منه قبل المحاصة؛ لأنه لم يدخل في ملكه، ولم يتعين له بمجرد قبض الشريك له؛ ولهذا لو وفَّى شريكه نظيره لم يقل انتقل إلى القابض الأول ما كان ملكًا للشريك، فدلَّ على أنه إنما يصير ملكًا له بالمحاصَّة لا بمجرد قبض الشريك.
ومن الأصحاب من فرَّق بين كون الدين بعقد، وبين كونه بإتلافٍ أو إرثٍ، ووجهُ الفرق أنه إذا كان بعقد فكأنه عقد مع الشريكين، فلكل منهما أن يطالب بما يخصُّه، بخلاف دين الإرث والإتلاف، والله أعلم.
المثال السادس والستون: اختلف الفقهاء في جواز بيع المغيَّبات في الأرض من البصل والثوم والجَزَر واللِّفْت والفُجْل والقُلْقاس ونحوها، على قولين:
أحدهما: المنع من بيعه كذلك؛ لأنه مجهول غير مشاهد، والورق لا يدل على باطنه، بخلاف ظاهر الصُّبرة. وعند أصحاب هذا القول لا يُباع حتى يُقلع.
والقول الثاني: يجوز بيعه كذلك على ما جرت به عادة أصحاب الحقول. وهذا قول أهل المدينة، [134/ب] وهو أحد الوجهين في مذهب الإمام أحمد، اختاره شيخنا(1).
وهو الصواب المقطوع به، فإن في المنع من بيع ذلك حتى يُقلَع أعظمَ الضرر والحرج والمشقة، مع ما فيه من الفساد الذي لا تأتي به شريعة؛ فإنه--------------------------------------------
(1) انظر: «مجموع الفتاوى» (29/ 36 - 37، 227 - 228، 484 وما بعدها).
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 410)
إن قَلَعه(1) كله في وقت واحد تعرَّض للتلف والفساد. وإن قيل: «كلما أردتَ بيع شيء منه فاقلَعْه» كان فيه من الحرج والعسر ما هو معلوم، وإن قيل: «اتركْه في الأرض حتى(2) يفسد، ولا تَبِعْه فيها» فهذا لا(3) تأتي به شريعة. وبالجملة فالمُفتون بهذا القول لو بُلُوا بذلك في حقولهم أو ما هو وقفٌ عليهم ونحو ذلك= لم يُمكِنهم إلا بيعُه في الأرض ولا بدَّ، أو إتلافُه وعدم الانتفاع به.
وقول القائل: «إن هذا غَررٌ ومجهول» فهذا ليس حظَّ الفقيه، ولا هو من(4) شأنه، وإنما هذا من شأن أهل الخبرة بذلك، فإن عدُّوه قِمارًا أو غررًا فهم أعلم بذلك. وإنما حظ الفقيه: يحلُّ كذا لأن الله أباحه، ويحرُم كذا لأن الله حرَّمه، وقال الله وقال رسوله، وقال الصحابة. وأما أن هذا يرى هذا خطرًا وقمارًا وغررًا(5) فليس من شأنه، بل أربابه أخبرُ بهذا منه، والمرجع إليهم فيه، كما يُرجَع إليهم في كون هذا الوصف عيبًا(6) أم لا، وكونِ هذا البيع مُربِحًا أم لا، وكونِ هذه السلعة نافقةً في(7) وقت كذا وبلد كذا، ونحو ذلك من الأوصاف الحسية والأمور العرفية، فالفقهاء بالنسبة إليهم فيها مثلُهم--------------------------------------------
(1) ك: «علقه»، تحريف.
(2) «حتى» ليست في ك.
(3) «لا» ساقطة من ك.
(4) «من» ليست في ك.
(5) ك: «غررًا وقمارًا».
(6) في النسخ: «عيب» مرفوعًا.
(7) «في» ليست في ك.
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 411)
بالنسبة إلى باقي(1) الأحكام الشرعية.
فإن بُلِيتَ بمن يقول: «هكذا في الكتاب، وهكذا قالوا»، فالحيلة في الجواز أن يستأجر منه الأرضَ المشغولة بذلك مدة يعلم فراغه منها، ويقرُّ له إقرارًا مشهودًا به أن ما في باطن الأرض له لا حقَّ للمُؤجِر فيه. ولكن عكس هذه الحيلة لو أصابته آفة لم يتمكَّن من وضع الجائحة عنه، بخلاف ما إذا اشتراه بعد بدوِّ صلاحه، فإنه كالثمرة على رؤوس الشجر، إن أصابته آفة وضعتْ عنه الجائحة. وهذا هو الصواب في المسألتين: جواز بيعه، ووضع الجوائح فيه، والله أعلم.
المثال السابع والستون: اختلفت الفقهاء في جواز البيع بما ينقطع به السعر من غير تقدير الثمن وقتَ العقد(2)، وصورتها: البيع ممن يعامله من خبَّاز ولحَّام وسمَّان وغيرهم، يأخذ منه كلَّ يوم شيئًا معلومًا ثم يحاسبه عند رأس الشهر أو السنة على الجميع، ويعطيه ثمنه؛ فمنعه الأكثرون، وجعلوا القبضَ به غيرَ ناقلٍ بذلك(3)، وهو قبض فاسد يجري مجرى المقبوض بالغصب؛ لأنه مقبوض بعقد فاسد.
هذا، وكلُّهم ــ إلا من شدَّد على نفسه ــ يفعل ذلك، ولا يجد منه بدًّا، وهو يفتي ببطلانه، وأنه باقٍ على ملكِ الدافع(4)، ولا يُمكِنه التخلُّص من ذلك إلا بمساومته له عند كل حاجة يأخذها قلَّ ثمنها أو كثُر، وإن كان ممن--------------------------------------------
(1) في المطبوع: «ما في»، تحريف. ك: «إلى مثلها في».
(2) ك: «وقت بيع العقد».
(3) في المطبوع: «للملك» خلاف ما في النسخ.
(4) في المطبوع: «البائع».
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 412)
شرطَ الإيجاب [135/أ] والقبول؛ فلا بدَّ مع المساومة أن يقرِن(1) بها الإيجاب والقبول لفظًا.
والقول الثاني ــ وهو الصواب المقطوع به، وهو عمل الناس في كل عصرٍ ومصرٍ ــ جواز البيع بما ينقطع به السعر، وهو منصوص الإمام أحمد، واختاره شيخنا(2). وسمعته يقول: هو أطيبُ لقلب المشتري من المساومة، يقول: لي أسوةٌ بالناس آخذُ بما يأخذ به غيري.
قال: والذين يمنعون من ذلك لا يمكنهم تركُه، بل هم واقعون فيه، وليس في كتاب الله ولا سنة رسوله ولا إجماعِ الأمة ولا قولِ صاحب ولا قياسٍ صحيح ما يحرِّمه، وقد أجمعت الأمة على صحة النكاح بمهر المثل، وأكثرهم يجوِّز عقدَ الإجارة بأجرة المثل، كالطبَّاخ(3) والغَسّال والخبّاز والملّاح وقيِّم الحمَّام والمُكارِي، والبيع بثمن المثل كبيع ماء الحمّام؛ فغاية البيع بالسعر أن يكون بيعًا بثمن المثل؛ فيجوز كما تجوز المعاوضة بعوض المثل في هذه الصورة وغيرها؛ فهذا هو القياس الصحيح، ولا تقوم مصالح الناس إلا به.
فإن بُلِيتَ بالقائل: «هكذا في الكتاب، وهكذا قالوا»، فالحيلة في الجواز(4) أن يأخذ ذلك قرضًا في ذمته؛ فيجب للدافع عليه مثله، ثم يعاوضه عليه بثمن معلوم؛ فإنه بيعٌ للدَّين من الغريم وهو جائز.--------------------------------------------
(1) ك: «يقرب»، تحريف.
(2) انظر: «مجموع الفتاوى» (29/ 231 - 233، 34/ 127).
(3) في النسخ: «كالنكاح»، تحريف. وانظر: «بدائع الفوائد» (4/ 1365، 1424).
(4) ك: «في جواز».
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 413)
ولكن في هذه الحيلة آفة، وهو أنه قد يرتفع السعر فيطالبه بالمثل فيتضرَّر الآخذ، وقد ينخفض فيعطيه المثلَ فيتضرَّر الأول؛ فالطريق الشرعية التي لم يحرِّمها الله ورسوله أولى بهما، والله أعلم.
المثال الثامن والستون: إذا كان له عليه دَينٌ، وله وقفٌ من غلَّة دار أو بستان، فوكَّل صاحبَ الدين أن يستوفي ذلك من دينه جاز؛ فإن خاف أن يحتال عليه ويعزِله عن الوكالة؛ فليجعلها حوالةً على من في ذمته عوض ذلك المُغَلّ. فإن لم يكن قد آجرَ الدار أو الأرض لأحدٍ؛ فالحيلة أن يستأجرها منه صاحب الدَّين بعوضٍ في ذمته، ثم يقاصّه بدينه من ذلك العوض. فإن أراد أن يكون هو وكيله في استيفاء دينه من تلك المنافع لا بطريق الإجارة، ولا بطريق الحوالة، بل بطريق الوكالة في قبض ما يصير إليه من غلَّة ذلك الوقف، وخاف عزْلَه(1)؛ فالحيلة أن يأخذ إقراره أن الواقف شرطَ أن يقضي ما عليه من الدين أولًا، ثم يصرف إليه بعد الدين كذا وكذا، وأنه وجب لفلانٍ ــ وهو الغريم ــ عليه من الدين كذا وكذا، وأنه يستحقُّه من مُغلِّ هذا الوقف مقدمًا به على سائر مصارف الوقف، وأنه لا ينتقل إلى(2) الموقوف شيء قبل قضاء الدين، وأن ولاية أمر هذا الوقف إلى فلان حتى يستوفي دينه؛ فإذا استوفاه فلا ولايةَ له عليه، وإن حكم حاكم بذلك كان أوفق(3).--------------------------------------------
(1) ز: «عزله له».
(2) في المطبوع: «من».
(3) ك: «أوثق».
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 414)
المثال التاسع والستون: إذا كان له عليه دَين فقال: «إن متَّ قبلي فأنت في حلٍّ، وإن متُّ قبلك [135/ب] فأنت في حلٍّ» صح وبرئ في الصورتين؛ فإن إحداهما وصية، والأخرى إبراء معلَّق بالشرط، ويصح تعليق الإبراء بالشرط لأنه إسقاط، كما يصح تعليق العتق والطلاق، وقد نصَّ(1) الإمام أحمد في الإحلال من العِرض والمال مثله.
وقال أصحابنا وأصحاب الشافعي: إذا قال: «إن متُّ قبلك فأنت في حلٍّ» هو إبراء صحيح؛ لأنه وصية، وإن قال: «إن متَّ قبلي فأنت في حلٍّ» لم يصح؛ لأنه تعليقٌ للإبراء بالشرط. ولم يُقيموا شبهةً فضلًا عن دليل صحيح على امتناع تعليق الإبراء بالشرط، ولا يدفعه نصٌّ ولا قياس ولا قول صاحب؛ فالصواب صحة الإبراء في الموضعين؛ وعلى هذا فلا يحتاج إلى حيلة.
فإن بُلِي بمن يقول: «هكذا في الكتاب، وهكذا قالوا»، فالحيلة أن يُشهِد عليه أنه لا يستحقُّ عليه شيئًا(2) بعد موته من هذا الدين، ولا في تركته، وإن شاء كتب الفصلين في سجلٍّ واحد، وضمنه الوصية له به إن مات ربُّ الدين، وإن مات المدين فلا حقَّ له به قبله، فيصح حينئذٍ مستندًا إلى ظاهر الإقرار، وهو إبراء في المعنى.
المثال السبعون: لو غلِطَ المضارب أو الشريك وقال: «ربحتُ ألفًا» ثم أراد الرجوع لم يُقبل منه؛ لأنه إنكار بعد إقرار. ولو أقام بينةً على الغلط--------------------------------------------
(1) ز: «نص عليه».
(2) ز: «شيء».
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 415)
فالصحيح أنها تُقبل، وقيل: لا تُقبل لأنه مكذِّب لها؛ فالحيلة في استدراكه ما غلِطَ فيه بحيث تُقبل منه أن يقول: خسرتُها بعد أن ربحتُها، فالقول قوله في ذلك، ولا يلزمه الألف. وهكذا الحيلة في استدراك كل أمينٍ لظُلامتِه، كالمودع إذا ردَّ الوديعة التي دُفِعت إليه ببينة، ولم يشهد على ردِّها، فهل يُقبل قوله في الردّ؟ فيه قولان هما روايتان عن الإمام أحمد. فإذا خاف أن لا يُقبل قوله فالحيلة في تخلُّصه أن يدَّعي تلَفَها من غير تفريط، فإن حلَّفه على ذلك فليحلِف مورِّيًا متأوِّلًا أن تلَفَها من عنده خروجها من تحت يده، ونظائر ذلك، والله أعلم.
المثال الحادي والسبعون: إن استغرقت الديون مالَه لم يصحَّ تبرُّعُه بما يُضِرُّ بأرباب الديون، سواء حَجَرَ عليه الحاكم أو لم يحجُرْ عليه. هذا مذهب مالك، واختيار شيخنا(1)، وعند الثلاثة يصحُّ تصرفه في ماله قبل الحجر بأنواع التصرف.
والصحيح هو القول الأول، وهو الذي لا يليق بأصول المذهب غيره، بل هو(2) مقتضى أصول الشرع وقواعده؛ لأن حق الغرماء قد تعلَّق بماله؛ ولهذا يحجُر عليه الحاكم، ولولا تعلُّق حق الغرماء بماله لم يَسَعِ الحاكمَ الحجرُ عليه، فصار كالمريض مرضَ الموت؛ لما تعلَّق حق الورثة بماله منعه الشارع من التبرُّع بما زاد على الثلث، فإن في تمكينه من التبرُّع بماله إبطال حقّ الورثة منه، وفي تمكين هذا [136/أ] المِدْيان(3) من التبرع إبطال حقوق--------------------------------------------
(1) انظر: «الاختيارات» للبعلي (ص 202).
(2) «هو» ليست في ك.
(3) ك: «الديان»، تحريف. والمديان: من يُقرِض أو يقترض كثيرًا.
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 416)
الغرماء، والشريعة لا تأتي بمثل هذا؛ فإنها إنما جاءت بحفظ(1) حقوق أرباب الحقوق بكل طريق، وسدِّ الطرق المُفضِية إلى إضاعتها، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «مَن أخذَ أموالَ الناس يريد أداءها أدَّاها الله عنه، ومن أخذَها يريدُ إتلافَها أتلَفَه الله»(2).
ولا ريبَ أن هذا التبرع إتلافٌ لها، فكيف ينفُذُ تبرعُ مَن(3) دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم على فاعله؟
وسمعتُ شيخ الإسلام ابن تيمية يحكي عن بعض علماء عصره من أصحاب أحمد أنه كان يُنكِر هذا المذهب ويضعِّفه. قال: إلى أن بُلِيَ بغريمٍ تبرَّع قبل(4) الحجر عليه، فقال: والله مذهب مالك هو الحق في هذه المسألة. وتبويب البخاري وترجمته واستدلاله يدلُّ على اختياره هذا المذهبَ، فإنه قال في باب من ردَّ أمر السفيه والضعيف وإن لم يكن حجَرَ عليه الإمام(5): ويُذكر عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم ردَّ على المتصدِّق قبل النهي ثم نهاه(6).--------------------------------------------
(1) ك: «بحفض».
(2) رواه البخاري (2387) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(3) «من» ليست في ك، ب.
(4) «قبل» ليست في ك.
(5) (5/ 71 - مع الفتح).
(6) رواه الدارمي (1700) وأبو داود (1673) وأبو يعلى (2084، 2220) وابن خزيمة (2441) وابن حبان (3372) عن جابر، وفيه عنعنة ابن إسحاق، ضعفه بها النووي في «المجموع» (6/ 236) وابن الملقن في «البدر المنير» (7/ 415) والألباني في «الإرواء» (898).
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 417)