Arabic source text

📘 আল-আনোয়ারুল কাশিফাহ লিমা ফী কিতাবি আদওয়াউ আলাস সুন্নাহ - যিমনু আসারুল মুআল্লিমী (আব্দুর রহমান আল-মুয়াল্লিমি আল-ইয়ামানি - মৃত্যু 1386 হিজরী)

📘 الأنوار الكاشفة لما في كتاب «أضواء على السنة» - ضمن «آثار المعلمي» (عبد الرحمن المعلمي اليماني - ت 1386 هـ)

📘 আল-আনোয়ারুল কাশিফাহ লিমা ফী কিতাবি আদওয়াউ আলাস সুন্নাহ - যিমনু আসারুল মুআল্লিমী (আব্দুর রহমান আল-মুয়াল্লিমি আল-ইয়ামানি - মৃত্যু 1386 হিজরী)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ} الآية [الفتح: 29]، وآيات أخرى معروفة، فلينظر المسلم مَن الأولى بأن يقال: فجر وافتجر؟
ثم ذكر حكاية عن «حياة الحيوان»(1)، وحَسْبها أنه لم يجد لها مصدرًا إلا «حياة الحيوان»، على أن الحكاية نفسها ليس فيها ما ينكره المؤمن بالقرآن.
ثم قال ص 113: (ووهب بن منبه .. .. ).
أقول: قد قدمت شيئًا من حال وهب، وقد وثَّقه بعض الحفاظ وضعَّفه عَمرو بن علي الفلَّاس، أخرج البخاري(2) حديثًا من طريقه ثم قال: «تابعه مَعْمر». وله في «صحيح مسلم»(3) شيء تابعه عليه مَعْمر أيضًا، ومعمر هو ابن راشد أحد الأئمة المجمع عليهم.
وقال: (روى عنه كثير من الصحابة، منهم أبوهريرة، وعبد الله بن عمرو، وابن عباس وغيرهم).
أقول: هذه من مجازفات أبي رية، وإنما ذكر أهلُ العلم أنَّ وهبًا روى عن هؤلاء، وإنما ولد سنة 34 كما مرَّ، وإنما اشتهر بعد وفاة هؤلاء.--------------------------------------------
(1) (1/ 707 ــ ت إبراهيم صالح). والقصة بنحوها في «تاريخ دمشق»: (50/ 165) وسبق كلام المصنف (ص 72) أن ما تفرّد ابن عساكر بإخراجه فهو ضعيف.
(2) (113).
(3) أخرج مسلم لوهب بن منبه حديثًا واحدًا رقم (1038) عن أخيه همام عن معاوية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تلحفوا في المسألة … ». ولم أجد متابعة معمر له.

(খণ্ড: 12) (পৃষ্ঠা: 138)

قال: «أخرج الترمذي عن عبد الله بن سلام ــ وهو أحد أحبار اليهود الذين أسلموا ــ إنه مكتوب في التوراة في السطر الأول: محمد رسول الله عبده المختار، مولده مكة ومهاجره طيبة. وأخرج كذلك: مكتوب في التوراة صفة النبي، وعيسى ابن مريم يدفن معه».
أقول: لم أجد الخبر الأول في «جامع الترمذي»(1)، ولا ذكره صاحب «ذخائر المواريث»، وسيأتي ما يتعلق به. وأما الثاني؛ ففي سنده عثمان بن الضحَّاك مجهول، ومحمد بن يوسف بن عبد الله، ولم يوثَّقا توثيقًا يُعتدُّ به، وقد ذكر البخاري في ترجمة محمد من «التاريخ» (1/ 1/263)(2) طرفًا من هذا الخبر وقال: «هذا لا يصح عندي، ولا يتابع عليه».
قال أبوريَّة: (وهذا … قد أحكمه الداهية كعب، فقد روى الدارمي عنه في صفة النبيّ في التوارة قال: في السطر الأول: محمد رسول الله عبده المختار، مولده مكة ومهاجره طيبة وملكه بالشام. [ص 71] وقد بحثنا عن السطر الثاني من هذه الأسطورة حتى وجدناه في «سنن الدارمي» كذلك عن الداهية الأكبر كعب، فقد روى ذكوان عنه قال: في السطر الأول محمد رسول الله عبده المختار … ، وهذا الكلام قد أورده ابن سعد في «طبقاته» عن ابن عباس في جواب لكعب. وقد امتدت هذه الخرافة إلى أحد--------------------------------------------
(1) هو كما ذكر المصنف، والخبر عند الدارمي (7)، فالظاهر أنه تصحف على أبي رية «الدارمي» إلى «الترمذي» خاصة وأنه ينقل من «فتح الباري» وفيه «الدارمي». «الفتح»: (8/ 586 ــ السلفية).
وسيعزوه أبو رية إلى الدارمي بعد أسطر، وهذا من تخبطاته!
أقول: وفي سنده زيد بن عوف، متروك. انظر «التاريخ الكبير»: (3/ 404)، و «الجرح والتعديل»: (3/ 570). وأخرج الدارمي ما يشهد له برقم (5، 8).
(2) في (ط): «1: 2631» خطأ.

(খণ্ড: 12) (পৃষ্ঠা: 139)

تلاميذ كعب، عبد الله بن عمرو بن العاص، فقد روى البخاري عن عبد الله(1) بن يسار ..... وزاد ابن كثير: قال ابن يسار: ثم لقيت كعبًا الحبر فسألته فما اختلفا في حرف». قال أبو ريَّة: (وكيف يختلفان وكعب هو الذي علَّمه).
أقول: خبر عبد الله بن عمرو نَسَبه بعضُهم إلى عبد الله بن سلام كما ذكره البخاري(2)، وذكر ابن حجر(3) أنه لا مانع من صحته عنهما. وقد بحثتُ عن هذا الخبر بطرقه المذكورة هنا وغيره ونظرت في الأسانيد، فترجَّح عندي صحته عن عبد الله بن عَمرو، فأما نِسْبته إلى عبد الله بن سلام ففي صحتها نظر، وكذلك نِسبته إلى كعب، وبيان ذلك يطول، وهذا الذي ظهر لي هو الظاهر من صنيع البخاري(4).
هذا وفي بعض روايات الخبر أنه من التوراة، فإن صحّ ذلك في الرواية فقد يراد به الكتب المنسوبة إلى موسى، وقد يُراد به ما يعمّ كتبه وكتب أنبياء بني إسرائيل، وهو ما يسمّى عند القوم «العهد القديم»، وذلك إطلاق شائع كما يؤخذ من «إظهار الحق» (1: 38)(5)، وفي «تفسير ابن كثير» (7: 567)(6):--------------------------------------------
(1) الصواب عن هلال [عن عطاء بن يسار]. [المؤلف].
(2) رقم (2125).
(3) في «الفتح»: (4/ 343).
(4) وفي خبر عبد الله بن عمرو: «أجل والله إنه لموصوف … » علق عليه أبو ريَّة: «هكذا يورطه أستاذه حتى يقسم بالله»، وهذا من افتراء أبي ريَّة فإن عبد الله بن عمرو كان عنده جملة من صحف أهل الكتاب كما اعترف به أبو ريَّة، فإقسامه يدل على أنه شاهد تلك الصفة في تلك الصحف. [المؤلف].
(5) (1/ 99 ــ ط الإفتاء).
(6) (3/ 1487 ــ دار ابن حزم).

(খণ্ড: 12) (পৃষ্ঠা: 140)

«يقع في كلام كثير من السلف إطلاق التوارة على كتب أهل الكتاب، وقد ورد في بعض الأحاديث ما يشبه هذا».
وعلى كلِّ حال فالروايات تعطي وجود معنى تلك العبارة في بعض كتب أهل الكتاب، وأبو ريَّة يزعم أن الخبر «أسطورة، خرافة»، فإنْ بَنَى ذلك على امتناع أن يكون في كتب الأنبياء السابقين أخبار بأمور مستقبَلَة كبعثة محمد صلى الله عليه وسلم وصفته= فهذا تكذيب صريح للقرآن وتكذيب بكتب الله ورُسُله، فإن كان أبو ريَّة ينطوي على هذا فليجهر به حتى يُخاطَب بحسبه. وإن بنى على استبعاد صحة الخبر؛ لأنه لا يوجد في كتب أهل الكتاب الآن ما يؤدّي ذاك المعنى، ولم يكن موجودًا فيها منذ ألف سنة تقريبًا عندما شرع بعضُ علماء المسلمين يطّلعون عليها وينقلون عنها= فهذا يُنْبِئ عن جهل أو تجاهل بتاريخ كتب أهل الكتاب وأحوالهم فيها.
وأقتصرُ هنا على عبارات عن كتاب «إظهار الحق» للشيخ رحمة الله الهندي ففيه (1: 220)(1) عن الدكتور كني كات ــ وهو مِن أعظم محققي كتب العهدين ــ قال: «إنّ نُسَخ العهد العتيق التي هي موجودة كُتبت ما بين ألف وألف وأربعمائة … ». وقال: «إن جميع النسخ التي كانت كتبت في المائة السابعة (الميلادية) أو الثامنة أُعدمت بأمر محفل الشورى لليهود؛ لأنها كانت تخالف مخالفةً كثيرة للنسخ التي كانت معتمدة عندهم». وحكى عن (والتن) ما يوافق ذلك.
ويُعْلَم منه أن اليهود [ص 72] تتبعوا نسخ كتبهم التي كُتبت قبل الإسلام أو في صدر الإسلام إلى نحو مائتي سنة فأتلفوها لمخالفتها الكثيرة لما--------------------------------------------
(1) (2/ 568 ــ ط الإفتاء).

(খণ্ড: 12) (পৃষ্ঠা: 141)

يهوونه. وانظر «إظهار الحق» (1: 242 - 245) وفيه (1: 227 - 229)(1): أن لأهل الكتاب نحو عشرين كتابًا مفقودة، وبعضها منسوب إلى موسى فيكون من التوارة الحقيقية عندهم. وقد تكون ثَمَّ كتب أخرى مفقودة لم يعثر المتأخرون على أسمائها. وذَكَر من شيوع التحريف القصدي في اليهود والنصارى قديمًا وحديثًا ما يجاوز الوصف.
وحقّ على من يُبتلى بسماع شبهات دعاة النصرانية والإلحاد أن يقرأ ذاك الكتاب «إظهار الحق» ليتضح له غاية الوضوح أن الفساد لم يزل يَعْتري كتبَ أهل الكتاب جملةً وتفصيلًا، ومحقِّقوهم حيارى ليس بيدهم إلا التظنّي والتمنّي والتحسُّر والتأسُّف، ومن ثَمَّ يتبين السرّ الحقيقي لمحاولتهم الطعن في الأحايث النبوية؛ لأن دهاتهم حاولوا الطعن في القرآن، فتبين لهم أنه ما إلى ذلكم من سبيل، فأقبلوا على النظر في الأحاديث، فوجدوا أنه قد رُوي في جملة ما رُوي كثيرٌ من الموضوعات، وحيَّرهم المجهود العظيم الذي قام به علماء الأمة لاستخلاص الصحيح، ونفي الواهي والساقط والموضوع، حتى قال بعضهم: «ليفتخر المسلمون بعلم حديثهم ما شاؤوا»(2). ولكنهم اغتنموا انصرافَ المسلمين عن علم الحديث، وجهلَ السواد الأعظم منهم بحقيقته فراحوا يشكّكون ويتهجّمون، ولا غرابة أن يوقعهم الحسدُ في هذا وأكثر منه، وإنما الغرابة في تقليد بعض المسلمين لهم.--------------------------------------------
(1) (2/ 582 ــ 587، ط الإفتاء).
(2) عزا المؤلف هذا القول إلى المستشرق مرجيلوث وأحال على «المقالات العلمية» (ص 234، 253). انظر تقدمته لكتاب «الجرح والتعديل» (ص/ب).

(খণ্ড: 12) (পৃষ্ঠা: 142)

نعم اتضح مِمَّا تقدم عن «إظهار الحق» أنه لا مانع من أنه كان في كتب أهل الكتاب عند ظهور الإسلام ما تواطؤوا بعد ذلك على تحريفه أو إسقاطه أو فَقْد ذاك الكتاب بإتلافهم عمدًا أو غيره. وقد كان اليهود في بلاد العرب منذ زمن طويل قبل الإسلام، فلا يستبعد أنه كان بقي عندهم مالم يكن عند النصارى(1)، وإذا لا مانع وقد صحَّت الرواية فالواجب تصديقها، ومن تدبَّر القرآن ومحاورات النبيّ صلى الله عليه وسلم وأصحابه لليهود، وما حُكي عنهم قبل البعثة وما حكاه مَنْ أسلم منهم= بان له صحة ما قلناه.
وقد صحت الروايةُ عن عبد الله بن عَمرو وهو صحابي فاضل، وقد كان عارفًا بكتب أهل الكتاب، ووقعت له عدة منها، فالظاهر أنه أخذ العبارة منها. وإن صحّت عن عبد الله بن سلام فالأمر أوضح، فإنه كان من أحبار اليهود، وأسلم مَقْدَمَ النبيّ صلى الله عليه وسلم المدينة، وكان مِن خيار الصحابة، وشهد له النبيّ صلى الله عليه وسلم بالجنة، كما رواه كبار الصحابة(2). وإن صحت عن كعب فالظاهر صدقه؛ لأنه إذا كان صادق الإسلام [ص 73] نقيًّا كما هو الظاهر ولم يتبيَّنْ خلافه فالأمر واضح، وإن كان كما زعمه بعضهم منافقًا مُصِرًّا في الباطن على اليهودية متعصِّبًا لها فليس مِن المعقول أن يَكْذِب للمسلمين بما يزيدهم ثباتًا على الإسلام وحَنَقًا على اليهود. وما يقال إن كعبًا كان يستدرج--------------------------------------------
(1) ومن الهيّن جدًّا على اليهود حين قرَّروا إتلاف النسخ أن يتلفوا جميع ما كان تبقّى منها بأيدي المسلمين من أعقاب كعب ووهب وغيرهما لأنها تصير إلى مسلم لا يحسن قراءتها، وقد يكره بقاءها عنده فقد يتلفها وقد يعطيها يهوديًّا بغير ثمن أو بثمن بخس، ويتأكد ذلك عند سعي اليهود في جمعها، وحسبك برهانًا على ذلك وما في معناها: فَقْد النسخ من العالم سوى ما بأيدي اليهود من النسخ الحديثة. [المؤلف].
(2) انظر ما سلف (ص 132).

(খণ্ড: 12) (পৃষ্ঠা: 143)

المسلمين ليثقوا به ليس بشيء؛ لأنه يعلم أن غاية ما يفيده وثوقهم هو تصديقهم له في أنّ ما يحكيه عن كتب أهل الكتاب موجود فيها، وماذا يفيده هذا إن كان منافقًا، وقد علم أنهم يعتقدون أن كتب أهل الكتاب محرَّفة مبدَّلة، وقد تقدم إيضاح ذلك(1). وما يزعمه أبو ريَّة من مكايد كعب لم يتحقق منها شيء. والله المستعان.
ثم ذكر ص 115 حكايات مُعضِلة لا تُعرف أسانيدها، ومثل ذلك لا يصح أن يُبْنَى عليه شيء.
* * * *--------------------------------------------
(1) (ص 141 ــ 143).

(খণ্ড: 12) (পৃষ্ঠা: 144)

مَكيدة مَهُولة
ثم قال: (لما قدم كعب إلى المدينة في عهد عمر وأظهر إسلامه أخذ يعمل في دهاء ومكر لِمَا أسلم من أجله من إفساد الدين وافتراء الكذب على النبيّ صلى الله عليه وسلم(1) … ).
أقول: هذه مكيدة مَهُولة يُكَادُ بها الإسلام والسنّة، اخترعها بعض المستشرقين ــ فيما أرى ــ ومشت على بعض الأكابر وتبنَّاها أبو ريَّة وارتكب لترويجها ما ارتكب ــ كما ستعلمه ــ. وهذا الذي قاله هنا رَجْمٌ بالغيب، وتَظَنٍّ للباطل، وحَطٌّ لقوم فتحوا العالم ودبَّروا الدنيا أحكم تدبير إلى أسفل درجات التغفيل، كأنهم رضي الله عنهم لم يعرفوا النبيّ صلى الله عليه وسلم ودينه وسنته وهديه، فقبلوا ما يفتريه عليه وعلى دينه إنسان لم يعرفه. وقد ذكر أبورية في مواضع حالَ الصحابة في توقف بعضهم عما يخبره أخوه الذي يتيقّن صدقه وإيمانه وطول صحبته للنبي صلى الله عليه وسلم، فهل تراهم مع هذا يتهالكون على رجل كان يهوديًّا فأسلم بعد النبيّ صلى الله عليه وسلم بسنين، فيقبلون منه ما يخبرهم عن النبيّ صلى الله عليه وسلم مما يُفسد دينه؟
كان الصحابة رضي الله عنهم في غنى تامّ بالنسبة إلى سنة نبيهم، إن احتاج أحدٌ منهم إلى شيء رجع إلى إخوانه الذين صحبوا النبيّ صلى الله عليه وسلم وجالسوه، وكان كعب أعقل من أن يأتيهم فيحدّثهم عن نبيهم فيقولوا: مَنْ أخبرك؟ فإن ذَكَرَ صحابيًّا سألوه فيَبِين الواقع، وإن لم يذكر أحدًا كذَّبوه ورفضوه. إنما كان كعب يعرف الكتب القديمة، فكان يحدِّث عنها بآداب وأشياء في الزهد والورع أو بقصص وحكايات تناسب أشياء في القرآن أو السنة، فما وافق الحقَّ قبلوه، وما روأه باطلًا قالوا: مِنْ أكاذيب أهل الكتاب،--------------------------------------------
(1) قوله: «على النبيّ صلى الله عليه وسلم» هذا أساس المكيدة المهولة الآتية. [المؤلف].

(খণ্ড: 12) (পৃষ্ঠা: 145)

وما رأوه محتملًا أخذوه على الاحتمال كما أمرهم نبيهم صلى الله عليه وسلم. ذلك كان فنُّ كعب وحديثُه. ولم يرو عنه أحد من الصحابة إلا ما كان من هذا القبيل.
نعم ذكر أصحاب التراجم أنه أرسل عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، وروى عن عمر وصُهيب وعائشة. وعادتهم أن يذكروا مثل ذلك وإن كان خبرًا واحدًا في صحته عن كعب نظر [ص 74] فهذه كتب الحديث والآثار موجودة لا تكاد تجد فيها خبرًا يُروى عن كعب عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، فإنْ وُجِد فلن تجده إلا من رواية بعضِ صغار التابعين عن كعب، ولعله مع ذلك لا يصح عنه. وكذا روايته عن عمر. وكذا روايته عن صُهيب وعائشة مع أنه مات قبلهما بزمان. وعامة ما روي عنه حكايات عن أهل الكتاب ومِنْ قوله.
قال: (ومما أغراه بالرواية أن عمر بن الخطاب كان في أول أمره يستمع إليه، فتوسّع في الرواية الكاذبة ما شاء أن يتوسّع، قال ابن كثير: لما أسلم كعب في الدولة العمرية جعل يحدث عمر رضي الله عنه، فربما استمع له عمر، فترخص الناس في استماع ما عنده ونقلوا ما عنده من غثٍّ وسمين)(1).
أقول: الذي عنده هو الحكايات عن صحف أهل الكتاب وأشياء مِن--------------------------------------------
(1) عزاه أبو ريَّة إلى تفسير ابن كثير 4: 17. ولم أجده هناك فلينظر. [المؤلف].
أقول: نظرت فوجدته فيه (7/ 2987 ــ دار ابن حزم) في تفسير سورة الصافات. ووجدت أبا ريَّة قد أسقط ما يخدم غرضه وهو قوله: «فجعل يحدث عمر رضي الله عنه [عن كتبه]» فأسقط أبو ريَّة ما بين المعكوفين؛ ليوهم القرّاء أن كعبًا كان يحدّث عمر بأحاديث عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، وهو ما سمّاه «الرواية الكاذبة» وتفطن له المؤلف. وانظر الصفحة الآتية في صنيعٍ له مثل هذا!
ثم تصرف في آخر كلام ابن كثير فنصّه: «ونقلوا عنه غثها وسمينها» أي: غثّ تلك الكتب وسمينها. وليس كما يوهمه تصرف أبي ريَّة.

(খণ্ড: 12) (পৃষ্ঠা: 146)

قوله في الحكمة والموعظة، وقوله: (الرواية الكاذبة) لا ريب أنّ في صحف أهل الكتاب التي كان كعب يحكي عنها ما هو كذب، فمن صحفهم ما أصله من كتب الأنبياء ولكن حُرِّف وزِيد فيه ونُقص، ومنها ما هو منسوب إلى بعض الأنبياء كذبًا، وعندهم عدة كتب كذلك، ومنها ما هو من كتب أحبارهم. فأما أن يكون كعب كذب فهذا لم يثبت، وسيأتي الكلام فيه.
قال: (ثم لم يلبث عمر أن تفطَّن لكيده وتبيَّن له سوء دِخْلته، فنهاه عن الرواية عن النبي(1)، وتوعده إن لم يترك الحديث عن رسول الله أو ليلحقنَّه بأرض القِرَدة).
أقول: هذا مِن دَجَل أبي رية، لم يتبين لعمر من كعبٍ كيد ولا سوء دِخْلة، ولا كان كعب يروي عن النبيّ صلى الله عليه وسلم؛ وإنما كان يحكي عن صحف أهل الكتاب، فإن كان عمر نهاه فعن ذلك. والحكاية التي تشبَّث بها أبو رية عزاها إلى «البداية والنهاية» (8: 106)(2) وهي هناك: «وقال لكعب الأحبار: لتتركنَّ الحديث عن الأُوَل أو لألحقنك بأرض القردة». قال: «عن الأُوَل» فأبدلها الشاطر أبو ريَّة بقوله: «عن النبيّ ــ عن رسول الله»(3). ومعها في «البداية والنهاية» كلمة تتعلق بأبي هريرة ذكرها أبو ريَّة ص 163، وسيأتي--------------------------------------------
(1) قوله: «عن النبيّ ــ عن رسول الله» هو أساس المكيدة كما مرت الإشارة إلى مثله ص 73 [145] يحاول أبو ريَّة أن يمكّنه. [المؤلف].
أقول: غيَّر أبو ريَّة العبارة في الطبعات اللاحقة إلى «فنهاه عن الحديث» بعدما كُشِفت حيلته.
(2) (11/ 371 ــ دار هجر).
(3) وهكذا يزوّر أبو ريَّة لتمكين أساس تلك المكيدة. [المؤلف].
أقول: أصلح أبو ريَّة النصَ في الطبعات اللاحقة بعدما تبين تغييره وتصرفه في النصوص لخدمة أهوائه.

(খণ্ড: 12) (পৃষ্ঠা: 147)

هناك بيان سقوط هذه الرواية، مع الكشف عن بعض أفاعيل أبي ريَّة.
على أن كلام أبي ريَّة متناقض، فسيحكي قريبًا أن عمر لم يزل إلى آخر حياته معتدًّا بكعب. والصحيح أن كعبًا كان رجلًا عربيًّا ذا رأي، قد قرأ الكتب واستفاد منها أشياء في الحكمة والزهد والورع، وهذه كانت وسيلته إلى عمر. ويحكي الناسُ عنه أشياء من الأخبار عن الأمور المستقبلة مسندًا له إلى صحف [ص 75] أهل الكتاب، ولا أدري ما يصح عنه من ذلك.
قال: (على أن عمر ظلَّ يترقب هذا الداهية بحزمه وحكمته وينفذ إلى أغراضه الخبيثة بنور بصيرته كما نرى في قصة الصخرة).
أقول: قد سرّح عمر من المدينة إلى العراق نَصْرَ بن حجَّاج لغير ذنب إلا أنه كان بارع الجمال، وكان بالمدينة كثير من النساء يغيب أزواجهن في الجهاد، وقد ذكرتْ إحداهنَّ نصرًا في شعرٍ لها(1). وجَلَدَ عمر صَبيغ بن عِسْل ونفاه إلى العراق، وكتب أَنْ لا يجالسه أحد لأمر واحد وهو أنه يُكثر من السؤال عن كلمات من القرآن لا تتعلق بالأحكام(2). ونَصْر سُلَميّ، وصَبيغ تميميّ لم يكن لهما عِرْق في يهودية ولا نصرانية. وكعب حميريّ حديث العهد باليهودية لا مَنَعة له ولاحاجة بالمسلمين إليه، فهل يُعقل أن يشعر الفاروق منه بأن إسلامه مدخول وأنه داهية ذو أغراض خبيثة ثم يدعه معه بالمدينة يدخل إليه مع أصحابه ويتكلم في مجلسه وربما يستشيره لا--------------------------------------------
(1) قصة نصر بن حجاج أخرجها ابن سعد في «الطبقات»: (3/ 285)، والخرائطي في «اعتلال القلوب» (ص 337 و 339). وصحح سنده الحافظ في «الإصابة»: (3/ 579).
(2) أخرجه الدارمي (146، 150)، والبزار: (1/ 423)، واللالكائي: (4/ 635 ــ 636).

(খণ্ড: 12) (পৃষ্ঠা: 148)

يَحْذَرُه ولا يحذِّر الناس منه؟
أما قصة الصخرة فرواها الإمام أحمد(1) من طريق حماد بن سلمة عن أبي سنان [عيسى بن سنان القَسْملي] عن عُبيد بن آدم قال: «سمعت عمر يقول لكعب: أين ترى أن أُصَلِّي؟ قال: إن أخذتَ عنّي صلَّيْتَ خلف الصخرة، وكانت القدس كلها بين يديك. فقال عمر: ضاهيت اليهودية، لا، ولكن أُصلِّي حيث صلَّى رسول الله صلى الله عليه وسلم».
عُبيد(2) هذا لم يُذْكَر له راوٍ إلا أبو سنان، وأبو سنان(3) ضعَّفه الإمام أحمد نفسه وابن معين وغيرهما، وقال أبو زرعة: «مخلّط ضعيف الحديث»، ولا ينفعه ذكر ابن حبان في «الثقات» لما عُرِف من تساهل ابن حبان، ولا قول العجلي: «لا بأس به»؛ فإن العجلي قريب من ابن حبان أو أشد، عرفتُ ذلك بالاستقراء. ومع هذا فليس في القصة ما يُشعر بسوء دخيلة، عَرَف كعبٌ فضيلةَ بيت المقدس في الإسلام بنص القرآن، وعلم أنه كان قبلة المسلمين أَوّلًا فظنّ أنه الأفضل للمصلّي هناك أن يجعله كله بينه وبين الكعبة. ورأى عمر أن في هذا مضارعة أي مشابهة لليهودية، فيما عُلِم من الإسلام خلافه، وهو صلاة النبيّ صلى الله عليه وسلم. هذا على فَرْضِ صحة الرواية.
وذكر أبورية ص 126 - 127 روايةً أخرى عن «تاريخ الطبري»(4). وهي في التاريخ منقطعة الأول والآخر، إنما قال: «وعن رجاء بن حَيْوَة عمن--------------------------------------------
(1) (261).
(2) ترجمته في «التاريخ الكبير»: (5/ 441)، و «الجرح والتعديل»: (5/ 401).
(3) ترجمته في «تهذيب التهذيب»: (8/ 211 ــ 212).
(4) (2/ 559 ــ دار الكتب).

(খণ্ড: 12) (পৃষ্ঠা: 149)

شهد» والسند إلى «رجاء» مجهول، وشيخ «رجاء» مجهول، ومثل هذا لا يثبت به شيء.
قال أبو ريَّة: (فإن شدة دهاء هذا اليهودي غلبت على فطنة عمر وسلامة نيته).
كذا رجع أبورية فسلبَ عمرَ ما ذكره أَوّلًا بقوله: «بحزمه وحكمته وينفذ … بنور بصيرته»، وهذا شأن من يتظنّى الباطل(1).
[ص 76] قال: (فظل يعمل بكيده في السر والعلن).
أقول: كلمة (العلن) هذه تأتي على بقية ما جعله لعمر سابقًا، وتبيَّن أن مقصوده بقوله: (سلامة نيته): الغفلة. قال: (حتى انتهى الأمر بقتل عمر بمؤامرة اشترك فيها هذا الدّهيّ).
ذكر بعد هذا ما حكى عن المِسْوَر بن مَخْرمة، وعزاها إلى تاريخي ابن جرير وابن الأثير(2)، والثاني مستمدّ من الأول، وأرى أن أحكيها كما هي عند ابن جرير في أخبار سنة 23 قال: «حدثني سلمة (الصواب: سَلْم) بن جُنادة قال: حدثنا سليمان بن عبد العزيز بن أبي ثابت [عمران] ابن عبد العزيز بن عمر بن عبد الرحمن بن عوف قال: حدثنا أبي عن عبد الله بن جعفر عن أبيه عن المِسْور بن مَخْرمة … قال: خرج عمر بن الخطاب يطوف في السوق، فلقيه أبو لؤلؤة … قال [أبو لؤلؤة]: لئن سلمت لأعملنّ لك رحًى يتحدّث بها مَنْ بالمشرق والمغرب، ثم انصرف. فقال عمر: لقد توعَّدني العبدُ آنفًا. قال: ثم انصرف عمر إلى منزله، فلما كان من--------------------------------------------
(1) والملجئ لأبي ريَّة إلى هذا هو محاولته التمكين لتلك المكيدة. [المؤلف].
(2) «تاريخ الطبري»: (2/ 559)، و «تاريخ ابن الأثير»: (3/ 49 ــ 50).

(খণ্ড: 12) (পৃষ্ঠা: 150)

الغد جاء كعب الأحبار فقال له: يا أمير المؤمنين اعهد فإنك ميّت في ثلاثة أيام. قال: وما يدريك؟ قال: أجده في كتاب الله عز وجل التوراة. قال عمر: آلله أنك لتجد عمر بن الخطاب في التوراة؟ قال: اللهم لا، ولكن أجد صفتك وحليتك … فلما كان من الغد جاء كعب فقال: … بقي يومان. قال: ثم جاء مِن غَدِ الغد فقال: … بقي يوم وليلة وهي لك إلى صبيحتها … » وقال فيه: «فضُرِب عمر ستّ ضربات» وفي آخرها: «ثم توفي ليلة الأربعاء لثلاثٍ بقين من ذي الحجة».
أقول: هل يسمع عمر هذا الوعيد الشديد مِن عبد كافر ثم لا يحترس منه، ولا يأمر بالقبض عليه وسجنه أو ترحيله من المدينة؟ أو على الأقل يضع عليه عيونًا تراقبه، فقد كان لعمر عيون على الناس ترقب أقلَّ من هذا، وكان له عيون على عُمّاله في البلدان البعيدة، أو ليس عمر هو الذي رجع عن بلد الطاعون فقال له أبو عبيدة: أفرارًا من قَدَرِ الله؟ فقال عمر: لو غيرك يا أبا عبيدة قالها. نعم نَفرُّ من قَدَر الله إلى قَدَر الله(1). هب أن عمر لم يبال بنفسه، أفلم يكن بقاء ذلك العبد الكافر بين ظهراني المسلمين خطرًا عليهم، وقد جاهر الخليفة بالتوعُّد، فما عسى أن يكون حاله مع غيره؟ قد يقال: يمكن أن تكون وُضعت عليه عيون راقبته مدّة فلم يُرَ منه ما يُنكر، فتُرِك. لكن [ص 77] هذه الحكاية تجعل التوعّد يوم الجمعة 22 ذي الحجة سنة 23 والقتل بعد ذلك بأربعة أيام.
أضف إلى ذلك أنه قد ثبت أنّ عمر قال في خطبته في تلك الجمعة:--------------------------------------------
(1) أخرجه البخاري (5729)، ومسلم (2219).

(খণ্ড: 12) (পৃষ্ঠা: 151)

«رأيت ديكًا نقرني ثلاث نقرات، ولا أراه إلّا حضور أجلي»(1). وفي بعض الروايات أنه ذكر أن الرؤيا عبرت بأن رجلًا من الأعاجم يعتدي عليه. راجع «فتح الباري» (7: 50)(2). هل يخبر عمر بهذه الرؤيا في اليوم الذي توعَّده فيه الأعجمي ثم لا يحترس ولا يقبض على ذاك الأعجمي؟
وفوق هذا تزعم الحكاية أنّ كعبًا جاء إلى عمر بعد الإخبار بالرؤيا وإيعاد الأعجمي بيوم واحد فقال لعمر ما تقدم. أفلم يكن في اقتران هذه الثلاثة ما يدعو إلى الاحتراس؟
أمر آخر: تقدم (ص 46)(3) تشديد عمر على أبي موسى لما أخبر بخبرٍ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، فهل يُعقل أنّ عمر هذا الذي شدَّد على أخيه المؤمن الصادق المهاجر القديم للإسلام، لا يشدِّد على كعبٍ حديثِ العهدِ باليهودية ولا صحبة له ولا هجرة، مع أن خبره أَوْلَى وأحقّ بأن يُستنكر؟
أمر ثالث: عَهْدُنا بهذا الحميريّ داهيًا، فهل يعقل أن يكون واقفًا على المؤامرة ثم يقع منه ما حكته الحكاية؟ المعقول أن يسكت إن كان له هوًى في قتل عمر، وأن يخبره بالمؤامرة على وجهها إن لم يكن له هوًى في قتله. أما السكوت فخشية أن يؤدّي كلامه إلى حبوط المؤامرة، بأن يحترس عمر ويقبض على أبي لؤلؤة، وقد يجر إلى اكتشاف المؤامرة ووقوع كعب نفسه. وأما الإخبار بالمؤامرة على وجهها فلأنه بذلك يكون له يدٌ عند عمر--------------------------------------------
(1) أخرجه مسلم (567).
(2) (7/ 63).
(3) (ص 89).

(খণ্ড: 12) (পৃষ্ঠা: 152)

والمسلمين ينال بها جاهًا ومكانة. وكلا هذين الغرضين أهمّ وأعظم مِن حُبّه إيهام اطلاعه على بعض أمور المستقبل، على أنّ هذا قد كان حاصلًا في الجملة، فقد كانوا يعرفون معرفته بصحف أهل الكتاب ويعرفون أن فيها أشياء من ذلك.
ومَنْ قَابَلَ هذه الحكاية بالروايات الصحيحة وَجَدَ مخالفة: منها عدد الطعنات، اتفقت الروايات الصحيحة على أنها ثلاث فقط، ووقع في هذه الحكاية أنها ست. فأنت ترى أن النظر في متن هذه الحكاية يبين أنها مدخولة لا يمكن الاعتماد عليها في شيء، ويؤكِّد ذلك سقوطُ سندها، فإن سليمان مجهول لم نجد له ترجمة، وأبوه ساقط الحديث كما بيَّنه جمعٌ من الأئمة، وعبد الله بن جعفر لا بأس به، فأما أبوه جعفر بن المسور فلا يعرف برواية أصلًا، ولا يُدْرى أدرك أباه أم لا.
[ص 78] وقال ص 117: (ووقع في رواية أبي إسحاق عند ابن سعد: وأتى كعب عمر فقال: ألم أقل لك إنك لا تموت إلا شهيدًا، وإنك تقول: من أين وإني في جزيرة العرب).
أقول: هي عن أبي إسحاق عن عمرو بن ميمون. وأبو إسحاق مشهور بالتدليس ولم يذكر سماعًا. وروى غيره القصة عن عمرو بن ميمون كما في «صحيح البخاري»(1) وغيره بدون هذه الزيادة. ومع هذا فأيّ شيء فيها؟ أما الشهادة فقد كان عمر مُبَشَّرًا بها يقينًا، ففي «الصحيحين»(2) وغيرهما من حديث أنس: «أن النبيّ صلى الله عليه وسلم صعد أُحُدًا وأبو بكر وعمر وعثمان، فرجف بهم--------------------------------------------
(1) (3700).
(2) البخاري (3675)، ولم أجده في مسلم.

(খণ্ড: 12) (পৃষ্ঠা: 153)

فقال: اثبت أُحُد، فإنما عليك نبي وصدِّيق وشهيدان». وصحّ معناه من حديث عثمان وبريدة وأبي هريرة وسهل بن سعد. راجع «فتح الباري» (7: 32)(1).
وفي «الصحيحين»(2) وغيرهما سؤال عمر لحذيفة عن الفتنة، وقول حذيفة: «لا بأس عليك منها يا أمير المؤمنين، إن بينك وبينها باباً مغلقًا» قال عمر: «يفتح الباب أو يكسر؟ » قال حذيفة: «لا بل يكسر». قيل لحذيفة: «علم عمر بالباب؟ » قال: «نعم، كما أنّ دون غدٍ الليلة، إني حدَّثته حديثًا ليس بالأغاليط» ثم بيَّن حذيفة أن الباب هو عمر نفسه. فالمراد بقوله: «يفتح أو يكسر»: يموت أو يقتل.
وثَمَّ أخبار أخرى كرؤيا عوف بن مالك في عهد أبي بكر، وفيها في ذكر عمر «شهيد مستشهد»(3). وفي «صحيح البخاري»(4) أن عمر قال: «اللهم ارزقني شهادةً في سبيلك وموتًا في بلد رسولك» وراجع «فتح الباري» (4: 86)(5) و (6: 446)(6). ولا ريب أنّ كعبًا كان عارفًا بصحف أهل الكتاب وأن فيها أخبارًا عن المستقبل، وأنه كان يوجد في صحفهم في صدر الإسلام ما لا يوجد عندهم الآن، راجع ما تقدم (ص 72)(7). وشأن عمر من--------------------------------------------
(1) (7/ 38).
(2) البخاري (525)، ومسلم (144).
(3) أخرجه أحمد في «فضائل الصحابة» (351)، وابن سعد في «الطبقات»: (3/ 307)، وصحح ابن حجر سنده في «الفتح»: (4/ 101).
(4) (1890).
(5) (4/ 101).
(6) لم أجد الإحالة إلى الصفحة، وانظر (6/ 10 ــ 11).
(7) (ص 142 ــ 143).

(খণ্ড: 12) (পৃষ্ঠা: 154)

أعظم الشؤون في العالم وأحقّها أن يبشِّر به الأنبياء السابقون عند تبشيرهم بالنبيّ صلى الله عليه وسلم، ومع هذا فليس في رواية أبي إسحاق ذكر التوراة، فقد يكون استند إلى تلك الأخبار الصحيحة عن النبيّ صلى الله عليه وسلم.
قال أبو ريَّة: (وإليك خبرًا عجيبًا من أخبار ذلك الكاهن لعله يمتلخ منك عرق الشك في اشتراكه في هذه المؤامرة، فقد أخرج الخطيب عن مالك أن عمر دخل على أم كلثوم بنت علي، وهي زوجته فوجدها تبكي، فقال: ما يبكيك؟ قالت: هذا اليهودي ــ أي كعب الأحبار ــ يقول: إنك على باب(1) من أبواب جهنم. فقال عمر: ما شاء الله. ثم خرج فأرسل إلى كعب، فجاءه فقال: يا أمير المؤمنين والذي نفسي بيده لا ينسلخ ذو الحجة حتى تدخل الجنة، فقال عمر: ما هذا؟ مرة في الجنة ومرة في النار! قال كعب: إنا لنجدك في كتاب الله على باب من أبواب جهنم تمنع الناس أن يقتحموا فيها، فإذا متّ اقتحموا. وقد صدقت يمينه … فقد قتل عمر في ذي الحجة سنة 23 هـ).
[ص 79] أقول: ذكر ابن حجر في «فتح الباري»(2) هذه الحكاية في شرح حديث حذيفة الذي فيه وصفُ عمر بأنه باب مغلق دون الفتنة، وقد تقدم قريبًا. وفي «الفتح» أيضًا (2: 446)(3) حديثٌ فيه: أن النبيّ صلى الله عليه وسلم أشار إلى عمر وقال: «هذا غلق الفتنة، لا يزال بينكم وبين الفتنة باب شديد الغَلْق ما عاش»، وأن أبا ذرٍّ قال لعمر: «يا غلق الفتنة»(4). فغير منكر أن يكون في--------------------------------------------
(1) «على باب» سقطت من (ط)، واستدركتها من كتاب أبي ريَّة.
(2) (13/ 50).
(3) (6/ 606). والإحالة في (ط) على المجلد الثاني من «الفتح» خطأ.
(4) الذي في «الفتح» أن أبا ذرّ قال لعمر: «يا قفل الفتنة». والذي قال له: «يا غلق الفتنة» هو عثمان بن مظعون.

(খণ্ড: 12) (পৃষ্ঠা: 155)

صحف أهل الكتاب إشارة إلى هذا المعنى بنحو ما في الحكاية ــ إن صحت ــ وإنما الذي يُستنكر أن يكون فيها بيان وقت موت عمر على التحديد.
وقد كان عمر في شهر ذي الحجة سنة 23 حاجًّا، واتفق هناك علامات تُؤذِن بقرب موته، منها أنّ رجلًا ناداه: يا خليفة. فقال آخر من حُزاة العرب: إنا لله، ناداه باسم ميت. ثم لما كان يرمي الجمرة أصابت حصاةٌ جبهةَ عمر فأَدْمته، فقال ذاك الحازي: إنا لله، أُشْعِرَ أمير المؤمنين. والإشعار: تدمية البعير الذي يُهدى ليُنْحَر. وجاء عن عائشة أنها سمعت عقب ذاك الحج منشدًا ينشد:
أبعد قتيلٍ بالمدينة أظلمَتْ … له الأرضُ تهتزّ العِضاهُ بأسْؤق
عليك سلامٌ مِن إمام وباركت … يدُ الله في ذاك الأديم الممزَّق

الأبيات …
ولما انصرف عمر من الحج دعا الله تعالى فقال: «اللهم كبرت سِنّي وضعفت قوَّتي وانتشرت رعيَّتي، فاقبضني إليك غير مضيّع ولا مفرّط»(1). فلما قدم المدينة خطبَ الناسَ وقال في خطبته: «رأيتُ ديكًا نقرني ثلاث نقرات، ولا أراه إلا حضور أجلي»(2).--------------------------------------------
(1) هذه الأخبار أخرجها ابن سعد في «الطبقات الكبرى»: (3/ 309 ــ 310، 347 ــ 348).
(2) أخرجه مسلم (567) وقد تقدم.

(খণ্ড: 12) (পৃষ্ঠা: 156)

فمن الجائز ــ إن صحت تلك الحكاية ــ أن يكون كعب استند إلى بعض هذه العلامات أو شبهها، وقد يكون مع ذلك وجد في صحفه إشارةً فَهِم منها بطريق الرمز مع النظر إلى القرائن والعلامات السابقة أن عمر لا يعيش بعد تلك السَّنَة.
وبعد، فسند الحكاية غير صحيح، تفرَّد بها عن مالك رجلٌ يقال له: «عبد الوهاب بن موسى» لا يكاد يُعْرَف، وليس من رجال شيء من كتب الحديث المشهورة، ولا ذُكِر في «تاريخ البخاري» ولا كتاب ابن أبي حاتم، بل قال الذهبيّ في «الميزان»(1): «لا يُدْرَى مَن ذا الحيوان الكذَّاب». وفي مقدمة «صحيح مسلم»(2): «الذي نعرف من مذهبهم في قبول ما يتفرَّد به المحدِّث من الحديث: أن يكون قد شارك الثقات من أهل العلم والحفظ في بعض ما رووا، وأمعن في ذلك على الموافقة لهم، فإذا وُجِد كذلك، ثم زاد بعد ذلك شيئًا ليس عند أصحابه قُبِل منه(3) … ». وهذا الرجل لم يُمعن في المشاركة فضلًا عن أن يكون ذلك على [ص 80] الموافقة. لكن هذا الشرط لا يتقيَّد به بعضُ المتأخِّرين كابن حبان والدارقطني. ومن ثَمَّ ــ والله أعلم ــ وثَّق الدارقطنيُّ عبدَ الوهاب هذا، وزعم أن الخبر صحيح عن مالك. أما بقية سنده عن مالك فهو عن عبد الله بن دينار عن سعد الجاري، وسعد الجاري غير مشهور ولا موثَّق، ولا يُدرى أدركه عبد الله بن دينار أم لا.--------------------------------------------
(1) (3/ 398). وانظر تعقب الحافظ ابن حجر للذهبي في «لسان الميزان»: (5/ 308 ــ 310).
(2) (1/ 7).
(3) في «الصحيح»: «قُبِلت زيادته».

(খণ্ড: 12) (পৃষ্ঠা: 157)