Arabic source text

📘 উজুহু ইজাজিল কুরআনিল আযীম (খালিদ নাওয়াফ আশ-শুহা)

📘 وجوه إعجاز القرآن العظيم (خالد نواف الشوحة)

📘 উজুহু ইজাজিল কুরআনিল আযীম (খালিদ নাওয়াফ আশ-শুহা)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
الشعراء والخطباء والبلغاء، والدهاة والحلماء، وأصحاب الرأي والمكيدة، والتجارب والنظر في العاقبة: إن عارضتموني بسورة واحدة فقد كذبت في دعواي، وصدقتم في تكذيبي.
ولا يجوز أن يكون مثل العرب في كثرة عددهم واختلاف عللهم، والكلام كلامهم، وهو سيد علمهم، فقد فاض بيانهم، وجاشت به صدورهم، وغلبتهم قوتهم عليه عند أنفسهم، حتى قالوا في الحيات والعقارب، والذباب والكلاب، والخنافس والجعلان، والحمير والحمام، وكل ما دب ودرج، ولاح لعين، وخطر على قلب. ولهم بعد أصناف النظم، وضروب التأليف، كالقصيد، والرجز، والمزدوج، والمجانس، والأسجاع، والمنثور. وبعد، فقد هجوه من كل جانب، وهاجى أصحابه شعراءهم، ونازعوا خطباءهم، وحاجوه في المواقف، وخاصموه في المواسم، وبادوه العداوة، وناصبوه الحرب، فقتل منهم، وقتلوا منه، وهم أثبت الناس حقداً، وأبعدهم مطلباً، وأذكرهم لخير أو لشر، وأنفاهم له، وأهجاهم بالعجز، وأمدحهم بالقوة، ثم لا يعارضه معارض، ولم يتكلف ذلك خطيب ولا شاعر)(1).
ب- قوله: (وفي كتابنا الذي يدلنا على أنه صدقٌ نظمُه البديع الذي لا يقدر على مثله العباد، مع ما سوى ذلك من الدلائل التي جاء بها)(2).--------------------------------------------
(1) رسائل الجاحظ، ج 3، ص 274.
(2) الحيوان، الجاحظ، ج 4، ص 305.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 67)

ثانياً: ابن قتيبة (ت 276 هـ) حيث صرح في كتابه «تأويل مشكل القرآن» بأن الله تعالى أبان القرآن الكريم بعجيب النظم، بعد أن أشار لمسألة الإعجاز، يقول رحمه الله: (الحمد لله الذي نهج لنا سبل الرشاد، وهدانا بنور الكتاب، ولم يجعل له عوجا، بل نزله قيما مفصلا بينا لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، وشرفه، وكرمه، ورفعه وعظمه، وسماه روحا ورحمة، وشفاء وهدى، ونورا. وقطع منه بمعجز التأليف أطماع الكائدين، وأبانه بعجيب النظم عن حيل المتكلفين، وجعله متلوا لا يمل على طول التلاوة، ومسموعا لا تمجه الآذان، وغضا لا يخلق على كثرة الرد، وعجيبا. لا تنقضي عجائبه، ومفيدا لا تنقطع فوائده، ونسخ به سالف الكتب. وجمع الكثير من معانيه في القليل من لفظه)(1).
ثالثاً: الرماني (ت 386 هـ) في رسالته: «النكت في إعجاز القرآن»(2).
رابعاً: أبو سليمان حمد بن إبراهيم الخطابي (ت 388 هـ) في رسالته: بيان إعجاز القرآن حيث يقول: (واعلم أن القرآن إنما صار معجزا لأنه جاء بأفصح الألفاظ في أحسن نظوم التأليف مضمنا أصح المعاني، من توحيد له عزت قدرته، وتنزيه له في صفاته، ودعاء إلى طاعته، وبيان بمنهاج عبادته؛ من تحليل وتحريم، وحظر وإباحة، ومن وعظ وتقويم وأمر بمعروف ونهي عن منكر، وإرشاد إلى محاسن الأخلاق، وزجر عن مساوئها، واضعا كل شيء منها موضعه الذي لا يرى شيء أولى منه، ولا يرى في صورة--------------------------------------------
(1) تأويل مشكل القرآن، ابن قتيبة، ص 11.
(2) مطبوعة ضمن: (ثلاث رسائل في الإعجاز)، بتحقيق: محمد خلق الله، ومحمد زغلول سلام، دار المعارف، مصر، وسيأتي الكلام على هذه المسألة بإذن الله تعالى.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 68)

العقل أمر أليق منه، مودعا أخبار القرون الماضية وما نزل من مثلات الله بمن عصى وعاند منهم، منبئا عن الكوائن المستقبلة في الأعصار الباقية من الزمان، جامعا في ذلك بين الحجة والمحتج له، والدليل والمدلول عليه، ليكون ذلك أوكد للزوم ما دعا إليه، وإنباء عن وجوب ما أمر به، ونهى. ومعلوم أن الإتيان بمثل هذه الأمور، والجمع بين شتاتها حتى تنتظم وتتسق - أمرٌ تعجز عنه قوى البشر، ولا تبلغه قُدَرُهم، فانقطع الخَلق دونه، وعجزوا عن معارضته)(1).
خامساً: أبو بكر محمد بن الطيب الباقلاني (403)
يقول: (وفي ذلك معنى ثالث: وهو أن عجيب نظمه، وبديع تأليفه لا يتفاوت ولا يتباين، على ما يتصرف إليه من الوجوه التي يتصرف فيها: من ذكر قصص ومواعظ واحتجاج، وحكم وأحكام، وإعذار وإنذار، ووعد ووعيد، وتبشير وتخويف، وأوصاف، وتعليم أخلاق كريمة، وشيم رفيعة، وسير مأثورة. وغير ذلك من الوجوه التي يشتمل عليها. ونجد كلام البليغ الكامل، والشاعر المفلق، والخطيب المصقع - يختلف على حسب اختلاف هذه الأمور. فمن الشعراء من يجود في المدح دون الهجو. ومنهم من يبرز في الهجو دون المدح. ومنهم من يسبق في التقريظ دون التأبين. ومنهم من يجود في التأبين دون التقريظ)(2).--------------------------------------------
(1) بيان إعجاز القرآن، الخطابي، ص 28. وانظر مقالاً في الموضوع لمحمد بن سعد الدبل بعنوان: (عبد القاهر الجرجاني ورأيه في الإعجاز بالنظم) فقد جمع كثيرا من النصوص التي تخبر بتقدم فكرة النظم على عبد القاهر.
(2) إعجاز القرآن، الباقلاني، ص 36.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 69)

ويقول في موطن آخر: (ولا بد لمن جوز السجع في القرآن وسلك ما سلكوه، من أن يسلم ما ذهب إليه النظام وعباد وهشام، ويذهب مذهبهم في أنه ليس في نظم القرآن وتأليفه إعجاز، وأنه يمكن معارضته، وإنما صرفوا عنه ضربا من الصرف! ويتضمن كلامه تسليم الخبط في طريقة النظم، وأنه منتظم من فرق شتى، ومن أنواع مختلفة، ينقسم إليها خطابهم ولا يخرج عنها! ويستهين ببديع نظمه، وعجيب تأليفه الذي وقع التحدي إليه!! وهذه إلزامات عجيبة لا تلزم المثبتين للسجع في القرآن بحال من الأحوال، لأنهم يرون أن السجع الرائع مظهر من مظاهر الاقتدار على البلاغة، والامتلاك لزمام الفصاحة، وأن السجع الكثير في القرآن قد جاء في أرفع صور البيان، وباين كل أسجاع الساجعين، كما يؤمنون بأن سر إعجاز القرآن نظمه البديع، وبلاغته الرائعة المجاوزة لجميع بلاغات العرب)(1).
ويقول أيضا: (وأي لفظ يدرك هذا المضمار؟ وأي حكيم يهتدي إلى ما لهذا من الغور، وأي فصيح يهتدي إلى هذا النظم؟ ثم استقرئ الآية إلى آخرها، واعتبر كلماتها، وراعِ بعدها قوله -تعالى-: {الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (17)} [غافر: 17](2).
سادساً: القاضي عبد الجبار الهمذاني المعتزلي في كتابه المغني: حيث يرى: (أن القرآن الكريم جاء بطريقة فذة في النظم والتأليف، مختصة برتبة في الفصاحة معجزة، وأنه--------------------------------------------
(1) إعجاز القرآن، الباقلاني، ص 66 - 77.
(2) إعجاز القرآن، الباقلاني، ص 199.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 70)

باعتبار الأمرين: الطريقة الفذة في النظم، والاختصاص برتبة الفصاحة - يكون الإعجاز)(1).

‌‌الفرع الخامس الفرق بين توخي النحو، وتوخي معاني النحو
ومما يحسن ذكره في هذا المقام بيان الفرق بين توخي النحو، وتوخي معاني النحو، فنظرية عبد القاهر كلها قائمة على توخي معاني النحو(2)، وأختصر ما ذكره الباحثون في هذا الشأن بما يأتي:
1) إن النحو مستطاع لكل أحد، فضبط الكلام أمر يسير إذا عولج بالتعليم والتدريب والمدارسة.
2) لا فرق بين القرآن الكريم ولسان العرب في الإعراب، فالفاعل مرفوع، والمفعول به منصوب، والمضاف إليه مجرور في القرآن الكريم وفي لسان العرب.
3) توخي النحو هو تغيير أواخر الكلم حسب نظرية العامل والمعمول، فترفع الفاعل وتنصب المفعول به وتجر المسبوق بحرف جر، ولكن النظم أن تعرف كيف تضع--------------------------------------------
(1) المغني في أبواب التوحيد والعدل، القاضي عبد الجبار، ص 316.
(2) كما أشار إلى ذلك عدد كثير من الباحثين في نظرية النظم. انظر: الإعجاز عند الجرجاني، عثمان سنغاري، وانظر ما كتبه الدكتور درويش الجندي في (نظرية عبد القاهر في النظم). والدكتور أحمد بدوي في (عبد القاهر الجرجاني وجهوده في البلاغة العربية).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 71)

الفاعل في الجملة وأن تعرف كيف تصوغه وأن تختار له مكانا في الجملة يحاكي مرادك والمعنى الذي زورته في نفسك، تقديماً وتأخيراً، وتعريفاً وتنكيراً، وفصلاً ووصلاً، وتأكيداً وعدم تأكيد، مراعاة لمراد المخاطب ولحال المخاطب.
4) أما من حيث الترتيب؛ فتوخي النحو مرحلة سابقة عن مرحلة توخي معانيه ومتقدمة عليه.
5) مع أن مصطلح توخي معاني النحو أكثر إبراقاً ولمعاناً من توخي النحو في الظاهر؛ إلا أن توخي النحو أصل لنظرية توخي معاني النحو لا تقوم إلا بها وعليها.
وبهذا يظهر لنا أن توخي معاني النحو ليس هو توخي النحو. وأن بينهما من الفروق ما يجعلنا نتفهم أكثر نظرية عبد القاهر، وسوف نفيد من هذه الفروق ومما سبقها من كلام في فهم مرادات العلماء والباحثين الذين عرضوا لمصطلح (النظم)، وعندها نستطيع التفريق بين كلامهم وكلام عبد القاهر في هذ الشأن.
ومما يحسن التنبيه عليه -في هذا المقام- ما رأيته من تفضيل بعض الباحثين والكُتّاب صنعة البلاغة على صنعة النحو، باعتبار أن البلاغيين يغوصون في أعماق الألفاظ ليستخرجوا منها درر المعاني وجواهرها، وأما النحويون فليسوا كذلك.
وأقول: إن هذا الكلام غير صحيح، فأهل النحو لا يقارنون بالبلاغيين؛ لسبب يسير هو أن صنعة هؤلاء تختلف عن صنعة أولئك من حيث المادة، وما هو مطلوب من النحويين ليس مطلوباً من البلاغيين، والعكس صحيح.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 72)

وأما عدم ذكر النحويين لدرر المعاني وفرائد المباني؛ فهو ادعاء غير صحيح، والناظر في كتب النحويين يجد أنهم طرفان في ذكر اللطائف البلاغية والنكات البيانية، فمنهم من كان يذكرها -كثرة أو قلة- ومنهم من لا يذكرها، والسبب أن هذا القضية ليست من مهام بحثهم ولا من واجبات درسهم، ولذلك أعرضوا عنها، ليس عجزاً منهم ولا قصوراً ولا جهلاً، بل هم العلماء الذين لو طلب من أحدهم أن يتكلم في البلاغة لكان من البراعة في مكان عال وشأن رفيع. وما منعه من ذلك إلا التزامه بتحقيق هدفه الذي من أجله كتب وألف وحقق ودقق.
ولذلك فإني لست مع من يمتدح البلاغيين على حساب النحويين، ولست -أيضا- مع من يتهمهم بالقصور عن فهم المعنى الدقيق للآيات، تصريحاً أو تلميحاً، فلكل فنّه ودرسه، ولكلّ وجهة هو موليها.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 73)

‌‌المطلب الثاني الإعجاز عند الرافعي
‌‌الفرع الأول الإمام الرافعي وكتابه «إعجاز القرآن والبلاغة النبوية»
هو مصطفى صادق الرافعي، أصله من طرابلس الشام، ومولده في مصر عام 1298 هـ، وأصيب بصمم. أديب عالم ناقد وصاحب نثر من الطبقة الرفيعة، له مؤلفات كثيرة أشهرها: «وحي القلم»، «تاريخ آداب العرب»، «إعجاز القرآن والبلاغة النبوية»، «تحت راية القرآن»، وغيرها، توفي سنة (1356).
من نافلة المعلوم في الدراسات القرآنية القول بأن كتاب «إعجاز القرآن والبلاغة النبوية» من أشهر ما خطت الأيدي في الإعجاز في القرن الحاضر، بالإضافة إلى كتاباته المنثورة هنا وهناك، وإنه من المعلوم أيضاً أن الرافعي قد تأثر كثيرا بالواقع الأدبي الذي عاش فيه، وخاصة تلك المناكفات الأدبية التي أخذت حيزا كبيرا من فكر الرافعي وجهده في الدرسين الأدبي والإعجازي إن صح التعبير. أضف إلى ذلك تلكم الصفات النفسية والشخصية التي اتصف بها الرافعي فكان أسلوبه في كتاباته محاكاة لتلك الصفات ودليلا عليها.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 74)

وحتى لا يطول الكلام، ألخص ما كتبه الرافعي حول قضية إعجاز القرآن الكريم في النقاط الموجزة الآتية:
1) لم تكن قضية الإعجاز محصورة في كتابه إعجاز القرآن والبلاغة النبوية فحسب، وإنما تناثرت جماناتها في مجموعة من كتبه، ومنها: أسرار الإعجاز، ووحي القلم.
2) المطلع على كتب الرافعي وحياته يستلهم شيئاً من كوامن التعالق بين حياته ومؤلفاته، ويدرك ذلكم النمط الرتيب في منهجية نسقه، وقد ظهرت هذه الرتابة في كتابه إعجاز القرآن مثالاً حياً تطبيقياً.
3) بدأ الرافعي كتابه بمقدمات واضحات حول تاريخ القرآن الكريم وتدوينه وقراءاته، كما ذكر في كتابه: (حتى تكون هذه سبباً إلى الكلام في لغته وبلاغته، ثم إعجازه في اللغة والبلاغة)(1).
4) لم يكن عدد الأمثلة التطبيقية بالكثرة المتوقعة من مثل إمام جهبذ كالرافعي، والسبب في ذلك أنه أراد أن يكون كتابه هذا نظرياً مؤسساً للفكرة التي يريد أن يقررها، مؤجلاً ذلك إلى مكان آخر، أو زمان آخر.
ورأيي أن هذا يحسب على الرافعي لا له، فإن الطعن في الأمثلة التي ذكرها سبيل إلى الطعن في نظريته، ولو أنه أكثر الأمثلة، وسلم منها ما سلم تطبيقاً على تأصيله، لكان في ذلك نوع من الدليل على صحة نظريته، حتى لو لم تسلم الأدلة الأخرى، وسأبين هذا لاحقاً بإذن الله تعالى.--------------------------------------------
(1) إعجاز القرآن والبلاغة النبوية، الرافعي، ص 25.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 75)

5) لم يكن الرافعي مقلداً بالمعنى الحرفي الذي يفهم من لفظ التقليد، بل كان يصدر عن فكر ثاقب خاص بفهمه ووعيه وتبحره في العلوم عامة وفي علوم اللغة خاصة.

‌‌الفرع الثاني الإعجاز عند الرافعي
قبل أن أفصّل في نظرية الإعجاز عند الرافعي أحب أن أذكر شيئا من كلامه نصاً(1) حتى يتعرف القارئ على شيء من منهجيته بنفسه قبل الخوض في التحقيق والتقرير والتدقيق.
يقول الرافعي-رحمه الله: (أما الذي عندنا في وجه إعجاز القرآن، وما حققناه بعد البحث، وانتهينا إليه بالتأمل وتصفح الآراء وإطالة الفكر وإنضاج الروية، وما استخرجناه من القرآن نفسه في نظمه ووجه تركيبه واطراد أسلوبه؛ ثم ما تعاطيناه لذلك من التنظير والمقابلة، واكتناه الروح التاريخية في أوضاع الإنسان وآثاره، وما نتج لنا من تتبع كلام البلغاء في الأغراض التي يقصد إليها، والجهات التي يعمل عليها، وفي رد وجوه البلاغة إلى أسرار الوضع اللغوي التي مرجعها إلى الإبانة عن حياة المعنى بتركيب حي من الألفاظ، يطابق سنن الحياة في دقة التأليف وإحكام الوضع وجمال التصوير وشدة الملاءمة، حتى يكون أصغر شيء فيه كأكبر شيء فيه - نقول إن الذي ظهر لنا بعد كل ذلك واستقر معنا، أن القرآن معجز بالمعنى الذي يفهم من لفظ الإعجاز على إطلاقه،--------------------------------------------
(1) وهذا دأب كثير ممن كتب عن الرافعي؛ إخراجاً للنفس من دائرة الشك أو الوهم أو التوهيم.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 76)

حين ينفى الإمكان بالعجز عن غير الممكن، فهو أمر لا تبلغ منه الفطرة الإنسانية مبلغا وليس إلى ذلك مأتى ولا جهة؛ وإنما هو أثر كغيره من الآثار الإلهية، يشاركها في إعجاز الصنعة وهيئة الوضع، وينفرد عنها بأن له مادة من الألفاظ كأنها مفرغة إفراغا من ذوب تلك المواد كلها. وما نظنه إلا الصورة الروحية للإنسان، إذا كان الإنسان في تركيبه هو الصورة الروحية للعالم كله. فالقرآن معجز في تاريخه دون سائر الكتب، ومعجز في أثره الإنساني؛ ومعجز كذلك في حقائقه؛ وهذه وجوه عامة لا تخالف الفطرة الإنسانية في شيء؛ فهي باقية ما بقيت، وقد أشرنا إليها في بعض الفصول المتقدمة؛ على أنها ليست من غرضنا في هذا الباب وإنما مذهبنا بيان إعجازه في نفسه من حيث هو كلام عربي. لأننا إنما نكتب في هذه الجهة من تاريخ الأدب دون جهة التأويل والتفسير)(1).
قلت: يظهر لنا من هذا النقل أمور كثيرة:
أولاً: يرى الرافعي أن وجوه إعجاز القرآن الكريم كثيرة، فكل ما يصلح أن يكون القرآن معجزاً فيه فهو فيه معجز.
ثانياً: يريد الرافعي أن يبحث في كتابه هذا ما يتعلق بتخصصه الدقيق الذي اشتهر به، وهو أسلوب القرآن الكريم: (من طرق نظمه، ووجوه تركيبه، ونسق حروفه في كلماتها، وكلماته في جملها، ونسق هذه الجمل في جملته - ما أذهلهم عن أنفسهم، من هيبة رائعة وروعة مخوفة، وخوف تقشعر منه الجلود؛ حتى أحسوا بضعف الفطرة القوية، وتخلّف الملكة المستحكمة؛ ورأى بلغاؤهم أنه جنس من الكلام غير ما هم فيه، وأن هذا--------------------------------------------
(1) إعجاز القرآن والبلاغة النبوية، الرافعي، ص 109.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 77)

التركيب هو روح الفطرة اللغوية فيهم، وأنه لا سبيل إلى صرفه عن نفس أحد العرب أو اعتراض مساغه إلى هذه النفس، إذ هو وجه الكمال اللغوي الذي عرف أرواحهم واطلع على قلوبهم، بل هو السر الذي يفشي بينهم نفسه، وإن كتموه، ويظهر على ألسنتهم ويتبين في وجوههم وينتهي إلى حيث ينتهي الشعور والحس، فليس للخلابة أو المؤاربة وجه في نقض تأثيره وإزالته عن موضعه، ومن استقبل ذلك بكلامه أو أراده بأي حيلة، فقد استقبل رد النفوس عن أهوائها، وردع القلوب عن محبتها، وحاول معارضه أقوى ما في النفس بأضعف ما فيه شيء -فيما يعرفونه- لا يستقيم لامرئ من الناس ببيان ولا عصبية ولا هوى ولا شيء من هذه الفروع النفسية، وليس إلا أن ينقض الفطرة فيستقيم له، وما في نقض هذه الفطرة إلا أن يبدأ الخلق فيكون إلها، وهذا كما ترى فوق أن يسمى أو يعقل)(1).
ثالثاً: النظم هو المادة التي سيتحدث عنها الرافعي ولا غير، وليس اقتصاره في الكلام على النظم دليلاً على أنه ينكر وجوه الإعجاز الأخرى، ولعل السبب في ذلك أن الوجوه الأخرى لا يخالف الرافعي غيره في فهمها لفظاً ومعنى، ولا في تطبيقاتها على العموم، وإنما الوجه الذي يريد أن يقرر فيه شيئا جديداً هو النظم، مُلمحاً في ذلك إلى اعتراضه على مفهوم النظم عند المتقدمين، إما كلياً وإما جزئياً، وهو ما أرجحه في هذا المقام بدلالة التطبيقات التي أثرى من خلالها درسه الإعجازي تأصيلاً وتطبيقاً.--------------------------------------------
(1) إعجاز القرآن والبلاغة النبوية، الرافعي، ص 132.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 78)

‌‌الفرع الثالث نظرية الرافعي في إعجاز القرآن الكريم
قسم الرافعي نظريته في الإعجاز وبناها على أركان ثلاثة، انطلق من خلالها في تقرير مفردات الإعجاز، وهي: الحروف وأصواتها، والكلمات وحروفها، والجمل وكلماتها. ولنبدأ بها تباعاً:

‌‌أولاً: الحروف وأصواتها
يقول الرافعي: (فإن طريقة النظم التي اتسقت بها ألفاظ القرآن، وتألفت لها حروف هذه الألفاظ، إنما هي طريقة يتوخى بها إلى أنواع من المنطق وصفات من اللهجة لم تكن على هذا الوجه من كلام العرب، ولكنها ظهرت فيه أول شيء على لسان النبي صلى الله عليه وسلم؛ فجعلت المسامع لا تنبو عن شيء من القرآن، ولا تلوي من دونه حجاب القلب، حتى لم يكن لمن يسمعه بد من الاسترسال إليه والتوفر على الإصغاء، لا يستمهله أمر من دونه وإن كان أمر العادة، ولا يستنسئه الشيطان وإن كانت طاعته عندهم عبادة)(1).
سمى الرافعي هذا الأمر بالموسيقى اللغوية، ثم بيّن أن هذا أحد معاني النظم الذي يريده وليس نظم السابقين، حيث يقول: (وهذا نوع من التأليف لم يكن منه في منطق أبلغ البلغاء وأفصح الفصحاء إلا الجمل القليلة)(2).--------------------------------------------
(1) إعجاز القرآن والبلاغة النبوية، الرافعي، ص 147.
(2) إعجاز القرآن والبلاغة النبوية، الرافعي، ص 147.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 79)

وأرى أن هذه الجملة من كلام الرافعي من أهم ما ورد من كلامه حول موضوع البحث الأول من بحوث النظم عنده، ولكني سأقف فيما بعد كثيرا عند جملته: (إلا الجمل القليلة).
وقبل ذلك أذكر شيئاً من تفصيل نظرية الرافعي في إعجاز الأصوات، فأقول:
1. يرى الرافعي أن العرب: (لما قرئ عليهم القرآن، رأوا حروفه في كلماته، وكلماته في جمله، ألحانا لغوية رائعة؛ كأنها لائتلافها وتناسبها قطعة واحدة، قراءتها هي توقيعها فلم يفتهم هذا المعنى، وأنه أمر لا قبل لهم به، وكان ذلك أبين في عجزهم؛ حتى إن من عارضه منهم، كمسيلمة، جنح في خرافاته إلى ما حسبه نظما موسيقياً أو باباً منه وطوى عما وراء ذلك من التصرف في اللغة وأساليبها ومحاسنها ودقائق التركيب البياني، كأنه فطن إلى أن الصدمة الأولى للنفس العربية، وإنما هي في أوزان الكلمات وأجراس الحروف دون ما عداها؛ وليس يتفق ذلك في شيء من كلام العرب إلا أن يكون وزنا من الشعر أو السجع)(1).
يريد من هذا الكلام أن يبين قيمة الصوت عند العرب، عندما نزل عليهم القرآن الكريم، وأن القرآن الكريم قد تفرد بهذا الوجه دون غيره من أنواع الكلام.
وأتى على ذلك بمثال، وهو أننا لو جئنا بشيء من الكلام البليغ من غير القرآن ورتلناه ترتيل القرآن فستكون النتيجة كما يأتي:--------------------------------------------
(1) إعجاز القرآن والبلاغة النبوية، الرافعي، ص 148.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 80)

أولاً: وجود الفارق الكبير بين هذه المقطوعة وبين القرآن الكريم.
ثانياً: شعور السامع بالنقص الكبير في كلام البلغاء وانحطاطه عن رتبة القرآن الكريم.
ثالثاً: ذهاب الترتيل بجمال هذه القطعة الأدبية ورونقها، على خلاف أثر الترتيل إذا كان القرآن مادته، وهو ما يسميه الرافعي إجمالاً: إعجاز النظم الموسيقي.
2. يرى الرافعي أن: (الصوت هو مادة الانفعال النفسي، وأن هذا الانفعال بطبيعته إنما هو سبب في تنويع الصوت، بما يخرجه فيه مداً، أو غنة، أو ليناً، أو شدة، وبما يهيئ له من الحركات المختلفة في اضطرابه وتتابعه على مقادير تناسب ما في النفس من أصولها؛ ثم هو يجعل الصوت إلى الإيجاز والاجتماع؛ أو الإطناب والبسط؛ بمقدار ما يكسبه من الحدوة والارتفاع والاهتزاز وبعد المدى ونحوها، مما هو بلاغة الصوت في لغة الموسيقى)(1).
3. استدل الرافعي على نظريته فيما يسميه «الاستهواء الصوتي» بفواصل الآيات، وكيف أنها جاءت على نسق بديع حيث يقول: (وما هذه الفواصل التي تنتهي بها آيات القرآن إلا صور تامة للأبعاد التي تنتهي بها جمل الموسيقى، وهي متفقة مع آياتها في قرار الصوت اتفاقا عجيباً يلائم نوع الصوت والوجه الذي يساق عليه بما ليس وراءه في العجب مذهب)(2).--------------------------------------------
(1) إعجاز القرآن والبلاغة النبوية، الرافعي، ص 147.
(2) إعجاز القرآن والبلاغة النبوية، الرافعي، ص 150.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 81)

ومما يدخل في هذا المعنى أن القرآن الكريم: (لا يخلق على كثرة الرد وطول التكرار، ولا تمل منه الإعادة؛ وكلما أخذت فيه على وجه الصحيح فلم تخل بأدائه، رأيته غضا طريا، وجديدا مونقا، وصادفت من نفسك له نشاطا مستأنفا وحسا موفورا)(1) ..

‌‌ثانياً: الكلمات وحروفها
ذكرت آنفاً كلاماً للرافعي في ظاهرة الحروف وأصواتها، وسأذكر شيئاً من كلامه حول الجزء الثاني من نظريته، وهو الكلمات وحروفها، وملخصه ما يأتي:
1) تكلم الرافعي على العلاقة الدقيقة بين المعنى ولفظه بما يصدر عنه من صوت الحروف فيه.
2) بين الرافعي مكانة الكلمة القرآنية ووضعها في محلها اللائق بها، بعد بيان دقة الحروف فيها.
3) بيّنَ الرافعي التناسب البديع بين أصوات الحروف، حتى إن الحروف -كما يرى- لتكون ثقيلة، حتى إذا استعملت في القرآن الكريم رأيت: (لها شأناً عجيباً، ورأيت أصوات الأحرف والحركات التي قبلها قد امتهدت لها طريقاً في اللسان، واكتنفتها بضروب من النغم الموسيقي حتى إذا خرجت فيه كانت أعذب شيء وأرقه، وجاءت متمكنة في موضعها، وكانت لهذا الموضع أولى الحركات بالخفة والروعة)(2).--------------------------------------------
(1) إعجاز القرآن والبلاغة النبوية، الرافعي، ص 150.
(2) إعجاز القرآن والبلاغة النبوية، الرافعي، ص 156.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 82)

4) يقسم الرافعي الأصوات إلى ثلاثة(1):
الصوت الأول: صوت النفس، وهو الصوت الموسيقي الذي يكون من تأليف النغم بالحروف ومخارجها وحركاتها ومواقع ذلك من تركيب الكلام ونظمه على طريقة متساوقة وعلى نضد متساو، بحيث تكون الكلمة كأنها خطوة للمعنى في سبيله إلى النفس، إن وقف عندها هذا المعنى قطع به.
الصوت الثاني: صوت العقل، وهو الصوت المعنوي الذي يكون من لطائف التركيب في جملة الكلام، ومن الوجوه البيانية التي يداور بها المعنى، لا يخطئ طريق النفس من أي الجهات انتحى إليها.
الصوت الثالث: صوت الحس، وهو أبلغهن شأنا، لا يكون إلا من دقة التصور المعنوي، والإبداع في تلوين الخطاب، ومجاذبة النفس مرة وموادعتها مرة، واستيلائه على محضها بما يورد عليها من وجوه البيان، أو يسوق إليها من طرائف المعاني، يدعها من موافقته والإيثار له كأنها هي التي تريده وكأنها هي التي تحاول أن يتصل أثرها بالكلام، إذ يكون قد استحوذ عليها وانفرد منها بالهوى والاستجابة. وعلى مقدار ما يكون في الكلام البليغ من هذا الصوت، يكون فيه من روح البلاغة)(2).--------------------------------------------
(1) تاريخ آداب العرب، الرافعي، ج 2، ص 146.
(2) إعجاز القرآن والبلاغة النبوية، الرافعي، ص 152.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 83)

الأمثلة التطبيقية
ذكرت في مقدمة كلامي على الرافعي بأنه كان قليل الأمثلة على ما ينظر له ويؤسس، ولذلك سأقتصر هنا على شيء من الأمثلة المشهورة التي ذكرها في هذا المقام.
المثال الأول: الثقل الظاهر في كلمة (النُّذُر) في قوله تعالى: {وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ (بَطْشَتَنَا) فَتَمَارَوْا بِالنُّذُرِ (36)} [القمر: 36].
رد الرافعي على هذا الادعاء المتوهم من الثقل في كلمة النذر بأن أموراً كثيرة تعاضدت لتقلل من ثقل هذه الكلمة، حتى بدت كغيرها من الكلمات الخفيفة السهلة على اللسان ومن ذلك:
1) القلقلة في (لَقَدْ)، و (بَطْشَتَنَا).
2) الفتحات المتوالية فيما وراء الطاء إلى واو (فَتَمَارَوْا) مع الفصل بالمد، كأنها تمهيد لخفة التتابع في الفتحات إذا هي جرت على اللسان، ليكون ثقل الضمة عليه مستخفاً بعد.
3) الراء من (فَتَمَارَوْا) فإنها ما جاءت إلا مساندة لراء (النُّذُر)، حتى إذا انتهى اللسان إلى هذه انتهى إليها من مثلها، فلا تجف عليه ولا تغلظ ولا تنبو فيه.
4) الغنة التي سبقت الطاء في نون (أَنْذَرَهُمْ) وفي ميمها، وللغنة الأخرى التي سبقت الذال في (النذر).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 84)

وهل سيبقى شيء من الثقل بعد هذه العوامل التي مهدت للثقل في (النُّذُر) وساعدنها على أن تنظم سلك السهولة والسلاسة.
المثال الثاني: الكلمات كثيرة الحروف، ومنها:
الكلمة الأولى: {لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ} في قوله تعالى: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ (لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ) فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ} [النور: 55].
يرى الرافعي أنها جاءت في غاية العذوبة، والذي جعلها كذلك ما يأتي:
1) تنوع مخارج الحروف.
2) (نظم حركاتها، فإنها بذلك صارت في النطق كأنها أربع كلمات؛ إذ تنطق على أربعة مقاطع)(1).
الكلمة الثانية: {فَسَيَكْفِيكَهُمُ}، في قوله تعالى: {فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ (فَسَيَكْفِيكَهُمُ) اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (137)} [البقرة: 137].
وقد ساعد في تسهيلها على اللسان ما يأتي:
1) انقسامها إلى ثلاثة مقاطع.--------------------------------------------
(1) إعجاز القرآن والبلاغة النبوية، الرافعي، ص 158.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 85)

2) تكرر حرف الياء.
3) المد الذي توسط بين الكافين.
وقد سحب كلامه في كون المد يخفف من طول الكلمة أو ثقلها أنه وجد في الكلمات التي ليس أصلها عربياً كـ (إبراهيم) و (إسماعيل) و (طالوت) و (جالوت) ونحوها حيث تخللها المد وكأنها كلمتان اثنتان.
الكلمة الثالثة: كلمة {ضِيزَى} في قوله تعالى: {تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ (ضِيزَى) (22)} [النجم: 22].
فرغم ما يمكن أن يدعى من غرابتها إلا أن: (حسنها في نظم الكلام من أغرب الحسن وأعجبه؛ ولو أدرت اللغة عليها ما صلح لهذا الموضع غيرها)(1).
وملخص كلامه حول هذه المفردة ما يأتي:
1) (السورة التي هي منها وهي سورة النجم، مفصلة كلها على الياء؛ فجاءت الكلمة فاصلة من الفواصل)(2).
2) أن الكلمة جاءت في: (معرض الإنكار على العرب؛ إذ وردت في ذكر الأصنام وزعمهم في قسمة الأولاد، فإنهم جعلوا الملائكة والأصنام بنات لله مع أولادهم البنات--------------------------------------------
(1) إعجاز القرآن والبلاغة النبوية، الرافعي، ص 158.
(2) إعجاز القرآن والبلاغة النبوية، الرافعي، ص 158.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 86)