قال ص 26: (وثانيهما عدم تدوين الصحابة الحديث ونشره).
أقول: أما النشر فقد نشروه بحمد الله تعالى، وبذلك بَلَغنا. وأما التدوين فيعني به الجمع في كتاب كما جمعوا القرآن، فاعلم أن الله تبارك وتعالى تكفَّل بحفظ القرآن وبيانِه وهو السُّنة كما مرَّ(1)، وما تكفَّل الله بحفظه فلابدّ أن يُحفظ. وقد علمنا من دين الله أنّ على عباده مع إيمانهم بحفظ ما تكفَّل بحفظه أن يعملوا ما من شأنه في العادة حفظ ذاك الشيء، وأنه لا تنافي بين الأمرين. وفي «جامع الترمذي» و «المستدرك»(2) وغيرها عن أبي خُزامة عن أبيه قال: قلت: يا رسول الله أرأيت رقًى نسترقي بها، ودواء نتداوى به، وتُقَاة نتَّقيها هل تَردُّ من قَدَر الله شيئًا؟ قال: «هو من قَدَر الله».
فأما القرآن فأمروا بحفظه بطريقين: الأولى: حفظ الصدور، وعليها كان اعتمادهم في الغالب. الثانية: بالكتابة فكان يُكْتَب في العهد النبوي في قطع صغيرة من جريد النخل وغيرها، فلما غزا المسلمون اليمامة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم بقليل استحرَّ القتل بالقُرَّاء قبل أن يأخذ عنهم التابعون، فكان ذلك مظنَّة نقص في الطريق الأولى، فرأى عمر المبادرة إلى تعويض ذلك بتكميل الطريق الثانية، فأشار على أبي بكر بجمع القرآن في صحف، فنفر منها أبو بكر وقال: «كيف نفعل ما لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم»؟ فقال عمر: «هو والله خير»(3).--------------------------------------------
(1) (ص 42 ــ 43).
(2) الترمذي (2148)، والحاكم: (1/ 32). وأخرجه أحمد (15472)، وابن ماجه (3437). وفيه ضعف راجع حاشية المسند: (24/ 217).
(3) أخرجه البخاري (7191).
(খণ্ড: 12) (পৃষ্ঠা: 58)
يريد أنه عملٌ يتمّ به مقصود الشرع من حفظ القرآن، وعدمُ فعل النبيّ صلى الله عليه وسلم له إنما كان لعدم تحقق المقتضي وقد تحقق، ولا يترتب على الجمع محذور، فهو خيرٌ محض.
فجُمِع القرآن في صحف بقيت عند أبي بكر، ثم عند عمر، ثم عند ابنته حفصة [ص 30] أم المؤمنين، حتى طلبها عثمان في خلافته وكتب المصاحف.
ومعنى هذا أنه طول تلك المدة التي(1) لم تَبْدُ حاجة إلى تلك الصحف بل بقي القُرَّاء يُبلِّغون القرآن من صدورهم، ومنهم مَن كتب مِن صدره مصحفًا لنفسه، فلما كان في زمن عثمان احتيج إلى تلك الصحف لاختيار الوجه الذي دعت الحاجة إلى قصر الناس على القراءة به دون غيره، وكتب عثمانُ بضعة مصاحف وبعث بها إلى الأمصار لا لتبليغ القرآن بل لمنع أن يقرأ أحد بخلاف ما فيها. هذا شأن القرآن.
فأما السُّنة فمخالفةٌ لذلك في أمور:
الأول: أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يُعْنَ بكتابتها بل اكتفى بحفظهم في صدورهم وتبليغهم منها، أي بنحو الطريق الأولى في القرآن.
الثاني: أنها كانت منتشرة لا يمكن جمعها كلها بيقين.
الثالث: أنه لم يتفق لها في عهد الصحابة ما اتفق للقرآن؛ إذ استحرَّ القتل بحُفَّاظه من الصحابة قبل أن يتلقَّاه التابعون، فإن الصحابة كانوا كثيرًا ولم يتفق أن استحرَّ القتل بحُفَّاظ السُّنة منهم قبل تلقي التابعين.--------------------------------------------
(1) كذا في (ط)، فإن كانت هكذا عند المؤلف فلعل العبارة «التي لم تبدُ [فيها] حاجة .. ».
(খণ্ড: 12) (পৃষ্ঠা: 59)
الرابع: أنهم كانوا إذا هموا بجمعها رأوا أنه لن يكون كما قال عمر في جمع القرآن: «هو والله خير» أي خير محض لا يترتَّب عليه محذور. كانوا يرون أنه يصعب جمعها كلها، وإذا جمعوا ما أمكنهم خشوا أن يكون ذلك سببًا لردِّ مَنْ بعدهم ما فاتهم منها وقد مرَّ (ص 24)(1) عن أبي بكر في سبب تحريقه ما كان جَمَعه منها «أو يكون قد بقي حديث لم أجده فيقال: لو كان قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم ما خفي على أبي بكر». وخشوا أيضًا مِنْ جمعها في الكتب قبل استحكام أمر القرآن أن يُقْبِلَ الناس على تلك الكتب ويَدَعوا القرآن لِمَا مرَّ (ص 25)(2) عن عُمَر و (ص 27)(3) عن أبي موسى، فلذلك رأوا أن يكتفوا بنشرها بطريق الرواية ويَكِلُوها إلى حفظ الله تعالى الذي يؤمنون به.
ثم ذكر ص 26 أشياء قد تقدم الجواب عنها، ثم قال: (وكون التابعين لم يدوّنوا الحديث إلا بأمر الأمراء).
أقول: وجمع القرآن إنما كان بأمر الأمراء: أبي بكر وعمر وعثمان. فإن قيل: هم أمراء المؤمنين وأئمة في العلم وأئمة في التقوى، قلنا: فعمر بن عبد العزيز كذلك في هذا كله، وهو الآمر بالتدوين، وتبعه الخلفاء بعده.
قال: (يؤيد ما ورد مِنْ أنهم كانوا [قبل ذلك] يكتبون الشيء لأجل حفظه ثم يمحونه).
أقول: هذه حال بعضهم، وقد تقدم (ص 27 ــ 28)(4) أن جماعةً كانوا--------------------------------------------
(1) (ص 48).
(2) (ص 49 ــ 50).
(3) (ص 52 ــ 53).
(4) (ص 52 ــ 55).
(খণ্ড: 12) (পৃষ্ঠা: 60)
يكتبون ويُبْقُون كتبهم.
قال: (وإذا أضفت إلى هذا ما ورد في عدم رغبة كبار الصحابة في التحديث بل في رغبتهم عنه).
أقول: سيأتي رد هذا مفصّلًا. والتحقيق أنَّ بعض كبار الصحابة يرون أن تبليغ الأحاديث إنما يتعين [ص 31] عند وقت الحاجة، ويرون أنهم إذا بلَّغوا بدون حضور حاجة فقد يكون منهم خطأ ما قد يؤاخذون به، بخلاف ما إذا بلَّغوا عند حضور الحاجة فإنَّ ذلك متعيّن عليهم، فإما أن يحفظهم الله تعالى من الخطأ، وإما أن لا يؤاخذهم. ولهذا رُويت الأحايث عنهم كلهم، ولم يُنْقَل عن أحدٍ منهم أنه كان عنده حديث فتحققت الحاجة إلى العمل به فلم يحدّث به.
وكان جماعة آخرون من الصحابة يُحدّثون وإن لم تتحقق حاجة، يرون أن التبليغ قبل وقت الحاجة مُرغَّب فيه، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «حدِّثوا عَنّي ولا حَرَج»(1) وغير ذلك من الأدلة الداعية إلى نشر العلم وتبليغ السُّنة. ولكلٍّ وجهة، وكلّهم على خير. على أنه لما قَلَّ الصحابة رجحت كِفّة الفريق الثاني.
قال: (بل في نهيهم عنه).
أقول: لم ينهوا، وكيف ينهون وما من أحد منهم إلا وقد حدَّث بعدد من الأحاديث، أو سأل عنها، وإنما جاء عن عمر أنه نهى عن الإكثار، ومرجع ذلك إلى أمرين: الأول: استحباب أن لا يكون التحديث إلا عند حضور--------------------------------------------
(1) أخرجه مسلم (3004) من حديث أبي سعيد الخدري.
(খণ্ড: 12) (পৃষ্ঠা: 61)
الحاجة. الثاني: ما صرَّح به من إيثار أن لا يشغل الناس ــ يعني بسماع الأحاديث دون حضور حاجة ــ عن القرآن.
وجاء عنه كما يأتي: «أقلُّوا الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا فيما يعمل به». و «العمل» في كلامه مطلق، يعمُّ العبادات والمعاملات والآداب، لا كما يهوى أبو رية.
قال: (قويَ عندك ترجيح كونهم لم يريدوا أن يجعلوا الأحاديث (كلها) دينًا عامًّا دائمًا كالقرآن).
أقول: هذه نظريته القائلة: «دين عام ودين خاص» والذي يظهر من كلماته أن الدين العام الدائم هو الدين الحقيقي اللازم، وأنه كما عبَّر عنه فيما مضى (ص 15)(1) «المتفق عليه». وعلى هذا فمقصوده أن ما ذكر هنا يقوى عند مخاطبه أنَّ الصحابة كانوا لا يوجبون العمل بالأحاديث الثابتة عندهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا قدرًا يسيرًا هو الذي اتفقوا ووافقهم بقية الأمة بعدهم على العمل به، وأن ما زاد على ذلك فالأمر فيه على الاختيار: مَنْ شاء أخذ، ومَنْ شاء تَرَك. بل إنهم كانوا يرون من الخير إماتة تلك الأحاديث!
فإن كان هذا مراده فبطلانه معلوم من الدين قطعًا. وحسبك أنه لم يجد أحدًا من علماء الأمة يَنْسب إليه هذا القول بحق أو باطل سوى ما مرّ (ص 15)(2) مِنْ نِسْبته أو نحوه إلى الغزالي، وقدّمنا بيان بطلان تلك النسبة. هذا ونصوص الكتاب والسنة، والمتواتر عن الصحابة، وإجماع علماء الأمة، كلّ ذلك يُبْطل قولَه هذا قطعًا.--------------------------------------------
(1) (ص 31) من هذه الطبعة.
(2) (ص 31).
(খণ্ড: 12) (পৃষ্ঠা: 62)
على أن نظريته هذه لا تقتصر على إهمال الأحاديث الصحيحة، بل تتضمن كما تقدم (ص 15) إهمال دلالات القرآن [ص 32] التي نقل ما يخالفها عن بعض من نُسِب إلى العلم ولو واحدًا فقط. فعلى زعمه دلالاتُ القرآن الظاهرة والأحاديث الصحيحة، ولو رواها عدد من الصحابة، لا يلزم المسلم أن يعمل بشيء منها قد نُقِل عن منسوبٍ إلى العلم ما يخالفه، وإن كان الجمهور على وَفْق ذلك الدليل. كأنَّ عنده أن العالم إن خالف الدليل فهو معصوم من أن يغلط أو يغفل أو يزلّ أو يضلّ، وإن وافق الدليل فليس بمعصوم. هذا حكمهم غير متفقين، فأما إذا اتفقوا فهم معصومون إلا في مخالفتهم لنظريته(1) هذه.
قال: (ولو كانوا فهموا من النبي صلى الله عليه وسلم ذلك لكتبوا أو لأمروا بالكتابة، ولجمع الراشدون ما كتب وضبطوا ما وَثِقُوا به، ولم يكتفوا بالقرآن والسنة المتَّبَعَة المعروفة للجمهور بجريان العلم بها).
أقول: قد بيَّنّا أن النبيّ صلى الله عليه وسلم لم يكتب مصحفًا، وأن أبا بكر وعمر وعثمان ــ مدة من ولايته ــ لم يكتبوا إلا مصحفًا واحدًا بقي عندهم لا يكاد يصل إليه أحد، فما بالك بالإرسال إلى العمّال، وإن عثمان إنما كتب وبعث بضعة مصاحف إلى بعض الأقطار لمنع الناس من القراءة بخلاف ما فيها، وقد علمنا أنه لم يحفظ القرآنَ كلَّه في عهد النبي صلى الله عليه وسلم إلا نفر يسير، أربعة أو نحوهم، وذكر ابنُ سعد(2) وغيره أن أبا بكر وعمر ماتا قبل أن يحفظا القرآن كله. وقد بعث النبيّ صلى الله عليه وسلم ثم أبو بكر ثم عمر جماعةً من العمال لم يحفظ كلّ--------------------------------------------
(1) (ط): «لنظرية».
(2) «الطبقات»: (3/ 193، 275) عن محمد بن سيرين. وفيه نظر. راجع «فتح الباري»: (9/ 51 ــ 52).
(খণ্ড: 12) (পৃষ্ঠা: 63)
منهم القرآن كلَّه ولا كان عنده مصحف، فهل يقال لهذا: إن القرآن لم يكن حينئذ مِن الدِّين العام؟
نعم كان العامل يحفظ طائفةً من القرآن ويعلم جملةً من السُّنة، فكان يبلِّغ هذا وهذا. ومن عرف وضع الشريعة عرف الحقيقة: إن وضع الشريعة عدم الإعنات، وتوجيه معظم العناية إلى التقوى. كان كثير من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم هاجروا من مكة إلى الحبشة، ونزل بعدهم قرآن وأحكام، وجُعِلت كلّ من الظهر والعصر والعشاء أربعًا بعد أن كانت ركعتين، وحُوِّلت القبلة وغير ذلك، فلم يُنْقَل أن النبي صلى الله عليه وسلم كان عَقِب تجدُّد حكمٍ من هذه وغيرها يبعث رسلًا إلى مَنْ بالحبشة أو إلى غيرهم ممن بَعُدَ عنه يبلِّغهم ذلك، بل كان يَدَعهم على ما عرفوا حتى يبلغهم ما تجدّد اتفاقًا. وجاء أنه صلى الظهر إلى الكعبة أول ما صلى إليها، فخرج ممن كان معه لحاجته فمرَّ وقتَ العصر ببني حارثة ــ وهم في بعض أطراف المدينة ــ وهم يصلون العصر إلى بيت المقدس، فأخبرهم فاستداروا إلى الكعبة فأتموا صلاتهم. وهكذا تحريم الكلام في الصلاة وتحريم الخمر.
ومن المتفق عليه ــ فيما أعلم ــ أنه ليس واجبًا على الأعيان [ص 33] حفظ القرآن سوى الفاتحة، ولا تعلُّمُ القراءة والكتابة واتِّخاذ مصحف، ولايجب على الرجل أن يتعلَّم الفريضة إلا قُرْب العمل بها. وإنما الواجب أن يكون في الأمة علماء، ثم على العامي أن يسأل عالمًا ويعمل بفتواه، وكان في عهد النبيّ صلى الله عليه وسلم وخلفائه يُكْتَفَى في العامل أن يكون ــ مع حفظه لما شاء الله من القرآن ــ عارفًا بطائفة حَسَنة من السُّنة، ثم يقال له: إذا لم تجد الحكم في الكتاب والسنة فاسأل مَنْ ترجو أن يكون عنده علم، فإن لم تجد فاجتهد
(খণ্ড: 12) (পৃষ্ঠা: 64)
رأيك.
وقد كان أبو بكر وعمر إذا لم يجدا الحكم في الكتاب ولا فيما يعلمانه من السنة سألا الصحابة، فإذا أُخْبِرا بحديث أخذا به، وربما أخبرهما مَنْ هو دونهما في العلم والفضل بكثير. وترى في «رسالة الشافعي»(1) عدة قضايا لعمر من هذا القبيل.
وإذ كان الواجب على الأمة أن يكون فيها علماء كلّ منهم عارفٌ بالقرآن، عارفٌ بجملة حسنة من السُّنة، ليعمل ويُفْتي ويَقْضي بما علم، ويسأل من تيسَّر له من العلماء عما لم يعلم فإن لم يجد اجتهد، فقد كان الصحابة يعلمون أن منهم عددًا كثيرًا هكذا، وأن من تابعيهم عددًا كثيرًا كذلك لا يزالون في ازدياد، وأن حال مَنْ بعدهم سيكون كذلك، وأن القرآن والسنة موجودان بتمامهما عند أولئك العلماء، ما فات أحدهم منهما فموجود عند غيره= رأوا أن هذا كافٍ في أداء الواجب عليهم، مع الإيمان التام بأن الله تعالى حافظ لشريعته، نَعَمْ فكَّروا في الاحتياط لجمع السُّنة فعَرَض لهم خشيةُ أن يؤدي ذلك إلى محذور كما مرَّ فكفُّوا عنه، مكتفين بما ظهر لهم من حرص المسلمين، وما آمنوا به من حفظ رب العالمين. وغاية ما يُخْشى بعد هذا أن يجهلَ العالمُ شيئًا من السُّنة ولا يتيسر له مَنْ يُخْبِره بها فيجتهد فيخطئ.
وهذا في نظر الشرع ليس بمحذور كما عُلِم مما مرَّ في حال مَن كان مِن المسلمين بعيدًا عن المدينة، إذ بقوا مدّة يصلُّون الرباعية ركعتين، ويتكلمون في الصلاة، ويصلون إلى بيت المقدس، ويستحلُّون الخمر بعد نزول الأحكام المخالفة لذلك حتى بَلَغَتْهُمْ. وكما أذن الله تعالى أن يبني المسلم--------------------------------------------
(1) (ص 425 ــ 431).
(খণ্ড: 12) (পৃষ্ঠা: 65)
على ظنه، وإن اتفق له أن ينكح أخته وهو لا يدري، وأن يقتل مسلمًا يحسبه كافرًا، وأن يأكل لحمًا يظنه حلالًا فبان لحم خنزير ميت وغير ذلك.
إنما المحذور أن تدع الدليلَ الشرعيَّ عمدًا اتباعًا منك لقول عالم قد يجهل ويذهل ويغفل ويغلط ويزل. وأشدُّ من ذلك وأضرّ وأدهى وأمرّ ما يقول صاحب تلك النظرية: إن الدليل الشرعي إذا وُجِد قولٌ لعالم يخالفه ينزل بذلك عن الدين العام اللازم إلى الدين الخاص الاختياري، من شاء أخذ ومن شاء ترك. [ص 34] ومن خالف كلَّ دليلٍ من هذا القبيل مع علمه بها وعَقْله لها، واقتصر على ما لم يخالفه أحد «كان مسلمًا ناجيًا في الآخرة مقرّبًا عند الله تعالى» كما تقدم عنه (ص 16)(1)، فهذا هو المحذور عند من يعقل.
قال: (وبهذا يسقط قول من قال: إن الصحابة كانوا يكتفون في نشر الحديث بالرواية).
أقول: قد عرفت الحقيقة ولله الحمد، وعرفت ما هو الساقط.
قال: (وإذا أضفتَ إلى ذلك حكم عمر بن الخطاب على أعيان(2) الصحابة بما يخالف بعض تلك الأحاديث).
أقول: كان عليه أن يبينها، فإن كان يريد مطاعن الرافضة في أمير المؤمنين عمر فجوابها في «منهاج السُنَّة» وغيره، ويكفينا هنا أن نسأله: هل عَلِمْتَ عُمَرَ ثبت عنده حديث فتركه لغير حُجَّة قائلًا: لا يلزمنا الأخذ بالأحاديث؟--------------------------------------------
(1) (ص 33 ــ 34).
(2) (ط) وكتاب أبي ريَّة: «أعين» والصواب ما أثبت.
(খণ্ড: 12) (পৃষ্ঠা: 66)
قال: (ثم ما جرى عليه علماء الأمصار في القرن الأول والثاني من اكتفاء الواحد منهم كأبي حنيفة بما بلغه ووثق به من الحديث وإن قلَّ، وعدم تعنِّيه في جمع غيره إليه ليفهم دينه ويبين أحكامه).
أقول: لزم أبو حنيفة حمّادَ بن أبي سليمان يأخذ عنه مدة، وكان حماد كثير الحديث، ثم أخذ عن عدد كثير غيره كما تراه في مناقبه، وقِلَّة الأحاديث المروية عنه لا تدلُّ على قلَّة ما عنده، ذلك أنه لم يتصدَّ للرواية. وقد قَدَّمْنا أن العالم لا يُكَلَّفُ جمع السُّنَّة كلها، بل إذا كان عارفًا بالقرآن وعنده طائفة صالحة من السنة بحيث يغلب على اجتهاده الصواب= كان له أن يُفْتِي، وإذا عَرَضَت قضية لم يجدها في الكتاب والسُّنَّة سأل مَنْ عنده علم بالسنة، فإن لم يجد اجتهد رأيه. وكذلك كان أبو حنيفة يفعل، وكان عنده في حَلْقته جماعة من المكثرين في الحديث، كمِسْعَر وحبّان ومِنْدَل، والأحاديث التي ذكروا أنه خالفها قليلة بالنسبة إلى ما وافقه، وما من حديث خالفه إلا وله عذر لا يخرج إن شاء الله عن أعذار العلماء، ولم يدَّع هو العصمةَ لنفسِه ولا ادَّعاها له أحد، وقد خالفه كبارُ أصحابه في كثير من أقواله، وكان جماعة من علماء عصره ومَنْ قَرُب منه يُنفِّرون عنه وعن بعض أقواله.
فإنْ فُرِضَ أنه خالف أحاديث صحيحة بغير حجَّة بيِّنة فليس معنى ذلك أنه زَعَم أن العمل بالأحاديث الصحيحة غير لازم، بل المتواتر عنه ما عليه غيره من أهل العلم أنها حجة، بل ذهب إلى أنَّ القهقهة في الصلاة تنقض الوضوء اتباعًا لحديث ضعيف(1)، ومن ثَمَّ ذَكَر أصحابه أنّ مِن أصله تقديم الحديث الضعيف ــ بَلْهَ الصحيح ــ على القياس.--------------------------------------------
(1) وذكر ابن القيم في «إعلام الموقعين» [2: 55 ــ 58] مسائل أخرى لأبي حنيفة من هذا القبيل وكذلك لغيره. [المؤلف].
(খণ্ড: 12) (পৃষ্ঠা: 67)
قال: (قوي عندك ذلك الترجيح).
أقول: أما عند مَنْ يعرف دينه فهيهات.
[ص 35] قال: (بل تجد الفقهاء بعد اتفاقهم على جَعْل الأحاديث أصلًا من أصول الأحكام الشرعية، وبعد تدوين الحُفَّاظ لها في الدواوين وبيان ما يُحْتَجُّ به وما لا يحتجّ به لم يتفقوا على تحرير الصحيح والاتفاق على العمل به. فهذه كتب الفقه في المذاهب المتبعة ــ ولا سيما كتب الحنفية فالمالكية فالشافعية ــ فيها مئات من المسائل المخالفة للأحاديث المتفق على صحتها، ولا يُعَدُّ أحد منهم مخالفًا لأصول الدين).
أقول: أما ما اعترفت به من اتفاقهم على أن الأحاديث الصحيحة أصل من أصول الأحكام الشرعية، فحُجَّة عليك وعليهم مضافةً إلى سائر الحجج. وأما عدم اتفاقهم على تحرير الصحيح، وعدم اتفاقهم على العمل به، فإنما حاصله أنهم يختلفون في صحة بعض الأحاديث، وذلك قليل بالنسبة إلى ما اتفقوا عليه. ويتوقف بعضهم عن الأخذ ببعضها بدعوى أنه منسوخ أو مؤوَّل أو مرجوح. وليس في ذلك مخالفة للأصل الذي اتفقوا عليه.
فإن قيل: منهم من يتعمَّد ردَّ الصحيح بدعوى ضعفه أو نسخه أو تأويله أو رُجحان غيره عليه، وهو يعلم أنه لا شيء من ذلك.
قلنا: لنا الظاهر والله يتولى السرائر، على أنهم قد ترامَوا بهذا زمنًا طويلًا، وجَرَت فتنٌ وحروب، ثم ملُّوا فمالوا إلى التجامل وحسن الظن غالبًا. وعلى كل حال فلا متشَبَّث لك فيما ذكر، والفرق واضح بين من يستحلّ معلنًا قتل المؤمنين بغير حق، ومن يقول: قتل المؤمن حرام، ثم يتفق له أن يقتل مؤمنًا قائلًا: حَسِبْتُه كافرًا حربيًّا، وإن فرض دلالة القرائن على كذبه.
(খণ্ড: 12) (পৃষ্ঠা: 68)
قال: (وقد أورد ابن القيم في «إعلام الموقعين» شواهد كثيرة جدًّا مِن ردّ الفقهاء للأحاديث الصحيحة عملًا بالقياس ولغير ذلك).
أقول: القياس في الجملة دليل شرعيّ. وعلى كلِّ حال فلا متنفَّس لك في ذلك كما مرَّ.
قال: (ومن أغربها أخذهم ببعض الحديث الواحد دون باقيه، وقد أورد لهذا أكثر من ستين شاهدًا).
أقول: نصفٌ عليك، ونصف ليس لك.
ثم ذكر أبو ريَّة ص 27 ــ 28 كلامًا قد تقدّم جوابه مستوفى ولله الحمد.
* * * *
(খণ্ড: 12) (পৃষ্ঠা: 69)
الصحابة ورواية الحديث
[ص 36] ذكر أبو ريَّة ص 29 تحت هذا العنوان أن الصحابة (كانوا يرغبون عن رواية الحديث، وينهون عنها، وأنهم كان يتشدَّدون في قبول الأخبار تشديدًا قويًّا).
أقول: دعوى عريضة، فما دليلها؟
قال: (روى الحافظ الذهبي في «تذكرة الحفاظ» قال: ومِن مراسيل ابن أبي مُليكة: أن أبا بكر جمع الناس بعد وفاة نبيهم فقال: إنكم تُحدِّثون عن رسول الله أحاديث تختلفون فيها والناس بعدكم أشدّ اختلافًا، فلا تُحدِّثوا عن رسول الله شيئًا، فمن سألكم فقولوا: بيننا وبينكم كتاب الله فاستحلّوا حلاله وحرّموا حرامه).
أقول: قدَّم الذهبي في «التذكرة»(1) قول أبي بكر للجدَّة: «ما أجِدُ لكِ في كتاب الله شيئًا، وما علمتُ أن رسو ل الله صلى الله عليه وسلم ذكر لك شيئًا، ثم سأل الناس … الخ». فقضى بما أخبره المغيرة ومحمد بن مَسْلمة عن النبي صلى الله عليه وسلم. ثم ذكر الذهبي هذا الخبر، ولا ندري ما سنده إلى ابن أبي مُليكة، وبيَّنَ الذهبي أنه مرسل، أي منقطع؛ لأن ابن أبي مليكة لم يدرك أبا بكر ولا كاد، ومثل ذلك ليس بحجة؛ إذ لا يُدْرَى ممن سمعه. ومع ذلك قال الذهبي: «مراد الصِّدِّيق التثبُّت في الأخبار والتحرِّي، لا سدُّ بابِ الرواية … ولم يقل: «حسبنا كتاب الله» كما تقوله الخوارج».
أقول: المتواتر عن أبي بكر رضي الله عنه: أنه كان يدين بكتاب الله تعالى وسنة رسوله، وأَخَذَ بحديث: «لا نورث» مع ما يتراءى من مخالفته لظاهر القرآن، وأحاديثه عن النبي صلى الله عليه وسلم موجودة في دواوين الإسلام، وقد استدل--------------------------------------------
(1) (1/ 2 ــ 3).
(খণ্ড: 12) (পৃষ্ঠা: 70)
أبو ريَّة (كما مرَّ ص 24)(1) بما رُوي أن أبا بكر كتب خمسمائة حديث، ثم أَتْلَفَ الصحيفة، وذكر مِمَّا يخشاه إن بقيت قوله: «أو يكون قد بقي حديث لم أجده فيقال: لو كان قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم ما خفي على أبي بكر». وقد ذكر أهل العلم أن أصول أحاديث الأحكام نحو خمسمائة حديث. انظر «إعلام الموقعين» (2: 342)(2).
وفيه (1: 61)(3) «عن ابن سيرين قال … وإن أبا بكر نزلت به قضية فلم يجد في كتاب الله منها أصلًا ولا في السنة أثرًا، فاجتهدَ رأيه ثم قال: هذا رأيي فإن كان صوابًا فمن الله … ».
وفيه (1: 70)(4) «عن(5) ميمون بن مهران قال: كان أبو بكر الصديق إذا ورد عليه حكم نظر في كتاب الله تعالى … وإن لم يجد في كتاب الله نظر في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن وجد فيها ما يقضي به قضى به، فإن أعياه ذلك سأل الناس: هل علمتم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى فيه … ».
[ص 37] وفيه (3: 379)(6) «لا يُحْفَظ للصديق خلاف نصّ واحدٍ أبدًا». وفي «تاريخ الإسلام» للذهبي (1: 381)(7) في قصة طويلة عن أبي بكر: «وددت أني سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم … وأني سألته عن العَمَّة--------------------------------------------
(1) (ص 49).
(2) (3/ 571).
(3) (2/ 101).
(4) (1/ 115).
(5) (ط): «عين» خطأ.
(6) (5/ 547).
(7) (3/ 118 ــ ط تدمري).
(খণ্ড: 12) (পৃষ্ঠা: 71)
وبنت الأخ فإن في نفسي منها حاجة».
فإن كان لمرسل ابن أبي مليكة أصل فكونه عقب الوفاة النبوية يُشْعِر بأنه يتعلّق بأمر الخلافة، كأن الناس عقب البيعة بَقُوا يختلفون يقول أحدهم: أبو بكر أهلها؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: كَيت وكَيت. فيقول آخر: وفلان قد قال له النبي صلى الله عليه وسلم كيت وكيت، فأحبَّ أبو بكر صَرْفهم عن الخوض في ذلك وتوجيهم إلى القرآن وفيه: {وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ} [الشورى: 38].
قال أبو ريَّة: (وروى ابن عساكر عن [إبراهيم بن] عبد الرحمن بن عوف قال: والله ما مات عمر بن الخطاب حتى بعث إلى أصحاب رسول الله فجمعهم من الآفاق: عبد الله بن حذيفة وأبا الدرداء وأبا ذر وعقبة بن عامر قال: ما هذه الأحاديث التي أفشيتم عن رسول الله في الآفاق؟ قالوا: تنهانا؟ قال: [لا]، أقيموا عندي، لا والله لا تفارقوني ما عشت، فنحن أعلم، نأخذ منكم ونرد عليكم، فما فارقوه حتى مات).
أقول: أخذ أبو ريَّة هذا من «كنز العمال» (1: 239)(1) وأسقط منه ما أضفته بين حاجزين. وفي خطبة «كنز العمال» (1: 3)(2): إن كل ما عُزي فيه إلى «تاريخ ابن عساكر» فهو ضعيف. وعبد الله بن حذيفة غير معروف، إنما في الصحابة عبد الله بن حُذافة، وهو مُقِلٌّ جدًّا لا يثبت عنه حديث واحد، فلا يصلح لهذه القصة. وفي سماع إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف من عمر خلاف، والظاهر أنه لا يثبت(3). ثم إن هؤلاء النَّفَر لم يكونوا جميع--------------------------------------------
(1) (10/ 292 ــ 293 ــ ط الرسالة).
(2) (1/ 10).
(3) انظر الخلاف فيه في كتاب: «التابعون الثقات المتكلّم في سماعهم من الصحابة»: (1/ 69 ــ 75) للهاجري.
(খণ্ড: 12) (পৃষ্ঠা: 72)
الصحابة، بل كان كثير جدًّا من الصحابة في الأمصار والأقطار يُحدِّثون.
قال أبو ريَّة: (وفي رواية ابن حزم في «الأحكام» أنه حبس ابن مسعود وأبا موسى وأبا الدرداء في المدينة على الإكثار من الحديث).
أقول: هذا في «أحكام ابن حزم» (2: 39)، وتعقّبه بقوله: «مرسل ومشكوك فيه … ثم هو في نفسه ظاهر الكذب والتوليد .. » وسيأتي الكلام في الإكثار.
قال ص 30: (وروى ابن عساكر عن السائب بن يزيد قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول لأبي هريرة: لتتركنَّ الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أو لألحقنَّك بأرض دوس. وقال لكعب الأحبار: لتتركن الحديث [عن الأُوَل] أو لألحقنَّك بأرض القردة).
[ص 38] أقول: قد علمت حال «تاريخ ابن عساكر»، وقد أعاد أبو ريَّة هذا الخبر ص 163 ويأتي الكلام عليه هناك وبيان سقوطه. وأسقط أبو ريَّة هنا كلمة «عن الأُوَل»(1) لغرضٍ خبيث، وصنع مثل ذلك ص 115 وص 126، وفعل ص 163 فعلة أخرى، ويأتي شرح ذلك في الكلام عليها إن شاء الله.
قال: (وكذلك فعل معهما عثمان بن عفان).
أقول: لم يعزه، ولم أجده.
قال: (وروى ابن سعد وابن عساكر عن محمود بن لبيد(2) قال: سمعت عثمان بن عفان على المنبر يقول: لا يحلّ لأحد يروي حديثًا لم يسمع به في عهد أبي بكر ولا عهد عمر، فإنه لم يمنعني أن أُحدِّث عن رسول الله أن لا أكون أوعى أصحابه، إلا أني سمعته يقول: من قال عليَّ مالم أقل فقد تبوأ مقعده من النار).--------------------------------------------
(1) أضافها أبو ريَّة في الطبعات اللاحقة.
(2) تحرف على أبي ريَّة بلفظ «محمود بن عبيد» ولم ينبه على تصحيحه. [المؤلف]. أقول: وقد صححه أبو ريَّة في الطبعات اللاحقة.
(খণ্ড: 12) (পৃষ্ঠা: 73)
أقول: هو عند ابن سعد(1) عقب السيرة النبوية في باب «ذِكْر من كان يُفْتي بالمدينة» رواه ابن سعد عن محمد بن عمر الأسلمي وهو الواقدي أحد المشهورين بالكذب، وكأَنَّ ابن عساكر رواه من طريقه(2)، وحال «تاريخ ابن عساكر» قد مرَّ، وأحاديث عثمان ثابتة في أمهات الحديث كلها، ولم يزل يُحدِّث حتى قُتِل.
قال: (وفي «جامع بيان العلم» … عن الشعبي عن قُرظة بن كعب قال: خرجنا نريد العراق، فمشى معنا عمر إلى صرار ثم قال لنا: أتدرون لم مشيت معكم؟ قلنا: أردت أن تشيّعنا وتكرمنا، قال: إن مع ذلك لحاجة خرجتُ لها، إنكم لتأتون بلدة لأهلها دويّ كدويّ النحل، فلا تصدُّوهم بالأحاديث عن رسول الله وأنا شريككم.
قال قرظة: فما حدثت بعده حديثًا عن رسول الله … وفي رواية أخرى: إنكم تأتون أهل قرية لها دويّ بالقرآن كدويّ النحل، فلا تصدّوهم بالأحاديث لتشغلوهم، جرّدوا القرآن، وأقلّوا الرواية عن رسول الله.
وفي «الأم» للشافعي … فلما قدم قرظة قالوا: حدِّثنا. قال: نهانا عمر).
أقول: اخْتُلِف في وفاة قرظة والأكثرون أنها كانت في خلافة عليّ، ووقع في «صحيح مسلم»(3) في رواية ما يدلّ أنه تأخر بعد ذلك ولعلها خطأ. وسماع الشعبي منه غير متحقق، وقد جزم ابن حزم في «الأحكام» (2: 138) بأنه لم يلقه، وردَّ هذا الخبر وبالغ كعادته، ومما قاله: إن عمر نفسه رويت عنه خمسمائة حديث ونيِّف، فهو مكثر بالقياس إلى المُتَوَفَّيْنَ قريبًا من--------------------------------------------
(1) «الطبقات»: (2/ 291).
(2) وهو كذلك. «تاريخ ابن عساكر»: (39/ 180).
(3) لعله قصد ما في مسلم (933) عن علي بن ربيعة: «أول من نيح عليه بالكوفة قرظة بن كعب … ».
(খণ্ড: 12) (পৃষ্ঠা: 74)
وفاته. أقول: مع اشتغاله بالوزارة لأبي بكر ثم بالخلافة.
وكذلك رده ابن عبد البر في كتاب «العلم» (2: 121 ــ 123)(1) وأطال، قال: «والآثار الصحاح عنه (أي عمر) من رواية أهل المدينة بخلاف حديث قرظة هذا، وإنما يدور على بَيان عن الشعبي، وليس مثله حجة في هذا الباب؛ لأنه يعارض السنة والكتاب». وذَكَر آيات وأحاديث وآثارًا عن عمر في الحضِّ على تعلُّم السنن.
والشعبي لم يُذْكَرْ في طبقات المدلسين، لكن ذكر أبو حاتم(2) في ترجمة سليمان بن قيس اليشكري أن أكثر ما يرويه الشعبي عن جابر إنما أخذه الشعبي من صحيفة سليمان بن قيس اليشكري عن جابر، وهذا تدليس.
ثم أقول: كان قد تجمَّع في العراق كثير من العرب من أهل اليمن وغيرهم، وشرعوا في تعلّم القرآن، فكره عمر أن يُشْغَلوا عنه بذكر مغازي النبي صلى الله عليه وسلم ونحوها من أخباره التي لا حكم فيها. ولا مانع أن يجب [ص 39] فيما فيه حكم أن تُتَوخّى به الحاجة، وإن كان الخبر الآتي يخالف هذا.
قال: (وكان عمر يقول: أقلُّوا الرواية عن رسول الله إلا فيما يعمل به).
أقول: عزاه إلى «البداية والنهاية»(3)، وهو فيها عن الزهري، ولم يدرك--------------------------------------------
(1) (2/ 998 ــ 1000).
(2) في «الجرح والتعديل»: (4/ 136).
(3) (11/ 372). وهو في «تاريخ ابن عساكر»: (67/ 344) مسندًا، وهو مصدر ابن كثير في النقل.
(খণ্ড: 12) (পৃষ্ঠা: 75)
عمر. وعلق عليه أبو ريَّة قوله: (أي السنة العملية) فإن أراد اصطلاح شيخه(1) «السنة العملية المتواترة» فلا يخفى بطلانه؛ لأن هذا اصطلاح مُحْدَث، وإنما المراد ما يترتَّب عليه عمل شرعي، فيدخل في ذلك جميع الأحكام والآداب وغيرها، ولا يخرج إلا القصص ونحوها، استحبّ الإقلال من القصص ونحوها، ولم يمنع من الإكثار فيما فيه عمل.
ثم قال: (ولا غرابة في أن يفعل عمر ذلك لأنه كان لا يعتمد إلّا على القرآن والسنة العملية، فقد روى البخاري عن ابن عباس أنه لما حُضِر النبي وفي البيت رجال فيهم عمر بن الخطاب قال النبي: هَلُمَّ أكتبْ لكم كتابًا لن تضلوا بعده. فقال عمر: إن النبي غلبه الوجع، وعندكم القرآن فحسبنا كتاب الله).
أقول: تكلَّم بعضُ المتأخرين(2) في هذا الحديث، وذكر أنه لوكانت الواقعة بنحو هذه الصورة لما أغفلَ الصحابةُ ذكرَها والتنويه بشأنها، فما باله لم يذكرها إلا ابن عباس مع أنه كان صغيرًا يومئذ. ويميل هذا المتأخر إلى أنها كانت واقعة لا تستحق الذكر تجسَّمت في ذهن ابن عباس واتخذت ذاك الشكل. والذي يهمنا هنا أن نتبيَّن أنه من المعلوم يقينًا أن عمر لا يدَّعي كفاية كتاب الله عن كلِّ ما سواه بما فيه بيان الصلاة والزكاة والحج وغير ذلك، إذن فإنما ادَّعى كفاية القرآن عن أمر خاص، ودلالة الحال تبين أنه ذاك الكتاب الذي عَرَض عليهم النبيُّ صلى الله عليه وسلم أن يكتبه لهم. والظاهر أنه قد كان جرى ذكر قضية خاصة بَدَا للنبي صلى الله عليه وسلم أن يكتب لهم في شأنها، فرأى عمر أن حكمها في القرآن، وأن غاية ما سيكون في ذاك الكتاب تأكيد أو زيادة--------------------------------------------
(1) يعني رشيد رضا صاحب «المنار» وقد سبق كلامه.
(2) لم أتبين مَن هو.
(খণ্ড: 12) (পৃষ্ঠা: 76)
توضيح أو نحو ذلك، فرأى أنه لا ضرورة إلى ذلك مع ما فيه من المشقة على النبي صلى الله عليه وسلم في شدة وجعه.
هذا وفي «رسالة الشافعي» (ص 422 ــ 445)، و «إعلام الموقعين» (1: 61 ــ 74، 98)(1)، و «أحكام ابن حزم» (2: 137 ــ 141)، وكتاب «العلم» لابن عبد البر (2: 121 ــ 124)(2) وغيرها آثار كثيرة تبين تمسّك عمر بالأحاديث والسنن، ورجوعه إليها، وعنايته بها، وحضّه على تعلّمها وتعليمها، وأمره باتباعها، فمن أحبَّ فليراجعها. ومعنى ذلك في الجملة متواتر.
[ص 40] قال أبو ريَّة ص 31: (وروى ابن سعد في «الطبقات» عن السائب بن يزيد أنه صحب سعد بن أبي وقاص من المدينة إلى مكة، قال: فما سمعته يحدثنا حديثًا عن النبي صلى الله عليه وسلم حتى رجع).
أقول: أحاديث سعد موجودة في كتب الإسلام، وقد قدَّمنا أن جماعة من الصحابة كانوا لا يحبُّون أن يحدِّثوا في غير وقت الحاجة.
قال: (وسئل عن شيء فاستعجم وقال: إني أخاف أن أُحدِّثكم واحدًا فتزيدوا عليه المائة).
أقول: هذا في «الطبقات»(3) من طريق سعد، وهو ابن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف عن خالته (كذا، ولعل الصواب: عن خاليه)(4) أنهم--------------------------------------------
(1) (2/ 101 ــ 105، 158).
(2) (2/ 998 ــ 1000).
(3) (3/ 134).
(4) في «نسخة إبراهيم بن سعد بن إبراهيم … » (9 ــ ت جرار): «عن خالته ابنة سعد بن مالك أنها قالت … » وكذلك جاء في رواية أخرى عن ابن أبي خثيمة في «تاريخه» (3591).
(খণ্ড: 12) (পৃষ্ঠা: 77)