قال ص 129: (وفي حديث: أن الطائفة من أمته .... إنهم في بيت المقدس وأكنافه).
أقول: روي هذا من حديث أبي أمامة بسند ضعيف(1). وعلى فرض صحته فليس المراد أنهم هناك دائمًا، كيف ولم يكن هناك في عهد النبيّ صلى الله عليه وسلم أحدٌ من المسلمين، وإنما المعنى أنهم يكونون هناك في آخر الزمان حين يأتي أمر الله.
وقال: (ما قيل في المسجد الأقصى: كانت الأحاديث الصحيحة أول الأمر في فضل المسجد الحرام ومسجد رسول الله، ولكن بعد بناء قبة الصخرة ظهرت أحاديث في فضلها وفضل المسجد الأقصى).
أقول: أما الصخرة فنعم لا يثبت في فضلها نص، وأما المسجد ففضله ثابت بالكتاب والسنة والإجماع.
قال: (وقد روى أبو هريرة [مرفوعًا]: لا تشدّ الرحال إلَّا إلى ثلاثة مساجد الخ).
أقول: الحديث ثابت في «الصحيحين» وغيرهما من حديث أبي هريرة(2)، وأبي سعيد الخُدري(3)، و [أبي](4) بَصْرة الغِفاري(5)، وجاء من حديث ابن عمر(6) رضي الله عنهم.--------------------------------------------
(1) أخرجه أحمد (22320)، والطبراني في «الكبير» (7643). وانظر حاشية المسند: (36/ 657).
(2) أخرجه البخاري (1189)، ومسلم (1397).
(3) أخرجه البخاري (1197)، ومسلم (827).
(4) سقطت من (ط).
(5) أخرجه أحمد (23850، 27230)، والطيالسي (1445).
(6) أخرجه الطبراني في «الكبير»: (12/ 338).
(খণ্ড: 12) (পৃষ্ঠা: 178)
وذَكَر قولَ ميمونة لامرأة نذرت أن تصلي في بيت المقدس: اجلسي وصلي في مسجد رسول الله، فإني سمعت رسول الله يقول: «صلاة فيه أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا مسجد الكعبة»(1).
قال أبو ريَّة: (ولو أن المسجد الأقصى كان قد ورد فيه تلك الأحاديث لما منعت ميمونة هذه المرأة من أن توفي نذرها).
[ص 92] أقول: رأت ميمونةُ أنَّ الصلاة في مسجد المدينة أفضل، فلم تر فائدة لسفر وعناء لأجل صلاة يمكن أداء أفضل منها بدونهما. وهذا لا ينفي أن يكون للمسجد الأقصى فضل في الجملة كما هو ثابت، وأن يكون للصلاة فيه فضل دون فضل الصلاة في مسجد المدينة. وهذا واضح.
قال ص 130: (اليد اليهودية في تفضيل الشام: … إن الشام ما كان لينال من الإشادة بذكره والثناء عليه إلا لقيام دولة بني أمية فيه … فكان جديرًا بكهنة اليهود أن ينتهزوا هذه الفرصة … وكان من هذه الأكاذيب أن بالغوا في مدح الشام … ).
أقول: أما فضل الشام فقد ثبت بكتاب الله عز وجل كما مرَّ (ص 65)(2)، والعقل يتقبَّل ذلك لأنها كانت منشأ غالب الأنبياء والمرسلين، كما يتقبل أن ينوِّه النبيّ صلى الله عليه وسلم بفضلها تبيانًا للواقع وترغيبًا للمسلمين في فتحها والرباط فيها. أما الأخبار الكثيرة الواهية في فضل الشام وبيت المقدس والصخرة فالنّظَرُ في أسانيدها يبيّن أنها إنما اختُلِقت بعد كعب بزمان لأغراض أخرى غير اليهودية.--------------------------------------------
(1) أخرجه مسلم (1396).
(2) (ص 127).
(খণ্ড: 12) (পৃষ্ঠা: 179)
قال: (مرَّ بك ذَرْوٌ مما قال هؤلاء الكهنة في أن ملك النبيّ سيكون بالشام).
أقول: جاء هذا عن كعب، فإن صحّ فالظاهر أنه كذلك كان في صحف أهل الكتاب، فقد أثبت القرآن ذِكْر النبيّ صلى الله عليه وسلم فيها، ومن أبرز الأمور في شأنه ظهور مُلك أصحابه بالشام. وراجع (ص 71)(1).
قال: (وأن معاوية قد زعم الخ).
أقول: هذا باطل. راجع (ص 64)(2).
قال ص 131: (في الصحيحين: لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرّهم مَنْ خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك». ثم قال: «روى البخاري: هم بالشام).
أقول: الذي في «صحيح البخاري»(3) ذِكْر الحديث من طريق عُمير عن معاوية مرفوعًا ثم قال: «قال عمير: فقال مالك بن يخامر: قال معاذ: وهم بالشام». وليس لمالك بن يَخَامر في الصحيح سوى هذا، وجَعَله من قول معاذ فيما يظهر لا من الحديث، والواو فيه هي واو الحال، أي أنه يأتي أمر الله وهم بالشام، وإتيانُ أمر الله يكون آخر الزمان، وليس المراد أنهم يكونون دائمًا بالشام، كيف ولم يكن بها في عهد النبيّ صلى الله عليه وسلم. والبخاري يحمل «الطائفة» على أهل العلم(4)، ومعلوم أنّ معظمهم لم يكونوا بالشام في--------------------------------------------
(1) (ص 139 ــ 141).
(2) (ص 125 ــ 126).
(3) (3641).
(4) صرح به في كتاب الاعتصام، باب قول النبيّ صلى الله عليه وسلم: «لا تزال طائفة من أمتي … » قال: وهم أهل العلم.
(খণ্ড: 12) (পৃষ্ঠা: 180)
عصره ولا قبله.
[ص 93] قال: (وفي مسلم عن أبي هريرة أن النبيّ قال: لا يزال أهل الغرب ظاهرين [على الحق] حتى تقوم الساعة).
أقول: إنما هو في «صحيح مسلم»(1) عن سعد بن أبي وقاص، وليس عن أبي هريرة. والظاهر أن أبا ريَّة تعمَّد خلاف الواقع. ولا أدري لماذا أسْقَط «على الحق»؟ !
قال: (قال أحمد وغيره: هم أهل الشام).
أقول: قد قيل وقيل، وأقرب الأقوال أن المراد بالغرب الحِدَّة والشوكة في الجهاد، ففي حديث جابر بن سمرة: «لا يزال هذا الدين قائمًا تقاتل عليه عصابة الخ»(2). وفي حديث جابر بن عبد الله: « … طائفة من أمتي يقاتلون»(3) ونحوه في حديث معاوية، وحديث عقبة بن عامر(4). أما ما يحكى أن بعضهم قال «المغرب» فخطأ محض(5).
قال: (وفي «كشف الخفا» الخ).
أقول: قد تقدَّم(6) أنّ كعبًا توفي وسط خلافة عثمان، وأنه لم يصح عنه ما نُسِب إليه في «فضائل الشام» شيء.--------------------------------------------
(1) (1925).
(2) أخرجه مسلم (1922).
(3) أخرجه مسلم (156).
(4) حديث معاوية أخرجه مسلم (1037)، وحديث عقبة في مسلم أيضًا (1924).
(5) وانظر «فتح الباري»: (13/ 295).
(6) (ص 136، 177).
(খণ্ড: 12) (পৃষ্ঠা: 181)
قال: (ومن أحاديث «الجامع الصغير» للسيوطي التي أشير عليها بالصحة).
أقول: ليست تلك الإشارة معتمدة دائمًا.
وذكر حديث: «الشام صفوة الله … الخ»(1)، وهو في «المستدرك» (4: 509) قال الحاكم: «صحيح الإسناد»، تعقَّبه الذهبيّ فقال: «كلّا وعُفير هالك» يعني أحد رجال سنده.
وذكر حديث: «طوبى للشام … الخ» وهذا جاء من حديث زيد بن ثابت(2)، وصحّحه الحاكم وغيره من المتأخرين، وفي صحته نظر.
وذكر حديث: «ليبعثنَّ الله من مدينة الشام الخ»(3) وهذا رُوي من حديث عمر، وفي سنده أبو بكر بن عبد الله بن أبي مريم، ضعيف مختلط.
وقال في حاشية ص 132: (هذا هو الحديث الصحيح الخ).--------------------------------------------
(1) وأخرجه الطبراني في «الكبير»: (8/ 171)، ومن طريقه ابن عساكر (1/ 119).
(2) أخرجه أحمد (21606)، وابن أبي شيبة (19795)، والترمذي (3954)، وابن حبان (7304)، والحاكم: (2/ 229) وغيرهم من طرقٍ عن يزيد بن أبي حبيب عن عبد الرحمن بن شماسة عن زيد بن ثابت عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: «طوبى للشام» فقيل: ولِم ذلك يا رسول الله؟ قال: «إن الملائكة باسطة أجنحتها عليه». قال الترمذي: «حسن غريب»، وصححه الحاكم على شرط الشيخين.
وأخرجه الطبراني في «الكبير»: (5/ 158) بلفظ: «إن الرحمن لَباسطٌ رحمته عليه». وهو اللفظ الذي ذكره أبو ريَّة. وقد تفرَّد به أحمد بن رشدين المصري وهو ضعيف جدًّا. انظر «السلسلة الضعيفة» (6777).
(3) أخرجه أحمد (120)، والبزار (317)، وأخرجه الحاكم من طريق آخر: «3/ 88 ــ 89) وصححه، وتعقبه الذهبي بأنه منكر. وقد ضعفه ابن كثير في «مسند الفاروق»: (2/ 702)، وانظر: «السلسلة الضعيفة» (4367).
(খণ্ড: 12) (পৃষ্ঠা: 182)
أقول: راجع (ص 86)(1).
وذكر ص 134 فصلًا لصاحب «المنار» في الحطِّ على كعب ووهب، وقد تقدم ما يكفي(2).
وفيه ص 135: ( … فمن المعتاد المعهود من طباع البشر أن يصدّقوا كل خبر لا يظهر لهم دليل على تهمة قائله فيه ولا بطلانه في نفسه، فإذا صدَّق بعض الصحابة كعب الأحبار في بعض مفترياته التي كان يوهمهم [ص 94] أنه أخذها من التوراة أو من غيرها من كتب أنبياء بني إسرائيل وهو من أحبارهم أو في غير ذلك، فلا يستلزم هذا إساءة الظن بهم(3)).
أقول: أما من أسلم من أهل الكتاب وظهر حُسْنُ إسلامه وصلاحُه، فأخبر عن صحف أهل الكتاب بشيء، فلا إشكال في تصديق بعض الصحابة له في ذلك، بمعنى ظنّ أن معنى ذاك الخبر موجود في صحف أهل الكتاب، وإنما المدفوع تصديق الصحابة ما في صحف أهل الكتاب حينئذٍ، مع علمهم بأنها قد غُيّرت وبُدّلت، وقول النبيّ صلى الله عليه وسلم: «لا تصدِّقوا أهلَ الكتاب ولا تكذّبوهم»(4). وقد مرَّ كلام ابن عباس وغيره في ذلك (راجع ص 68 و 89)(5) فالحقّ أنهم لم يكونوا يصدّقونها إلا أن يوجد دليل على صدقها، وذلك كخبر عبد الله بن عمرو عن صفة النبيّ صلى الله عليه وسلم في التوراة، ولذلك أقسم--------------------------------------------
(1) (ص 168 ــ 169).
(2) (ص 135 ــ 138 وما بعدها).
(3) عند أبي ريَّة: «فيهم».
(4) تقدم تخريجه (ص 134).
(5) (ص 133 ــ 134 و 173 ــ 174).
(খণ্ড: 12) (পৃষ্ঠা: 183)
عليه (راجع ص 71)(1)، فأما ماعدا ذلك فغاية الأمر أنهم إذا وجدوا الخبر لا يدفعه العقلُ ولا الشرعُ ولا هو من مظِنّة اختلاق أهل الكتاب وتحريفهم أَنِسُوا به، فإن كان مع ذلك مناسبًا في الجملة لآيةٍ من القرآن أو حديث عن النبيّ صلى الله عليه وسلم مالوا إلى تصديقه. وإخبار الإنسان عما يعلم السامعون أنه لم يدركه لا يعطي أنه جازم بتصديقه، لأنَّ مثل هذا الخبر كالمتضمّن لقوله: «بلغني … ».
قال أبو ريَّة ص 137: (الكيد السياسي الخ).
ثم ذكر قصة عبد الله بن سبأ، وقد نقدها الدكتور طه حسين في «الفتنة الكبرى»(2) فأجاد.
وقال ص 138: (وقد وضع كعب يده في يد ابن سبأ الخ).
أقول: هذا تخيُّل صِرْف.
قال: (فقد روى وكيع عن الأعمش عن أبي صالح الخ).
أقول: يُنظر السند إلى وكيع(3)، والأعمشُ مدلّس، وأبو صالح لم يتبيّن إدراكه للقصة. ولو صحت لَمَا دلَّت إلا على أحد أمرين: إما أن كعبًا وجد ذلك في صُحُفِه، كما يشهد له ما أخبر به ابن الزبير(4)، وإما أنه كان عميق النظر وبعيده.--------------------------------------------
(1) (ص 139 ــ 141).
(2) (ص 90 ــ 94). وانظر نقد الأستاذ محمود شاكر لطه حسين في «جمهرة المقالات»: (1/ 515 وما بعدها).
(3) أخرجه وكيع في «نسخته عن الأعمش» (35)، وأخرجه ابن أبي شيبة (38248) عن وكيع به، وابن سعد في «الطبقات»: (6/ 19) عن وكيع وأبي معاوية كلاهما عن الأعمش. فالسند صحيح إليه.
(4) انظر ما سبق (ص 176).
(খণ্ড: 12) (পৃষ্ঠা: 184)
قال ص 139: (وصفوة القول في هؤلاء اليهود الخ).
أقول: الكيد اليهودي المحقَّق كيد جولدزيهر وإخوانه المستشرقين المحاولين تصوير الصحابة في صورة مغفَّلين خرافيين يتلاعب بهم(1) كعب، وأبو ريَّة ممن سقط فريسة لهذا الكيد، ثم عاد فارسًا من فرسانه!
* * * *--------------------------------------------
(1) (ط): «لهم»، ولعلَّ الصواب ما أثبت.
(খণ্ড: 12) (পৃষ্ঠা: 185)
المسيحيات
[ص 95] وذكر ص 140: (المسيحيات في الحديث الخ).
وذكر تميمًا الداريَّ رضي الله عنه فافترى عليه، وعلّق في الحاشية أن تحوّله إلى الشام بعد قتل عثمان كان لتمكين الفتنة، والناس يعرفون أنه إنما أتاها لأنها وطنه.
وذكر ص 141 حديث الجسّاسة، وكلام صاحب «المنار»(1) فيه وقوله: (النبي صلى الله عليه وسلم ما كان يعلم الغيب … وكثيرًا ما صَدَّق المنافقين والكفار الخ).
أقول: قد مرّ (ص 19)(2) أنه لم يثبت أن النبيّ صلى الله عليه وسلم صدَّق كاذبًا، وإنما كان إذا احتمل عنده خبر إنسان أن يكون صدقًا وأن يكون كذبًا يبني على احتمال صِدْقه ما لا يرى ببنائه عليه بأسًا. والفرق بين القضايا التي تقدمت هناك وبين خبر الجسَّاسة عظيم جدًّا.
والأحاديث الثابتة في شأن الدجّال كثيرة، ويُعلم منها أن كثيرًا من شأنه خارج عن العادة. وكما أن الملائكة قد يأذن الله لهم فيتمثَّلون بشرًا يراهم من حَضَر، ثبت ذلك بالقرآن في قصة الملائكة مع إبراهيم ومع لوط، وفي تمثّل المَلَك لمريم وغير ذلك، وثبت في السنة في عدة أحاديث، فكذلك قد يأذن الله تعالى للشياطين ــ لحكمة خاصة ــ فيتمثلون في صور يراها مَنْ حَضَر.
فأما الجسّاسة فشيطان، وأما الدجّال فقد قال بعضهم: إنه شيطان، وعلى هذا فلا إشكال. كشف الله تعالى لتميم وأصحابه فرأوا الدجال--------------------------------------------
(1) (19/ 99 ــ 100).
(2) (ص 38 ــ 39).
(খণ্ড: 12) (পৃষ্ঠা: 186)
وجساسته وخاطبوهما، ثم عاد حالهما إلى طبيعة الشياطين من الاستتار. وإن كان الدجال إنسانًا فلا أرى ذاك إلا شيطانًا مثل في صورة الدجال؛ لأن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال في أواخر حياته: «أرأيتكم ليلتكم هذه، فإن رأس مائة سنة لا يبقى ممن هو اليوم على ظهر الأرض أحد»(1). انظر «فتح الباري» (2: 61)(2). والحكمة في كشف الله تعالى لتميم وأصحابه عما كشف لهم عنه أن يخبروا بذلك فيكون موافقًا لما كان النبيّ صلى الله عليه وسلم يخبر به، فيزداد المسلمون وثوقًا به. وهذا بيِّن في الحديث؛ إذ قال النبيّ صلى الله عليه وسلم بعد ذكره لتميم: «وحدثني حديثًا وافق الذي كنتُ أحدثكم عن مسيح الدجال» ثم قال: «ألا هل كنتُ حدَّثتكم ذلك؟» فقال الناس: نعم. فقال: «فإنه أعجبني حديث تميم أنه وافق الذي كنت أحدثكم عنه وعن المدينة ومكة».
وقال ص 144: (ومن المسيحيات في الحديث: ما رواه البخاري عن أبي هريرة أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: كل ابن آدم يطعن الشيطان في جنبه حين يولد غير عيسى ابن مريم، ذهب يطعن فطعن [ص 96] في الحجاب. وفي رواية .... إلا يمسه الشيطان حين يولد فيستهل صارخًا، غير مريم وابنها … ». ثم قال: «وفِقْهُ هذا الحديث الذي سمعه الصحابي الجليل … حتى الرسل نوح وإبراهيم وموسى وغيرهم وخاتمهم محمد صلوات الله عليه وعلى جميع النبيين. فانظر واعجب).
أقول: أما المؤمن فيعجب من جرأة أبي ريَّة وتحكّمه بجهله على ربّ العالمين أحكم الحاكمين عالم الغيب والشهادة. إن هؤلاء الرسل نُبِّئوا بعد أن بَلَغَ كلٌّ منهم أربعين سنة، وقد آتى الله تعالى يحيى وعيسى النبوّة في--------------------------------------------
(1) أخرجه البخاري (116)، ومسلم (2537) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.
(2) لم أجد في الموضع المشار إليه شيئًا، فلعله وقع خطأ في الإحالة. وانظر (10/ 556).
(খণ্ড: 12) (পৃষ্ঠা: 187)
صباهما، وقال الله تعالى في مريم وعيسى: {فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا (29) قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (30) وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا (31) وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا (32) وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا} [مريم: 29 - 33] هل يجحد أبو ريَّة هذا؟ أم يجحد قول الله تعالى: {وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (75) فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا} [الأنعام: 75 - 76] الآيات؟ وقول الله تعالى لخاتم النبيين صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [الشورى: 52] ونحوها من الآيات؟ أما المؤمنون فيؤمنون بهذا كله، ويؤمنون بأنبياء الله كلهم، لا يفرِّقون بين أحد منهم ولا يخوضون في المفاضلة بينهم اتباعًا للهوى. وأرجو أن لا يكون من ذلك ما يلجئ إليه مقتضى الحال هنا مما يأتي.
إن الفضل الذي يعتدّ به كمالًا تامًّا للإنسان هو ما كان بسعيه واجتهاده، ومن هنا كان فضل الخليلين إبراهيم ومحمد عليهما وعلى سائر الأنبياء الصلاة والسلام. أما طعن الشيطان بيده فليس مِن شأنه أن يُثاب العبد على سلامته منه ولا أن يعاقَب على وقوعه له، بل إن كان من شأنه أن يورث في نفس الإنسان استعدادًا ما لوسوسته، فالذي يناله ذلك ثم يجاهد بسعيه ويخالف الشيطان ويتغلَّب علىه أَوْلى بالفضل ممن لم يَنَلْه.
ثم ذهب ــ قاتله الله ــ يسخر من حديث شقّ صدره صلى الله عليه وسلم، قال: (ولم يقفوا
(খণ্ড: 12) (পৃষ্ঠা: 188)
عند ذلك [ص 97] بل كان من رواياتهم أن النبيّ لم ينج من نخسة الشيطان إلا بعد أن نفذت إلى قلبه، وكان ذلك بعملية جراحية … وكأن العملية الأولى لم تنجح فأعيد شقّ صدره … ).
أقول: لم يكن شقّ الصدر لإزالة أثر النّخْسَة كما زعم، وإنما كان لتطهير القلب من شيء يخلق لكلّ إنسان بمقتضى أنه خُلِق ليبتلى. أما تكراره فقد أنكره بعضهم كما في «الفتح»(1) حملًا لما ورد من ذلك على خطأ بعض الرواة. وفي «صحيح مسلم»(2) ذِكْر وقوعه في الطفولة وعند الإسراء، وقال في الأول: «أتاه جبريل … فاستخرج منه عَلَقة فقال: هذا حظ الشيطان منك، ثم غسله … ». وقال في حديث الإسراء: «فنزل جبريل ففتح صدري ثم غسله … ، ثم جاء بطست من ذهب ممتلئ حكمة وإيمانًا فأفرغها في صدري». فليس في الثاني ذِكْر إخراج القلب ولا إخراج عَلَقة منه، ولا ذكر حظ الشيطان، وإنما فيه ذكر الصدر وزيادة ذكر إفراغ الحكمة والإيمان فيه، فتبيَّن أن المقصود ثانيًا غير المقصود أولًا، وأن كلًّا من المقصودَيْنِ مناسب لوقت وقوعه.
وفي «الفتح»(3): «قال ابن أبي جمرة: الحكمة في شقّ قلبه مع القدرة على أن يمتلئ قلبه إيمانًا وحكمة بدون شق: الزيادة في قوَّة اليقين، لأنه أُعطي برؤية شقّ بطنه وعدم تأثره بذلك ما أمِنَ معه من جميع المخاوف العادية، فلذلك كان أشجع الناس وأعلاهم حالًا ومقالًا، ولذلك وُصِف بقوله تعالى: {مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى} [النجم: 17]».--------------------------------------------
(1) (7/ 204).
(2) (163).
(3) (7/ 206).
(খণ্ড: 12) (পৃষ্ঠা: 189)
أقول: وحكمة عالم الغيب والشهادة سبحانه وتعالى أدقُّ وأخفى من أن يحيط بها البشر.
قال أبو ريَّة ص 146: (وإن هذه العملية الجراحية لتشبه من بعض الوجوه عملية صلب السيد المسيح عليه السلام، وهو لم يرتكب ذنبًا يستوجب هذا الصلب، وإنما ذكروا ذلك ليغفر الله خطيئة آدم … ).
أقول: شقُّ الصدر لم يؤلمه صلى الله عليه وسلم البتة، وليس هو لتكفير ذنبه ولا ذنب غيره، فأين هو ــ قاتلك الله ــ من خرافة الصَّلْب؟
قال: (ولئن قال المسلمون … ولم لا يغفر الله لآدم خطيئته بغير هذه الوسيلة القاسية … ، قيل لهم: ولِم لم يخلق الله قلب رسوله الذي اصطفاه كما خلق قلوب إخوانه المرسلين؟ ).
أقول: أما المسلمون فلا يقولون ما زعمتَ، وإنما يقولون: كيف يذنب آدم وهو عبد من عبيد الله فيعاقب الله عيسى، وهو عند زاعمي ذلك «ابن الله الوحيد» بتلك العقوبة القاسية التي تألّم [ص 98] لها عيسى بزعمهم أبلغ الألم، وصرخ بأعلى صوته: «إيلي إيلي، لِمَ شبقتني» أي: إلهي إلهي لِمَ تركتني؟
ثم من أين علمتَ أن قلوب سائر المرسلين لم تُخلق كما خُلق قلب محمد؟ فقد تكون خُلِقت سواء وخُصَّ محمد بهذا التطهير أو طهرت أيضًا بهذه الوسيلة أو غيرها {وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [البقرة: 216].
وعلَّق ص 144 بحكاية شيء من هَذَر القسوس، وفيما تقدم كفاية.
وقال ص 147: (ولا أدري والله أين ذهبوا مما جاء في سورة الحجر الخ).
(খণ্ড: 12) (পৃষ্ঠা: 190)
أقول: فأين يذهب أبو ريَّة من تَدْلية الشيطان لآدم إلى أن كان ما ذكره الله تعالى بقوله: {وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى} [طه: 121] ومِن قول موسى بعد قتله القبطي: {قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ (15) قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} [القصص: 15 - 16]، ومن قول أيوب: {مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ} [? ص: 41]، وقول الله تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (199) وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (200) إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ} [الأعراف: 199 - 201]. أما آية الحجر فعلى المشهور أن المراد بقوله: {إِنَّ عِبَادِي} [الحجر: 42] عباده المخلصون خاصة، فقوله: {لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ} [الحجر: 42] معناه والله أعلم: لن تُسَلَّط على إغوائهم الإغواء اللازم، لأن الكلام فيه لتقدم قوله: {لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ} [? ص: 82] وهذا لا ينافي أن يُسلَّط على بعضهم لإغواء عارض، أو لإلحاق ضرر لا يضر الدين.
ثم ذكر ص 147 ــ عن الرازي وغيره ــ: أن الخبر على خلاف الدليل لوجوه (أحدها: أن الشيطان إنما يدعو إلى الشر من يعرف الخير والشر، والصبي ليس كذلك).
أقول: ومن قال: إنّ النخسة دعاء إلى الشر؟ بل إن كانت للإيلام فقط فذلك من خُبْث الشيطان، مُكِّنَ منها كما مُكِّن مما أصاب أيوب، وكما يمكَّن الكفار من قتل المسلمين ــ حتى الأنبياء ــ وذبح أطفالهم. وإن كانت لإحداث أمرٍ مِن شأنه أن يورث القلب قبولًا ما للوسوسة بعد الكِبَر، فهذا لا يستدعي معرفة الخير والشر في الحال، والتمكين من هذا كالتمكين من الوسوسة والتزيين، وذلك من تمام أصل الابتلاء.
(খণ্ড: 12) (পৃষ্ঠা: 191)
[ص 99] قال: (الثاني: أن الشيطان لو تمكَّن من هذا النخس لفعل أكثر من ذلك من إهلاك الصالحين وإفساد أحوالهم).
أقول: من أين يلزم من التمكّن مِن حَمْل رجل، التمكّن مِن حمل جبل؟ والشيطان لا يتمكَّن إلا إن مكَّنه الله تعالى، فإذا مكَّنه الله تعالى من أمر خاص فمن أين يلزم تمكّنه من غيره؟
قال: (والثالث: لِمَ خُصَّ بهذا الاستثناء مريم وعيسى … )؟
أقول: قد تقدَّم الجواب عن هذا(1).
قال: (الرابع: أن ذلك النخس لو وُجِد لبقي أثره، ولو بقي أثره لدام الصراخ والبكاء).
أقول: أرأيت إذا عركت أذن الطفل فأَلِمَ وبكى، أيستمر الألم والبكاء؟
ثم ذكر عن الشيخ محمد عبده كلامًا فيه: (فهو من الأخبار الظنية لأنها من رواية الآحاد، ولما كان موضوعها عالم الغيب، والإيمانُ بالغيب من قسم العقائد، وهي لا يؤخذ فيها بالظن لقوله تعالى: {إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا} [يونس: 36] كنا غير مكلفين الإيمان بمضمون تلك الأحاديث في عقائدنا).
أقول: لا نزاع أن الدليل الظنيّ لا يوجب الإيمان القاطع، لكنه يوجب التصديق الظنيّ، وكيف لا وظنّ ثبوت الدليل يوجب ضرورةً ظنّ ثبوت المدلول. أما قوله تعالى: {وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا} [النجم: 28] فلي فيه بحثٌ طويل حاصله(2): أن تدبُّر مواقع «يغني» في القرآن وغيره، وتدبّر--------------------------------------------
(1) (ص 187 ــ 188).
(2) انظره في «رسائل التفسير» (ص 292 - 302)، وله أيضًا كلام طويل فيه في رسالة «فرضية اتباع السنة» ضمن رسائل الأصول. كلاهما ضمن هذه الموسوعة.
(খণ্ড: 12) (পৃষ্ঠা: 192)
سياق الآية؛ يقضي بأن المعنى: إنّ الظن لا يدفع شيئًا من الحقّ، وبعبارة أهل الأصول: الظني لا يُعارِضُ القطعي(1).
قال ص 148: (ابن جريج الخ).
أقول: راجع (ص 68)(2).
ثم قال: (ومن شاء أن يستزيد من معرفة الإسرائيليات والمسيحيات وغيرها في الدين الإسلامي فليرجع إلى التفسير والحديث والتاريخ، وإلى كتب المستشرقين أمثال جولد زيهر وفون كريمر وغيرهما).
أقول: هذا موضع المثل: «صَدَقَني سِنَّ(3) بَكْرِه». وقوله: (في الدين الإسلامي) لها مغزاها، فأبو ريَّة ــ كما تعطيه هذه الكلمة والله أعلم ــ يرى في القرآن نحو ما جَهَر به في الحديث، وتقديمه لجولد زيهر اليهودي يؤيد ما قدمته (ص 94)(4)، وكُتُب جولد زيهر في الطعن في الإسلام والقرآن والنبي صلى الله عليه وسلم معروفة(5)، وقد أحالك أبو ريَّة عليها، والله المستعان.--------------------------------------------
(1) وانظر ما يأتي ص 176 [ص 335 ــ 337]. [المؤلف].
(2) (ص 133) والحاشية.
(3) تحرف في (ط): «من». والمثل يُضرب لمن يخبرك بِسِرِّه. وفيه قصة. انظر «المستقصى»: (2/ 140)، و «فصل المقال» (ص 40 ــ 41). ويجوز في «سن» الرفع والنصب.
(4) (ص 183 ــ 184).
(5) انظر «السنة ومكانتها» (ص 189 ـ فما بعدها) للسباعي، في نقد جولد زيهر وطعونه في القرآن والسنة.
(খণ্ড: 12) (পৃষ্ঠা: 193)
[ص 100] أبو هريرة
وقال أبو ريَّة ص 151: (أبو هريرة: لو كانت أحاديث رسول الله كلها من الدين العام كالقرآن لا يقوم إلا عليها ولا يؤخذ إلا منها، وأنه يجب على كلّ مسلم أن يعرفها ويتبع ما فيها، وكان النبيّ صلى الله عليه وسلم قد أمر أصحابه أن يحفظوا هذه الأحاديث لكي تؤثر بعده، لكان أكثر الصحابة رواية لها أعلاهم درجة في الدين … ).
أقول: قدمنا الكلام في نظرية: «دين عام ودين خاص» (ص 14 - 17)، و (ص 31 - 35)(1). ولم يوجب الله تعالى على كلّ مسلم معرفة القرآن نفسه سوى الفاتحة لوجوبها في الصلاة. وأمّا الاتباع: فطريقته أن العلماء يعرفون ويجتهدون، والعامة تسألهم عند الحاجة، فيفتونهم بما علموا من الكتاب والسنة. وكان الصحابة مأمورين بأن يبلِّغ كلٌّ منهم عند الحاجة ما حفظه، والذين حفظوا القرآن كلَّه في عهد النبيّ صلى الله عليه وسلم ليسوا مِنْ أكابر الصحابة، وقد مات أبو بكر وعمر قبل أن يستوفي كلٌّ منهما القرآنَ حفظًا(2).
وكان هناك عملان: الأول: التلقي من النبيّ صلى الله عليه وسلم، الثاني: الأداء، فأما التلقّي فلم يكن في وُسع الصحابة أن يلازموا النبيّ صلى الله عليه وسلم ملازمةً مستمرَّة، وإذ كان أنس وأبو هريرة ملازمين للنبيّ صلى الله عليه وسلم لخدمته فلابدّ أن يتلقّيا مِن الأحاديث أكثر مما تلقاه المشتغلون بالتجارة والزراعة.
على أن أبا هريرة لحرصه على العلم تلقَّى ممن سبقه إلى الصُّحبة ما عندهم من الأحاديث، فربما رواها عنهم وربما قال فيها: «قال النبيّ صلى الله عليه وسلم … » كما شاركه غيره منهم في مثل هذا الإرسال لكمال وثوق بعضهم ببعض،--------------------------------------------
(1) (ص 29 ــ 36، وص 61 ــ 69).
(2) انظر ما سبق (ص 63).
(খণ্ড: 12) (পৃষ্ঠা: 194)
وقد ثبت أنه سأل النبيَّ صلى الله عليه وسلم عن أسعد الناس بشفاعته يوم القيامة فقال: «لقد ظننتُ يا أبا هريرة أن لا يسألني عن هذا الحديث أحدٌ أولَ منك لما رأيت من حرصك على الحديث، … » أخرجه البخاري في «صحيحه»(1)، وتأتي أخبار كثيرة لإثبات هذا المعنى.
وأما الأداء فإنما عاش أبو بكر زمن الأداء نحو سنتين مشغولًا بتدبير أمور المسلمين، وعاش عمر مدَّة أبي بكر مشغولًا بالوزارة والتجارة، وبعده مشغولًا بتدبير أمور المسلمين. وفي «المستدرك» (98: 1)(2): أنَّ معاذ بن جبل أوصى أصحابه أن يطلبوا العلم وسمَّى لهم: أبا الدرداء وسلمان وابن مسعود وعبد الله بن سلام. فقال يزيد بن عَميرة: وعند عمر بن الخطاب؟ فقال معاذ: «لا تسأله عن شيء، فإنه عنك مشغول». وعاش عثمان وعليّ مشغولَيْنِ بالوزارة وغيرها ثم الخلافة [ص 101] ومصارعة الفتن.
وكان الراغبون في طلب العلم يتهيَّبون هؤلاء ونظراءهم، ويرون أن جميع الصحابة ثقات أُمناء، فيكتفون بمن دون أولئك، وكان هؤلاء الأكابر يرون أنه لا يتحتَّم عليهم التبليغ إلا عندما تدعو الحاجة، ويرون أنه إذا(3) جرى العمل على ذلك فلن يضيع شيء من السنة؛ لأن الصحابة كثير، ومدة بقائهم ستطول، وعروض المناسبات التي تدعو الحاجة فيها إلى التبليغ كثير، وفوق ذلك فقد تكفَّل الله عز وجل بحفظ شريعته، وكانوا مع ذلك--------------------------------------------
(1) (99).
(2) أصله عند الترمذي (3804)، والنسائي «الكبرى» (8196)، وأحمد (22104)، وابن حبان (7165) وغيرهم دون قوله: «فقال يزيد بن عَميرة: وعند عمر … » قال الترمذي: حسن غريب، وصححه الحاكم على شرط الشيخين.
(3) (ط): «إذ».
(খণ্ড: 12) (পৃষ্ঠা: 195)
يشدّدون على أنفسهم خشية الغلط، ويرون أنه إذا كان من أحدٍ منهم خطأ وقت وجوب التبليغ فهو معذور قطعًا، بخلاف من حدَّث قبل الحاجة فأخطأ، وكانوا مع ذلك يحبون أن يكفيهم غيرهم، ومع هذا فقد حدَّثوا بأحاديث عديدة، وبلغهم عن بعضهم أنه يكثر من التحديث فلم يزعموا أنه أتى منكرًا، وإنما حُكي عن بعضهم ما يدل أنه يرى الإكثار خلاف الأَوْلَى. فأما زعمُ أبي ريَّة أنهم كانوا (يرغبون عن رواية الحديث وينهون إخوانهم عنها .. ) فقد تقدم تفنيده (ص 30)(1).
وذكر أبو ريَّة كثرةَ حديث أبي هريرة وقال ص 152: (على حين أنه كان من عامة الصحابة، وكان بينهم لا في العير ولا في النفير) وسَيَبْسط هذا ص 184 وننظر فيه(2).
وقال ص 152: (الاختلاف في اسمه الخ).
أقول: وماذا يضره ذلك؟ إنما المقصود من الاسم المعرفة وقد عُرِف بأبي هريرة، وأصحّ ما قيل في اسمه: عبد الله أو عبد الرحمن، وهو على ما نسبه ابنُ الكلبي وغيره(3): ابن عامر بن عبد ذي الشرى بن طريف بن عتاب بن أبي صعب بن منبّه بن سعد بن ثعلبة بن سُليم بن فَهْم بن غَنْم بن دوس بن عُدْثان بن عبد الله بن زَهران بن كعب بن الحارث بن كعب بن عبد الله بن مالك بن نصر بن الأَزْد بن الغوث بن نبت بن مالك بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يَشْجُب بن يَعْرُب بن قحطان الأزدي ثم الدوسي، وأمه: أُميمة بنت صفيح بن الحارث بن سابي بن أبي صعب الخ.--------------------------------------------
(1) (ص 59 ــ 60).
(2) انظر (ص 282 فما بعدها).
(3) انظر «نسب معد واليمن الكبير»: (2/ 492)، و «الجمهرة» (ص 381 ــ 382) لابن حزم.
(খণ্ড: 12) (পৃষ্ঠা: 196)
قال ص 153: (نشأته وأصله … لم يعرفوا شيئًا عن نشأته ولا عن تاريخه قبل إسلامه غير ما ذكر هو عن نفسه … : نشأت يتيمًا وهاجرت مسكينًا وكنت أجيرًا لبُسرة بنت غزوان بطعام بطني وعقبة رِجْلي، فكنت أخدم إذا نزلوا وأحدوا إذا ركبوا، وكنيت بأبي هريرة بهرَّةٍ صغيرة كنتُ ألعب بها).
[ص 102] أقول: أما أصله فقد تقدم، وهو من قبيلة شريفة كريمة عزيزة. وأما نشأته فما أكثر الصحابة الذين لا تُعرف نشأتهم، حتى من خيارهم وكبارهم. وأما قوله: «نشأتُ يتيمًا الخ»(1) فهذه القصة رُويت من أوجه في إسناد كلٍّ منها مقال، ومجموعها يُثْبت أصلَ القصة، فأما الألفاظ التي تنفرد بها بعض الروايات فلا، وفي «الإصابة»(2): أن بُسْرة هذه أخت عتبة بن غزوان السلمي. وبلاد دوس بعيدة جدًّا عن بلاد بني سُليم، فيظهر أن أبا هريرة في هجرته إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم مرَّ ببلاد بني سُليم أو قريبًا منها، فوجد رفقة راحلين نحو المدينة وفيهم بُسْرة هذه، فصحبهم على أن يخدمهم في الطريق ويطعموه ويُعْقِبوه. ولا يدفع هذا ما ثبت عنه في «صحيح البخاري»(3) مِن قوله: «لما قدمتُ على النبيّ صلى الله عليه وسلم قلت في الطريق:
يا ليلةً من طولها وعنائها … على أنها من دارة الكفر نَجَّت
قال: وأَبَقَ لي غلام في الطريق، فلما قدمتُ على رسول الله صلى الله عليه وسلم فبايعته، فبَيْنَا أنا عنده إذ طلع الغلام، فقال: «يا أبا هريرة هذا غلامك»، فقلتُ: هو حرٌّ--------------------------------------------
(1) أخرج القصة ابن ماجه (2445)، وابن حبان (7150)، والبيهقي: (6/ 120) وغيرهم. وفي سندها حيان بن بسطام بن مسلم لم يوثقه غير ابن حبان.
(2) (7/ 537).
(3) (2530، 2531).
(খণ্ড: 12) (পৃষ্ঠা: 197)