في عدالة الصحابة الذي ذكره أبو ريَّة في كتابه ص 310 - 327.
وقال ص 75: (ضرر الرواية بالمعنى من الناحية اللغوية والبلاغية … ).
أقول: قد قدمتُ ما يعلم منه أنّ مِن الأحاديث ما يمكن أن يَحْكم العارف بأنه بلفظ النبي صلى الله عليه وسلم، ومنها ما يمكن أن يحكم بأنه بلفظ الصحابي، ومنها ما يمكن أن يحكم بأنه على لفظ التابعي. فهذه يمكن الاستفادة منها في العربية، وما عدا ذلك ففي القرآن وغيره ما يكفي.
وذكر ص 71 - 78 فصولًا مِن فروع الرواية بالمعنى يُعلم جوابها مما تقدّم.
وقال ص 78: (تساهلهم فيما يُروى في الفضائل، وضرر ذلك).
أقول: معنى التساهل في عبارات الأئمة هو التساهل بالرواية، كان مِنَ الأئمة مَنْ إذا سمع الحديث لم يروه حتى يتبين له أنه صحيح أو قريب من الصحيح أو يوشك أن يصح إذا وجد ما يعضده، فإذا كان دون ذلك لم يروه البتة. ومنهم مَن إذا وجد الحديث غير شديد الضعف وليس فيه حكم ولا سنَّة، إنما هو في فضيلةِ عَمَلٍ متفق عليه، كالمحافظة على الصلوات في جماعة ونحو ذلك، لم يمتنع من روايته. فهذا هوالمراد بالتساهل في عباراتهم. غير أنَّ بعضَ مَن جاء بعدهم فهِم منها التساهل فيما يرد في فضيلةٍ لأمر خاصّ قد ثبت شرعه في الجملة، كقيام ليلة معينة، فإنها داخلة في جملة ما ثبت مِنْ شَرْع قيام الليل. فبنى على هذا جواز أو استحباب العمل بالضعيف، وقد بَيَّن الشاطبيّ في «الاعتصام»(1) خطأ هذا الفهم. ولي في--------------------------------------------
(1) (2/ 17 - 22 ــ ط مشهور).
(খণ্ড: 12) (পৃষ্ঠা: 118)
ذلك رسالة لا تزال مسوَّدة(1).
[ص 61] على أنَّ جماعة من المحدّثين جاوزوا في مجاميعهم ذاك الحدّ، فأثبتوا فيها كلَّ حديث سمعوه ولم يتبين لهم عند كتابته أنه باطل. وأفرط آخرون فجمعوا كلَّ ما سمعوا، معتذرين بأنهم لم يلتزموا إلا أن يكتبوا ما سمعوه ويذكروا سنده، وعلى الناس أن لا يثقوا بشيء من ذلك حتى يعرضوه على أهل المعرفة بالحديث ورجاله. ثم جاء المتأخرون فزادوا الطين بلَّة بحذف الأسانيد.
والخلاصُ مِن هذا أسهل، وهو أن تُبيَّن للناس الحقيقة، ويُرجَع إلى أهل العلم والتقوى والمعرفة. لكن المصيبة حقّ المصيبة إعراض الناس عن هذا العلم العظيم، ولم يبق إلا أفراد يُلمُّون بشيء من ظواهره، ومع ذلك فالناس لا يرجعون إليهم، بل في الناس مَنْ يمقتهم ويبغضهم ويعاديهم ويتفنَّن في سبّهم عند كلِّ مناسبة ويدَّعي لنفسه ما يدَّعي، ولا ميزان عنده إلا هواه لا غير، وما يخالف هواه لا يبالي به ولو كان في «الصحيحين» عن جماعة من الصحابة، ويحتج بما يحلو له من الروايات في أيِّ كتاب وُجد، وفيما يحتج به الواهي والساقط والموضوع، كما ترى التنبيه عليه في مواضع من كتابي هذا، والله المستعان.
* * * *--------------------------------------------
(1) يعني رسالة حكم العمل بالحديث الضعيف، وهي منشورة ضمن هذا المشروع المبارك إن شاء الله.
(খণ্ড: 12) (পৃষ্ঠা: 119)
الوضع
وقال أبو ريَّة ص 80 ــ 89: (الوضع في الحديث وأسبابه … ).
أقول: نقل عبارات في هذا المعنى، وهو واقع في الجملة، ولكن المستشرقين والمنحرفين عن السنَّة يطوِّلون في هذا ويهوِّلون ويهملون ما يقابله. ومَثَلُهم مَثَلُ من يحاول مَنْع الناس من طلب الحقيقي الخالص من الأقوات والسمن والعسل والعقاقير، والحرير والصوف، والذهب والفضة، واللؤلؤ والياقوت، والمسك والعنبر، وغير ذلك= بذكر ما وقع من التزوير والتلبيس، والتدليس والغشّ في هذه الأشياء، ويُطيل في ذلك. والعاقل يعلم أنّ الحقيقي الخالص من هذه الأشياء لم يُرْفَع من الأرض، وأنّ في أصحابها وتجّارها أهل صِدْق وأمانة، وأنّ في الناس أهل خبرة ومهارة يميزون الحقيقيّ الخالص من غيره، فلا يكاد يدخل الضرر إلا على مَنْ لا يرجع إلى أهل الخبرة من جاهل ومقصّر، ومن لا يُبالي ما أخذ. والمؤمن يعلم أن هذه ثمرة عناية الله عز وجل بعباده في دنياهم، فما الظن بعنايته بدينهم؟ لابدّ أن تكون أتمَّ وأبلغ. ومن تتبَّع الواقع وتدبَّره وأنعم النظر تبين له ذلك غاية البيان.
أما الصحابة، فقد زكَّاهم الله في كتابه وعلى لسان رسوله، والأحاديث إنما ثبتت مِن رواية مَنْ زكَّاه الله ورسوله عينًا، أو لا ريب في دخوله فيمن زكَّاه الله ورسوله جملة. نعم جاءت أحاديث قليلة عن بعض من قد يمكن الشكّ فيه، لكن أركان الدين من سلف هذه الأمة تدبَّروا أحاديث هذا الضرب واعتبروها، فوجدوها قد ثبتت هي أو معناها برواية غيرهم، وبعد طول البحث والتحقيق تبيَّن لأئمة السنَّة [ص 62] أن الصحابةَ كلَّهم عدول في
(খণ্ড: 12) (পৃষ্ঠা: 120)
الرواية. وسيأتي مزيد لهذا في فصل «عدالة الصحابة»(1).
وأما التابعون، فعامة من وثَّقه الأئمة منهم ممَن كثرت أحاديثه هم ممن زكَّاه الصحابة، ثم زكَّاه أقرانه من خيار التابعين، ثم اعتبر الأئمة أحاديثه وكيف حدَّث بها في الأوقات المتفاوتة، واعتبروا أحاديثه بأحاديث غيره من الثقات، فاتضح لهم بذلك كلِّه صدقه وأمانته وضبطه. وهكذا مَنْ بعدهم.
وكان أهل العلم يشدّدون في اختيار الرواة أبلغ التشديد، جاء عن بعضهم ــ أظنه الحسن بن صالح بن حَيّ ــ أنه قال: كنا إذا أردنا أن نسمع الحديث مِن رجل سألنا عن حاله حتى يقال: أتريدون أن تزوِّجوه؟(2).
وجاء جماعة إلى شيخ ليسمعوا منه، فرأوه خارجًا وقد انفلتت بَغْلَتُه وهو يحاول إمساكها وبيده مخلاة يريها إياها، فلاحظوا أنّ المخلاة فارغة، فرجعوا ولم يسمعوا منه. قالوا: هذا يكذب على البغلة فلا نأمن أن يكذب في الحديث.
وذكروا أن شعبة كان يتمنّى لقاء رجل مشهور(3) ليسمع منه. فلما جاءه وجده يشتري شيئًا ويسترجح في الميزان، فامتنع شعبة من السماع منه. وتجد عدة نظائر لهذا ونحوه في «كفاية الخطيب» (ص 110 - 114).
وكان عامة علماء القرون الأولى ــ وهي قرون الحديث ــ مقاطعين للخلفاء والأمراء، حتى كان أكثرهم لا يقبل عطاء الخلفاء والأمراء، ولا يرضى بتولِّي القضاء، ومنهم مَنْ كان الخلفاء يطلبونهم ليكونوا بحضرتهم--------------------------------------------
(1) (ص 365).
(2) أخرجه الخطيب في «الكفاية» (ص 93) عن الحسن بن صالح كما ظنّه المؤلف.
(3) هو أبو الزبير المكي.
(খণ্ড: 12) (পৃষ্ঠা: 121)
ينشرون العلم، فلا يستجيبون، بل يفرُّون ويستترون. وكان أئمة النقد لا يكادون يوثِّقون محدِّثًا يداخل الأمراء أو يتولَّى لهم شيئًا. وقد جرحوا بذلك كثيرًا من الرواة، ولم يوثِّقوا ممن دَاخَلَ الأمراءَ إلا أفرادًا عَلِم الأئمةُ علمًا يقينًا سلامةَ دينهم وأنه لا مَغْمَز فيهم البتة.
وكان محمد بن بشر الزَّنْبري محدِّثًا يسمع منه الناس، فاتفق أن خرج أمير البلد لسفر فخرج الزَّنْبري يُشيّعه، فنقم أهل الحديث عليه ذلك وأهانوه ومزَّقوا ما كانوا كتبوا عنه(1).
وكثيرًا ما كانوا يُكذِّبون الرجل ويتركون حديثه لخبر واحد يتَّهمونه فيه. وتجد مِنْ هذا كثيرًا في «ميزان الذهبي» وغيره. وكذلك إذا سمعوه حدّث بحديث ثم حدّث به بعد مدة على وجه ينافي الوجه الأول.
وفي «الكفاية» (ص 113) عن شعبة قال: «سمعت من طلحة بن مصرِّف حديثًا واحدًا وكنت كلما مررت به سألته عنه … أردت أن أنظر إلى حفظه، فإنْ غيَّر فيه شيئًا تركته».
وكان أحدهم يقضي الشهر والشهرين يتنقل في البلدان يتتبع رواية حديث واحد، كما وقع لشعبة في حديث عبد الله بن عطاء عن عقبة بن عامر(2)، وكما وقع لغيره في الحديث الطويل في فضائل السور(3). ومن تَتبَّع كتب التراجم [ص 63] وكتب العلل بَانَ له مِن جِدِّهم واجتهادهم ما يحيِّر العقول.--------------------------------------------
(1) انظر «لسان الميزان»: (7/ 13 ــ 14) لابن حجر.
(2) ذكر القصة ابنُ حبان في «المجروحين»: (1/ 28).
(3) ذكر القصة الخطيبُ في «الكفاية» (ص 401). والحديث أخرجه ابن الجوزي في «الموضوعات» (471).
(খণ্ড: 12) (পৃষ্ঠা: 122)
وكان كثير من الناس يُحضِرون أولادَهم مجالسَ السماع في صغرهم ليتعوَّدوا ذلك، ثم يكبر أحدهم فيأخذ في السماع في بلده، ثم يسافر إلى الأقطار ويتحمَّل السفر الطويل والمشاقَّ الشديدة، وقد لايكون معه إلا جراب من خبز يابس يحمله على ظهره، يصبح فيأخذ كسرة ويبلّها بالماء ويأكلها ثم يغدو للسماع. ولهم في هذا قصص كثيرة، فلا يزال أحدهم يطلب ويكتب إلى أن تبلغ سنُّه الثلاثين أو نحوها، فتكون أُمنيته من الحياة أن يقبله علماءُ الحديث ويأذنوا للناس أن يسمعوا منه، وقد عَرَف أنهم إن اتهموه في حديث واحد أسقطوا حديثَه وضاع مجهوده طول عمره، وربح سوء السمعة واحتقار الناس.
وتجد جماعةً من ذرية أكابر الصحابة قد جرحهم الأئمة، وتجدهم سكتوا عن الخلفاء العباسيين وأعمامهم لم يرووا عنهم شيئًا، مع أنهم قد كانوا يروون أحاديث.
ومن تتبع أخبارَهم وأحوالَهم لم يعجب مِنْ غَلَبة الصدق على الرواة في تلك القرون، بل يعجب من وجود كذَّابين منهم. ومن تتبَّع تشدُّد الأئمة في النقد لم يعجبْ مِن كثرة من جرَّحوه وأسقطوا حديثه، بل يعجب من سلامة كثير من الرواة وتوثيقهم لهم مع ذلك التشدُّد.
وبالجملة، فهذا الباب يحتمل كتابًا مستقلًّا. وأرجو أن يكون فيما ذكرتُه ما يدفع ما يرمي إليه المستشرقون وأتباعُهم ــ بإفاضتهم في ذكر الوضع ــ من تشكيك المسلمين في دينهم وإيهامهم أنّ الله تعالى أخلَّ بما تكفَّل به مِنْ حفظ دينه، وأنَّ سلف الأمة لم يقوموا بما عليهم أو عَجَزوا عنه فاختلط الحقُّ بالباطل، ولم يبق سبيل إلى تمييزه. كلَّا بل حجة الله تعالى لم تزل ولن
(খণ্ড: 12) (পৃষ্ঠা: 123)
تزال قائمة، وسبيل الحق مفتوحًا لمن يريد أن يسلكه ولله الحمد.
وفي «تهذيب التهذيب» (1: 152): «قال إسحاق بن إبراهيم: أخذ الرشيدُ زنديقًا فأراد قتله، فقال: أينَ أنتَ مِن ألفِ حديثٍ وضعتُها؟ فقال له: أين أنت يا عدوَّ الله من أبي إسحاق الفَزَاري وابن المبارك ينخلانها حرفًا حرفًا»(1). وفي «فتح المغيث» (ص 109)(2): «قيل لابن المبارك: هذه الأحاديث المصنوعة؟ قال: تعيش لها الجهابذة، {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر: 9]».
وذكر ص 91 أحاديث قال: إنها موضوعة، ولم يذكر مَنْ حَكَمَ بوضعها من أهل العلم بالحديث. وذكر فيها حديث: «فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على [سائر] الطعام» وقد افترى مَنْ زَعَم هذا موضوعًا، بل هو في غاية الصحة، أخرجه الشيخان في «الصحيحين» من حديث أبي موسى الأشعري(3)، ومن حديث أنس(4) رضي الله عنهما.--------------------------------------------
(1) والخبر في «تاريخ دمشق»: (2/ 257) لابن عساكر.
(2) (1/ 303 ــ الجامعة السلفية)، والخبر في «تقدمة الجرح والتعديل» (ص 3) بسندٍ صحيح.
(3) البخاري (3411)، ومسلم (2431).
(4) البخاري (3770)، ومسلم (2446).
(খণ্ড: 12) (পৃষ্ঠা: 124)
[ص 64] معاوية والشام
وقال ص 91: (معاوية والشام … ).
ذكر عن أئمة السنَّة: إسحاق بن راهوية وأحمد بن حنبل والبخاري والنسائي، ثم ابن حجر، ما حاصله: أنه لم يصح في فضل معاوية حديث.
أقول: هذا لا ينفي الأحاديث الصحيحة التي تشمله وغيره، ولا يقتضي أن يكون كلّ ما رُوي في فضله خاصّة مجزومًا بوضعه. وبعد، ففي القضية برهانٌ دامغ لما يفتريه أعداء السنَّة على الصحابة وعلى معاوية وعلى الرواة الذين وثَّقهم أئمة الحديث، وعلى أئمة الحديث، وعلى قواعدهم في النقد.
أما الصحابة رضي الله عنهم، ففي هذه القضية برهان على أنه لا مجال لاتهام أحد منهم بالكذب على النبي صلى الله عليه وسلم، وذلك أنّ معاوية كان عشرين سنة أميرًا على الشام، وعشرين سنة خليفة، وكان في حزبه وفيمن يحتاج إليه جمعٌ كثير من الصحابة، منهم كثير ممن أسلم يوم فتح مكة أو بعده، وفيهم جماعةٌ من الأعراب، وكانت الدواعي إلى التعصّب له والتزلّف إليه متوفِّرة، فلو كان ثَمَّ مَساغ لأنْ يكذب على النبيّ صلى الله عليه وسلم أحدٌ لقيه وسمع منه مسلمًا لأقدَمَ بعضُهم على الكذب في فضل معاوية، وجَهَر بذلك أمام أعيان التابعين، فينقل ذلك جماعةٌ ممن يوثّقهم أئمة السنَّة فيصحّ عندهم ضرورة. فإذا لم يصح خبر واحد= ثبتَ صحةُ القول بأن الصحابة كلّهم عدولٌ في الرواية، وأنه لم يكن منهم أحد مهما خَفَّت منزلته وقويَ الباعثُ له محتملًا منه أن يكذب على النبي صلى الله عليه وسلم.
وأما معاوية فكذلك، فعلى فرض أنه كان يسمح بأن يقع كذب على
(খণ্ড: 12) (পৃষ্ঠা: 125)
النبيّ صلى الله عليه وسلم ما دام في فضيلة له، وأنه لم يطمع في أن يقع ذلك من أحد غيره ممن له صحبة، أو طمع ولكن لم يُجْدِهِ ترغيبٌ ولا ترهيبٌ في حَمْل أحد منهم على ذلك، فقد كان في وُسْعه أن يحدِّث هو عن النبي صلى الله عليه وسلم، فقد حدَّث عدد كثير من الصحابة عن النبي صلى الله عليه وسلم بفضائل لأنفسهم وقَبِلَها منهم الناس ورووها وصحَّحها أئمة السنة.
ففي تلك القضية برهان على أن معاوية كان من الدين والأمانة بدرجة تمنعه من أن يفكِّر في أن يكذب أو يحمل غيره على الكذب على النبي صلى الله عليه وسلم مهما اشتدّت حاجتُه إلى ذلك. ومن تدبَّر هذا علم أن عدم صحة حديث عند أهل الحديث في فضل معاوية أدلّ على فضله من أن تصح عندهم عدة أحاديث.
وأما الرواة الذين وثقهم أئمة الحديث، فقد كان من حزب معاوية والموالين له عدد منهم، كان في وُسْعهم أن يكذبوا على بعض الصحابة الذين لقوهم ورووا عنهم، فيرووا عنه حديثًا أو أكثر في فضل معاوية [ص 65] وينشروا ذلك فيمن يليهم من الثقات فيصححه أهل الحديث. فعدم وقوع شيء مِن ذلك يدلّ على أنّ الرواة الذين يوثّقهم أئمة الحديث ثقات في نفس الأمر.
وأما أئمة الحديث، فهم معروفون بحُسْن القول في الصحابة عامة وخصومهم ينقمون عليهم ذلك، كما تراه في فصل عدالة الصحابة من كتاب أبي رية(1)، ويرمونهم بالنَّصْب ومحبة أعداء أهل البيت والتعصب لهم. وتلك القضية براءة لهم؛ فلو كانوا من أهل الهوى المُتَّبع لأمكنهم أن--------------------------------------------
(1) (ص 310 ــ ط الأولى، 312 ــ ط السادسة). وانظر (ص 365) من كتابنا هذا.
(খণ্ড: 12) (পৃষ্ঠা: 126)
يصحِّحوا عدةَ أحاديث في فضل معاوية، أو يسكتوا على الأقل عن التصريح بأن كلّ ما روي في ذلك غير صحيح.
وأما قواعدهم في النقد، فلا ريب أن نجاحها في هذا الأمر ــ وهو مِن أشدّ معتركات الأهواء ــ مِن أقوى الأدلة على وفائها بما وُضِعَت له.
وأما الشام، فلا ريب أن الموضوعات في فضلها كثيرة، ولكن ليس من الحق في شيء أن تُعد دلالة الخبر على فضلها دليلًا على وضعه، فإن فضلها ثابت بالقرآن، وكذلك الحال في بيت المقدس قال الله تعالى: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ} [الإسراء: 1]. وأخبر الله عز وجل عن الشام بقوله: {الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا} [الأنبياء: 71] اقرأ (7: 136) و (21: 71 و 81) وبقوله: {الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا} [سبأ: 18].
وكذلك من الباطل أن تُعدّ دلالة الخَبَر على أمر بأنه سيقع دليلًا على وضعه ما دمنا نؤمن بأن محمدًا رسول الله يُطْلِعه الله مِن غَيبه على ما يشاء. فأما أن يكون مثل هذا مما يسترعي النظر ليبحث عن الخبر من جهة إسناده وما يتصل به ليحكم عليه بحسب ذلك فلا بأس.
وحديث: «الخلافة بالمدينة والملك بالشام» رواه هُشَيم (وهو ثقة يدلس) عن العوَّام بن حوشب (وهو ثقة) عن سليمان بن أبي سليمان عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم. أخرجه الحاكم في «المستدرك» (3: 72) وقال: «صحيح على شرط مسلم» تعقبه الذهبي فقال: «سليمان وأبوه مجهولان» وهو في «تاريخ البخاري» (2/ 2/17) ذكر الجملة الأولى
(খণ্ড: 12) (পৃষ্ঠা: 127)
فقط(1).
وقال ص 94: (أصل فِرْية الأبدال … ).
أقول: سترى الكلام على تلك الأخبار في «موضوعات الشوكاني»(2) وتعليقي عليه إن شاء الله.
قال: (روى الواقدي: أن معاوية لما عاد من الشام … ).
[ص 66] أقول: كرهتُ إثبات الخبر لفَرْطِ سماجته، وأبو ريَّة يتظاهر بالشكوى من الموضوعات ثم يحتجّ بهذا الموضوع الذي إن لم يكن كذبًا فليس في الدنيا كذب. أما سنده فعزاه أبو ريَّة إلى «شرح النهج»(3) لابن أبي الحديد، وابنُ أبي الحديد حاله معروفة، ولا ندري ما سنده إلى الواقدي، بل أكاد أقطع أنّ الواقديّ لم يقل هذا ولا رواه، على أنَّ الواقديّ نفسه متروك ولا يُدْرَى ــ على فَرْض أنه رواه ــ ما سنده. وأما الخبر نفسُه فكذبٌ مكشوف لا يخفى على من يعرف معاويةَ، وعقلَ معاوية، ودهاءَ معاوية، وتحفّظَ معاوية ولو معرفة بسيطة، وقد تقدَّم ما علمتَ.
وقال ص 101: (كيف استجازوا وضع الأحاديث … ).
ثم قال: (أخرج الطحاوي في «المشكل» عن أبي هريرة … ).--------------------------------------------
(1) وأخرجه نعيم بن حماد في «الفتن» (248)، والبيهقي في «الدلائل»: (6/ 447)، وابن الجوزي في «العلل المتناهية»: (1277) وقال: «وهذا لا يصح».
(2) انظر «الفوائد المجموعة» للشوكاني (ص 245 ــ 247) بتعليق المؤلف رحمه الله تعالى.
(3) (4/ 72).
(খণ্ড: 12) (পৃষ্ঠা: 128)
أقول: لم أظفر به في «مشكل الآثار» للطحاوي المطبوع(1)، وإنما عُزِي في «كنز العمال» (5: 323) إلى الحكيم الترمذي، وقد ذكر أبو ريَّة هذا الخبر من مصدر آخر ص 164 كما ذكر الخبرين اللَّذَيْنِ عقبه، وسأنظر في ذلك هناك إن شاء الله تعالى(2)، ويتبيَّن براءة أبي هريرة منها كلها.
وقال ص 102: (الوُضّاع الصالحون … وقالوا: نحن نكذب له لا عليه. وإنما الكذب على من تعمَّدَه).
أقول: قوله: (وإنما الكذب على من تعمّده). ليست من قولهم ولا تتعلق بهم.
وقال ص 104: (الوضع بالإدراج … ) إلى أن قال: ( … في حديث الكسوف وهو في الصحيح: «إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله، لا ينخسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى ذكر الله والصلاة .. » قال العراقي(3): هذه الزيادة لم يصح نقلها فوجب تكذيب قائلها).
أقول: تحصَّل من كلامه أن «فإذا رأيتم الخ» طَعَنَ فيها العراقي وقال ما قال. وهذا من تخليط أبي ريَّة، إنما الكلام في زيادة أخرى وقعت عند ابن ماجه لَفْظُها(4): «فإن الله إذا تجلَّى لشيء خشع له» والطاعن فيها هو الغزالي--------------------------------------------
(1) هو في الطبعة الجديدة رقم (6068)، وأعله البخاري في «تاريخه»: (3/ 434)، وأبو حاتم، قال في «العلل» (2445): «هذا حديث منكر، الثقات لا يرفعونه». أي: لا يذكرون فيه «أبو هريرة». وانظر التعليق على «العلل».
(2) انظر (ص 217 ــ 218).
(3) أصلحها أبو رية في الطبعات اللاحقة إلى «الغزالي».
(4) رقم (1262). وأخرجه أحمد (18351)، والنسائي (1485)، وابن خزيمة (1403) وغيرهم.
(খণ্ড: 12) (পৃষ্ঠা: 129)
لا العراقي. راجع «توجيه النظر» (ص 172)(1) و «فتح الباري» (2: 445)(2). وبهذا وغيره يتبين أن أبا ريَّة غير موثوق بنقله. ولم أتمكن من مراجعة جميع مصادره، مع أنه كثيرًا ما يهمل ذكر المصدر. وإنما ذكرت هذا لئلا يُغترّ بسكوتي عن بعض ما ينقله.
ثم قال: (هل يمكن معرفة الموضوع؟ ذكر المحققون أمورًا كلية … ).
[ص 67] أقول: كان عليه أن ينصّ على مَن ذكر هذه الأمور ويبيّن مصدرها. ومن الأمور التي ذكرها ما يحتاج إلى بيان وإيضاح، ومخالفة ظاهر القرآن قد تقدّم ما يتعلق بها (ص 14)(3). والاشتمال على تواريخ الأيام المستقبلة علامة إجمالية تدعو إلى التثبّت لكثرة ما وُضِع في هذا الباب. وإلا فقد أَطْلَعَ اللهُ تعالى رسولَه على كثير من الغيب وأخبره به. وتجارب العلم الثابتة، إنما يعتدّ بها إذا كانت قطعية وناقضت الخبر مناقضةً محقَّقة، ولعله يأتي ما يتعلق بها.
وقال ص 105: (وأخرج البيهقي بسنده … ).
أقول: لم يبيِّنْ أبو ريَّة من أيِّ كتاب أخذ هذا الأمر، وأحسب البيهقي نفسه قد بيَّن سقوطه من جهة السَّنَد(4)،
أما المتن فسقوطه واضح، راجع--------------------------------------------
(1) الطبعة الأولى.
(2) (2/ 537 ــ السلفية).
(3) (ص 28 ــ 29).
(4) هذا الأثر نقله أبو رية من كتاب السيوطي «مفتاح الجنة» (ص 26) وهو ينقل عن البيهقي، ونقول السيوطي في هذا الكتاب غالبها من «المدخل إلى السنن» وهذا النص ليس في المطبوع منه. فلم نعرف هل تكلم البيهقيُّ على سنده أم لا.
والأثر أخرجه عبد الرزاق في «الأمالي» (193)، والهروي في «ذم الكلام» (245) من طريق عاصم بن كليب عن أبيه عن ابن عباس. وأخرجه من طريق الأرقم بن شرحبيل ابنُ أبي عمر ــ كما في «المطالب العالية» (3073) ــ وقال البوصيري في «إتحاف الخيرة» (333): «هذا إسناد رجاله ثقات، إلا أن أبا إسحاق ــ واسمه عمرو بن عبد الله ــ لم يذكر سماعًا من أرقم بن شرحبيل» اهـ.
(খণ্ড: 12) (পৃষ্ঠা: 130)
(ص 14)(1).
وذكر ص 105: (هل يمكن معرفة الموضوع بضابط)، ثم ذكر ص 106: (للقلب السليم إشراف الخ).
أقول: ينبغي مراجعة الأصول التي نَقَلَ عنها(2).
* * * *--------------------------------------------
(1) (ص 28 ــ 29).
(2) نقل أبو رية كلامَ ابن عروة الحنبلي «للقلب السليم … » من كتاب «قواعد التحديث» (ص 165 ــ 172) للقاسمي مع تصرف واختصار يناسب غرضه!
(খণ্ড: 12) (পৃষ্ঠা: 131)
الإسرائيليات
ذكرها أبو ريَّة ص 108 وذكر فيها كعب الأحبار ووهب بن منّبه، وسيأتي ما يتعلق بهما(1).
ثم ذكر ص 110 عن أحمد أمين: (اتصل بعض الصحابة بوهب بن منبّه وكعب الأحبار وعبد الله بن سلام، واتصل التابعون بابن جريج، وهؤلاء كانت لهم معلومات يروونها عن التوراة والإنجيل الخ). ثم قال أبو ريَّة: ( .. أخذ أولئك الأحبار يبثّون في الدين الإسلامي أكاذيب وترّهات يزعمون مرَّة أنها في كتابهم ومن مكنون علمهم، ويدَّعون أخرى أنها مما سمعوه من النبيّ صلى الله عليه وسلم وهي في الحقيقة من مفترياتهم).
أقول: أما عبد الله بن سلام فصحابيّ جليل أسلم مَقْدَمَ النبيّ صلى الله عليه وسلم المدينة، وشهد له النبيُّ صلى الله عليه وسلم بالجنة كما ثبت في «الصحيحين»(2) وغيرهما من حديث سعد بن أبي وقّاص وغيره، وحدَّث عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قليلًا جدًّا، وقلّما ذَكَر عن كتب أهل الكتاب، وما ثبت عنه من ذلك فهو مُصدَّق به حتمًا وإن لم يوجد في كتب أهل الكتاب الآن، إذ قد ثبت أن كثيرًا مِن كتبهم انقرض. ولا يسيء الظنَّ بعبد الله بن سلام إلا جاهل أو مكذِّب لله ورسوله.
وأما وهب بن مُنبِّه فولد في الإسلام سنة 34 هـ وأدرك بعض الصحابة، ولم يُعْرَفْ أن أحدًا منهم سمع منه أو حكى عنه وإنما يحكي عنه مَنْ بعدهم. وسيأتي بيان حاله(3).
[ص 68] وأما كعب فأسلم في عهد عمر، وسمع منه ومن غيره من--------------------------------------------
(1) (ص 135 وما بعدها، 138 وما بعدها).
(2) البخاري (3812)، ومسلم (2483).
(3) (ص 138 وما بعدها).
(খণ্ড: 12) (পৃষ্ঠা: 132)
الصحابة وحكى عنه بعضهم وبعض التابعين، ويأتي بيان حاله(1).
وأما ابن جُريج فيأتي ص 148 أنه «الذي مات سنة 150» وهو عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج، وإنما هو من أتباع التابعين ولا شأن له بالإسرائيليات، وكأنَّ الدكتور(2) اغتر باسم «جريج» فحشره في زمرة هؤلاء، فجاء حاطب الليل فقال ص 148: (وممن كان يبثّ في الدين الإسلامي مما يخفيه قلبه ابن جريج الرومي الذي مات سنة 150 وكان البخاري لا يوثّقه، وهو على حقّ في ذلك). وهذا مخالف للواقع فلم يُعرف ابن جريج بالإسرائيليات إلا أن يروي شيئًا عمن تقدَّمه وهو إمام جليل يوثّقه ويحتجّ به البخاري وغيره. ولم يجد أبو ريَّة ما يحكيه عنه مما زعمه.
ومن العجائب قوله في حاشية ص 216: (ابن جريج كان من النصارى)(3) هكذا يكون العلم!
ثم قال ص 110: ( … وتلقَّى الصحابة ومن تبعهم كل ما يلقيه هؤلاء الدهاة بغير نقد أو تمحيص معتبرين أنه صحيح لا ريب فيه).
أقول: وهذا مخالف للواقع، فقد علم الصحابة وغيرهم من كتاب الله عز وجل أن أهل الكتاب قد حرَّفوا كتبهم وبدَّلوا. ورووا عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قوله: «لا--------------------------------------------
(1) (ص 135 وما بعدها).
(2) يعني أحمد أمين. فقد نقل عنه أبو ريَّة ولقّبه بذلك، وليس هو في حقيقة الحال من الحاصلين عليها! و «حاطب الليل» هو أبو ريَّة.
(3) غيَّر أبو ريَّة هذا التعليق في الطبعات اللاحقة (ص 238 ــ ط 6) إلى: «هو عبد الملك … بن جريج الرومي» وهذا التغيير له ما وراءه، فقد ذكر (ص 162 ــ ط 6) «أن أصل ابن جريج رومي فهو نصراني الأصل»! فانظر واعجب!
(খণ্ড: 12) (পৃষ্ঠা: 133)
تصدّقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم» كما في «صحيح البخاري»(1) عن أبي هريرة. وفيه(2) عن ابن عباس أنه قال: «كيف تسألون أهل الكتاب عن شيء وكتابكم الذي أنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم أحْدَث، تقرؤونه محضًا لم يُشَب، وقد حدَّثكم أن أهل الكتاب بدَّلوا كتابَ الله وغيَّروه». وفيه(3): أن معاوية ذكر كعبَ الأحبار فقال: «إن كان من أصدق هؤلاء المحدِّثين عن أهل الكتاب، وإن كنا مع ذلك لنبلو عليه الكذب».
وكان عند عبد الله بن عَمرو بن العاص صحيفة عن النبيّ صلى الله عليه وسلم كان يسمِّيها «الصادقة»(4) تمييزًا لها عن صحف كانت عنده من كتب أهل الكتاب.
وزعم كعبٌ أن ساعة الإجابة إنما تكون في السنة مرّة أو في الشهر مرّة، فردَّ عليه أبو هريرة وعبدُ الله بن سلام بخبر النبيّ صلى الله عليه وسلم أنها في كل يوم جمعة(5).
وبلغ حذيفَة أنّ كعبًا يقول: إن السماء تدورعلى قطب كقطب الرحى، فقال حذيفة: «كذب كعب … »(6).--------------------------------------------
(1) (4485).
(2) (7363).
(3) (7361).
(4) أخرجه الدارمي (513)، والخطيب في «تقييد العلم» (152).
(5) انظر سنن النسائي في أبواب الجمعة. [المؤلف]. والحديث أخرجه أبو داود (1046)، والنسائي (1430)، والترمذي (491)، وأحمد (10303) وغيرهم. وصححه الترمذي، وابن حبان (2772).
(6) ترجمة كعب من الإصابة [5/ 650]. [المؤلف]. وقال الحافظ: إن ابن أبي خيثمة أخرجه بسندٍ حسن، وأخرجه ابن منده في «التوحيد» (60) عن عبد الله بن مسعود بنحوه.
(খণ্ড: 12) (পৃষ্ঠা: 134)
وبلغَ ابنَ عباس أنّ نوفًا البِكالي ــ وهو من أصحاب كعب ــ يزعم أن موسى صاحب الخضر غير موسى بن عمران، فقال ابن عباس: «كذب عدو الله … »(1)، ولذلك نظائر.
وأما ما رواه كعب ووهب عن النبيّ صلى الله عليه وسلم فقليل جدًّا، وهو مرسل؛ لأنهما لم يدركاه، والمرسل ليس بحجة، وقد كان الصحابة ربما توقف بعضهم عن قبول خبر بعض إخوانه من الصحابة حتى يستثبت، فما بالك بما يرسله كعب! فأما وهب فمتأخِّر. وأما ما روياه عن بعض الصحابة أو التابعين [ص 69] فإن أهل العلم نقدوه كما ينقدون رواية سائر التابعين، ويأتي لهذا مزيد.
قال ص 111: (كعب الأحبار … ).
أقول: لكعب ترجمة في «تهذيب التهذيب»(2)، وليس فيها عن أحد من المتقدّمين توثيقه، إنما فيها ثناء بعض الصحابة عليه بالعلم، وكان المزّي عَلَّم عليه علامة الشيخين(3)، مع أنه إنما جرى ذكره في «الصحيحين» عَرَضًا لم يُسْنَد مِن طريقه شيء من الحديث فيهما. ولا أعرف له رواية يحتاج إليها--------------------------------------------
(1) صحيح البخاري [122] تفسير سورة الكهف. [المؤلف].
(2) (8/ 438).
(3) الذي في «تهذيب الكمال»: (6/ 169) علامة (خ د ت س فق)، وليس فيه علامة مسلم، فتعقبه ابن حجر في «تهذيب التهذيب»: (8/ 438) بأنه قد وقع ذكر الرواية عنه في مواضع في مسلم في أواخر كتاب الإيمان، وفي حديث: «إذا أدّى العبدُ حقَّ الله … » ثم تعقبه بما ذكره المؤلف من أنه إنما جرى ذكره عرضًا في الكتب وليست له رواية.
(খণ্ড: 12) (পৃষ্ঠা: 135)
أهل العلم. فأما ما كان يحكيه عن الكتب القديمة فليس بحجة عند أحد من المسلمين، وإن حكاه بعضُ السلف لمناسبته عنده لما ذُكِر في القرآن.
وبعد، فليس كلّ ما نُسِب إلى كعب في الكتب بثابت عنه؛ فإن الكذابين مِنْ بعده قد نسبوا إليه أشياء كثيرة لم يقلها. وما صحَّ عنه من الأقوال ولم يوجد في كتب أهل الكتاب الآن ليس بحجة واضحة على كذبه؛ فإن كثيرًا من كتبهم انقرضت نُسَخُها، ثم لم يزالوا يحرّفون ويبدّلون، وممن ذَكَر ذلك السيد رشيد رضا في مواضع من «التفسير»(1) وغيره.
واتهامه بالاشتراك في المؤامرة على قتل عمر لا يثبت، وكعب عربيُّ النسب، وإن كان قبل أن يسلم يهوديّ النحلة. وقول أبي ريَّة: (فاستصفاه معاوية وجعله من مستشاريه) مِن عنديّاته، والذي عند ابن سعد(2) وغيره أنه سكن حمص حتى مات بها سنة 32.
وذكر أبو ريَّة في الحاشية: (قال لقيس بن خرشة: ما من الأرض شبر(3) … ).
أقول: هذه الحكاية منقطعة، حاكيها عن كعب وُلِد بعده بنحو عشرين سنة(4)، وأول الحكاية: أنّ كعبًا مرَّ بصِفِّين فوقف ساعة ثم قال: «لا إله إلا--------------------------------------------
(1) «تفسير المنار»: (3/ 329 ــ 332، 1/ 174، 195).
(2) في «الطبقات الكبرى»: (9/ 449)، وانظر «تهذيب الكمال»: (6/ 170).
(3) في كتاب أبي رية: «ما مِن شبر في الأرض».
(4) وهو يزيد بن أبي حبيب، فقد توفي سنة 128 هـ عن نحو ثمانين سنة، أي ولد نحو سنة 50 هـ بعد موت كعب بنحو عشرين سنة.
لذلك قال الحافظ في «الإصابة»: (5/ 465): «رجاله ثقات، لكن في السند انقطاع ورجل لم يسمّ». وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد»: (7/ 268): «مرسل».
والأثر أخرجه الطبراني في «الكبير»: (18/ 346)، وأبو نعيم في «معرفة الصحابة»: (5/ 116 ــ 117)، والبيهقي في «الدلائل»: (6/ 476).
(খণ্ড: 12) (পৃষ্ঠা: 136)
الله، ليُهراقنّ بهذه البقعة من دماء المسلمين شيء لا يُهراق ببقعة في الأرض … » وكان ذلك قبل وقعة صِفِّين بسنين، فهل يصدِّق أبو ريَّة هذا كما صدَّق بقية الحكاية؟ على أن فيها غريبة أخرى لا أراه يصدِّق بها(1).
قال ص 112: (افتجَرَ هذا الكاهن لإسلامه سببًا عجيبًا … قد أخرج ابن سعد بسند صحيح … فقال: إن أُبيّ كتب لي كتابًا من التوراة … وختم على سائر كتبه … ففتحتها فإذا صفة محمد وأمته، فجئت الآن مسلمًا).
أقول: أما السند فليس بصحيح، فيه علي بن زيد وهو كما قال ابن حجر في «التقريب»: «ضعيف»(2) ولم يُخرج له أحد من الشيخين، إلا أن مسلمًا أخرج حديثًا عن حماد بن سلمة عن ثابت البُناني وعلي بن زيد، والاعتماد على ثابت وحده، [ص 70] لكن لما وقع في سياق السند ذِكْر عليّ بن زيد لم ير مسلم أن يحذفه. ولمسلم من هذا نظائر.
وأما القصة فلا أدري ما ينكر المسلم منها وهو يقرأ قول الله عز وجل في كتابه: {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ} الآية(3) [الأعراف: 157]، وقوله سبحانه: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ--------------------------------------------
(1) وهي ــ فيما أحسب ــ طريقة موت قيس بن خَرَشة عندما أراد عبيد الله بن زياد أن يقتله، ففي الرواية: أنه لما نودي بصاحب العذاب مال قيس عند ذلك فمات.
(2) وكذلك ضعفه في «فتح الباري»: (1/ 373، 395، 2/ 563، 3/ 22) وغيرها وإن كان قد حسَّن سنده هذا في «الإصابة»: (5/ 648) ولعله عمدة أبي رية في تصحيحه.
(3) انظر تفسير المنار 9: 230 - 300. [المؤلف].
(খণ্ড: 12) (পৃষ্ঠা: 137)